الخميس 17 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية


أول مـرّة

الثلثاء 27 كانون الأول (ديسمبر) 2011
بقلم: نداء امريش   
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك


أضمكَ مرتجفة…تحتضنني بقوّة مندفع بلهفةِ خمسة عشر عاما من الغياب..تقبّلني.. فأبكِي..لم أعد يتيمة بعد اليوم، بعد أشهر تشرينية سأكمل عامي الخامس عشر، هذه أوّل مرة احتفل فيها معك، بك…أوّل مرة أراكَ خارجَ مساحةِ العدم، أيدينا لأوّلِ مرةٍ تتشابك، خمسة أصابع تعانق نظيرتها في اليد اليمنى وخمسة مع خمسة في اليد اليسرى، الآن فقط أتقن العدّ…إنها عشرة، وأنت أمامي، كامل العينين والأنف والملامح والفم الذي يحاولُ احتواء كلّ ما مضى، وإلقاؤه بصوتٍ يخترق أذنّي وإذا به يبعثر داخلي ويلحُمني مع سنين مضت..تحدثني مسرعا..خائفا أن يمرّ الوقت ولا يكفي لتقول لي كلّ ما ينبغي على أبٍ أن يقوله لابنته في خمسة عشر عاما، تمسّ شعري وجديلتي وتتفقّدني خلية خلية، كيف كبرتُ في غيابك؟ 

كان من الصعب عليّ وأنا ابنة غيابك أن أتعرّف عليك، أتيتني كلغةٍ غريبة لم أسمعها في طفولتي لأردّدها بالمثل، أنا الآن خارجُ حدودِ الفهم بالفطرة، كان يستعصِي على فهمي، ويكبر منطقي أن أفسّر دخول رجل إلى حياتي الآن، أنا من عشتُ حياتي ناقصة ً من الرجال، دون أب ودون أخ، ماذا عليّ أن أسألك؟ كيف أتعرّفُ عليك؟
أنا وأنت لا نعرف شيئا سوى أنّك أبي وأنّني ابنتك التي ولدت لك وأنتَ مقيّدٌ بين أربعة جدرانٍ من الاسمنت الرديء، لا تتجاوز مساحتها الواحد متر مربع، كالغرباء، أمشي نحوك مدفوعة بصراخِ الآخرين وبكائهم فرحا بعودتك، هل عدت حقا؟ هل أُلغي انتمائي إلى الفراغ وأنتمي لك؟ 


تتمنّى لو أنّ ذراعيك أوسع أو أنّ صدرك يحضن كامل جسدي الذي نما في غيابك. تدهشك خطوط الضوء هنا، الشوارع، الوقت، البنايات، نعم إنه ليس المكان الذي تركته، ليس جسدي وحده من تغير، حتى انكساراتنا أكثر حدةً ونحن أكثر هشاشة، وحدك أنت كنت صلبا وتسلّقت أيامنا من قاع البئر، خانتك المعالم التي ظننت أنها ستبقى قيدَ انتظارك، ولكنك أيضا لم تكن بكامل الانتظار، شعركَ الذي استل لونه الأبيض من عتمة أيامك، تجاعيد حول عينيك تطوي بين ثنايا انحناءاتها كل عذابات غيابك. قطبية التعابير هنا، فوجهي الذي يبدو كصفحة بيضاء خالية من الانحناءات تخفي أيضا، قصص غيابي، وربما لعمق شدتها لم تكتب شيئا على وجهي. هل كنتُ على قدرِ الجمال الذي توقّعتني به، هل أنا كما تخيّلتني؟ أحدّق في ملامحك، هل أشبهك حقا؟ أم أنّ ما قاله الناس عن شبهنا كان محض اختلاق وحسب. من يرى ما أحدثه غيابك في زواياي الداخلية، ليس غريبا أن يكون لك ولي نفس شكل الأصابع، ذات الانحناءة التي تجعل ملاصقة أي إصبعين مفتوحة بشقٍ يشيرُ إلى أقصى اليمين واليسار. 


كل ليلة كنت أخطً لك رسائل لا تقوى على التحليق خارج غرفتي، وحدها ربما مذكراتي ومذكراتك تصلح لتكون رسائل متبادلة، هل لو لم تكن مأسورا لكان اهتمامي متوجها نحو شيء آخر غير أدبِ السجون؟ ذات يوم تخيلتك رجلا من رجال عبد الرحمن منيف في شرق المتوسط، وبدأت أحبّك وأتعاطف معك عن ظهر رواية. هل علم سجّانوك الفراغ الذي زرعوه داخلي وأخذ ينتشر على جلدي بخبثٍ مع فوضى الوقت والمساحة، وعبث سنوات كنت أعيشها يتيمة. كنت أكذب على نفسي، أقنعها أني سأتعرف عليك ذات يوم، عندما كنا أطفالا علمونا قصة الراعي والذئب، الراعي الذي كان يكذب على أصدقائه ويصرخ "الذئبُ أكل خرافي" وحين يهلعون لينقذوه، يكتشفون خداعه، وفي المرة الثالثة حين أتى الذئب حقا، لم يستجب أحد من أصدقائه لصراخه، لأنه كاذب. علّمونا أنّ الكاذب لا يقف إلى جانبه احد… لم يعلمونا أن الكذب ينقلبُ حقيقة أيضا.

تنظر إلى الكنبة جانبي ربما تسعى للبحث عن إخوتي الذين يفترض لو أنّك عشتَ حرّا لأنجبتهم. إلى بيتنا، أهلا بك أنت الغريب ونحن الغرباء عنك. في ذروة الحزن كنت دوما أجهز نفسي كيف سأستقبل لقبي الجديد بان أصبح ابنة شهيد، كيف سُأيتّم مرتين، وكيف ستنسحب من حياتي مرتين دون أن تكون قد دخلتها حقا.

كنت دوما متفوقة في المدرسة ربما لسببٍ واحد فقط ليجعل المعلمة تستخدمني كمثالٍ للطلاب وهي تقول " شوفوا إنها تعيش دون أبيها وتفوّقت عليكم جميعا…ما الذي ينقصكم لتصبحوا مثلها؟؟"، ومائة علامة استفهام تطبع فوق كينونتي، هكذا من حقيقة سجنك أصبحت أنا مميزة عنهم بغيابك، من قال لها إني كنت أعيشُ دونك، كل الرسائل تحت سريري طيلة سبعة أعوام منذ أن تلاءمت أصابعي مع الكتابة، كانت لمن؟ ومن قبلها من يُحصي رسائل الصمت؟ الخريف ودوما اكتب لك، وأمضي زاحفة نحو العمر، وأنا وأنت لم نمارس الأبوة ولا البنوة، اجمع الأوراق الصفراء من على رصيف الغائبين، لأعُد خريف.. خريفان، شجرة..شجرتان، عُمر..عمران، وحدها الأشجار بصلاتها الواقفة تتعرّى كل خريف لتعلن حاجتها للدفء، اليوم أشفق عليّ الخريف ودفّأني بك.

لأوّل مرّة يخونني ظنّي وتأتي الوقائع على كتفي أقلّ ألما، وأستطيع حملك، ربما نحن لا نحمل إلا الأشياء الكبيرة، لذلك تستعصِي علينا الأشياء الصغيرة أغلب الأحيان.
هل نستطيع الآن أن نمضِي قدما نحو زمن ما، مسقطين منه ما مضى من عمرك وعمري كلّ على حدة، لم تشاركني يوما قهوتي الصباحية، ولا سيجارة المساء، غيابك جعلني أكبر بسرعة وأتجاوز أعمار طفولة لا حاجة لي بها دونك، غيابك أوغلني في صمتي، مقننة كل الكلمات التي يسعني قولها، مخبئة كل شيء إلى وصولك، الآن أنت أمامي جسدا وصوتا كاملا، نتعرف كما يتعرف أي عاشقين إلى بعضهما، التقيا في مدينة ما خطأ، بعودتك لم أعد أذهب إلى مقرات الصليب الأحمر لأتوسّل أبا.
وأنت تجلس إلى جانبي وتحدثني عن سنواتك الماضية، مذكراتك التي كتبتها مع الفأر والنملة…الفأر كان رفيق وجباتك غير الشهية. والنملة لتطرق ذاكرتك بحكمة سليمان وتُحملك على الصبر. وأنت مسلوب الإرادة هناك وصل سقفُ الأشياء البسيطة التي تتمنى فعلها هي أن تفتح وتغلق الباب وحدك. تنتظر أن تسمع بالمقابل عن حياتي، أخجل بم أجيبك، وأنا لا أملكُ من عدّة نضالك شيئا. عمّ أحدثك؟ عن الأبواب التي مازالت تفتح وتغلق على مصراعيها في وجه هويتي، أو عن حياتي البسيطة على هامشِ الوقت، لذلك وقفت أتفرج على الحياة وهي تسير… ولم يحدث ما يثير الدهشة أبدا، أتجنب أن أنطق بين كلمة وأخرى ليتك كنت معي، كنتُ أنتظر خروجك، أتجنب أن أتقاذف كرة تشي بالخراب داخلي، كل ما انعكس عن جسدي تحت الشمس ظلٌ مقطعا إلى ثلاثة أجزاء، ظل لا يتقن الاتجاهات الأربعة كان يبحث عن اتجاه واحد يفضي للوصول إليك. 

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

- نزيه كوثراني
29 كانون الأول (ديسمبر) 2011 23:05

-  فرحة اللقاء …
-  إنه لأمر مؤلم حقا أن اكتشف بان السجن خرب أعماقنا إلى درجة جعلنا ميدانا لممارسة أبشع احتلال ..أريد أن أقول بان السجن الذي غادرته كما تقولين لعب لعبته القذرة فاستوطن أعماق الذات وإذا بي احمل زنزانتي أينما وليت وجهي ..حتى جدرانها غالبا ما ترهبني وأنا أجوب شوارع المدينة إذ سرعان ما انتفض مذعورا خائفا من ارتطام وجهي بالجدار ..السجن ليس بذلة نتركها عند بابه المخيف بل أن نعرف كيف يمكن أن نربح معركة الحرية من خلال عدم الانزلاق في تقويمنا للتجربة من خلال الخدع التي ينصبها أمامنا أعداء الحرية ولهذا يسرني أن اطلب منك تغيير زاوية المنظور لتكتشفي الأشياء والفرص الجميلة التي تخفيها مغالطات مظاهر تغير الزمن في الأبدان والبنيان …إن أجمل ما تعلمناه في تلك التجربة الملعونة كانفصال ومسافة في البعد هو القدرة على مناجاة الذات والتمرن على التفلسف في استشكال حتى أتفه اللحظات والمواقف والمشاعر والأفكار …تفهمين ما اقصده في ذلك هو أن نتغلب على الجنون وفقدان الذاكرة ..إن عدم التركيز على المعوقات و السلبيات يجعلنا ندرك حقيقة انتظارات كل واحد منا والتي لايمكن لحدث مغادرة السجن أن يحققها ..تلك الانتظارات واللقاءات الجميلة التي نمت في أحضان الخيال والحلم و التي لم نكف يوما واحدا على مغازلتها ووشمها ليس فقط على أوراق مذكراتنا بل أيضا على لحمنا الحي . وهنا تلعب غايات الجلاد والنظام السجني لعبة الإجهاز من خلال رعب الإحباط الذي يتلوه الحزن والندم فيسدل غبشا على أعيننا ليحول بيننا وبين تجدد نبع الحياة والشد عليها بالأظافر والأسنان ..لهذا أرجوك ألا تكتفي بتأمل الحياة من خلال الشباك لان أفقنا يتخطى تلك الأشجار الهرمة التي لم تعد تغري الطيور بالنزول دون الحديث عن التغريد . صحيح أن أشياء كثيرة تكسرت في دواخلنا لكن ذلك النسغ المتبقي في جذورنا يعدنا بربيع مخضر بهيج ..لنعد جمع وفرز الأسئلة التي تطرحينها باعتماد آلية السؤال وعندها سنكتشف أن كل تلك الهواجس مندسة في انكساراتنا وليست أكثر من الأشواط الإضافية لمعركة السجن التي نحن مرغمون على خوضها و تجاوزها لننفتح على أفق الحياة الذي يصرخ بجنون فرحة اللقاء…


الرد على التعليق

  • Roma - نداء امريش
    3 كانون الثاني (يناير) 16:42

    تحياتي سيد نزيه .. وانت اعمق تجربة، احترم جدا الصلابة التي انت فيها، واحترم ايضا قولك (إن أجمل ما تعلمناه في تلك التجربة الملعونة كانفصال ومسافة في البعد هو القدرة على مناجاة الذات والتمرن على التفلسف في استشكال حتى أتفه اللحظات والمواقف والمشاعر والأفكار …تفهمين ما اقصده في ذلك هو أن نتغلب على الجنون وفقدان الذاكرة)… اوافقك كل ذلك لاجل الاستمرار، ولكنك هنا تتحدث عن المسجون لا عن من فقدوه وكان سجنهم غيابه …كنت اتحدث عن لاخراب والانكسار داخل تلك الانثى التي لم تمارس البنوة تماما…لم تعرف معنى ان يكون ولا يكون لها اب في الوقت ذاته … ابنة لم تجرب السجن ولا الوطن ؟ ! … ربما ولكن يصعب علي تخيل او الوصول الى استنتاج ان هذه البنت قد تكبر ولا تشعر بانكساراتها بهشاشتها المفرطة …حتى وان تجاوز حب الوطن والتضحية لها حليب الام … لانها ببساطة لم تناديه يوما (بابا).. وهي تعلم انه حي ! المسجون خصوصا ان كان سياسيا او في بلد كفلسطين بسبب الاحتلال ..فان سجنه ودون اي شك نضالي ومشرف وادرك تماما رفضه الهزيمة ، ولكن هناك سيدي لحظة مشاعر واحدة تقف معترضة الزمن حين يخرج بعد خمسة عشر عاما وهو وقت كاف لتنمو فيه ابنته في غيابه ، وتركض اليك بعد ان خرجت و لا تدري نحو من هي تركض … فهي لم تعرفه ابدا (اباها) في تلك اللحظه فقط حين يتلامس الجسدان … تفكر بالفرح وتفكر اكثر منه بالخسارة … ركزت في حديثي عن الخسارة اكثر منه عن البطولة ! لا يحتاج من قضى عمرا يقاوم ويصارع جدارن السجن ان اثني عليه انا من لم اقدم شيئا واقول انه بطل … ولكن استطعت ان المس الزوايا الصغيرة لحاجة طفلة لالتي اقصيت بالمسافة والمكان ايضا ! تحياتي لك


    الرد على التعليق

    • - نزيه كوثراني
      3 كانون الثاني (يناير) 19:11

      -  عندما نقرا كتبا فكرية غالبا ما نضيف إليها شيئا في صورة تعليق أو نقد والشيء نفسه بالنسبة للإبداع إلا أنني شخصيا أفضل - ولا اعرف لماذا- أن تكون إضافتي فيما يخص الإبداع كالقصة والرواية لا تعليقا أو نقدا بل محاولة إبداع من منظور سردي للأصوات التي غيبها الكاتب وحرمها حق الكلام ولذلك كتبت باسم الأب المغيب . كما فوجئت بهذا النص الجميل – لأول مرة – وهو يشبه إلى حد ما ما كنت أخطه كإضافة بعد أن أنهيت رواية" ذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي " إليك بالنص وأنا أضع الكرة في مرمى القراء لإبداع ما هو أحسن ولم لا .


      الرد على التعليق

    • - نزيه كوثراني
      3 كانون الثاني (يناير) 19:15

      -  أذكر وأنا طفلة ..هل صحيح كنت طفلة؟ هل عشت طفولتي كباقي الأطفال أم كان علي أن أكون صورة طبق الأصل للشهيد المزعوم السي طاهر الذي ترك أسرة في العراء وسط وحوش الغابة؟ منذ صغري حرموني من طفولتي وكان علي أن اخضع لقوانين الصورة النموذج الذي أراده الأب لطفلته " عيب أن تفعل ابنة المجاهد كذا وكذا ..عيب أن تبكي كالأطفال وهي طفلة ..غير معقول أن تلعب أكثر من اللازم ..غير لائق أن تتشبه في كل ما تفعله بالبنات الصغيرات ..يجب أن تكون متعلمة وذكية ..قوية وشجاعة…" كان علي أن أغادر طفولتي وأن أكون جسدا للذاكرة ومسرحا لتناقضات التاريخ وصراع الطموحات والمصالح ..أن أكون كل هذا وأكثر وأنا لا أقوى على أن أكون طفلة بذاتها ولذاتها . فكيف لي وأنا على صغر سني أن احمل ثقل نفاق التاريخ وحيل الذاكرة الموبوءة.. ابنة المجاهد الأكبر ..ابنة شهيد الاستقلال ..ابنة البطل الشجاع… دون أن اسمع ولو مرة واحدة اسمي بالتمام والكمال . لا اسم ما قبل تاريخي ولا اسم السجل المدني كما سجلته بنفسك تنفيذا لوصية القائد المجاهد. كان من الصعب علي أن أنسجم مع الأطفال ..أن أكون واحدة من البنات وهن يتحدثن بفخر واعتزاز عن هدايا الآباء في الأعياد والمناسبات ..عن تلك الأيدي الدافئة التي تضم كل بنت عندما تعود إلى بيتها .هل استوقفك ولو مرة منظر أب يحمل طفلته على كتفيه وهما يجوبان شوارع المدينة؟ لو قال لك الدكتور اليوغوسلافي الذي طلب منك أن ترسم اقرب شيء إلى قلبك لما ترددت في رسم طفلة على أكتاف أبيها وهي تنظر بعيدا في الأفق بثقة عالية في قوة وصلابة خطوات أبيها ..لاشيء يهددها بالسقوط..هل تافهة حقا مثل هذه اللوحة؟ ولا أعرف لماذا كانوا يضربونني بشتى أنواع الألفاظ وأنا أجرب رسم هذه اللوحة منذ صغري" عليك أن تهتمي بدروسك عوض الرسم الفارغ " هكذا يرددون بصرامة وهم يفاجئونني وأنا أحاول رسم صورة لأب ضيع نفسه في معركة فاشلة ..في موت مجاني لم يكن إلا إحدى حيل التاريخ الماجنة . كنت استغرب رؤيتك الفنية التي تشدها الحبال أإلى هذا الحد كنت مبتورا حتى من خيالك؟ لم يسعفك خيالك بعد أن بتروا ذراعك فماذا تقول عن طفلة بتروا كل شيء في حياتها؟ أب تحاول نسج صورته من خلال خطب الأعياد والمناسبات وذكرى الماضي " المجيد " . أحاول جمع وإعادة ترتيب الألفاظ فلا أجد في الخطب غير الألفاظ . أستنجد بالراوي أو راوي الرواة فلا أجد في فمه غير قصص الأطفال " كان يا ما كان في قديم الزمان رجل اسمه السي الطاهر نذر نفسه لمعركة الاستقلال ..الشجاع البطل الذي يحسب له عسكر الاستعمار ألف حساب وحساب …" قصة مملة إلى حد الغثيان .هل تعرف الآن لماذا أبحث في الرجال عن الرجال ولا أجد فيهم ولا رجلا واحدا يشبه الرجال؟ أعود من المدرسة لأجد أمي ملفوفة في حزنها الأبدي ..تغزل الصوف والمرارة .. جدتي انقلبت عيناها إلى الداخل فلا تنظر إلا إلى أعمق أعماق نفسيتها كأن الاستقلال أعمى بصيرتها .. لم تعد تنظر إلى الناس والأشياء ..كل شيء توقف حتى الزمن ..لا تمل من استحضار الماضي ..بيت مسكون بالأشباح والأحزان ..بالبطولات والأساطير . ما كان يؤلمني أكثر أنني لم أكن اعرف سر الحزن اللعين الذي قطع الأنفاس والفرحة والأفراح ..حزن لا كالأحزان ..حزن جثم على الصدور وشد اللسان في الحلق غصة لا ترحم ..أجساد لعيون مطفأة تغالب الكلام وكأنها تودع الأسرار ولا تقول غير الأحزان . أمي تلك المرأة التي علموها منذ ولادتها أن تحاذر لمس العيون ..فدثروها بألف حجاب وحجاب . ألم تصرح في كتابك أنك لم تر غير تلابيب فستانها وهي تهرب من الألفاظ : رجل؟ لو عشت رعب الألفاظ والكلمات لما اخترت الرسم طريقا للعلاج وليس للإبداع .فكيف لأمي وهي امرأة أن تخرج في الأسواق؟ وأنت تعرف غمز الرجال وشر الأجساد التي ربيت على أن تكون أجسادا ولو من تحت الأثواب.. لعلك تعرف اللعبة البذيئة التي يمارسها الرجال في مقاهي البطالة والجهاد ألا تشم فيها نوعا من المزاد السري للحوم؟ فمن أين لزوجة – حرمة – السي الطاهر بالأمان وهي الذاكرة والجسد والشيطان؟ وأنا أستعيد هذا الماضي اللعين اشعر بتوتر ممزوج برغبة التدمير .. تدمير جميع رموز هذا الماضي المشؤوم لطفلة كبرت بين حقد الجدة على الحاضر والمستقبل والصمت المخيف لام سكنها الحزن والعذاب ..نعم كيف لطفلة مثلي أن تتحمل هذا المقدار الهائل من العذاب والألم ..والجنون؟ غالبا ما احسد تلك النبتة البرية عند سفح الجبل أو بين رمال الصحراء أجدها أكثر فرحا و صلابة ..أكثر حبا وحياة مني . قد تكون عرضة لكوارث الطبيعة . يمكن أن تمزقها أقدام قاسية لبدوي عنيف أو تدفنها رمال الصحراء الملتهبة .. رغم هذا وذاك فهي تقف شامخة مزهوة .. تعتز بجذورها التي تمنحها الحياة وتحدي إثبات الوجود . ما أصعب أن ينمو الطفل وسط المفارقات والتناقضات . تتوالد الأسئلة والأحزان . أجد صعوبة نفسية في فك أسرار هذا العذاب الذي كان ظلا لي . لماذا هذه الصورة المتناقضة للسي الطاهر ( الأب ) فهي صورة جميلة منمقة بأجمل العبارات والألفاظ في الشارع والمدرسة ..في الحي والسوق . تدثرني هذه الصورة الجذابة كقوس قزح .. أطارده لألمس الألوان المغرية والساحرة فأظل ألهث كمن يجري وراء السراب وحين تصل بي قدماي وسط الدار أجدني قد أدركت قوس النار .. صورة أخرى لرجل واحد هو السي الطاهر ( أبي كما يقولون ) ها أنت ترى كم من لوحة عميقة الجذور في خلايا جسمي . كنت ساحة للرسم وكان الجميع بدون استثناء يمارسون لعبتهم الخبيثة فوق جسدي الهش . الواقع المؤلم كما يقول السذج كان يكدس رسوماته على ثنايا جسدي ..ذاك الجسد الذي هز رجولتك وهزم كبريائك ..عطل إنسانيتك وأيقظ حيوانيتك . لو كنت فنانا حقيقيا لرأيت الشقوق والفجوات ..الحفر والجراح ..وحتى الدم الطري . لكنك كنت أعمى كباقي الرجال الذين ينظرون إلى سيقان المرأة لا إلى عيونها .أظنك تفهم الآن أن لوحاتي جزء من ذاتي أتحمل رغما عني حملها كمعرض متنقل بدل تلك الجسور التي تخنقها في الفضاء . أنت تعرف أن الجسور التي تشدها الحبال تظل معرضة للخطر ..أنت تعرف أن اليد الواحدة لا تصفق فلماذا فضلت لعبة الأرجوحة بعد أن بتروا ذراعك.. أنا لا اسخر منك ليس ذلك من شيمي أبا عن جد كما تعرف فأنت وراث سر أبي أليس كذلك؟ أنا بين صورتين فأيهما اختار قوس قزح أم قوس النار تلك صورة بالألفاظ والخيالات الأسطورية وهذه صورة أعيشها مع الأيام بين القلب ( الجدة ) والنبض ( الأم )…
      -  وقد قرأت لك نصوصا جميلة هي صيف والبحر وأشياء أخرى و لغيابك .. .تحياتي إليك


      الرد على التعليق


Paul Delvaux (بلجيكا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter