كتب وقيل الكثير حول ما يسمى بجرائم الشرف، والقاســم المشترك بين كل ما قيل وكتب هو أن الجرائم التي ترتكب باسم الشرف لا تمت إلى الشرف والأخلاق بشيء، وأنه لا معنى لمطالبة الناس بالتغير والإقلاع عن تلك العادات السيئة التي تبيح قتل المرأة لمجرد الشك والريبة ما لم تتغير القوانين الناظمة لهذا الأمر. فالقانون يبقى هو الناظم الأساسي لعمل المجتمع. ولذلك لا بد من تغيير القوانين بحيث تلغي منها تلك المواد التي تبيح للرجل العذر المحل المخفف من العقاب في حال إقدامه على قتل زوجته أو أخته أو أمه، واعتبار ذلك الفعل جريمة قتل متعمدة كغيرها من جرائم القتل. حينئذ يمكننا أن ننتظر تغيراً مهماً في المجتمع تجاه هذه القضية الإنسانية الخطيرة، وبالرغم من كل ما كتب ويكتب حول ضرورة وضع حد لتلك الجرائم التي ترتكب بحجة الدفاع عن الشرف، إلا إننا لم نشعر حتى الآن بأية خطوة جدية في هذا الاتجاه في البلدان العربية، باستثناء تونس التي عاقبت القاتل أياً كان بالإعدام، منذ العام 1993 عندما اعتبر المشرع التونسي هذه الجريمة جريمة كاملة يستحق مرتكبها الإعدام، وما عدا ذلك فمازلنا نسمع بين الحين والآخر عن جريمة قتل جديدة تحت ستار الشرف في غير بلد عربي.
ففي أقل من شهر واحد وقعت جريمتي شرف في سوريا، حسب ما ذكر موقع سيريا نيوز الإلكتروني المقرب من الحكومة السورية، أنه في 29/5/2008 وقعت جريمة شرف جديدة استهدفت هذه المرة ذكراً عندما أطلق شاب يبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عاماً النار على شقيقته "المتزوجة" وزوجها الثاني فأخطأ شقيقته وأصاب زوجها الثاني بطلقين ناريين في منطقة جبل بدرو بمدينة حلب، وأشار الموقع المذكور إلى وقوع جريمة شرف أخرى في نفس المدينة في الأول من نفس الشهر، وذلك عندما أقدم شاب في العقد الثالث من العمر على قتل شقيقته المتزوجة، والأم لطفلين على خلفية شكوكه إقامتها علاقة مع أحد الرجال. وجاء في الخبر أيضاً أن سورية تحتل المركز الخامس عالمياً فيما يسمى بجرائم الشرف. وبالرغم من عدم وجود إحصائيات رسمية لعدد النساء اللواتي يذهبن ضحية الشرف، فإن عددهن يقارب الثلاثمائة امرأة سنوياً وفق تقديرات مختلفة. هذا عدا عن النساء اللواتي يقتلن ويتم التكتم عليهن خوفاً من الفضيحة.
والسؤال الذي يطرح نفسه أمام تزايد استمرار قتل النساء بحجة الدفاع عن الشرف، يتعلق بمن المسؤول عن استمرار تلك الجريمة بحق نسائنا وبناتنا اللواتي تُسلط السيوف على أعناقهن إن هنّ تزوجن من غير ملتهنّ، أو أحببن خلافاً لرغبات رجال القبيلة ؟ هل هو المجتمع الذي يُبيح للرجل مالا يبيحه للمرأة ؟ أم هو ذلك الزوج والأب القاتل، أم هو الأخ والابن، أم الأم والعم والخال..؟ أم أنهم جميعاً ضحية تلك العادات الموروثة منذ القديم؟! فأية جريمة ارتكبتها تلك المرأة، حتى تعامل بتلك القسوة والوحشية؟ وأية قسوة أكبر من أن تسن القوانين التي تبيح قتل امرأة، وتعفي قاتلها من العقاب؟ ولماذا على المرأة دائماً أن تدمي إنسانيتها في كل لحظة من حياتها؟ وأي مصير ينتظر هذا المجتمع الذي مازال يرزح تحت وطأة مفاهيم وعادات وقوانين تنتقص من كرامة المرأة، وتجعل سيف الرجل مسلطاً على عنقها متى شاء استله تحت ستار الشرف.!؟ وأي "شرف" هذا الذي يبيح قتل امرأة من قبل رجل، الذي لولا احتضانها له في رحمها تسعة أشهر لما خرج بصفته رجلاً إلى هذه الدنيا.!؟ وهي نفسها اعتبرناه من القديم ومازلنا نعتبرها اليوم إنساناً قاصراً، فاقد الأهلية، بحاجة دائماً إلى وصي يدافع عنها، هي نفسها التي تتعرض اليوم أيضاً للذبح إن تزوجت بخلاف رغبة رجال قبيلتها، وهي التي تُسلط السيوف على عنقها إن هي تزوجت من غير ملتها، وويل لها إن أحبت، فالحب ممنوع عليها..!
إن تلك المفاهيم والعادات السيئة الموروثة منذ القديم، قد حفرت عميقاً في ثقافتنا ووعينا الجمعي في مجتمعاتنا العربية التي مازالت بكل أسف تنظر نظرة دونية للمرأة، ثم تأتي التشريعات القانونية لتنتقص من حق المرأة أيضاً المنتهكة حقوقها أصلاً، وذلك في انحياز واضح وعلني لصالح الرجل ضد المرأة، ورغم أن المشرع السوري خاطب المرأة والرجل بكلمة "المواطن" في جميع أحكام الدستور، ورغم أنه ساوى بين المواطنين في الحقوق والواجبات./ مادة 25/3/ ورغم تأكيده على المساواة بين الجنسين وتكافؤ الفرص في المادة 45 وعلى الرغم من أن سورية صدقت بالمرسوم 330 لعام 2002 على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التميز ضد المرأة، إلا أن التشريعات المتعلقة بالأسرة والعلاقات الأسرية لم ترتقَ إلى مستوى النصوص الدستورية، بل بقيت تجسد النظام الأبوي بمنظومته الفكرية وما فيها من قيم ومفاهيم قديمة مغلوطة ومجحفة بحقوق المرأة، مازالت تكرس سيادة الرجل و تبعية المرأة ودونيتها، وتميز بشكل فاضح بينهما في عدد من القوانين.
ففي قانون الأحوال الشخصية ميز المشرع السوري في كثير من أحكام هذا القانون بين الرجل والمرأة، فميز مثلاً في أهلية الزواج، حيث حدد سن الزواج للرجل بـ18عاماً بينما المرأة بـ17 عاماً والمراهق بـ15 عاماً والمراهقة بـ13 عاماً بأذن من القاضي والأمر الخطير أن المشرع ترك للقاضي أمر تقدير سن الزواج دون التقييد بالسن المحددة قانوناً مما يفسح المجال لزواج الصغار، بينما سكت المشرع عن تحديد مكان سكن الحاضنة التي قد تجبر في الغالب التخلي عن أولادها لعدم استطاعتها الإنفاق عليهم ورفض أهلها الإنفاق على أولادها، مما يؤدي إلى حرمان الأولاد من رعاية وحنان الأم. وميز أيضاً في سن الحضانة للذكر حتى سن 13/ وللأنثى حتى سن 15 مع إننا نرى وجوب رفع سن الحضانة لكلا الجنسين حتى سن 18 عاماً وبذلك يستطيع الحاضن متابعة المحضون وإيصاله إلى بر الأمان حتى بلوغه سن الرشد. وميز في مسألة الطلاق فسمح بإيقاع الطلاق بإرادة منفردة دون علم الزوجة، وصعب من إجراءات الطلاق أمام المرأة بينما يسر ذلك أمام الرجل، وزاد من التكاليف المعنوية والمادية التي تتكبدها المرأة، وما يقلق المرأة ويجعلها تخضع لمشيئة الرجل مسألة تعدد الزوجات، الذي يؤدي حتماً إلى التفكك الأسري بين الأبناء. أما الأمر الذي يثير الأسى في النساء جميعاً هو أن شهادة رجل واحد تعادل شهادة اثنتين منهن، فهل يعقل أن تقبل شهادة رجل أمي، بينما لا تقبل شهادة طبيبة أو محامية أو وزيرة لدى المحاكم الشرعية. أو أن حصة الرجل من الميراث تفوق مرتين حصة المرأة..الخ
وكذلك ميز المشرع بين المرأة والرجل في قانون الجنسية الذي أخذ بحق الدم فاعتبر عربياً سوريًا حكماً من ولد في داخل القطر أو خارجه من والد عربي سوري، بينما المرأة السورية لا تستطيع إعطاء الجنسية لابنها إلا في حالتين: أن يكون ولد في سوريا، وأن لا يثبت نسبه لأبيه.
أما في قانون العقوبات العام فإن التمييز بين الرجل والمرأة صبغه المشرع السوري باللون الأحمر القاني، هذا التميز الذي قاد إلى مآسي وخراب أسري ، كما في المادة 548 منه التي نصت :( 1- يستفيد من العذر المحل من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد. 2- يستفيد مرتكب القتل أو الأذى من العذر المخفف إذا فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في حالة مريبة مع آخر.). ولم يكتف المشرع السوري بتلك المادة، بل دعمها بنص المادتين(192) و(242) من القانون نفسه، والتي عكست فيما يبدو رغبة المشرّع في تأمين مزيد من الحماية للقاتل بما يسمى بجرائم الشرف، فبموجب المادة 192 يستفيد مرتكبو هذا النوع من الجرائم من تخفيض العقوبة إلى الحبس البسيط جداً يصل إلى حد العشرة أيام. أما المادة 242 من نفس القانون أيضاً فأجازت للقاضي تخفيض العقوبة من خمسة عشر عاماً وحتى الستة أشهر. إذا أثبت مرتكب جرم القتل بدافع الشرف أنه ارتكبها تحت تأثير ثورة غضب شديد. فالمشرع السوري بسنه تلك المواد في قانون العقوبات السوري يكون قد شجع الرجل بقصد أو بدون قصد على قتل زوجته آو أخته آو بنته أو أمه إن هو فاجأها مع شخص أخر أو أقدم على جرم القتل بدافع من الغضب الشديد، عندما منحه في تلك المواد عذراً محلاً أو مخففاً من العقاب، وحجب هذا الأمر عن الزوجة إن هي فاجأت زوجها في جرم الزنا المشهود آو في الحالات المريبة وأقدمت على قتله. وحدها دولة الإمارات فقط من بين الدول العربية أعطت العذر المخفف للمرأة، كما للرجل، إذا فاجأت زوجها وقتلته. (المادة 334 من مادة العقوبات الإماراتي). أما في تونس فقد كانت الأجرأ من بين الدول العربية كلها، حين قرر المشرع فيها معاقبة القاتل في جريمة الشرف أياً كان بالإعدام حسب القانون الصادر في 22/7/1993 هذا القانون الذي اعتبر" جريمة الشرف " مثلها مثل أي جريمة قتل أخرى يستحق مرتكبها الإعدام. ونأمل أن تحذو باقي الدول العربية حذو تونس في هذا الاتجاه.
والأمر الخطير أن تلك المواد الواردة في قانون العقوبات السوري المشار إليها أعلاه، قد فتحت الباب واسعاً أمام قتل النساء بحجة الدفاع عن الشرف، فكثير من النساء قتلن لأمر لا يتعلق بالشرف مطلقاً، بل طمعاً في ميراثهن، أو للتغطية على فعل مشين قام به الرجل، فيلجأ الرجل مثلاً عندما ينكشف أمر تشغيله لزوجته بالدعارة إلى قتلها بحجة الدفاع عن الشرف. أو عندما تتزوج الفتاة من غير طائفتها، أو حتى عندما تتزوج الفتاة خلافاً لرغبة أبيها. وهل من الصعوبة أن يتفق الزوج مثلاً -الذي يريد التخلص من زوجته لأسباب عديدة قد تكون مادية- مع رجل آخر على أن يعطيه مبلغاً من المال ويدخل عنوة إلى غرفتها، ويصطنع الزوج أنه دخل فجأة ووجدهما معاً وقتلها؟! وهذا ما حدث في جرائم كثيرة اكتشفها التحقيق، ولكن بعد أن تكون قد حدثت الجريمة وهرب القاتل، أو سقطت العقوبة بالتقادم!
وبالعودة إلى عبارة "من فاجأ زوجه" الواردة في المادة 548 نجد أنها أُخِذتْ حرفياً عن النص الفرنسي وتعني الزوج والزوجة معاً، إلا أن المشرع السوري ترجمها على أنها تعني الزوجة فقط. وقد جاء في الرأي الفقهي لشرح المادة المذكورة الواردة في موسوعة قانون العقوبات السوري لمحمد أديب استانبولي الصفحة 348 ( إن كلمة الزوج هي ترجمة لكلمة conjoint الفرنسية والتي تقبل التأنيث والتذكير، وتطلق لغوياً على البعل وامرأته، ومن المحتمل أن تفاجأ الزوجة زوجها وهو في جرم الزنا المشهود، فنعتقد أنها لا تقل شعوراً بالثورة والغضب والغيرة والانفعال عن الزوج الذي يفاجأ بزوجته وهي في وضع مماثل، لذلك من العدل وكلمة حق تقال يجب أن يكون كلاهما على صعيد واحد من المساواة أمام القانون في هذا الصدد ). وحتى المشرع الفرنسي قد ألغى تلك المادة من قانون العقوبات منذ زمن بعيد. أما المشرع عندنا مازال يطبق هذا القانون الذي وضعته فرنسا سنة 1810 في وقت لم يكن للمرأة أية حقوق، أما وقد مضى قرابة قرنين من الزمان على صدور ذلك القانون ألم يتطور مجتمعنا في هذين القرنين؟!
معظم رجال القانون وهيئات المجتمع المدني وكذلك المنظمات المدافعة عن النساء ليس في سورية وحسب، بل وفي جميع البلدان العربية يؤكدون أن إعفاء القاتل من العقاب يشجع في النهاية على القتل وعلى مزيد من الإجرام في معظم الحالات، وبما يتنافى وتلك الأهداف التي يسعى المشرع إلى تحقيقها من خلال التشريعات الجزائية بصورة عامة في الزجر والردع والعقاب .
فمرتكبو ما يسمى بجرائم الشرف كثيراً ما يغلفون جرائمهم تلك بحجة الدفاع عن الشرف والأخلاق والفضيلة، أو التمسك بمظاهر الكبرياء العائلية وسمعة هذه العائلة أو تلك، أو للتستر على جرائم ارتكبوها بحق جيرانهم ومجتمعهم غير عابئين أساساً بمبادئ الشرف والفضلية والأخلاق .فأين شرف ذلك الزوج الذي يرتشي؟ وأين شرف الأخ الذي يسرق جاره، أو ذلك الأب الذي يتاجر بالمخدرات أو ذاك الذي يغتصب فتاة أو يمارس الجنس المحرم مع أولاده أو أخته أو أمه..؟ فهل سيعود له شرفه إذا قتل زوجته أو أخته أو ابنته أو أمه دفاعاً عن شرفه الضائع وغسلاً للعار الذي يدعي أنه قد لحق به من جراء ذلك الفعل الذي أقدمت عليه زوجته مثلاً..؟ وقد نسي مدعي الشرف مرتكب جريمة الشرف، أن شرفه قد فقده منذ أن أقدم على سرقة جاره، أو منذ أن اختلس من أموال بلده، أو منذ أن باشر بترويج المخدرات بين أبناء وطنه…الخ.
إن الشرف كلمة كبيرة واسعة بمعناها تختصر فيها كل معاني القيم الأخلاقية التي على المرء إن كان ذكراً أم أنثى أن يتحلى بها كالصدق والأمانة والاستقامة والفضيلة، والدفاع عن المرأة وليس الاعتداء عليها أو قتلها. فليس من الشرف بشيء أن نبيح للرجل قتل زوجته إن وجدها مع شخص أخر أو قتل أخته لمجرد أنها أحبت، أو أنها تزوجت من خارج عشيرتها أو طائفتها ونعفيه من العقاب، بينما نعاقب المرأة التي تقتل زوجها إن هي ضبطته مع امرأة غيرها..! ونسأل هنا، أليس للمرأة شرف.؟ أم أنه ملكية أبدية للرجل الذي حولها إن كان أخاً أو أبا أو زوجاً أو ربما كان قريباً إلى ما بعد الدرجة الرابعة؟ وهل شرف المرأة يقتصر على جسدها، أو على حركة مثيرة أو مريبة منها أو لمجرد الشك في سلوكها.؟ وهل يملك ذلك الرجل الذي يسرق أو يرتشي أو يروج للمخدرات بين أبناء وطنه شرفاً عندما يستل سيفه ليقطع عنق امرأة تحت ستار الدفاع عن شرفه.!؟
فالمرأة التي مازلنا نعتبرها في مجتمعاتنا العربية كائن بشري قاصر على الدوام ونعاملها على أنها مجرد وسيلة تفريغ جنسي ووعاء لإنجاب الأولاد، هي نفسها منذ آدم وحواء شكلت وما زالت تشكل عنواناً مستمراً ومتجدداً لولادة الحياة على هذه الأرض. وهي التي اصطفاها الله لتكون أماً ليسوع المسيح رسول المحبة والسلام الذي توجه لجمع من الرجال اليهود عندما كانوا يرجمون بالحجارة امرأة اُتهمت بالزنا قائلاً : "من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر" .
فهل يتحرر مجتمعنا من ذكوريته، ويتحول بالتالي إلى مجتمع يساوي حقاً بين المرأة والرجل ؟ أم نبقى نعيش في مجتمع ذكوري يبيح للرجل ما لا يبيح للمرأة، ويلحق العار بالمرأة دون بالرجل؟! وبالتالي نبقى رهينة شرفنا العظيم وضحيته، هذا الشرف الذي أخذنا منه القشور وتركنا القلب منه!



- سعد الزبراشى
23 كانون الثاني (يناير) 2009 12:25
هل تدعو الى حرية الجنس وتباجل الزوجات والاقارب ؟ان كان ذلك كذلك فكيف تكون شكل الحياه ….وماذ يكون موقفك اذا بادلت زجتك بك زوج صديقتها ؟
الرد على التعليق