الخميس 17 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > مقالات > إدوارد سعيد سياسيّا في كتاب الاستشراق

إدوارد سعيد سياسيّا في كتاب الاستشراق

الاحد 16 آب (أغسطس) 2009
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

أودُّ، في هذا العرض، أن أطرح ثلاث نقاطٍ تنبعث من كتاب إدوارد سعيد الاستشراق و/أو تتعلّق به. ترمي النقطة الأولى إلى إبراز جانبٍ سياسيٍّ معيّن من جوانب كتاب سعيد الشهير. فقد كان سعيد، بوصفه أميركياً مخلصاً وفلسطينياً ملتزماً على حدٍّ سواء، عميق العناية وشديد القلق حيال ما أدعوه بمفارقة السياسة الأميركية في الشرق الأوسط العربي بوجهٍ عامّ، وإزاء فلسطين والفلسطينيين بوجه خاص. ذلك أنّه في حين تقع جميع مصالح أميركا الحيوية واستثماراتها النفطية في العالم العربي، إلا أنّ استراتيجياتها وسياساتها لطالما انحازت إلى إسرائيل ودعمت أهدافها التوسعية ذلك الدعم غير المشروط، وكلُّ ذلك على حساب العرب وبأذيّةٍ بالغةٍ أُلحِقَت بالفلسطينيين.

منذ ولادة دولة إسرائيل شكّلت هذه المفارقة مصدر إحراج بالغ (بل مصدر تهديد) بالنسبة للأنظمة العربية التي تحالفت مع الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة. وقد احتاجت هذه الأنظمة جميعاً، ودوماً، إلى "تفسيرٍ" ما لما تبدو عليه أمريكا من عدم القدرة على إنتاج سياسات تتناسب مع مصالحها الحيوية في المنطقة من جهةٍ أولى، ومن عجز عن تلبية الحدّ الأدنى من توقّعات أصدقائها المقرّبين وحلفائها الإستراتيجيين العرب، من جهةٍ ثانية. والنظرية السائدة –التي لطالما حبّذتها المملكة العربية السعودية ورعتها- تنحو باللائمة في ذلك على المنظمات، والقوى، وجماعات الضغط، والمصالح الخاصة، واللوبيات، ورؤوس الأموال، ووسائل الإعلام، والمؤامرات اليهودية-الصهيونية في تشويه تقدير أمريكا لمصالحها الحيوية في الشرق الأوسط، وفي إساءة تحديد الجهة التي ينبغي أن تقف بجانبها في المنطقة. وهذه أمثله على الكيفية التي فعل بها هذا التكتيك فعله في الممارسة، وهي أمثله مستمدَّة من بعض الإعلانات والتأكيدات السياسية العربية السابقة:

(أ)- "وهكذا نجحت القوى الصهيونية والأمريكية المؤيّدة لإسرائيل في جعل الرئيس الأميركيّ يتراجع عن التزامه بعبارة الحقوق المشروعة لشعب فلسطين".

(ب)- "استسلم الرئيس الأميركي للضغوط الصهيونية وتخلّى عن مساندة الحقوق العربية".

(ج)- "إنّ أصدقاء إسرائيل في الكونغرس والخارج مارسوا الضغط على الرئيس الأميركي وأقنعوه بعدم الإفصاح عن آرائه الحقيقية علناً نظراً إلى أثارها الضارّة بالنسبة لإسرائيل".

ولقد عَمِلَ هذا التفسير بصورة ملائمة على إعفاء الرئيس الأميركي من مسؤوليته عن سياساتٍ لا تحظى بأية شعبية في العالم العربي، كما عمل على التخفيف من إحراجات أنظمة المنطقة التي تربطها بذلك الرئيس أوثق التحالفات. والحال، أنّ الحكّام العرب راحوا يزعمون، في دعايتهم وقتها، أنهم قد حققوا تقدّماً على صعيد تبديد المفارقة التي تعاني منها السياسة الأميركية في الشرق الأوسط بمساعدتهم الأميركيين على أن يروا، بصورة صائبة وواضحة، أين تكمن مصالحهم الحيوية طويلة الأمد في المنطقة العربية.

وما أريد قوله هنا، هو أنّ كتاب إدوارد سعيد، الاستشراق، قد قَصَدَ أيضاً إلى تقديم تفسيرٍ أشدّ إتقاناً ورهافةً لمفارقة السياسات الأمريكية في العالم العربي باللجوء إلى نظرية الخطاب الفرنسية في طبعتها الفوكوية (نسبةً إلى ميشيل فوكو). فما يشوّه الرؤية الأميركية في المنطقة ويحدّد ما تنتهجه هنالك من سياسات ضارّة هو سجن الخطاب الاستشراقي الضخم الّذي بُني خلال قرون واستوعبه الآن جميع صنّاع القرار، وراسمي السياسات، والمدراء، والحكام، والدبلوماسيين، والخبراء، والمختصّين، والأكاديميين، والموظّفين، والقادة العسكريين، والمساعدين الغربيين (خاصة الأميركيين)، في تعاملهم مع هذا الجزء من العالم. فحوالي نهاية كتابه يشرح سعيد موقفه على النحو التالي:

إنّ لمنظومة التخيّلات الأيديولوجية التي أدعوها بالاستشراق نتائجها الخطيرة ليس لأنّها مشينة فكرياً وحسب، فالولايات المتحدة تستثمر اليوم بكثافة في الشرق الأوسط وعلى نحوٍ يفوق الكثافة التي نجدها في أيّ مكان آخر على وجه الأرض: وخبراء الشرق الأوسط الذين يُسدون النصح لصناع السياسة قد تشبّعوا بالاستشراق جميعهم دون استثناء. ومعظم هذا الاستثمار مبنيّ على الرمال، إذا ما استخدمنا هذه الاستعارة الملائمة بما يكفي، ذلك أنّ الخبراء يقيمون السياسة على أساس تجريدات يسهل تسويقها مثل النخب السياسية، والتحديث، والاستقرار، ولا يعدو معظمها أن يكون صوراً نمطيةً استشراقية قديمة أٌسبغت عليها رطانة سياسية، ولا يصلح معظمها البتّة لوصف ما حدث مؤخّراً في لبنان أو قبل ذلك في المقاومة الفلسطينية لإسرائيل.

ولاشكَّ في أنّ الكتاب قد رمى إلى تبديد هذا التّشوه – بفضح الجهاز الاستشراقيّ الهائل الذي يشكّل أساساً له– على أمل التوصّل إلى سياسات أميركية أحسن وأكثر واقعية حيال العرب عموماً والفلسطينيين بشكل خاص، وإبراز هذا الجانب من كتاب سعيد، الاستشراق، إنّما يكشف كم كان هذا الكتاب سياسياً في العمق وكم كان فلسطينياً في حقيقته.

وفي النقطة الثانية، أودّ أن أنطلق من مثال على "الاستشراق" بالمعنى الأسوأ الذي يسبغه سعيد على هذا المصطلح، وهو مثالٌ مستمدٌ من كتاب جوناثان رابان، بلاد العرب في المرآة:

أن تحيى في اللغة العربية يعني أن تحيى في متاهةٍ من الالتواءات الزائفة والمعاني المزدوجة. فما من جملة تعني بالضبط ما تقوله. وكلّ كلمة يمكن أن تكون طِلَْسماً يستحضرُ شبحَ عائلةِ الكلمات المتحدّرة منها بأكملها. أمّا النحو العربي فهو خرافيُّ في تعقيداته المراوغة. العربية لغةٌ أقيمت تماماً لكي تعبّر بفصاحةٍ هائلةٍ عن لا شيء، لغةُ تكـلُّّف محض لا يكاد أن يكون فيها أية معانٍٍ حرفية على الإطلاق ويشكّل الإيماء الرمزي فيها كلَّ شيء. والعربية تجعل الإنكليزية تبدو ساذجةٍ، والفرنسية مجرّد رطانة يرطن بها خبراء المحاسبة وأسعار السوق. ويكفي أن تحدّق عبر شقٍّ في حائط هذه اللغة لكي ترى عمق وقتامة غابة الالتباس تلك. فلا عجب إذاً أنّ القرآن قد ذاع صيته على أنه لا يترجم.

من الواضح هنا أنَّ العربية يُحْكَم عليها (ويُرَى أنّها شديدة العَوَز)، تبعاً للمبادئ التي يشتمل عليها التصوّر الديكارتي للغة، وهو تصوّر يقوم ضمناً على مذهب "الأفكار الواضحة والمميزة"، وعلى صدارة الاستدلال شبه المنطقيّ من نمط: "أنا أفكّر فإذاً أنا موجود"، وعلى الطبيعة المنطقية التي يجب أن يتّسم بها كلّ قولٍ أو فهمٍ أصيل، وعلى الإمكانية الكاملة لتحديد المعنى القابل للإيصال وتمييزه.

فإذا ما تحوّلنا الآن إلى مقاربةٍ للّغةِ تفكيكيّةٍ ما بعد حداثيةٍ تقوم على مبادئ مثل انفصام كلّ من العلامة والدالّ والمدلول عن بعضها، وعلى المخادعات التي تنطوي عليها تقلّبات المعنى إلى ما لا نهاية، وعلى ما يتّسم به المعنى من ارتياب دائم، وعلى أنماط الالتباس السبعة عند ناقد ومنظّر أدبيّ كبير مثل وليم إمبسون، وعلى ما يتّصف به انعكاس الفكر على ذاته من ضروب العبث وما إلى ذلك من مبادئ تفكيكية مشابهة، ألا تبدو العربية التي يصفها رابان أشبه باللغة المثلى بالنسبة لمن أثقله القلق من "دازاينات" الشرط الإنساني ما بعد الحداثيّ كما بالنسبة لمقدرة هؤلاء على التعبير عن حالهم؟

بروحيةٍ مماثلةٍ، يتبنّى داريوش شايغان نظرةً مشابهةً (ويوردها باستحسانٍ) عبّر عنها مستعرب فرنسي مشهور هو جاك بيرك. يقول شايغان: "يلاحظ جاك بيرك بحقّ، في إشارة إلى روح اللغة العربية، أنَّ اللسان العربيّ، الذي تفضي فيه كلّ كلمة من كلماته إلى الله، قد صُمِّمَ لحجب الواقع، وليس لفهمه". ويعيد ماليز روثڤن، في كتابه الممتاز الإسلام في العالم، إنتاج هذا النوع من الأحكام باقتباسه وصفَ جوناثان رابان اللغة العربية الواردة أعلاه ومن ثمّ تأكيده: (أ) أنّ العربية تمتنع على الترجمة إلى اللغات الأوروبية أكثر من معظم اللغات الأخرى و(ب) أنّها "لغة تلائم التعبير الدينيّ كلّ الملاءمة". ثمّ يكمل روثڤن ليفسّر هذا الوضع الغريب فيقول:

اللغة العربية هي لغةٌ أقيمت حول الأفعال. فالأسماء والنعوت هي على الدوام مشتقّات من الأفعال، وعادة ما تكون صيغ فاعل أو مفعول أو أسماء فعل. فالشخص الذي يكتب هو كاتب، والكتاب هو مكتوب. أمّا الطائرات والطيور فهي أشياء تطير. وبالمقابل، فإنَّ اللغات الأوروبية، على تعدّد أصولها، تضرب بجذورها في الجواهر: معظم الأسماء في الإنكليزية هي أشياء في ذاتها وليست أجزاء من أفعال التي هي صيرورات. وما يجعل اللغة العربية لغة تلائم التعبير الدينيّ كلّ الملاءمة هو على وجه الدقّة أنّها تحجم عن تصنيف الكلمات في أجزاء متمايزة، وتبقي عليها بدلاً من ذلك في علاقة منطقية ومتوازنة مع مفهوم مركزي، هو جذر الفعل.

مرة أخرى، ألا تبدو العربية أشبه باللغة المثلى في ضوء هذا التحوّلٍ في الإطار المفاهيمي الديكارتي (تحول في البارادايم) صوب: (أ) نقد الفيلسوف ألفرد نورث وايتهيد كلَّ الفلسفات الأرسطية القائمة على فكرة الجوهر والماهية والتموضع البسيط، ودفاعه عن الواقع باعتباره صيرورة دائمة، أو (ب) نقد هنري برغسون الشديد للشيئية Chosisme ورفضه فكرة الأشياء كما هي في ذاتها لمصلحة واقع هو سيلان كوني متحرك على الدوام كما لمصلحة شكل من أشكال التطور الخالق المتواصل أو (جـ) رفض لوكاش للتشييء بمختلف ضروبه دفاعاً عن واقع هو لا أكثر من أحداث وظروف وصيرورات.

إذا كان صحيحاً أنه "في البدء كان الكلمة"، فهل كانت "الكلمة" فعلاً أم اسماً؟ كانت فعلاً بالنسبة إلى اللغة العربية واسماً بالنسبة إلى اللغات الأوروبية، وفقاً لما يقوله روثفن. وسؤالي إذاً، أيّهما أقرب إلى روح الحداثة: الانطلاق من الاسم الساكن أم من الفعل المتحرّك؟ على أقلّ تقدير، فإنَّ جواب فاوست واضح من ترجمته الجديدة للآية الأولى من إنجيل يوحنّا على النحو المعروف: "في البدء كان الفعل".

بالإضافة إلى ذلك يمكنني أن أذكر الاعتبارات التالية دفاعاً عن اللغة العربية: أوّلاً، وجهة نظر روسو في مقالته حول أصل اللغة والتي تفيد أنّ اللغة المجازية هي التي ولدت أولاً، أمّا المعنى الصحيح فلم يكتشف إلاّ آخرًا، وهذا ما يتوافق مع الأطروحة التي ترى أنَّ لغة "مجازية" مثل العربية لا بدّ أن تأتي أوّلاً، أمّا اللغات المكرّسة للمعنى الحرفيّ الصحيح (مثل الإنجليزية والفرنسية) فلا بدّ أن تأتي آخراً. ثانياً، فإنَّ العربية كما صُوِّرَتْ أعلاه لا بدّ أن تلائم تماماً فكرة "إرجاء المعنى" عند فيلسوف مثل جاك ديريدا، كما مع قولته الشهيرة: "ما من شيء خارج النصّ"، كما مع الفكرة التفكيكية القائلة بـ "نهاية المعنى" كلياً. ثالثاً، حقيقة أنَّ العربية بـما فيها من "غابات التباس"مفترضة (على حدّ وصف رابان) تبدو أشدّ تلاؤماً من الإنجليزية، مثلاً، مع الترسيمة النقدية الشاملة لدى أستاذ ومنظّر أدبيّ عظيم مثل وليم إمبسون، خاصةً حين يثني على "الالتباس" بالعبارات التالية:

يمكن لـ "الالتباس" ذاته أن يعني نوعاً من عدم الحسم بشأن ما نعنيه، ونيَّةً في أن نعني أشياء عديدة، واحتمالَ أن يكون شيئاً أو آخر أو كلا الشيئين قد عُنيا، وحقيقةَ أنَّ لقولٍ ما معاني عديدة… هكذا، قد تكون لكلمة ما معانٍ متعدّدة مميّزة أو معان عدّة مرتبطة ببعضها، أو عدّة معان يحتاج واحدها الآخر كي تكمل معناها؛ أو معانٍ متعدّدة تتّحد معاً كي تعني الكلمة علاقة واحدة أو صيرورة واحدة.

هنا، بمقدورنا أن نرفع الرهانات إلى درجة أعلى بهذا الصدد: (أ) بأن نتخيّل التحرّر الذي يمكن للغة العربية أن توفّره مما دعاه ستيورات تشيس ذات مرّة بـ "طغيان (أو استبداد) الكلمات"، و(ب) أن نتخيّل تلك التفريعات المعقّدة التي يمكن للعربية أن تضعها في متناول محاولة إمبسون أن يوضّح معنى النقاشات المرفوعة إلى الدرجة الثانية أو الثالثة حول فكرة "التباس الالتباس" أو تضعها في متناول محاولة ناقد مثل أي. أ. ريتشاردز لأن يقبض على "معنى المعنى". لذلك أقول إنّه على جميع عشّاق فيلم أكيرا كوروساوا الكلاسيكي راشومون (1950) أن لا يُعْجَبوا بالعربية لخصائصها الراشومونية المتأصّلة وحسب، بل أيضاً أن يُعْلوا من شأنها بوصفها الأداة الطبيعية "للواقعية السحرية" ولتعليق معايير الواقعيّة التقليدية جميعاً.

أمّا في النقطة الثالثة فأودّ أن أضع أمامكم الرواية التالية لتجربةٍ مررت بها وذلك بسبب عجزي إلى هذا اليوم عن تصنيف تلك التجربة ضمن سياق الاستشراق أو الاستغراب نظراً لما فيها من التباس عميق ولافت يبدو أنه يتحدّى مقولاتٍ مثل الشرق والغرب ويتجاوزها.

منذ فترة ليست بالبعيدة، شاركتُ في مؤتمر مهيب في "مركز الهند الدولي" في نيودلهي عُنِيَ بعلاقات الهند مع الشرق الأوسط وعُقِد بتوجيه من الدكتور سينغ، السياسي والبرلماني والباحث الهندي الرفيع وبرئاسته. وبذل الزملاء الهنود في هذا المؤتمر ما بوسعهم لدفعِ أجندةٍ معينة حيث أرادوا أن يُسقطوا بالكامل مفهوم "الشرق الأوسط" من الاستعمال مع كلّ ما يلحق به من حمولة ومضامين واستعمالات نظراً لأصوله الاستعمارية ونبرته الاستشراقية ومرجعيته في المركزية الأوروبية الصارخة.

غير أنّ ما أفزعني وصدمني هو اقتراحهم مفهوم "غرب أسيا" كبديل، أي كتسمية "صحيحة" وملائمة للجزء الذي أنتمي إليه من العالم، (الشرق الأوسط العربي)، على أساس أنَّ هذا المفهوم يتفوّق على مفهوم "الشرق الأوسط" التقليدي بأصالته، ودقّته، وكفاءته.

ولقد زعموا، على وجه الخصوص، أنَّ مفهوم "غرب أسيا" يعيد ما شاعت تسميته بـ "الشرق الأوسط" إلى "مرساته الأسيوية" (كما دعوها)، وأنَّه "يتجاوز التصنيف المركزي الأوروبي للبلدان والثقافات والشعوب إلى شرق أدنى، وشرق أوسط، وشرق أقصى بحسب بعدها عن أوروبا أو قربها منها". فرددتُ في الحال مجادلاً: إِنْ كان عليّ أن أختار، على سبيل توصيف الذات و/أو تحديدها، بين رؤيتكم الطبيعية لنا بوصفنا "غرب أسيا" ورؤية أوروبا الطبيعية لنا بوصفنا "الشرق الأوسط"، فلن أتردّد لحظةً في اختيار التسمية الثانية، أي الشرق الأوسط، انطلاقاً من أسباب وجيهة تدفع إلى ذلك. وأوضحت للمؤتمر:

أوّلاً، من بين هاتين الطريقتين المنحازتين والمشوّهتين أصلاً في النظر إلينا وتسميتنا، فإنَّ تسمية "الشرق الأوسط" لها ميزة الانتشار الواسع، ومزيّة الاستخدام الثابت المديد، وهيبة انبعاثها من المركز الفعلي للعالم الحديث (أي أوروبا) وإشارتها إليه.

ثانياً، أنّ تسمية "غرب آسيا" تنتهك على نحوٍ منفّر الطريقة الأساسية التي ننظر بها إلى أنفسنا بوصفنا عرباً "شرق أوسطيين"؛ لأنها تقطعنا عن مصر الواقعة في أفريقيا!؟ وبالمقابل، فإنّ ما من نظرةٍ استشراقية، أو تعريف مركزي أوروبي، أو تصوّر استعماري لـ "الشرق الأوسط " سبق له أن فصل مصر عن بقية المشرق العربي؛ أي عن الجناح الشرقي للعالم العربي، كما نشير إلى أنفسنا أيضاً. ولقد ألححتُ كذلك على أنَّ تسمية "غرب آسيا" هذه تطيح بصورةٍ أخرى لدينا عن أنفسنا كجزءٍ لا يتجزّأ من عالم عربي يضمّ شمال أفريقيا في حين تبدو التسمية الجديدة وكأنها تحيل شمال أفريقيا برمّته إلى مجال ثانٍ أو عالم آخر.

ثالثاً، إنّ تسمية "غرب آسيا"، بخلاف تسمية "الشرق الأوسط"، تسلبنا ما لوجودنا وتاريخنا وتصوّرنا لذاتنا من بعدٍ متوسّطي، لطالما كان مرتبطاً ومتشابكاً مع الضفّة الأخرى من بحيرتنا، أي مع الشاطئ الأوروبي للبحر الأبيض المتوسط. وهنا، كان عليّ أن أتقدّم بحججي جميعاً، فقلت: فكّروا بالاسكندر المقدوني، وروما، وهانيبعل، وذهاب المسيحية إلى أوروبا من عندنا، وبتوسّع الإسلام إلى إسبانيا وأبعد منها، وبالصليبيين حين جاؤونا وبالعثمانيين في أوروبا، وبالاستعمار الأوروبي الحديث لبلادنا وهلم جرا. فكّروا بحقيقة أنَّ هذين الجانبين من المتوسّط يتقاسمان التراث اليهودي- المسيحي- الإسلامي، والإرث اليوناني- الروماني، وهبوط الإسلام على بيزنطة وعلى الشرق الأوسط المسيحي اليوناني ثقافياً، وبالهلّينستينية التي شكّلت أساس العقل السكولائي القروسطي لليهودية، والعقل السكولائي القروسطي للمسيحية الشرقية، كما للمسيحية الغربية، والعقل السكولائي القروسطي للإسلام وتقاسمها كلها أفلاطون، وأرسطو، وأفلوطين، وآدم، وحواء، وإبراهيم، وموسى.

وختمتُ بالتأكيد على أنّ هذا النوع من الديالكتيك التاريخي العابر للثقافات واللغات والقارات لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يستوعب في مفهومٍ هزيل مثل "غرب آسيا"، ولذلك فإنني أتشبّث بمفهوم "الشرق الأوسط" على الرغم من عيوبه الواضحة ونقائصه المعروفة.

وعليّ أن اعترف أيضاً أن تدخّلي هذا قد أزعج مضيفيَّ الهنود وزملائي هناك- خاصة في اليوم الأوّل من الاجتماع - لما أثاره في الحال من اضطراب في أجندة المؤتمر. غير أنّ الجوّ تحسّن لاحقاً، لكنّني لم أستطع أن أتجنّب ما تنامى لديّ من ارتياب شديد بأنّهم كانوا يتوقون كلّ هذا التوق إلى تسميتنا بـ "غرب آسيا" لأنّهم يستوردون معظم بترولهم ممّا يُعَدّ بالنسبة إليهم غرب آسيا بالفعل.

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

- حنين الحافي
16 آب (أغسطس) 2009 13:11

للأسف، عنوان المقالة شيء وسائر المقالة شيء آخر مختلف تماما. هذه هي مشكلة الكتابات العربية. ثمّ ألا تلاحظ أنّ ما تعيبه على الغرب الذي ينظر إلى الشرق من منطلق المصالح السياسية، هو بالضبط ما تفعله أنت مع سائر العالم؟


الرد على التعليق

- سلمى
16 آب (أغسطس) 2009 16:58

يبدو العظم وكأنه يتعالى على سياق نصوص الشواهد المختلفة التي يدرجها في مقالته والتي تتعلق باللغة العربية. إن حكم جوناثان رابان المطلق، سواء كان يشير إلى دونيّة لسان الآخر (العربيّة) أو حتى رفعته، يقوم على انتزاع هذه اللغة من سياقها الاجتماعي اللغوي. وهو تناول درجت عليه خطابابات الاستشراق مقابل مركزية لسان الأنا الأوربية المتوضعة في الاجتماع والتطور الصيرورة. أما اقتراب هذه اللغة، من وجهة نظر العظم، من معيارية أو مثالية التفكيكية، فهو يتعارض مع حربائية التفكيكية نفسها التي لا تقبل بمعيار كوني، لأن ما بعد الحداثة تقوم على معيارية النسبيّة الذاتوية.


الرد على التعليق

- Ahmad
16 آب (أغسطس) 2009 17:00

أرى أن الخطاب الاستشراقي هو سلطة القوة وهي تطلق ممارستها فعلاً، لا سجناً يبرر ممارساتها. وكتاب الاستشراق لسعيد هو موقف سياسي معارض لسياسة سلطة القوة.


الرد على التعليق

- Rita
16 آب (أغسطس) 2009 20:25

في اللغة اللاتينية التي توزعت عنها عدة لغات أوربية، وبمقتضى انجيل يوحنا (سان خوان) "الكلمة" هي "فعل": "في البدء كان الكلمة (الفعل) والكلمة (الفعل) كان عند الله وكان الكلمة (الفعل) الله" (In principio erat Verbum et Verbum erat apud Deum et Deus erat Verbum)


الرد على التعليق

- آلاء محمد
17 آب (أغسطس) 2009 11:31

هناك فارق بين الثقافي والسياسي. محاججتك حول تسمية الشرق الأوسط تمس الثقافة وأتفق معها، إلا أن هناك تسميات تخص الدوائر السياسة المتبدلة وهي لا تمس أو تتطاول على الثقافي الذي يتسم بالاستمرارية والتراكم والتبادل… تسميات مثل الجنوب، الشمال، شمال افريقية، غرب آسيا، منطقة الخليج (الفارسي أو العربي)، دول الخليج العربي، وادي النيل، حوض المتوسط، شرق المتوسط، الشرق الأوسط، الشرق الأوسط الكبير، الجامعة العربية، الجامعة العثمانية، الجامعة الإسلامية، الجامعة الشرقية، سوريا الكبرى.. إلى ما هنالك، هي تسميات سياسية تخص المصالح السياسية والاقتصادية بين مكوناتها. في كل الأحوال السياق الذي يستخدم فيه مصطلح"غرب آسيا" هو ما يحدد طبيعة هذا الاستخدام ويشير لجوهره. وأن نكون عند غرب آسيا أو إلى الجنب الشرقي بالنسبة لأوربا فهذا يبدو وكأنه يعني سياسياً أننا نلحق لنقاس نسبةً للمسافة التي تفصلنا عن محور مركزي يبعد عنا.


الرد على التعليق

تونس - سليم بن عاشور
17 آب (أغسطس) 2009 23:01

العظم واضح في كتاباته دوما ، يدفع باطروحاته وفق منهج ديالكتيكي يجعل القارئ متبينا للفكرة المراد تبليغها ،فتفسير الواقع حاضر كما الدعوة الى تغييره ايضا ، نقد العظم منذ سنوات ادوارد سعيد و ها هو الان في مقال سريع يكشف عن السياسي المخفي في خطاب سعيد ، اما حديثه عن اللغة العربية فما فيه من تلميحات يصلح لكى يكون اساسا لبحث مطول ، كما ان ملاحظته حول مفهو الشرق الاوسط عميقة ، فهو في الوقت الذي يتمسك بها تجاه مركزيات لا لون لها يدعو الى تجاوزها و لكن في الاتجاه المتحرر من وطأة الالحاق و التبعية . نتمنى موفور الصحة لصادق حتى يكتب المزيد المزيد .


الرد على التعليق

- ATheer
19 آب (أغسطس) 2009 00:01

أعتقد أن ادوار سعيد قام ببحثه الهام حول الاستشراق من خلال وجهة نظر ذلك الفرد الذي ينتمي لـ "خارج المكان". أرى أن هوية "خارج المكان" تتحكم بموقف سعيد في الاستشراق قبل القول بأميريكيّته أو فلسطينيّته. عندما وجه له السؤال حول الفضاء الذي يحب الحياة فيه، لم يتردد باختيار نيويورك كمدينة كوسموبوليانيّة. من يكون وطنه ذلك الـ اللاهنا واللاهناك يعي بعمق "خارج المكان"، والذي لا يمت بصلة لفكرة المنفى.


الرد على التعليق

- جميل
19 آب (أغسطس) 2009 00:16

سواء كان صحيحاً أنه "في البدء كان الفعل" أو "في البدء كان الكلمة". فإن البدء المتحرك مع الحداثة أو الساكن في المحافظة هو مذكر بامتياز، ففي كل من الرؤيتين تمّ إقصاء المرأة من الفضاء السياسي وعزلها في خباء الخاص.


الرد على التعليق

دمشق - حازم العظمة
19 آب (أغسطس) 2009 22:26

الصلة بين " مابعد الحداثة" واللغة العربية , باعتبارها لغة التوريات والمعنى المتعدد و والتباس المعنى , تبدو لي ذات نكهة مثيرة و محرضة للمزيد في هذا , … سلمى (في تعليق سابق ) احتجت على " نزع اللغة من سياقها الإجتماعي اللغوي " ولا بد أنها كانت تعني المفارقة بين البيئة التي نشأت فيها اللغة العربية والبيئة التي أنتجت " بعد الحداثة " ولكن ثمة ما هو مشترك –كما أرى – في البيئتين , الإنسان في العصور التي سبقت الصناعة كان في مواجهة الطبيعة والكون أعزل تقريباً وهذا ما أنتج شعراً – وليس لدى العرب وحسب – وأنتج لغة ( كالعربية ) تفتقر إلى " الدقة الديكارتية " – أو هكذا افترض الإستشراقيون- ربما أنها هذه "النزعة الشعرية" في اللغة – على عكس الدقة الديكارتية- ما جعل جوناثان رابان يصف العربية هكذا , وهذا الوصف أجده جميلاً على كل حال (بصرف النظر عن التعالي ذو النكهة الكولونيالية الذي يفوح من العبارة)


الرد على التعليق

- Asma
20 آب (أغسطس) 2009 19:39

فيما إذا اعتبرنا أن اللغة هي وسيلة تواصل وتفكير، فإنها بمعنى ما تعبر عن الشخص المتحدث بها. وعندما تشير بعض السرديات الاستشراقية إلى لاعقلانية جوهرانية في اللغة العربية فإنها تقول بلاعقلانية الفرد ذي اللسان عربي، ولاأعتقد أن لذلك علاقة بتعددية نموذج مابعد الحداثة الفلسفيّة. أية لغة تحمل تورياتها وسياقاتها واختلاف معانيها باختلاف مرسلها ومتلقيها على حد سواء. وأعتقد أن رأي رابان يشير إلى قصور منه في فهم هذه اللغة ولكنة يلقي بالتبعة على خرافية وتعقيد موضوعه وهو اللغة لا على ذاته المدركة العقلانية الواضحة. من جهة أخرى وكما يبدو فإن معياريّة مابعد الحداثة تقوم على عدميّة فوضويّة نرجسيّة ولا أعتقد أن اللغة العربية تقارب هذا المعيار، ربما لأن أفراد مجتمعاتنا لم يتبنوا العدمية الفوضويّة كفلسفة وممارسة يومية حتى الآن رغم العولمة. كما لا نغفل عن القول أن اللغة العربية هي لغة تاريخية (كاللاتينية) لم يمسها الإصلاح الحداثي بشكل جذري.


الرد على التعليق

- أثير
23 آب (أغسطس) 2009 16:07

بالنسبة للبعض أُسست الحداثة الأوربية على عقدٍ اجتماعي هو في عمقه التاريخي عقد جنسي عرقي بين ذكور بيض؛ وأعلنت الثورة الفرنسية حقوق الإنسان، وهي في الواقع حقوق الرجل الأبيض من الطبقة المتوسطة. وقامت السلطة المعرفية العقلانيّة لهذا الفضاء التنويري الحداثي بمزاولة علمٍ جعل من مركزية التفوق العرقي للأبيض مسألة حتميّة بيولوجيّة تشريحيّة. والمثال الصارخ على هذه الخلطة العلمية (الجنسيّة العرقيّة) سارتجي بارتمان من جنوب افريقيا والتي أمتع "توحشها البدائي" وهي حيّة الكثيرين في أوربا، وعرض هيكلها العظمي حتى 1974 في متحف الإنسان في باريس، والأمر الدوني نفسه طال جمجمة سليمان الحلبي، والتي أفاد معرفياً نموذجها التشريحي، كـ"جمجمة مجرم"، الكثيرين مقابل معيارية عبقرية جمجمة ديكارت في نفس المتحف. بمعنى ما، الاستشراق الذي تناوله سعيد يستبين الكيفيّة التي تم بها إقصاء نقيض غير سياسي وغير قابل للجدل بسبب طبيعته الجوهرية. أما كون العربية أقرب لمعيار ما بعد الحداثة من المعيار الديكارتي، فهو غير مهم بالنسبة لي لأني لا أفكر بمعيار متعالي مسبق، وإنما أفكر بأن اللغة العربية تحتاج لمتابعة الإصلاح الذي كان بدأ مع التنوير العربي.


الرد على التعليق

- ريما
23 آب (أغسطس) 2009 17:42

من خلال مقاربة العظم اللغوية حول اللسان العربي، وفيما إذا قبلنا تجاوزاً بالاعتبار الديني، هل يمكن القول بأن الله تحدث في القرن السادس للهجرة لغة تفكيكية ما بعد حداثيّة، متجاوزاً بذلك زمن التنزيل؟… لعل هذا يضيف معجزة بيانية أخرى للقرآن، أو للغة الله والعكس صحيح.


الرد على التعليق

- Jasmin
23 آب (أغسطس) 2009 17:52

سؤال خارج الموضوع: إذا كان في البدء الكلمة، والله أقام الحياة بالكلمة خلال ستة أيام، ثم استراح في اليوم السابع. هل استراح الله لأنه تعب؟ وكيف يتعب وهو مطلق القدرة؟!! لعل كون الكلمة فعلاً أقرب لاحتمال الصواب من كونها اسماً.. وإلا كيف يتعب الله ولم يقم بفعل؟


الرد على التعليق


Paul Delvaux (بلجيكا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter