الخميس 17 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > خارج الإطار > "أغمضوا أعينكم وضعوا رؤوسكم على المقعد ، وسوف تشاهدون يسوع"

"أغمضوا أعينكم وضعوا رؤوسكم على المقعد ، وسوف تشاهدون يسوع"

السبت 19 تموز (يوليو) 2008
بقلم: ميشال شماس  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

بعد قراءتي لمقال الصديق أبي حسن "التعليم في سورية.. بعض ما نشهده" والذي نشر على موقع الأوان بتاريخ 9/7/2008، تذكرت معاناتي مع ابنتي الكبيرة عندما كانت في الصف الأول الابتدائي. فقد اضطرتني ظروف عملي وزوجتي إلى وضعها في مدرسة خاصة مسيحية بدمشق القديمة، وعندما حان موعد المذاكرات، كنا نشدد على أبنتنا أن تهتم بدروسها، إلا أننا كنا نراها في غالب الأحيان إما تنزوي لوحدها، أو تشاهد التلفاز، وعندما نقول لها : لماذا لا تدرسيــــن فغداً عندك مذاكرة؟ كانت تجيب دائـــــماً :" يسوع معي وهو سوف يساعدني في الكتابة، هيك الآنسة بتعلمنا".
 وحاولنا جاهدين نزع تلك الفكرة من ذهنها لكننا فشلنا، فقلت لأمها دعيها الآن وسوف تكتشف بنفسها أن معلمتها في تلك المدرسة تخدعها، وذلك عندما تنال علامة متدنية. وفعلاً في اليوم التالي عادت من المدرسة وهي تبكي، وعندما سألتها لماذا تبكين؟ قالت: إن الآنسة ضربتني. ولماذا ضربتك؟، قالت لأنني أخذت علامة ضعيف بمذاكرة الرياضيات، عندها قلت لها : ألم يأت يسوع ليساعدك كما علمتك الآنسة؟ فقالت لا ، فقلت لها : "يا حبيبتي إن يسوع لا يحب إلا المجتهدين والشاطرين الذين يحفظون دروسهم، ويسمعون كلمة والديهم ، ولا يعتدون على أحد ويحبون زملائهم في المدرسة وفي الحارة".

 وفي اليوم التالي ذهبت إلى المدرسة وكان يوم جمعة مخصصاً للدروس الدينية لأستوضح من إدارة المدرسة عن طريقة التدريس، ولأنقل لهم انزعاجي الشديد من هذه الطريقة الغيبية في تعليم أولادنا. ولدى دخولي إلى المدرسة المذكورة شاهدت المدير في قاعة كبيرة جالساً على كرسي بمواجهة تلاميذ المدرسة، وهو يقول لهم: " أغمضوا أعينكم وضعوا رؤوسكم على المقعد ، وسوف تشاهدون يسوع.." ثم يغمض عينيه أيضاً ويقول لهم مجدداً أنا أشاهد يسوع الآن، ألا تشاهدونه أنتم ؟!، فيجيب البعض خوفاً ورهبة : " نعم نشاهده يا أستاذ". وهكذا استمر الأمر لحوالي عشر دقائق، إلى أن تدخلت وقطعت عليه خلوته قائلاً له : ألله يعطيك العافية يا أستاذ، بس أنا ما شفت يسوع.! ما هذا الاستلاب الفكري؟ أهكذا تعلمون أولادنا على أمور غيبية وعلى الكذب وتشويه الحقائق والإيمان الأعمى؟ فوجئ المدير بكلامي بعد أن فتح عينيه وكذلك التلاميذ ، وقال لي من سمح لك بدخول هذا المكان؟ فقلت له منزعجاً : " يا أستاذ وضعت ابنتي أمانة في مدرستكم على أساس أن تهتموا بتعليمها المنهاج المدرسي وتصير تعرف تقرأ وتكتب، وليس باستلاب عقلها وفكرها وحشوها بأمور غيبية، ترى لو كان المسيح الآن بيننا هل كان سيرضى بما تفعله من تغييب وتجهيل لعقول هؤلاء التلاميذ الصغار؟ فقاطعني قائلاً : " إذا مو عاجبتك ها المدرسة فيك تروح على مدرسة ثانية، فقلت له أنت قلتها ، وفعلاً نقلت ابنتي إلى مدرسة عامة، وهي الآن طالبة مجتهدة ومتفوقة في دروسها بعد أن أقنعناها بأن ما يقوله ذلك المدير هو خطأ ولا يرضى به الله ولا يسوع .
 
 كما تذكرت معاناتي مع ابنتي الصغيرة "مارية" التي كانت ترافق أمها إلى عملها، حيث كانت تعمل مشرفة في حضانة أحدى مؤسسات الدولة بريف دمشق على أطفال الموظفين وطبعاً على طفلتنا "مارية" التي لم يتجاوز عمرها سوى سنتين ونصف السنة، وهي الآن نجحت بامتياز إلى الصف الثاني الابتدائي. فقبل أن تنتقل زوجتي إلى عملها الجديد في مركز المؤسسة الرئيسي بدمشق، لم نكن نعاني من أية مشكلة بالنسبة لطفلتنا الصغيرة على اعتبار أن والدتها كانت تشرف عليها مباشرة، أما بعد النقل فقد تغير الأمر كلياً، فالحضانة تبعد عن مكان العمل، ولا يسمح للأمهات برؤية أطفالهم إلا قبل انتهاء الدوام بقليل، وكنت بين الحين والأخر أقوم باستلام طفلتنا من الحضانة قبل انتهاء الدوام، على اعتبار أن الحضانة قريبة من القصر العدلي. ولم يمض وقت طويل حتى بدأت وزوجتي نلاحظ على الطفلة الصغيرة أمراً غريباً، حيث كانت تنزوي لوحدها وتضع يدها على أذنيها وتتم بعبارات لم نفهمها، إلى أن ذهبت إلى الحضانة المذكورة لاستلام طفلتي، وبعد أن قرعت الجرس ، فُتح باب الحضانة وسمعت صوتاً نسائياً يسألني من خلف الباب : " من تريد؟" فقلت لها أنا والد "مارية" أريد أن أخذها إلى البيت. فقالت لي : انتظر قليلاً. ثم أغلقت الباب، وانتظرت دقائق قليلة حتى فتح باب الحضانة مجدداً ، وإذا بصوت يناديني دون أن أتمكن من رؤية صاحبه، وقالت لي بلهجة مستنكرة وآمرة : " بعد اليوم يجب أن تلبسوا ابنتكم بنطالا وقميصا ذا أكمام طويلة، نحنا عنا هون ما في بنات بيلبسوا شورت وتنورة ، وإذا بدك تلبسها تنورة ما عنا مانع بس لبسها بنطلون تحت التنورة." فقلت لها : "بس هاي طفلة صغيرة، وكل الأطفال عندكم صغار تحت سن الثلاث سنوات." فأجابت بحدة : " وإذا كانوا صغار، ما بيجوز حرام هذا مخالف للشريعة. " فقلت لها : " ليش نحنا في روضة دينية ، ولا في روضة للدولة"؟

عندها خرجت طفلتي الصغيرة وعانقتني بقوة، وقالت لي : ليش طولت؟"، أحسست وكأنها كانت في سجن وليس في روضة، عندها تذكرت انزواءها في البيت أحياناً ، فسألتها : " ماذا يعلمونك في الروضة؟ فقالت: " يعلموننا الله وأكبر، وعن محمد." وسألتني بعفوية : مينوا هادا محمد ؟ تجاهلت سؤالها بسؤالها مجدداً، وماذا يعلمونك أيضاً؟ فقالت : " حرام ما تلبسي بنطلون وبكرا لازم تلبسي البنطلون، فقلت لها مين قال ها الحكي؟ فأجابت هي البنت الكبيرة يلي هون بالحضانة، قالت لي إذا ما بلبس بنطلون ألله بيزعل مني وما عاد بيحبني ، وأضافت ببراءة : ما عاد بدي البس تنورة وشورت لأنو الله ما عاد يحبني إذا ما لبست بنطلون…."
 ثم غادرت المكان متوجهاً إلى البيت، وفي المساء عندما عادت زوجتي من عملها أخبرتها بما حدث ، فأبدت انزعاجها، وقررت على عجل عدم وضعها في تلك الحضانة، فقلت لها : طولي بالك، فالمدرسة لم يبق على انتهائها سوى أسبوعين، وعندها سنتركها في البيت مع أختيها الكبيرتين، وبينما نحن نتحدث، شاهدت طفلتي الصغيرة تركع على الأرض وقد وضعت يديها على أذنيها وبدأت تتمتم ، فسألتها ماذا تفعلين يا مارية : فقالت أصلي، فقلت لها وماذا تصلين؟ فقالت بتلكؤ ولكنني فهمت من قولها أنها تقول:" ألله وأكبر وأشهد أن محمد رسول الله.. بس بابا شو يعني رسول الله؟ فقلت لها عندما تكبرين سوف تعرفين معنى ذلك.
وفي اليوم التالي ذهبت إلى الحضانة ، وطلبت التحدث إلى مديرة الحضانة ، التي وقفت خلف الباب دون أن أراها، وسألتها مستنكراً : لماذا تعلمين طفلتي والأطفال الآخرين دروساً في الدين؟ فهل نحن في روضة دينية؟ فأنا لا أرغب في تعليم طفلتي الصغيرة أمورا دينية، فالوقت مبكر جداً لتعليم مثل تلك الأمور، وإلا كنت وضعتها في روضة مسيحية، وكان من الواجب عليك أن تعليمها النظافة وحب الآخرين، وكيفية أن يهتم الطفل بنفسه، وأن يعتمد على نفسه، لا أن تشغليها من الآن بأمور دينية غيبية لا قدرة لها على تفسيرها أو إدراك معناها.. فأجابت بانزعاج من خلف الباب : نحنا هيك منعلم الأطفال في الحضانة. عندها قلت لها : يبدو أنك بهذا السلوك سوف تجبرينني على عدم إرسال ابنتي إلى حضانتك، فقالت : أنت حر ، فقلت لها طبعاً أنا حر وارفض أن تفرضي رؤيتك الدينية ليس على طفلتي الصغيرة وحسب، بل وعلى الأطفال الآخرين، ثم غادرت المكان بعد أن أخذت طفلتي معي إلى غير رجعة إلى تلك الروضة.
هاتان الحادثتان تشيران بوضوح إلى أين يسير المجتمع السوري، الذي آلت فيه السيطرة اليوم لرجال الدين والجماعات الدينية الحائزة على اهتمام الجمهور السوري، وليس أدل على ذلك من الإقبال الذي حظي به مسلسل باب الحارة رغم أنّه قدم صورة متخلفة عن الواقع الدمشقي يريد تعميمها اليوم ليس على المجتمع السوري وحسب، بل على المجتمع العربي في بقية البلدان العربية الأخرى. هذا المجتمع كان يعج في الخمسينات والستينات من القرن الماضي بالكثير من الأحزاب اليسارية والقومية العلمانية التي وضعت نفسها على مسافة من الدين لتحظى بقبول الجمهور السوري في ذلك الحين، أما اليوم فلم يبق من أحزاب الخمسينات والتسعينات إلا بقايا لا تترك فرصة إلاّ للتعبير عن مدى احترامهم لـ"الإسلام"، حتى إن تجمع إعلان دمشق" للتغيير الديمقراطي، وغالبية موقعيه هم من العلمانيين والقوميين والناصريين توقفوا عند الإسلام كمرجعية حضارية وثقافية لا يمكن تجاوزها أو القفز من فوقها، في محاولة يائسة من تلك القوى لكسب بعض المؤيدين في الشارع السوري ..!

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

- عراقي
2 آب (أغسطس) 2008 12:12

اجريت في الصف الرابع ابتدائي استطلاع لراي طلابي حول امنياتهم وتصوراتهم واحلامهم . فقد جعلتهم يكتبون على ورقة خارجيه مايليبماذا تخاطب الله وماذا تطلب منه من هو الامام علي ؟ كيف تثبت بانك تحب الوطن ؟ عدد الطلاب 52 طالب 50 طالب اجاب اذا كنت تحب المسلمين لماذا تسمح للاعداء ان يقتلونا؟ 20 طالب اجابوا بان الامام علي بطل خانوه اصدقائه ,و20 طالب اجاب بانه بطل خسر المعركه ,و10 طلاب اجابوا بانه مسكين لم يساعده الله كما نحن عليه الان ,تلميذ واحد اجاب بانه شخصية خيالية , وتلميذ اخر قال بانه قتل كما تقتل الملوك في زمننا .اما السؤال الاخير - بالاجماع كانت الاجابه اقتل الامريكان ومن تعاون معهم وسمح لهم ان يدخلوا البلاد .وبعد ان جمعت الاجابات شرحت لهم شهادة الامام علي ودوره في خدمة الاسلام .وشكرتهم وباركت فيهم الروح الوطنية التي في دواخلهم باتجاه وطنهم وحبهم وغيرتهم على الوطن . وافهمتهم كيف نعمل ونحن في هذا العمر لخدمة الوطن وطرد الغزاة .الدراسة والاجتهاد والشطارة .


الرد على التعليق


Paul Delvaux (بلجيكا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter