الخميس 17 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > أنا وأمي وعذريتي

أنا وأمي وعذريتي

الاثنين 27 تموز (يوليو) 2009
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

حمّلتني أمي الغالية، منذ أن نبتت الأصابع في يدي الصغيرتين، سيفاً. وأوكلت إليّ مهمّة السجّان على عذريتي، وأقفلت براعم أنوثتي بمفتاح كالذي تُقفل به أبواب الحارات المكتظة.

فرحت أمي بولادتي، لكنّها خافت من هويتي. خافت من همس جاراتها المتدلي مع عناقيد العنب على حيطان بيوتنا: إنها( أنثى ).

لا تعتقدوا أن يديّ الصغيرتين لم تقويا على حمل السيف، بل كنت كالجندي المرابط على حدود وطنه. لا أنام ولا يغمض لي جفن كي لا تُخدش عذريتي، أو تدنس طهارتي. كنت سجناً وسجاناً، بل كنت جلاداً يا أماه على براعم أنوثتي لو تطاولت مرة إلى أفكاري، أو سرت مرة عبر خيالٍ ليليٍّ إلى أحلامي. لم أرحم عذريتي يوماً، ولم أتساهل معها إطلاقاً، لأنني لا أنسى لحظة تسليمي السيف عيونَك الحادة التي برقت بضوء مخيف، وبات لغزٌ ضبابي وراءهما. خفت حينها، ولم أسأل لماذا؟ لكنني أتقنت مهمتي على أكمل وجه، وانتصرت انتصار الأمناء على أمانة لم يدركوا يوماً ماهيتها. لم تسعفني شهامة المقاتل يوماً لأقتل حتى لحظات التفكير، أو الحديث في ذلك الشيء المرعب خلف ضباب عينيك، والذي يسكنني رغماً عني. وكنت أعتقد أنك أنت الحق، وصدقيني يا أمّاه لم تجرؤ يوماً أن تطرقني لحظاتُ التساؤل مرةً عن جسدي الصغير الطاهر الشفاف، حتى عندما كبرت كنت صلبة صلابة سيفي.

ثمّ سمحت لنفسي، فجأة ودون سابق إنذار، بفتح باب سجني الصغير الغامض، ويا لهول السجن والسجان!.

ماذا فعلت يا أماه؟ وعلى ماذا أقفلت ؟ أتدرين عندما يحس الجندي المقاوم البطل بالخيانة العظمى لوطنه . يا الله ما أصعب الخيانة!. خان السجان السجنَ والوصية، ودون سابق إنذار فتح باب السجن، وبرقت في خيال السجان عيناك وامضتين قاهرتين مخيفتين، ويدك إلى سيفي المسلول ممدودة. زحفت إلى جسدي قشعريرة الخوف والبكاء في آن واحد، لماذا يا أماه؟

اعذريني على حماقتي، لكنني لم أدرك أن الطهارة رائعة وأروع منها لذة الحرية. لم أدرك أن لجسدي الصغير الخائف المسجون شوارع وممرات، وبراعم وزهور، ونبض وحياة، وشمس وعطر، ونوافذ.

مخنوقة كانت طفولتي في معبد الطهارة، فعيناك لم تسمحا بفتح نافذة، ولو صغيرة، علَّ طفلتك الصغيرة تشم زهورها، أو تروي براعمها، أو تنظر داخل سجنها المليء بالورود والندى، عتبي على هذا السيف، حبس داخل سجنه مشاعري وعواطفي وفرحي وعفويتي، وصادر حريتي وكينونتي، وجعلني أُسجن بخوفي. حتى عند فُتح باب السجن لم أقو على الخروج، ولم يستطع أحد سحب طفولتي المكبلة خارج الأسوار، ظلت عيونك أقوى من حد سيفي، ترصد باب سجني المفتوح غاضبة متسمرة.

أتصدّقين يا أماه أن السجان رحل، لكن عيونك ما تزال تحرس عذريتي المختبئة داخل طفلتك الصغيرة الخائفة؟!

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

-
29 تموز (يوليو) 2009 00:08

إن مقالك كله نقد للفكرة السائدة عن الطهارة والعفة فلم تقولين "لم أدرك أن الطهارة رائعة"؟ مجرد تحذلق لفظي برأيي.

على كل، أنتظر اليوم الذي نكتب عن هذه المواضيع جهرا عوضا عن الكتابة الرمزية.


الرد على التعليق

دمشق - محمد ديبو
29 تموز (يوليو) 2009 14:52

مقال جميل يعبر عن الظلام الذي تفرضه السلطات بكافة أشكالها على عقولنا وخاصة السلطة الاجتماعية التي نحيا في ربوعها وتعلمنا كل أسس الحياة لنتفاجأ بعد أن نكبر أنها لم تعلمنا سوى الخواء


الرد على التعليق

مكة - بنت الحجاز
1 آب (أغسطس) 2009 22:10

جميل موضوعك وأجمل منه أسلوب كتابتك .. رمزية رائعة تناسبت و محور المشكلة التي أردتي التحدث بها .. نعم كل فتيات الوطن العربي يعشن تحت هذا القهر النفسي .. ضغط نفسي فظيع جدا نقع تحته للمحافظة على هذه الطهارة التي وعلى جمالها أصبحنا نكرهها لأنها أحيانا تحرم المهووسات بها من النوم بهناء كلما خلدن إلى فراشهن للنوم .. خاصة اذا تعرضنا الى مشكلات وحوادث في مرحلة الطفولة .. كم أتمنى لو تعلمنا بدلا من الخوف عليها مفهوم الحب لها .. نعم حب طهارتنا .. كل شئ بالحب جميل وكذلك الطهارة والعذرية لو تعلمنا حبها سنحافظ عليها بدون هذا القلق الذي يستمر مع الفتيات حتى ليلة الدخلة .. كما أن الثقافة الجنسية مهمة جدا في هذا المضمار ,,,

كل الشكر التحايا لشخصك الكريم

بنت الحجاز


الرد على التعليق

الخبر - ناصر محمد
4 آب (أغسطس) 2009 07:31

محظوظة من تستيقظ من الوهم مبكرا. ثمة من تقضي عمرها كله تحرس اللاشيء وتقضم الحرمان.


الرد على التعليق

الحسكة - خوليو كورتاثار
8 آب (أغسطس) 2009 12:25

صباح الخير أيها السجن و أيها السجان .. ربما يبدو الكلام هكذا على شكل تحقيق للموعظة القدرية التي حملتها الأمهات الطيبات على كاهلن في حماية " الطنجرة التي لا بد ان تطلع لغطاها " .. المهمة الصعبة و الجميلة في آن .. في حقن تلك الموعظة داخل بناتهن كي لا يظهرن حزينات و مهجورات و مكشوفات لأشعة الغدر و الخيانة و عدم الإخلاص من قبل الآخر الذي قد يغرر بتلك البنت … كان مهما لنبال ( على سبيل المثال ، و للكثيرات غيرها اللواتي لا يستحقن سوى الحياة الحلوة ) إذا ً تلك القيود الخفيفية و الواضحة كي تفهم جسدها رويدا ً رويدا ً .. و كي تتقاجأ مفاجأة صحيحة و جميلة و لذيذة عند فك تلك القيود بيدها و لكن بمساعدة يد تقدر تلك القيود .. نعم الطهارة رائعة و لكن الحرية أروع .. و لكن الحرية التي نريد نحن و التي لا تبني سدا ً عاليا ً بيننا و بين الحياة .. مادة خفيفة و رشيقة و لكنها مبنية على الصراحة التي تفتقدها الكثيرات من الفتيات .. خوليو .


الرد على التعليق

  • tunis - حسن
    10 أيلول (سبتمبر) 2009 15:58

    اردت ان تبرزي نزعة وجودية في مقالك لكنك فشلت …فلماذا هذا الحياء؟ دعي العنان للجسد حتى يترجم لنا لحضة التسريح او كسر الاختام او فض البكارة واعلان حالة الحرية المطلقة والوديعة لكنها حتما قد تتحول الى لحظة كارثية عندما تصبحين سجينة الشهوانية بدءا من لحظة التفريط في العذرية.اصدقك القول لقد سئمنا الوجودية وبتنا نحترم من يحافظ على الاتزانه بعيدا عن الشطط والفوضى البهيمية.حافظي على حيائك…


    الرد على التعليق


Paul Delvaux (بلجيكا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter