الخميس 17 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > مقالات > أزمة أسس الديمقراطية

أزمة أسس الديمقراطية

لا وجود لديمقراطية "لاديكارتية"

الاحد 6 كانون الأول (ديسمبر) 2009
بقلم: سعيد ناشيد  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

فلسفات اللاّوعي، من بينها فلسفة موت الواقع، والتي يُعتبر جان بودريار ممثلها الأبرز، تبنّت تأويلاً معيناً لكل من فرويد، ماركس ونيتشه، ابتغت من ورائه تقويض سلطة الوعي ومرجعيته، لكنها وفي المقابل، تناست بأنّ وظيفة التحليل النفسي كانت هي تحرير الوعي من تسلط اللاّوعي؛ إذ لم يكن هدف فرويد من اكتشاف اللاّشعور وآليات تأويل الأحلام، أن يمجد اللاّوعي ويمنحه السيادة على حرية الإنسان وإرادته، وإنما كان مبتغاه أن يجعل الوعي سيد نفسه ويحرره قدر الإمكان، من نوازع ودوافع اللاّشعور، كان يروم بالذات، إلى حماية مبدإ الواقع من الأوهام، بيد أنّ فلسفات اللاّوعي وموت الواقع، كما جسدها كل من باطاي، وفوكو، وديريدا وبودريار، وآخرون، أهملت كافة الوظائف العلاجية للتحليل النفسي، وجعلتها تندرج ضمن الوظائف القمعية للحداثة وللمؤسّسات الحديثة.

أغفلت فلسفات اللاّوعي أيضاً، الوظيفة التحريرية للماركسية، والتي كان هدفها تحرير وعي الناس من الاستلاب والاغتراب، ومن كافة أشكال الوعي الزائف، وعوض ذلك، فإنها جعلت الوعي الإنساني وعياً بئيساً، يائساً ومستسلماً لقدر صيرورة زاحفة وعمياء؛ هي في الأخير، صيرورة بلا عقل ولا ذات ولا إرادة. وهنا بالذات تكمن أزمة اليسار العالمي، حين استند كثيراً على الكثير من مفاهيم فلسفات اللاّوعي، علماً بأن معظم فلاسفة اللاّوعي الفرنسيين انخرطوا في صفوف اليسار العالمي واليسار الجذري في فرنسا.

وإذا كانت الغاية المنسية لفلسفة نيتشه هي تحرير إرادة الإنسان واندفاعاته الحيوية، من كافة الوصايا والألواح والأوثان، ومن أجل ذلك نراه لم يدّخر جهداً في نقد وتقويض أخلاق المسيحية ومبادئ الثورة الفرنسية على حد سواء، فإنّ الهدف الأسمى والغاية القصوى لفلسفات اللاّوعي، كانت هي اغتيال الإرادة، قبل الزّعم بأنها وُلدت ميتة منذ البداية.

لقد قرأ بودريار اعتداءات الحادي عشر من شتنبر قراءة نيتشوية، داعياً إلى النظر إليها بمعزل عن الخير والشر(1)، لكنّه في المقابل، وانسجاماً مع منظوره، قام بتقويض مبدأ الإرادة حتى لدى الإرهابيين أنفسهم، والذين كانت إرادتهم، وفق قراءته، إرادة بلا قصد، وكان وعيهم، كما رآه، وعياً بلا موضوع؛ الإرهابيون لم يكونوا فاعلين في الجريمة، طالما أن جريمتهم، لم تكن سوى إفراز، لا حول لهم فيه ولا قوّة، لجريمة أصلية، جريمة هي الأخرى بلا فاعل رئيسي، أو لنقل أن فاعلها مبني للمجهول، حتى ولو اصطلحنا على هذا الفاعل اسم "السستام"، ذلك المصطلح الذي استخدمه بودريار للدّلالة على العولمة الرّأسمالية، والتي هي في الأخير، مفعول بلا فاعل، حركة بلا محرك، وأثر بلا إرادة.

إن كانت فلسفات اللاّوعي، والتي من ضمنها فلسفة موت الواقع البودريارية، قد حاولت أن تستمدّ مشروعيتها الفلسفية، ضمن رؤية ما بعد حداثية، انطلاقاً من تأكيد فرضية أن القوى الأساسية المتحكمة في الإنسان، تظلّ منفلتة من قبضة الوعي، إلاّ أنها استمدت مشروعيتها السياسية، ضمن رؤية يسار عالمي جديد، يصطلح عليه بيسار ما بعد الحداثة، أو اليسار النتشوي، أو يسار الأقليات، انطلاقاً من ادعاء أنّ فلسفات الوعي (العقلانية والتنوير)، قد أخفقت في حماية الديمقراطية وحرية الإنسان، بل إنّ مفاهيم فلسفات الوعي، من قبيل الحقيقة، المعنى، الذات، الهوية، العقل، التاريخ، الإنسان، إلخ…هي التي قادت إلى ظهور قادة مستبدين، مثل روبسبيير، بسمارك، هتلر، ستالين، وغيرهم ممن انتزعوا مشروعية عنفهم وتسلطهم من ادعائهم حماية الحقيقة والهوية والوعي والذات. من هنا كان اعتقاد فلسفات اللاّوعي أن الديمقراطية ستغدو "لاديكارتية" هذه المرّة؛ بمعنى أنها ستكون ديمقراطية من دون ذات فاعلة، تماماً كما سبق لليو شتراوس أن اعتبر بأنّ مستقبل الديمقراطية سيكون هذه المرّة خارج الحداثة السياسية.

لكن السؤال الذي يواجهنا الآن:

هل يمكننا أن نتحدّث بالفعل، عن نظام ديمقراطي، وتبعاً لذلك عن وجود مواطن يتفاعل ويشارك ويقرر ويحتج، خارج الأفق الميتافزيقي للذات الديكارتية وللأنا الواعية والمفكرة؟

إذا استحال وجود نظام ديمقراطي لا يكون فيه المواطنون ذواتاً فاعلة، ذواتاً تدرك بأنها، تفكر، تريد، تقرر، وتشارك في القرار، فسيغدو وقتها، دفاع فلسفات اللاّوعي عن الديمقراطية، مجرّد ادعاء غير مسنود بأي أساس أنطولوجي.

عدا إذا جرى الاتفاق على تعريف جديد للديمقراطية، يختزلها في مجرّد صناديق اقتراع يقوم فيها ناخبون غير فاعلين بانتخاب حكام غير فاعلين بدورهم، لغاية تطبيق نفس البرامج الاقتصادية والمشاريع التنموية والمناهج التربوية، المقرّرة والمملاة سلفاً من قِبل أسواق المال العالمية.

هذا الاتجاه الذي يبتغيه الكثيرون، ينسى شيئاً مؤكداً؛ لا وجود لديمقراطية "لاديكارتية".

هامش:

1 – Le monde 3 novembre 2001.

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

بنغازي - محمد علي المقاري
6 كانون الأول (ديسمبر) 2009 02:35

لم يمض عن انطلاق موقع الأوان إلا أقل من أربع سنوات، لكنه ترك أثرا كبيرا على الوعي العربي للجيل الحالي، ولا أشك في أنه بعد عشرين أو ثلاثين عاما، سنؤرخ لهذه المرحلة ب"الأوان"، تماما كما نؤرخ لمراحل سابقة ب"العروة الوثقى" وغيرها، والكثير من أصدقائي في مختلف الأقطار العربية تتلمذوا عن الأوان، وعن كتاب الأوان، وجميعهم محترمون وأكفاء، وفي اعتقادي أن الحسنة الكبرى للأوان أنها صنعت لنا مفكرا عربيا إسمه سعيد ناشيد، فلقد أحببت كثيرا ما يكتب والأسلوب الذي به يكتب، والفائدة فيما يكتب. وطموحي بعد إنهاء رسالة الدكتوراه، أن أنحت إسمي على صفحات الأوان.


الرد على التعليق

تونس - منجي حمودة
6 كانون الأول (ديسمبر) 2009 04:42

الحقيقة ان هذه الورقة، و ليس المقال،لأنها أصغر من ان تكون مقالا، بدت لي متسرعة و غير رصينة، أحكام مطلقة و بالجملة، من باب : "فلسفات اللاّوعي، كانت اغتيال الإرادة، قبل الزّعم بأنها وُلدت ميتة منذ البداية".كلام غير دقيق، يجمع عشرات الاسماء في خانة واحدة ، فوكو و دريدا و بودريارد و باطاي و لست ادري من آخر،أقل العارفين بالفلسفة يدرك أن بين فوكو و بودريارد سنوات ضوئية، و أن بودريارد كتب ضد فوكو "نسيان فوكو". الفكر لا يكون بأقوال مطلقة عامة و بكلام كل إحالاته جريدة يومية فرنسية.ما هكذا تكون محبة الحكمة في نظري. مع التقدير و الاحترام الواجبين للكاتب طبعا


الرد على التعليق

المغرب - عماد البشاري
6 كانون الأول (ديسمبر) 2009 16:32

لاينكر أحد أن للكاتب بعض المقالات الممتعة والمفيدة، لكن في نفس الوقت له مقالات تفتقر إلى كثير من مقومات الكتابةالجادةوالمسؤولة،بل تدفع القارئ إلى وضع أكثر من علامة استفهام حول القصد من وراء نشرها، مثل هذه المقالة المنشورة اليوم، حيث نلاجظ إرسال الكلام واطلاق الأحكام بدون تدقيق ولا إحالات، فلنتأمل القول التالي:"فلسفات اللاّوعي، من بينها فلسفة موت الواقع، والتي يُعتبر جان بودريار ممثلها الأبرز، تبنّت تأويلاً معيناً لكل من فرويد، ماركس ونيتشه، ابتغت من ورائه تقويض سلطة الوعي ومرجعيته" يتضح أن هذا قول لا معنى له وظاهر البطلان لكل من له بعض المعرفة بأواليات الفكر الفلسفي المعاصر. فإذا أردنا تصنيف بودريار مثلا، هل يصح في حقه القول إنه متزعم فلسفةموت الواقع، وبأي معنى؟ او هل فعلا كان يهدف إلى "تقويض سلطة الوعي ومرجعيته"؟ مع العلم أن بودريار نافح عن الكانطية وعمل عل نقد الرأسمالية في شكلها المعولم المسنود بالأوهام والغرائز اللاواعية،داعيا إلى التخلص من وهم الاستهلاك الذي هو روح العولمة وسلاحهاالفتاك. وهذا واضح في كتاباته ولا يحتاج إلى تأويل، يكفي فقط العودة إلى كتاباته مثل: Le Système Des Objets La Société De Consommation, Ses Mythes, Ses Structure Amerique


الرد على التعليق

المغرب - سعيد ناشيد
6 كانون الأول (ديسمبر) 2009 17:33

للأخوين منجي حمودة من تونس، وعماد البشاري من المغرب، أقول:هذا المقال تتمة وخلاصة لمقال نشرته في الأوان: ما هي العدمية؟ وإن بدا وكأني دخلت مباشرة في الموضوع منطلقا من تأويل فلسفات اللاوعي لكل من ماركس ونيتشه وفرويد، فهذا لاعتقادي بأن القارئ الذي له نصيب من التكوين الفلسفي المعاصر، يدرك هذه الأمور، بصرف النظر عن موقفه ومراجعاته. لا أدري كم عدد السنوات الضوئية التي تفصل بين فوكو وبودريار، لكني أدرك أنهما يلتقيان معاً في نوع من الفلسفة اللاديكارتية؛ بمعنى مجاوزة الذات، وفي نوع من الفلسفة اللاهيجيلية؛ بمعنى مجاوزة الأصل والهوية والتطابق. بودريار يذهب باستراتيجية التجاوز إلى حدودها القصوى؛ إلى حدود إعلان موت الواقع، وتعويضه بالرمز والعلامة والصورة والأثر، وإن كنت قد استشهدت فقط بالنص الذي قرأ فيه بودريار عملية 11 شتنبر، فذلك لأني أعتبر أن قراءة بودريار للحدث يقدم لنا كشف حساب فعلي عن أكثر من نصف قرن من محاولة مجاوزة هيجل، وثانيا؛ لأني في تناولي للموضوع، في مقال ما هي العدمية، أوضحت أهم مميزات ومفاهيم هذا الذي اتفق الآن على تسميته بفلسفات اللاوعي. وشكرا على هذا العبور القاسي.


الرد على التعليق

-
6 كانون الأول (ديسمبر) 2009 20:00

اسمح لي أيها الأخ الكريم بالقول أن لي معرفة لا بأس بها بكتابات بودريار، وأنا بصدد إنجاز أطروحة جامعية حول فكر الرجل، فما تقوله عنه فيه كثير من التلبيس وقليل من الدقة والتمحيص، مثل قولك"بودريار يذهب باستراتيجية التجاوز إلى حدودها القصوى؛ إلى حدود إعلان موت الواقع، وتعويضه بالرمز والعلامة والصورة والأثر" فهذا قول غير صحيح ويحتاج إلى مراجعة، فمن الواضح لكل مطلع على فكر الرجل أن هذا الأخير عمل على تشريح الواقع التقني المعاصر بتفاعلاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، الذي باتت فيه الصور والعلامات أكثر قيمة مما تدل عليه، وبذلك يكون الإنسان المعاصر قد وصل إلى قمة الاستلاب والاغتراب عن ذاته وعن الواقع. وفي هذا إدانة للرأسمالية و أدواتها التضليلية ودعوة لعدم الإنسياق وراء العوالم الافتراضية والزائفة التي ما فتئت تتفنن في نسجها وسائل الإعلام بمختلف أشكالها، عن طريق مخاطبة الجانب الغريزي في الانسان وليس الجانب الواعي. كل ذلك بغية خلق رغبات جديدة، وهي في كل الأحوال رغبات مفصولة عن حاجيات الناس الطبيعية. انظر على سبيل المثال Simulacres Et Simulation


الرد على التعليق

  • - عماد البشاري
    6 كانون الأول (ديسمبر) 2009 20:24

    استسمح لقد نسيت ذكر اسمي وشكر الأستاذ ناشيد على رحابة صدره.


    الرد على التعليق

    • المغرب - سعيد ناشيد
      6 كانون الأول (ديسمبر) 2009 22:07

      أتمنى لك التوفيق في رسالتك، لكن تأكد من أننا لن نستطيع أن نفهم أطروحة بودريار إذا أخرجناها من سياقها الاستراتيجي، والمتعلق بالانفلات من قبضة النسق الهيجلي؛ رأيي في الكثير من طلبة الفلسفة في المغرب أنهم يدخلون مباشرة إلى الفلسفة المعاصرة من غير المررو عبر هيجل، والذي لم تأت الفلسفة من بعده إلا ناقدة أو مجاوزة له. ثم أن نيتشه وماركس وفرويد هم من أهم المفاتيح الرئيسية للدخول إلى بودريار، وأما عن كون هذا الأخير ناقد للعولمة الرأسمالية فهذا الأمر صحيح، ويدرجه بودريار ضمن استراتيجية تقويض النسق الهيجلي المتميز النزعة الكليانية والشمولية وخلق نوع من التطابق بين الأفراد والجماعات، هذه النزعة الشمولية هي ما ينتقده بودريار في العولمة الرأسمالية، ثم أن الرجل مثل فوكو وديريدا، لا يقترح أي مساء كبير، وإنما فقط صباحات صغيرة، يقترح ما يسميه بالمتفردات للمقاومة. وشكرا على الاهتمام.


      الرد على التعليق

      • - عماد البشاري
        8 كانون الأول (ديسمبر) 2009 01:58

        شكرا على تمنيك، واعلم أنه مهما يكن رأيك في الكثير من طلبة الفلسفة بالمغرب فهو رأي فيه كثير من التعميم الذي لايليق برجل فكر المفترض فيه الحرص على التدقيق وعدم إطلاق الأحكام المتسرعة. فمن أدراك، يا سيدي، أن الكثير من طلبة الفلسفة ولجوا عالم الفلسفة المعاصرة من غير دراسة هيجل، وهل يستقيم ذلك فعلا؟ لنتجاوز عن تلميحك الضمني، وإلا طلبنا من هيئة الأوان تنظيم مناظرة مباشرة حول فكر هيجل. فما رأيك أيها "الباحث في الفكر الاستراتيجي" أن السياق الاستراتيجي الذي تتحدث عنه وتكرره ليس سوى ترديد مبتور لمعزوفة قديمة لحنها عبد السلام بن عبد العالي في أطروحته، والمنشورة في كتابه أسس الفكر الفلسفي .


        الرد على التعليق

      • - عماد البشاري
        8 كانون الأول (ديسمبر) 2009 02:02

        المعاصر، مجاوزة الميتافيزيقا، الصادر عن دار توبقال سنة 1991. حين قال: "وعندما أعلن فوكو، في درسه الافتتاحي "إن عصرنا محاولة الانفلات من قبضة هيجل"، فهو لم يعمل في الحقيقة إلا على بلورة إشكالية الفكر الفلسفي المعاصر." ( ص، 9) فلندع مثل هذه التعميمات، فهي إن سرت على فكر كل من نيتشه وفوكو وديريدا ودولوز، وفي سياقات معينة، فإنها لا تنطبق على الكثيرين، وإلا أين نضع هابرماس ومدرسة فرانكفورت و أين مكان الوضعيين المناطقة؟ ثم مالذي يجمع بين سارتر وفوكو؟ وما علاقة كارناب بهيدجر؟ الفكر الفلسفي الرصين أيها السيد المحترم يقتضي نوعا من التنسيب والتحلي بالحيطة وعدم ترديد المقولات الجاهزة، وتصدير الكلام بالجملة. وأكرر لك شكري على سعة الصدر


        الرد على التعليق

الدار البيضاء - حدجامي عادل
7 كانون الأول (ديسمبر) 2009 01:00

الأستاذ سعيد ،قرأت هذا المقال بتأن، و رجعت لقراءة مقالك السابق الذي أشرت إليه و خرجت بملاحظات كثيرة جدا، وددت أن لا أثقل عليك بذكر بعضها، و ما يشفع لي هو أن غايتي من ذكرها ليس التقليل أبدا من جهد المقالين الكبير، و لكن التواصل معك و التفاعل البناء المحترم، و كلنا نتعلم و نستفيد.و أنا أذكر بعضها فقط لأن المقام لا يسمح بعرضها كلها.ملاحظة مبدئية أولى هي أن النص،إذا ما أردنا توصيفه هو في أحسن الأحوال، بعض مما يقوله "هابرماس" عن فكر "ما بعد الحداثة"، و هو في أسوء الأحوال بعض مما قاله مؤرخو الفكر،خصوصا الماركسيين، في بدايات القرن عن نيتشه :"فيلسوف مجنون هادم للعقل" أو" أديب شاعر"، كما يجسد لذلك كتاب جورج لوكاتش "تدمير العقل" ، و هو في إمكان ثالث، أقل قيمة من السابقين، صورة مما يقوله "الفلاسفة الجدد" بفرنسا اليوم، كلوكسمان و سبون فيل و فيري، خصوصا في بيانهم الشهير "لماذا لسنا نيتشويين؟". ما يقوله النص ليس جديدا البثة إذن، بل هو قديم .


الرد على التعليق

الدار البيضاء - حدجامي عادل
7 كانون الأول (ديسمبر) 2009 01:06

بعد هذه الملاحظة أسجل جملة من الأمور: أولا اعتبار ما تسميه "العدمية النيتشوية" الفلسفة التي هيمنت على القرن العشرين خاطئ تماما ، لأن ما يسمى ب"النظرية الفرنسية"،و فكر نيتشه عموما ، ظل هامشيا و غير حاضرا و مغيبا إلى أواسط الستينيات، فما ساد القرن العشرين هو الإبستومولوجيا و الفلسفة التحليلية، و في شق آخر الجدل الهيغلي و الماركسي؛ و في ألمانيا سادت الفينومينولوجيا و تأويل هايدغر لنيتشه الذي رأى فيه "لحظة اكتمال الميتافيزيقا". و هناك مقال منشور الآن للأستاذ خالد النبواني يبين بقاء النيتشوية على هامش الجامعة إلى وقت حدود عهد قريب، و النموذج هو دولوز أقوى وجوه النيتشوية الفرنسية، و الذي كان صدور كتابه "نيتشه و الفلسفة" سببا في انقطاع الصلة بينه و بين استاذه هيبوليت بدعوى أنه نحى منحى "ضد-فلسفي"، و ظلت الجامعات الفرنسية تتجاهله إلى حدود الثمانينيات.أضف إلى ذلك أن النظرية الفرنسية ما تزال إلى اليوم في الجامعات الأنجلوساكسونية الكبرى تدرس باعتبارها "نقدا أدبيا" في شعب الآداب، وليست جزءا من الفلسفة.


الرد على التعليق

الدار البيضاء - حدجامي عادل
7 كانون الأول (ديسمبر) 2009 01:10

ثانيا،النص يقدم نيتشه و ما يسميهم بالنيتشويين ك"عدميين"، و يشبع العدمية بكل الأوصاف اللاعقلانية و اللاخلاقية، و قد زكيت الفكرة بقولك أن لا إمكان للجمع "عمليا" بين اللاعقل و الديمقراطية. حقيقة أن هذا اختزال مجحف ، لأنه يتأسس على خطأ سبق لنيتشه نفسه أن نبه إليه حين سجل أن "ما يقوله الفيلسوف يقرأه البعض و كأنه هو ما يريده".نقد الأخلاق لا يعني اللاأخلاق، هناك نظرية أخلاقية عميقة في فكر نيتشه، فلا ينبغي خلط بين الدعوة لتجاوز "الأخلاقوية" مع تجاوز "الأخلاق " ، إذ من أشهر أقوال نيتشه أيضا : "Par delà le bien et le mal ne veut pas dire par delà le bon et le mauvais" G.DELEUZE, «SPINOZA et le problème de l’expression», ;minuit, p : 233


الرد على التعليق

الدار البيضاء - حدجامي عادل
7 كانون الأول (ديسمبر) 2009 01:12

و بما أن النص استشهد بأونفري كان عليك أن لا تغفل نص أونفري الشهير "حلم أيشمان"، و الذي اجتهد لبيان أخلاقية نيتشه ، فلعلك أخي سعيد تعرف بأن أيشمان ، المسئول عن محرقة أوشفيتز، صرح عند محاكمته بأنه طبق بالحرف قواعد العقل العملي الكانطية، و قد كان فعلا قارئا كبيرا لكانط و ديكارت. فكر الاختلاف جاء ضد العدمية و ليس لتزكيتها، و كنت أرجو من سعيد أن يستشكل مفهوم العدمية أكثر ، عوض أن يستعمله بدلالته المبتذلة و العادية، فإرادة التفوق ليست هي إرادة السيطرة، بل إرادة الإبداع، لأن السلطة في تصور نيتشه كانت دوما صورة للعبودية، فالسيد النيتشوي لا يفهم باعتباره رجل السلطة إلا في تصور مقلوب. و إلا فأنا أريد أن أسأل سعيد، و بما أنه على ما أرى حريص على البعد العملي السياسي الملموس،أين نضع مواقف كل النيشويين الأخلاقية؟ أين نضع نضال فوكو و فكره "الأخلاقي"من أجل الأقليات؟ أين نضع مناهضة دولوز لإسرائيل و نصرته لفلسطين و هو ما كان ثمنه اتهامه بمعاداة السامية؟ أين نضع تأسيسهم لمرصد السجون و مسيراتهم ضد العنصرية ؟


الرد على التعليق

الدار البيضاء - حدجامي عادل
7 كانون الأول (ديسمبر) 2009 01:16

؟ و بالمقابل، و بمنطق عملي سياسي أيضا، ماذا تكون الدلالة الأخلاقية لفكر هنري ليفي و كلوكسمان، أعداء النيتشوية و العدمية، حين يعلنون نصرة إسرائيل دون قيد، و حين يبررون غزو العراق و مساندة بوش؟ و حين يدعوا فينكلكروت ، أحد أشهرهم ، إلى تصفية أوربا من "إرادة العدم الصحراوية" التي يجسدها المسلمون الأوربيون؟ و أين نضع فيري، داعية الأخلاق الكانطية في فرنسا، اليوم حين يناصر ساركوزي و حملته لجلب أصوات ناخبي لوبين حين يجاملهم بإنشاء وزارة ""للهوية الفرنسية " و هي سابقة خطيرة في تاريخ الجمهورية. نقد الأخلاق الديكارتية الكانطية ذات الأصول الدينية ليس دعوة للاتخلق، و التأسيس لفكر يقظ نقدي حي لا يكون بتكرار مسلمات بادئ الرأي المشترك السائد عن العقل و الحق و القانون .فهذا قد يكون كلاما أخلاقيا عاما و لكنه لا يرقى لأن يكون فلسفة بالمعنى القوي


الرد على التعليق

الدار البيضاء - حدجامي عادل
7 كانون الأول (ديسمبر) 2009 01:20

لا أحد في العالم سيقول لك العقل ليس حسنا و العدالة ليست مطلبا، لا نيتشه و لا فوكو و لا رورتي، المشكلة في ما المقصود بالعدالة، لأن للعدالة وجوه و للعدالة غايات لا تكون عادلة في بعض الأحيان، و ما المقصود بالعقل، لأن للعقل مكرا يجعل منه أحيانا ، كما قال هايدغر ، العدو اللذوذ للفكر. تحياتي و تقديري الشديدين لجهدك يا سعيد و تحملك و سعة صدرك أمام ملاحظاتي، التي ليست الغاية منها إلا تعميق النقاش، وعفوا على تعليقي المتقطع فالبرنامج لا يسمح ببعثه كاملا.


الرد على التعليق

  • - سعيد ناشيد
    7 كانون الأول (ديسمبر) 2009 17:07

    للأخ الحدجامي عادل من الدار البيضاء، أقول: بعد أن قرأت تعليقك الطويل، والذي أفهم وأتفهم مرجعيته، أود أن أرحب برغبتك في التواصل، وأن نتجاوز إحدى معضلاتنا الكبرى نحن المثقفين المغاربية، حيث قلما نتواصل أو يتحمل بعضنا البعض أثناء محاولات التواصل، مرحبا بك، ويمكننا أن ننتقل إلى مساحة أرحب للحوار الذي يعم بالفائدة على الجميع، فأرض الأوان واسعة. وشكرا على معلومتك المفيدة حول بيان "لماذا لسنا نيتشويين؟". وأما القضايا الأخرى فأتركها للنقاش في فرصة قادمة.


    الرد على التعليق

    • الدار البيضاء - حدجامي عادل
      7 كانون الأول (ديسمبر) 2009 22:20

      الأخ سعيد، سعدت بردك على قصره، و سعدت أكثر بدعوتك للحوار، و إن شاءت الظروف سيحصل. وددت أن أنوه فقط إلى أن الحديث بيننا ليس حديث نوايا و لا تخمين للمرجعيات، إن هو إلا حوار بدليل و عن دليل، و أنت رجل ديكارتي يؤمن بالدليل فاصلا و فيصلا، و إلا فمرجعيتي متعددة، ما الزم نفسي بواحدة دون أخرى، فأنا أعرف ديكارت، بل و قرأت نصه التأملات في أصله اللاتيني، وترجمت له رسائل نادرة ، و كتبت عن الهندسة التحليلية و صلاتها بفولهابر الألماني ، كما أعرف هابرماس حق المعرفة ، لأني أنجزت فيه رسالة جامعية، وقد أرسلت للأوان نصا تحليليا، وليس نقديا، عن مفهوم العقل عند هابرماس، أزعم أن من سيقرؤه سيعتقد أني "ديكارتي" المنزع و الهوى، و الأمر هو كذلك فعلا ، لولا أن المعرفة بديكارت ، و عشق عقلانية ديكارت، تستلزم أيضا الوعي بحدود ديكارت. أتمنى أن تتاح لنا الفرصة لاستكمال الحوار كما قلت عند نشر المقال، و تأكد يا سعيد أنه مما يثلج صدري أن أحاور رجالا على قدرك من العلم و الخلق . فتقبل محبة أخيك.


      الرد على التعليق

موسكو - عقيل صالح بن اسحاق
7 كانون الأول (ديسمبر) 2009 10:21

من اجل نشر الفكر ديمقراطيا.

لو تكرمت هيئة إدارة الآون بقاء هده المقال لمدة أسبوع على الصفحة الأولى , كحالة استثنائية, وهو أمر مهم من اجل اكتشاف , او توسيع رقعة النقاش الفكري الغير متعصب, مع النقد البناء , وهو بدلك يساعد على النشر الأفقي , ومساهمات قطاع اكبر وكدا الاطلاع, حبذا لو دافع الكاتب ذات القلب النابض " ناشيد سعيد" عن موقفة بشكل مستمر لنصل إلى الحقيقة , او على الأقل أين نرتكب أخطائنا عندما نعرض فكرة معينة , لأنني أحيانا اشعر بأنة يتم نشر فكرة تم نقلها او ترجمتها آليا من مصادر أوروبية أو غيرها, بدون المرور بين العقل والقلب المسئول عن الاعداد , مما يصعب علينا - نحن- الغير عاملين في مجال النشاط الفكري الفلسفي فهم الهدف, فقط بطريقة السؤال والجواب (النقاش) يمكن استيعاب أي فكرة وان كانت عصية .

هناك أخطاء تمت في الماضي الغير بعيد , عندما تمت ترجمة أفكار كثيرة إلى اللغة العربية, ولكن كانت ليس على مستوى الجودة والمسئولية مما أضرت الفكرة الأساسية .


الرد على التعليق

  • - هيئة تحرير الأوان
    7 كانون الأول (ديسمبر) 2009 15:23

    الأستاذ المحترم عقيل صالح بن إسحاق، شكرا لاهتماك، سيظلّ المقال موجودا يومين آخرين على الصّفحة الرئيسيّة، وسيظلّ دائما منشورا في الموقع في قسم أبحاث، ونحن نرحّب بكلّ التعقيبات والرّدود الواردة، سواء في شكل تعليقات أو مقالات، نعد بالإسراع في نشرها. وإلى اللّقاء


    الرد على التعليق

    • موسكو - عقيل صالح بن اسحاق
      8 كانون الأول (ديسمبر) 2009 13:08

      هل الحياة هي تراكم والموت هو انتقام للتراكم ؟ .

      يعتقد بعض رجال الفكر هنا ان عالمنا مسير وليس مخير,عكس الاعتقاد السابق, من هدا المنطلق تأتي مثل هده الفلسفة " موت الواقع " مثل الكثيرمن التوجهات الفكرية التي في نهاية الأمر تصب في مجرى واحد رغم تنوعها , لتؤكد عكس اعتقاداتنا السابقة ان الإنسان هو مالك , سيد, أمور الحياة على الأرض وخارجها . فادا في السابق العمال يتلقوا أجرا ضئيل مقابل عملهم فقط, اليوم يتلقوا مقابل حياتهم أجرا اكبر ولكن في نفس الوقت ضئيل مقابل حياتهم وحياة البشرية , أي حياة الإنسان دخلت مرحلة التبادل التجاري "عرض وطلب " وهو اخطر , وإلا كيف نفهم التقدم الصناعي الذي جلب مآسي كبيرة للبشرية اليوم , " موت الواقع" حتى بالنسبة للرأسمال أصبح مصيدة صنعها بيده من خلال جمع وتكدس المال في حيز ضيق جدا, هو يواجه " الموت البطيء" . ربما محور ظهور الفلسفات من العدمية إلى موت الواقع تأتي انعكاس لحالة الوعي البشري الذي بداء قبل 200 عام و الكون ككل , ربما بداية نهاية انقراض الإنسان مثلما انقرض الديناصور بسبب ظروف طبيعة خارجة عن إرادته, طبعا يوجد فرق بين الإنسان والديناصور ولكن في كل الحالات خرجت من أيادينا السيطرة في تسير أمور الحياة على الكرة الأرضية .


      الرد على التعليق

أبوظبي - أحمد عزيز الحسين
8 كانون الأول (ديسمبر) 2009 21:37

أنا سعيد جداً بسويَّة التعليقات على مقال الباحث الأستاذ سعيد ناشيد ، وأتمنى أن تكون نموذجاً يُحتذى للحوار على صفحات" الأوان" بين الكاتب ومتلقيه سواءٌ أكانوا كتاباً أم قراءً عاديين ؛ لأنني لاحظت أحياناً أن بعض الإخوة الكتاب يترَّفعون عن الرد على قرائهم تحت ذرائع مختلفة ، وفي ظني أن هذا موقفٌ سلبيٌّ ينبغي ألا يقع فيه الكاتب ، ولاسيما في موقع إلكتروني رصين ورفيع المستوى كـ" الأوان" . وأذكر أن مقالَي الأستاذ سلمان مصالحة :" فساؤون في الجاهلية ضراطون فيالإسلام" و" فساؤون ضراطون في اليهودية" أثارَا حواراً مهمّاً حول طبيعة الرؤية للتراث وكيفية قراءته ، وكنت أتوقع أن يشارك الأستاذ مصالحة في الحوار الثري حول مقاليه ، لكنه اكتفى بنشر المقالين وأدار ظهره إلى قرائه ، وكأن المقالين نشرا في منبر ورقي لا إلكتروني. إن من أهم ما أتاحه " الأوان" لكتابه أن يتفاعلوا مع زملائهم وقرائهم بطريقة حضارية بعيدة عن التشنج ، و ينبغي على الكاتب أن يهتبل هذه الفرصة المتاحة فلا يضيعها إذا وجد فيها ما يثري تجربته الفكرية أو الأدبية ، مع تحياتي وتقديري للجميع.


الرد على التعليق


Paul Delvaux (بلجيكا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter