الثلثاء 7 شباط (فبراير) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > مقالات > أُسطورة الخَلق

أُسطورة الخَلق

الثلثاء 9 حزيران (يونيو) 2009
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

إذا كانت مهمّة الآلهة سهلة وغير عسيرة في خلق السماوات والأرض وما عليها في أيامٍ معدودات، فإنها لم تسترح بعدها مباشرةً حين قرّرت أن تخلق الأُنثى إذ اكتشفتْ عندها أنّ المهمّة تتعقّد وتصبح أكثر تحدّياً لعظمة الخَلق والخالق، فهي بعد أن فرغتْ من عملية إبداع الأرض وتكوين السماوات وتفنّنتْ في صناعة الجسد الذكريّ، فإنها وجدتْ نفسها حائرةً، متردّدةً، عصبيةً، مرتعشة اليدين وفاقدةً الثقة بنفسها عندما قرّرتْ متحديةً ذاتها أن تُبدعَ الأنوثة. لذا قرَّرت الآلهة عندها أن تعقد اجتماعاً طارئاً على مستوى السماء خلُصتْ فيه إلى ضرورة إنقاذ العالَم من رتابته الذكورية بأن تخلق شيئاً يتجاوز القدرة الإلهية، مَعلَماً فنياً يخترق الزمان والمكان يشير إلى عظمة الخالق في خلقه، شيئاً ستُطلق عليه فيما بعد اسم: الأُنثى.

كانتْ تظن في البداية أنّ العملية رغم تعقيدها ودقتها لن تحتاج إلا إلى بضعة أيام لا تتجاوز الأيام الستة التي خلقتْ بها سماواتها وأرضها، ولكنها ما أن شرعتْ بالعمل حتى وجدتْ أنها قد تورَّطتْ في عمليةٍ طويلة تحتاج من الجهد والتركيز والإبداع أكثر من كلّ ما كانتْ قد صنعته من قبل. فكرتْ الآلهةُ طويلاً أيّاما، سنواتٍ، عصورًا: ما هي المادة اللازمة لخلق شيء أكثر من الرجل وأجمل من الملائكة وأطول من الصبر وأشذى من الياسمين وأكثر هشاشة من جناح فراشة وأقوى صلابة من الفولاذ؟؟؟

كانت المهمّة عسيرة وشاقّة، والتحدّي مثيرا وشيّقا. قرّرتْ بعد أن أجهدها التأمّل أن تأخذ من الأرض خصبها ومن الشمس وهجها، ومن الزمان أزله، ومن البحر صفاءه، ومن السماء تعاليها، ومن السنديان صلابته، ومن الزيتون عراقته، ومن الحبّ سرّه ومن ياسمين دمشق شذاه، ومن الفراق لوعته، ومن الشِّعر كذبه الصادق، ومن الحقيقة وهمها. بعد أن جمعتْ كلّ ذلك كانتْ راضيةً عن مادّة الخلق الأولى. ثم جدلتْ الانتظار فكان شَّعر الأُنثى الطويل، وصهرت اللهفة والغواية فكانت عيناها. وضعتْ في كلّ عين مجرّة شمسية كاملة بنجومها وشموسها وأقمارها، وثبَّتتْ ثقباً أسود في منتصف كلّ عين، له قدرة على الجذب أكثر بكثير ممّا لثقوب الكون السوداء الأُخرى. استعارتْ من أنوف الإغريق حدّتها ودقّة نحتها ومن أنوف الفراعنة أنَفَتَهَا لتصنع أنف التحفة. أمّا الفم الأنثويُّ فقد حيّرها كثيراً، وكلما خطرت لها فكرة كانتْ تراها غير كافية. وبعد استنفار قواها قرَّرتْ أن تخلط معاً الينسون والنعناع والعنبر والبهارات الآسيوية والكثير الكثير من الفلفل. لهذا فقد أرسلتْ وفداً إلهياً اشترى من سوق البزورية في دمشق مجموعة كبيرة من التوابل والمسك والعطور والرند والأراك. وضعتْ خلطتها السحرية في جرنٍ إلهيٍ كبير وطحنتها معاً ثم جمعتْ الخليط ونثرته فكانت الشفتان.

لم تجد الآلهة في كلٍّ ما كانتْ قد خلقته قبلاً ما يُساعدها على صناعة النهدين، فقد كانت الصورة أكبر من الواقع والماهية أكثر من الوجود، لذا جازفتْ بأن أوجدتْ عندها الكبرياء والتمرَّد والعصيان، وأعادتْ تكوير الكون بعد أن كان مستوياً، ثمّ حنتِ الزمكان وصقلتِ القباب ووضعتِ القمّة في أسفل الهاوية. لم تكن الأرض حينها تعرف البراكين والجبال، ولكنّها ما أن رأت صدر الأُنثى حتى شعرت بالغيرة فهاجتْ وماجت وأرعدت وأبرقت فواستها الآلهة بأن فجّرتْ فيها البراكين وألقتْ فيها الرواسي.

في السنة المليون بعد الخلق، كانتِ الآلهة قد وصلتْ إلى أحرج المراحل وأكثرها حاجةً إلى التركيز والدقة والتخيُّل: هناك حيث تتقاطع الخطوط المتوازية وتدفن الكنوز المرصودة. فما كان منها إلا أن أخفتِ الوجود في العدم، واللذة في الألم، والحياة في الموت، والحضور في الغياب، والقوّة في الضعف، والضوء في الظُلمة، والصعود في الانحدار، والشتاء في قيظ الصيف. بعد أن جمعتْ كلَّ هذا أخفتْ سرّها خلف بوّابات الجحيم السبع ورمتِ المفاتيح في متاهة سراديب الموت.

بعد أن فرغتِ الآلهة من كلّ هذا كانتْ مُتعبةً وقلقةً بقدر ما كانت مزهوّةً ومعجبةً بما أبدعته. لقد أدركت حينها أنها استطاعت أخيراً أن تُقدِّم آية خلقها وإبداعها الذي راحت ترقبه من علٍ وابتسامة الفخر والحسد لا تُفارق شفتيها.

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

- آدم من الكاف ( تونس )
9 حزيران (يونيو) 2009 11:38

ولم لا؟ مرويّة أخرى تنضاف إلى مرويّات الخلق شكرا استاذ النبواني.. وللأوان جميل العرفان..


الرد على التعليق

الخبر - ناصر محمد
10 حزيران (يونيو) 2009 12:22

خيال خصب حالفه التوفيق. شكراً أستاذ خلدون.


الرد على التعليق

tangani9a - محمد بوغابة
10 حزيران (يونيو) 2009 16:26

ثم بعد مليةن قرن آخر إنتبهت الآلهة أنها أخطأت في خلق الأنثى ، لأنها صنعتها تجري دم فاسد كل شهر …لوثت العالم أكبر مما لوثه آدم . ثم بعد ذلك ، سمت الألهة جماعة الأنثى بالنثونة ، جد نثنة ، و إلا لماذا سميت الأنثى هكذا …سنرى إن كانت الأنثى فعلا لها من الشجاعة ما يكفي لنجدة البشرية من فرط التقدم العلمي المفرط. أشتم رائحة النثونة من بعيد على بعد يزيد على الكلمتر. وجهة نظر


الرد على التعليق

  • TANGER - محمد بوغابة
    10 حزيران (يونيو) 2009 17:24

    العالم يتأنث ، و متوسط عمر المرأة أكبر من متوسط عمر الرجال بكثير. مات الرجال و خلفوا جيوش من الأرامل و زحفت معهم الرمال. أرملة لها حروف الرمال . من هنا بدأت زحف الصحاري désertification


    الرد على التعليق

damas - أنا
13 حزيران (يونيو) 2009 18:49

أتمنى من الكاتب البقاء في دراسته والابتعاد عن الأدب لأن النص جداً ركيك وصوره مبتذلة ويعكس رؤيته السطحية للمرأة فهو يراها أنثى بالمعنى البيولوجي أكثر من امرأة بالمعنى الإنساني


الرد على التعليق

مكان - أحدهم
13 حزيران (يونيو) 2009 18:53

المقال ليس بمستوى المقالات التي اعتدنا قرائتها في هذه الزاوية


الرد على التعليق


christian raffin (فرنسا)

في مفهوم "الدّولة (...)

مفهوم وتركيب لغويّ ظهر حديثا في البلدان العربيّة وباللّغة العربيّة، وهي على الأرجح تنفرد به في اللّغة السّياسيّة المتداولة حاليّا. فصفة المدنيّة تنسب غالبا إلى المجتمع لتعني الفضاء المتوسّط بين الأسرة والدّولة، أي الجسد الاجتماعيّ المنظّم على نحو إراديّ وبمعزل عن الطّبقة السياسيّة. وتنسب إلى المواطن لتعني المواطن الذي ينهض بحقوقه وواجباته من تلقاء نفسه وبكلّ حرّيّة. ويضيفها الفيلسوف الفرنسيّ أتيان (...)
alawan on facebook
alawan on twitter