ما من أحد في العائلة لم يكن يحب جدّتي، من الكبار عامّة، والصّغار خاصة ، ونحن أحفادها ، رغم كل الاختلافات بيننا ، كنّا نتّفق على حبّ جدّتي لأبي ، حليمة . حتّى أمّي ، كانت تشعر نحوها بالكثير من الاحترام والتقدير.
كانت جدّتي تصحبني إلى مسجد الحيّ ، لصلاة التروايح الطويلة ، بعد صلاة العشاء في رمضان ، وكنت أصحبها فرحة ، لا حبّا بالمسجد ، ولا بالصّلاة ، بل حبّا بها ، لو أنّها ، والمسكينة بعيدة عن هذا ، كانت لتذهب إلى الكباريه ، للحقت بها ، لأنّ متعة أن يكون أحدنا مع جدّتي ، هو المطلب .
ولكنّ متعتي في مرافقتها إلى المسجد كانت لا تفوقها متعة ، لأنّ جدّتي كانت وبهد انتهاء الصلاة ، حيث يتمنّى المصلّون ، أو تحديدا المصليات ، الخير والهداية ، بعضهن لبعضهن ، بل وتتلو المصليات سورا قرآنية وهن يمسدن أجساد بعضهن ، لمباركة الجسد وطرد الأرواح الشريرة . كنت أشعر كما لو أن مكانتي كانت تعلو ، وأصبح لا مجرّد حفيدة لها ، بل صديقة .
كانت جلستنا المتشابهة على سجادة الصلاة ، تلغي الفوارق بيننا ، وكنت أشعر أني أصبحت مثلها ، ودوما كانت المثل الأقوى بيننا ، للتمثل بها .
حتّى إنّ بعض إخوتي الذكور ، ولم يكن متعلقا بأحد ، لا بأمي ولا بأبي ، بل كان متعلقا بها فقط ، بجدتي ، إلى أنها كانت تجدها أمامها ، مهما حاولت الابتعاد عن الحي . كان أخي ، يقلد جدتي في طريقة نظافتها ، وكانت تلك ، تحتفظ دوما بمناديل قماشية بيضاء ، تدسها بين ساقيها ، للاطمئنان على سلامة وضوئها . فكان أخي يفعل مثلها ، إلى أن نبهته أن الصبيان لا يحتاجون لهذه الاحتياطات والتدقيق على نظافة أعضائهم السفلية .
كنا نحبّ الله مع جدتي ، وكانت تأتي بالله دوما إلى المنزل ، كنا ننساه حين تغيب ، أو تختفي لأيام أو أسابيع ، لدى عمي أو إحدى عماتي ، وما أن تعود ، وتمد سجادتها للصلاة ، وكانت دوما جاهزة ، حتى كنا ، أخي وأنا ، نهرع للالتحاق بها .
كان الله جميلا مع جدتي ، لم تكن تنهرنا عن شيء ، أو تنتقدنا ، أو تعاقبنا ، أو حتى ترفع صوتها علينا باسم الله.
قلت لها ذات يوم ، وكان الطقس ربيعيا وجميلا ، وكنا وحدنا نجلس أمام عتبة باب المنزل ، نتمتع بالشمس ، وقد شعرت باسترخاء ، ولم أتجاوز حينها سنواتي الخمس عشرة :
- تعرفين يا جدتي ، أنا لا أؤمن بالله !
لم تشعر جدتي بالصّدمة ، ولم تعبس ، بل نادتني للاقتراب منها ، تركت كرسيي ، والتصقت بها ، راحت تمسد ظهري بيدها ، وتتلو علي سورا من القرآن ، لتهدأ روحي ، ثم قالت :
- لا تصغي لوالدك الشيوعي ، هؤلاء لا يفهمون الحياة ، إن الله هو الذي خلقك وخلقنا ، وبفضل الله نحن هنا ، نتحدث ، ونتمتع بالشمس ، تذهبين إلى المدرسة ، تتعلمين ، وتفكرين … كل هذا قد منحك الله إياه ..
اكتفت جدتي بكلمات خفيفة ، محاولة إيصال رسالتها الروحانية لي ، ببساطتها الفكرية ، وبلغتها الممزوجة بين الكردية التي تتحدث بها وتتقنها ، والعربية التي لا تتقنها جيدا ، ولكنها اللغة التي نتحدث بها في المنزل .
لم تكن جدتي امرأة مثقفة أو مطّلعة ، ولم تغادر البلاد سوى لأداء فريضة الحج ، إلا أنها كانت تتمتع بروح متسامحة ، وقدرة على رؤية الأمور بهدوء ، ودون غضب ، وكانت ، كلما تعرّض لها أحد بمكروه ، أو بكلام أساء إليها ، تمد سجادتها ، وهي طاهرة ومتوضئة على الدوام ، وتصلي .
لم تتدخل يوما في قناعات أبي ، ولم تنصحه ، بل كانت تتقبل تهكمه من إسلامها ، بروح نقيّة من الحقد ، داعية له بالهداية ، وكان أبي يحبّها لا كأمّ فقط ، بل كامرأة مليئة بالوقار والصمت .
كان الله جميلا ، وكانت الصلاة راحة ، وكانت جدّتي امرأة مسلمة ، ولم نكن ننفر منها .
لم تعظني يوما ، ولم تنتقد أيّا من تصرّفاتي الهوجاء ، بل على العكس تماما ، كانت الجهة الحامية لنا ، نحن أحفادها ، والمدافعة عنا ، والمبرّرة لكل حماقاتنا ، صابرة علينا ، حتى نكبر ونتعلّم من الحياة .
كانت لها صديقة ، حاجة مثلها ، كانتا تثرثران أحيانا معا ، وصارت تلك السيّدة تتردّد على بيتنا ، لزيارة جدّتي ، وتغيّر الله !
لم تتغيّر جدّتي ، ولكن الله الذي كان يحضر مع تلك الحاجة ، أم سعيد ، كان إلها غاضبا ، منتقدا ، لا يعجبه شيء .
كانت أم سعيد تتدخّل في شؤوننا ، نحن الصغار ، وتحاول أن تفتي في أمور الكبار ، وتحرّض جدتي علينا . إلا أن الله المرافق لجدتي ، كان هادئا وصبورا ، حتى أمام غضب ونزق أم سعيد .
توقّفت عن الصلاة بوجود أم سعيد ، ثم تركنا الصلاة نهائيا ، أخي وأنا … وبدأنا نتجه إلى اتجاهات أخرى ، غير الكعبة .
ذهبت أنا لرفقة أبي ، وذهب أخي صوب قوم آخرين .
ماتت جدّتي ، وغاب الله الذي كنت أعرفه معها ، ولم أعد أرى سوى وجوه الله التي جلبتها أم سعيد ذات يوم ، وبقيت .
عاد أبي ، أو " صحا " أبي ، كما الكثير من أبناء جيله ، ليسلك درب أمّه ، وليمدّ سجادتها بين الحين والآخر ، إلا أنّ الله لم يعد بعودته .
كما لو أنّ الله قد ذهب ولمرّة واحدة .
لو أنّ جدّتي تعود !



- يجعله عامر
26 نيسان (أبريل) 2008 01:06
نصُ يستدعي الأرواح القديمة ويعانق الجدة المفارقة ويأسى على عودة الأب نص يحلل بالرمز والأسطورة ، ليكتشف طرد الأرواح الشريرة ، بتلاوت مُعتقة ، لطيبات مؤمنات . نص ، ينبض بضجر الواقع من إزعاج آلهة الزيف ، وقتل الإله الجميل .. لكن أين الله عند مها الله عندها قد غاب وما عاد له من ظهور فقد ماتت الجدة ……..
ولكن جدتي أنا لم تموت .. أرى جدتي في كل مكان أراها في صوت الكروان يغرد وأرها في عناد إبليس وصرخة موسى في بني إسرائيل أراها في محراب السادة وفي سُبحة الولي أرها في طفل يصرعه المرض وأراها في تربيت كف على كتف أراها في دمعة العشاق وفي سجن المجاذيب …
الرد على التعليق