من باب الصّدفة الجميلة أن ينظّم موقع "الأوان" و"جامعة الحرّيّات" ملتقى يسمّي مشروعهما المشترك ويسمّي في الوقت نفسه اللّحظة الحضاريّة الرّاهنة بدفقها المدنيّ الخلاّق : إنّه أوان الحرّيّات، واسمحوا لي بهذا التّفاؤل الذي يجعلني أردّد مرّة أخرى ما قاله ابن خلدون : "وكأنّه خلق جديد، ونشأة مستأنفة، وعالم محدث."
باسم أوان الحرّيّات نفتتح ملتقى حول موضوع "المثقّفون والانتفاضات العربيّة". هذا الموضوع يبدو لي إنّه مفتوح منذ أمد بعيد، لأسباب منها أنّ شأن المثقّف أن ينتفض ويدين ويطالب بالحقّ، بل الانتفاض جزء من تعريفه ومن الظّروف التّاريخيّة التي ولّدت التّسمية في أوروبّا، وشأن المثقّف أن يشير إلى الأفق، دون أن يكون نبيّا، كأن يقول شعرا :
الملايين أفاقت من كراها ما تراها؟
ملأ الأفقَ صداها؟ (محمد الفيتوري)
لكنّ هذا الموضوع مفتوح منذ أمد بعيد، ومنذ عصور غابرة لأنّ وظيفة المثقّف بمعنى ما عامّ وربّما فضفاض وجدت حيثما وجد تمايز في وظيفة حاملي المعرفة بين الدّيني والدّنيويّ. لنقل إنّهم الأشخاص الذين يحملون معرفة وقيمة اعتباريّة غير مستمدّة من الحقل الدّينيّ. يوحّد هذا التّعريف بين فرضيّة لوقوف عن "المثقّف في العصور الوسطى"، وبين ما نلاحظه في الثّقافة العربيّة.
في ما قبل الإسلام وجد الشّاعر، والشّعر اشتقاقا هو العلم، وفي الوقت نفسه وجد الكاهن، فكان الشّاعرمختلفا عنه وكانت له مكانته في القبيلة وخارج القبيلة، وكانت القبيلة تخلعه، فيكون صعلوكا، ويقول شعرا متصعلكا إلى حدّ. ولذلك حرص رسول الإسلام على أن ينفي كونه شاعرا، بقدرما نفى عن نفسه أن يكون رجل دين على الطّريقة القديمة أي كاهنا. وبعد ذلك وجد الأديب، وكان للأديب معنى عامّ شبيه بالمثقّف القروسطيّ الأوروبّيّ. وفي الوقت نفسه وجد الفقيه والمحدّث والمشتغل بالعلوم الدّين، فكان الأديب مختلفا عنه. ووجدنا بعد ذلك اتّجاهات مختلفة داخل صورة الأديب. اتّجاه جماليّ يصبح معه الأديب ظريفا، مولعا بملبسه ومأكله ومشربه، همّه الاهتبال بالذّات على نحو قريب ممّا يعبّر عنه ميشال فوكو بـ le souci de soi
ووجد في القرن الرّابع الهجريّ اتّجاه مأساويّ يصبح معه الأديب مكدّيا. المكدّي هو الأديب اللّصّ المتحيل. أبو قلمون في كلّ لون يكون كما يقول بطل الهمذاني عن نفسه. من يخرج الدّرّ من فمه ليأخذ الدّر بيده، كالكثير من أبطال المقامات، ومن يشكو الزّمان الذي يولّي على النّاس "أرانب لكنّهم ملوك" على حدّ تعبير المتنبّي. ذمّ الزّمان وشكوى الدّهر كان تعبيرا عن المعاصرة باعتبارها مسافة من العصر، وكان محور هذا الإنتاج الشّعريّ والنّثريّ الاحتجاج على الزّمان، لأنّه يجعل الأديب من علية القوم فكرا وبيانا، ومن سفلة القوم منزلة اجتماعيّة.
وفي القرن الرّابع نفسه ظهرت صور عقلاء المجانين. صورة العاقل المجنون معقّدة، دينيّة وأدبيّة أحيانا، لكنّها تقترب من وظيفة المثقّف. والمهمّ أنّ الأطفال يضربونه بالحجارة عندما يرونه في السّاحة العامّة. وهذه إشارة إلى ما في العلاقة بين المثقّف والمجموعة من تناقضات ومن حبّ وكره. فالأمور ليست دائما على أحسن ما يرام بين من ينتفض لأنّ الانتفاض جزء من كينونته، وبين المجموعة التي تراوح بين الانتفاض والعبوديّة المختارة. إنّه التّوتّر بين الرّغبة في أن يكون الإنسان آخر، والتّماهي الذي يجرّ الإنسان إلى أن يكون مثل الآخر. بالتّماهي تتكوّن الكتل، وتتألّف المجموعات وتلتفّ حول زعيم، وبالرّغبة في الاختلاف تنتفض. ومن هنا حسب رأيي إمكانيّة التّمييز بين مثقّفي الاختلاف والرّغبة ومثقّفي التّماهي والهويّة، وهؤلاء يلعبون دور المثقّف التّقليديّ كما في الجهاز المفاهيميّ القراميشيّ، واعتذر عن هذه القفزات التي قد تجدون فيها اختزالا مخلاّ.
وإجمالا، إذا حاولنا أن نقدّم تعريفا للمثقّف مستوحى من القديم ومن الرّاهن، أمكن لنا أن نقول : إنّه حامل لمعرفة، وإنّه يتيم : لا سلطة دينيّة له يستمدّ منها كلامه، ولا سلطة سياسيّة له، ولذلك يعدّ الاستقلال عن السّلطة جزءا من حدّه ومن تعريفه. إنّه يبقى خليعا أو صعلوكا على نحو من الأنحاء، وإن كان جامعيّا حاملا لشهائد عليا كأغلب الحاضرين هنا. فقيد السّلطتين، الدّينيّة والسّياسيّة، لكنّه عبر فقده للسّلطتين ليس رهين المحبسين : محبس السّياسة ومحبس الدّين.
بهذا الإعلان عن يتم المثقّف، نبتدئ ندوة عارية من مواقف السّلطة، لكنّها متخلّية عن سجلّ الشّكوى الماليخوليّة التي غرق فيها أسلافنا عندما كانوا يذمّون الدّهر والأدب باعتباره حرفة الشّؤم، وقد سعينا لأن تكون كذلك باختيارنا للمشاركين وللمكان والزّمان: ندوة للمعرفة الحالمة المرحة على شاطئ هذا البحر المتوسّط بين أوروبا وديارنا، في هذا المركز الرّائق الذي قبل مشكورا باستضافتنا، في هذه الآونة التي تتملل فيها بعض شعوب المنطقة المنتفضة، ويفيق البعض الآخر من سكرة الانتفاضة ليقبل على ولادة عسيرة لا نعرف ما الذي تنجبه، لكنّ ما ستنجبه سيكون ثمرة تحرّر، والتّحرّر لا ثمن له، لأنّه هو الثّمن.
أشكر اللّجنة التي سهرت على تنظيم هذا الملتقى من جامعة الحرّيّات ومن الأوان، وشكرا للحضور لحسن الانتباه.
- نصّ الكلمة التقديميّة لندوة "المثقفون والانتفاضات العربية" المنعقدة أيام 12، 13، 14 جويلية / يوليو 2011 بالحمّامات (تونس). وسننشر تباعا ما يردنا من مساهمات المتداخلين فيها.



tunis - mariem tangour t
7 أيلول (سبتمبر) 2011 12:54
أشكر صديقتي رجاء بن سلامة على هذه الكلمة التقديمية لملتقى الذي يشهد ولا دة التعاون بين موقع ٌالأوانٌ و جامعة الحريات و ذلك حول المثقفين و الإنتفاضات العربية. بينت الأستاذة رجاء بأسلوبها الرقيق و فكرها العميق اهمية المثف عبر العصور في المساهمة في الإرتقاء بالمجنمعات أو مسايرتها و ذلك حسب درجة إستقلاليته عن السلطتين الدينية و السياسية.و أنا كمواطنة و مهتمة بالشأن العام أضم صوتي إلى كافة مامؤمنين بدور العاملين في الحقل الثقافي من أدباء و أديبات , فلاسمة و فيلسوفات, موسيقيين و موسيقيات…و أدعوهم إلى تكثيف الجهود في هذه المرحلة للمساهمة الفعالة في الولادة العسيرة لمجتمعاتنا التي تحدتث عنها رجاء و تعطي ثمارها الطيبة و المرتقبة . إني أومن بمركزية دور المثقفين بجميع أطيافهم في بناء المجتمعات ومساعدتها على الإرتقاء و ذلك لقدرتهم على تهذيب الأذواق و تنشيط العقول وحثها ملى التفكير والبحث عن الحلول المناسبةوالإبتعاد كل البعد عن الركود و الإستسلام للأقدار
الرد على التعليق