الخميس 17 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > أبحاث > إشكالية العقلانية عند الجابري

إشكالية العقلانية عند الجابري

الاثنين 13 حزيران (يونيو) 2011
بقلم: حسن أوزال  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

"كل فلسفة معاصرة، هي إما سياسية أو بوليسية"

نتشه، الاعتبارات اللاوقتية، ج.2.

 

أودّ ونحن اليوم نحتفي بالذكرى الأولى لوفاة الجابري، أن أستهلّ كلامي بالتوكيد بداية، على أنّ الوفاء للأموات، لا يتجلّى في مدى إخلاصنا لأرواحهم، سواء بتمجيد خصالهم أو ذكر مزاياهم، بل يتجلّى في ذلك القدر من التعاطي مع الحياة، الذي جعلوه ممكنا من بعد رحيلهم.

لذلك، ارتأيت أن تجيء ورقتي هاته تفكيرا في استشكالات تخترق كلا منا، ليس فحسب لأننا نتقاسمها جميعا، بل أيضا لأنّه على منوالها صار كلّ منّا، بهذا النحو أو ذاك، منغمسا من حيث لا يدري في مشروع صاحب نقد العقل العربي. إنّ هذا المشروع الذي استطاع أن يفرض ذاته لا على المستوى العربي فحسب بل العالمي، هو ما يتسمّ بنوع من الغواية والفتنة، يستشعرها كلّ قارئ ما أن يدلف بابه، بحيث يشدّه إليه شدّا عزّ نظيره، وذلك من جهة أولى، جراء أسلوب صاحبه المتميز بأناقة ودقّة قلّما نجدهما عند كاتب من الكتاب، كما من جهة ثانية جراء سلاسة التحليل ويسر بسط الأفكار على نحو متسلسل منطقيّ تكاد لا تشوبه شائبة. ذلك لربما هو ما جعلني، أقرأ للجابري منذ عقد من الزمن أو يزيد، بل وأكتب ضدّه ومعه؛ لا بل وكذا القضايا التي أخضعها للتمحيص من قبيل : قضية التراث والحداثة، الهوية والاختلاف، أو بتعبيره نفسه الأصالة والمعاصرة… إلى غيرها من القضايا التي نكاد نجملها في إشكالية واحدة، هي إشكالية الدين والعقل.

وبالمناسبة فالجابري إذ لا يصرّح بذلك جهرا، يسلك نهج اللفّ والدوران، مقحما الديني في سياق ثقافي عامّ يدعوه بالثقافة العربية تارة وبالتراث العربي المعاصر تارة أخرى. وفي سياق الهوس بالتراث وهاجس كيفية التعامل معه، يجيء إذن مشروع الجابري الذي هو نقد العقل العربي بأجزائه الأربعة.

لكنّ ما يلفت النظر في هذا العمل الضخم جراء استنفاده جهد حياة الرجل بأكملها (أزيد من ربع قرن) إنما هو عدم قدرته رغم ذلك على تفكيك ما رمى إلى سبر أغواره وهو مع ادّعائه "تجاوز الفهم التراثي للتراث" بغاية الفهم الحداثي له والعصريّ، ظلّ طيلة هذا المسار حبيس نظرة لا هي برافضة للتراث ولا هي بمتجاوزة له. نظرة أقلّ ما يمكن أن يقال عنها إنها نظرة دينية لاهوتية تعتمد العقلانية انتصارا للروح ضد الجسد ونشدانا للآخرة بدل الحياة الدنيا.

يتجلى ما نحن بصدد قوله في التخريجات التي تصدر عن الرجل بين الفينة والأخرى، هنا وهناك في هذه الصحيفة العربية أو تلك (أنظر مقالة له بصحيفة إيلاف، نقلا عن الإتحاد الإماراتية بتاريخ 2 فبراير2010 بعنوان:"الشهادة والشهداء والحور العين")، والتي هي في مجملها، تخريجات فقهية لا ترقى أو تليق بأن تنسب لمفكّر من عيار الجابري، على اعتباره هنا، ويا للعجب، يسلك مسلك الفقهاء لا المفكرين، شارحا ومفسّرا مقصد القرآن من الاستشهاد على أنه مجاز بنية الترغيب ولا يصحّ أخذه مأخذ الدلالة المادية اللفظية.

فبين مسعاه العقلانيّ الذي يتوخى "تحرير تصوّرنا للتراث من البطانة الإيديولوجية والوجدانية التي تضفي عليه داخل وعينا طابع العامّ والمطلق وتنزع عنه طابع النسبية والتاريخية"(1)؛ وبين منهجه القائل بأن التغيير، تغيير التراث يجب أن يتمّ من الداخل، قلت بين هذا وذاك، نتفاجأ بنقد يروم المصالحة إن لم نقل التزكية، ونلفي أنفسنا وجها لوجه أمام تحليل إبستمولوجي مبطن بدسم تيولوجي.

إن الجابري إذ يتبنى النقد الإبستمولوجي كما يقول لا النقد اللاهوتي(2) ، يسقط من حيث لا يدري في مطبّ المنافح عن مملكة الله، مبشرا بالماورائيات والجنة والنار وحور العين وشجرة الزقوم ولو مجازا. وهو بذلك لا يكاد يختلف في شيء عن باقي تجار الدين وهم كثر.

وفضلا عما سلف يمضي بنا في خضم نقده لبعض مدعي الحداثة، في العالم العربي، إلى التوكيد على أنهم مجرد" مقلدين لبعض فروع تيار الحداثة في الغرب غافلين أو متغافلين عن الفارق الهائل بين وضعيتنا ووضعية الغرب."(3)؛ ليس هذا فحسب بل حتى هؤلاء الغربيون، انصرفو ا، هم أيضا، بحسب الجابري عن العقلانية كلية بعدما أتخمتهم، فتمرّدوا عليها."

وقد ذهب التمرّد ببعضهم، لأسباب مختلفة، ذاتية في الغالب، كالفشل في تأكيد الذات اجتماعيا، إلى السقوط في مخالب نزعة صوفية دينية أو ملحدة، والوقوف بالتالي موقف العداء للعقلانية جملة وتفصيلا"(4).وههنا يحق لنا مساءلة صاحب نقد العقل العربي مرة أخرى، عما إذا كان الإلحاد ضدّ العقلانية؟ أليس الإلحاد انتصارا للشك بدل اليقين، ورغبة في شقاء السؤال عوض طمأنة الجواب؟ أليس الإلحاد مسعى تنويريا راديكاليا، يروم أوّل ما يروم التخلص من الدين باعتباره أفيون الشعوب، ومن التراث كمفهوم إديولوجي، يعلي من شأن الخرافة على حساب العقل؟ لكن قبل هذا وذاك، متى تحقق الإلحاد في أوربا؟ أليس عصر الأنوار نفسه عصر ألوهية، حارب الملاحدة على قلتهم، وصان عهد البرجوازيين والمحافظين، والملوك؟ فهل يشارك الجابري هنا كل أولئك الذين ولئن شنّوا حربا ضروسا ضدّ التنوير والعقلانية، أمثال فولتير وغيره، ظلوا يُحسبون خطأ ضمن التيار العقلاني التحرري؟ الحاصل أن الجابري لا يتوقف عند هذا الحدّ في إقصاء المغاير والمختلف عن حقل العقلانية كما يفهمها بل يسترسل في نهجه ذاك لينحي جانبا كل العقول التي لا تتطابق وما سماه بالعقول الثلاثة التي هي العقل العربي واليوناني والأوربي، مبرّرا انتقاءه ونزوعه المركزي هذا بـقوله "أن المعطيات التاريخية التي نتوفر عليها اليوم تضطرنا إلى الاعتراف للعرب واليونان والأوربيين بأنهم وحدهم مارسوا التفكير النظري العقلاني بالشكل الذي سمح بقيام معرفة علمية أو فلسفية أو تشريعية منفصلة عن الأسطورة والخرافة ومتحررة إلى حد كبير من الإحيائية التي تتعامل مع أشياء الطبيعة كأشياء حية، ذوات نفوس تمارس تأثيرها على الإنسان وعلى إمكانياته المعرفية."(5).

هكذا يتحول المنهج الإبستمولوجي إلى إيديولوجيا ويضحى منطق التحليل العلمي الموضوعي الذي صرّح الجابري باقتفاء أثره، منطقا إقصائيا، اختزاليا أحيانا، وتحريفيا، تضليليا أحيانا أخرى.لكن لنا ألا نستغرب الأمر لأن صاحب النقد يقرّ بممارسة السياسة في الثقافة ونحن معه في هذا الطرح لا لشيء إلا لأنه قبل الوجود ثمّة السياسة على حد تعبير فليكس غاتاري.

لست أدري لماذا عزم الجابري وأصرّ، على تأثيث العقل العربي بتحف مخصوصة، على نحو يليق لوضعها في الواجهة؟ فالرجل إنْ راح يصنّف مجموعة من الكتاب والمؤلفين كعقلانيين، فليس إلا من أجل الزجّ بآخرين في صفّ الخرافة واللاعقلانية؛ وإذا كان التيار الأول بحسبه يتزعمه ابن رشد فالثاني يتصدره أبو بكر بن زكريا الرازي.

كيف؟ لأن هذا الأخير ينطوي على نوع من النزوع الهرمسي بنظر صاحب "نحن والتراث" ويستحسن روحانية غنوصية . "لقد أنكر الرازي النبوة، يكتب صاحب نقد العقل العربي ، ولكن لا من موقع عقلاني مادي، بل من موقع غنوصي روحاني"(6)؛ ههنا تشتد الحبال، ويتعثر بنا النقد في ترهات التلفيقية، إذ كيف لصاحب "الطبّ الروحاني" أن ينقلب بين أنامل الجابري بين عشية وضحاها إلى صاحب عقل مستقيل، ويُنعتَ بالفيلسوف اللاعقلاني؟ لكنه، يكفينا تفنيدا لهذا الزعم أن نستأنس بنص لعبد الرحمن بدوي يؤكد فيه أن"عقلانية الرازي، تتجلى في كونه انتقد الأديان كلها دون تمييز، معنى هذا أن إلحاد الرازي لم يكن باسم مذهب ديني معين ولم يكن متوجها إلى الإسلام وحده"(7)؛ بله هل من يقول بصريح العبارة :"إن البارئ –عزّ اسمه – إنما أعطانا العقل وحبانا به لننال ونبلغ به المنافع العاجلة والآجلة غاية ما في جوهر مثلنا نيله وبلوغه"(8) يحق تنزيله ذات المنزلة؟ الحقيقة أن الرازي لم ينتصر للعقل إلا دفاعا عن العدالة مابين سائر المخلوقات؛ ولئن فضح التناقض القائم مابين الأنبياء، فليس إلا إيمانا منه بأن العقل وحده يكفي لتنوير سبيلنا في الحياة خارج كل وصاية أيا كانت وأنى تكون. شأن ما حدث للرازي(864م-923م) في السياق العربي يكاد يوازي في نظري ما جرى لـجان ميسلي(1664م-1729م) في السياق الأوربي.

كلاهما ترك قنبلة فلسفية موقوتة قابلة للانفجار في أية لحظة، لكن شريطة إيقادها. وإذا كانت قنبلة الأول هي "مخارق الأنبياء" فقنبلة الثاني هي "الوصية". لكن يلزمنا، والحالة هاته، التحلي بنوع من خصال الدقة في التصويب لإلحاق أقصى ما يمكن من الخسائر بالطرائد المستهدفة والتي هي : الله، الدين، الكهنة، رجال السلطة، الحكام، المستغِلون وكل صنوف رموز الانحطاط. من أجل ماذا؟ من أجل العقلانية والحرية، الفقراء والمهمشين، النساء والأطفال، وبلفظة واحدة الحياة.

إنها العقلانية التي ما أحوجنا إليها، اليوم، حتى لا تبقى حضارتنا حضارة فقه بتعبير الجابري نفسه، وتضحى الفلسفة بالتالي فلسفة حياة متحررة من كل نصية ووثوقية.

الهوامش:

1- محمد عابد الجابري، التراث و الحداثة، دراسات…ومناقشات، ط.1، بيروت 1991 ، ص.16، مركز دراسات الوحدة العربية.

2- نفسه، ص.131.

3- نفسه ، ص.17-18 .

4- نفسه، ص.18 .

5- محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1991 ، ص.17 .

6- نفسه، ص.198 .

7- عبد الرحمن بدوي، من تاريخ الإلحاد في الإسلام، سينا للنشر، ط.2 1993 ، ص.242.

8- رسائل فلسفية لأبي بكر محمد بن زكريا الرازي ، ج 1 ص .17 س 16 ، نشرها باول كروس ، القاهرة سنة 1939 .أوردها بدوي ضمن كتابه السالف الذكر، ص .235.

هذا البحث هو نص المداخلة التي شاركنا بها، في الندوة التي نظمتها جمعية الأعمال الإجتماعية، للتربية و التعليم، بمراكش، يوم 25 ماي 2011، وذلك تخليدا للذكرى الأولى لوفاة محمد عابد الجابري.

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

ميسان - عبد الكريم معن
13 حزيران (يونيو) 2011 23:52

أشكر الأستاذ أوزال على هذا المقال و لكن عندي سؤالين اثنين للاستاذ المحترم، الاعتبارات اللاوقتية" هل هي ترجمتك لنص Unzeitgemässe Betrachtungen ؟ و الذي يترجم بالفرنسية ب Considérations inactuelles أو Considérations intempestives ؟ إن كان الأمر كذلك فأنا استغرب، لاني أتساءل بأي مسوغ تأتي بالمقابل اللاوقتية في الترجمة؟ هل الأصل يفيد الوقت كله حتى يقال اللاوقتية هكذا أم يفيد الراهن و الظرف ؟ هذا خطأ في الفهم و عيب و سماجة في التعبير، ثم من أين أتيت بالتعريف ؟ فلا في الأصل الألماني نجد المقابل Die و لا في الفرنسية نجد les ? فمن أين اتيت به ؟ هذه الترجمة خاطئة في المبنى و المعنى و الصيغة، راجع الأمر أرجوك. ثانيا، نصك مليء بالأحكام الكبيرة، و التي سببها في نظري البسيط العجلة و عدم المعرفة بنصوص الجابري و مرادها، و إلا فقل لي من فضلك، أين دليلك على أحكام قاطعة متسرعة من هثل قولك "إن الجابري إذ يتبنى النقد الإبستمولوجي كما يقول لا النقد اللاهوتي(2) ، يسقط من حيث لا يدري في مطب المنافح عن مملكة الله، مبشرا بالماورائيات و الجنة و النار و حور العين و شجرة الزقوم و لو مجازا.وهو بذلك لا يكاد يختلف في شيء عن باقي تجار الدين و هم كثر"، هل تعقل مثل هذه الأحكام الرعناء الفطيرة بجرة قلم في متن تستدعي قراءته الحقيقية سنينا ؟ أعتقد أنكم أستاذ لم تفهموا إطلاقا مقصود الجابري و لن يحصل ذلك، لأنكم لا تعون منطلقاته، الجابري رجل فكر "الآن و هنا" من أجل "الآن و هنا" و بهم "الآن و هنا"، و الآن و هنا يوجد تخلف و أناس مسلمون شئنا أم ابينا، و هم يؤمنون بكل ذلك شئنا أم أبينا، و أما الأدبيات المرسلة التي يمكن أن نتذاكر فيها في مقهى من الضفة اليسرى من نهر السين في باريس حول غاتاري و جيونو و الدالاي لاما فما كانت تهمه، لأننا ببساطة لسنا في باريس و لا في حيه اللاتيني، ولو كنت ملما بأبسط نصوص الجابري وقرأت فقط "حوار المشرق و المغرب" لوعيت عنه ذلك، لأنه يصرح بها تصريحا، فكل فكر لا يعي أنه ينتج إيديولوجيا، يكون ضحية إيديولوجيا قد تكون هي الأسوأ ربما، و في نظري التكريم الحقيقي هو هذا، أن نقرأ ما كتبه الرجل و نعيه أولا، تحيتي و شكري للكاتب حسن أوزال


الرد على التعليق

  • فاس - المصطفى مرادا
    14 حزيران (يونيو) 2011 15:01

    أشكرك الأستاذ حسن على جودة قولك في بعض الجوانب الفكرية للراحل الجابري، وكلمة intempestives النتشوية والتي استهلت بها مقالك تنطبق كثيرا على اهتمامات الجابري، رغم عدم اتفاقي مع ترجمتك إياها "باللاوقتية"، فعندما نقرأ كتابات الجابري الاخيرة عن القرآن، نقف على حقيقة أن الرجل intempestif ولا اخفيك شعورا بالألم كلما تذكرت المجهودات الجبارة التي كان يقوم بها الرجل في التدريس و العمل المؤسساتي المحض وهو يدرسنا "أخلاق المروءة" للماوردي في أواخر التسعينات، فالرجل يستهلك وقته وطاقته في عمل قد يقوم به المئات، وعندما ظهر كتابه/المدخل للقرآن ازداد ألمي فتساءلت لماذا تأخر مشروع بهذه القوة؟ ماذا لو كان هذا المشروع هو بداية المسار الفكري للراحل؟ لأننا بصدد مشروع تنويري حقيقي يدخل قلب معركة فكرية استطاع العقل الأصولي الهيمنة عليها، لكن لم يكتمل للأسف.. وكلمة أسف هذه تصبح أيضا مناسبة عندما نعرف أن الرجل لم يترك مدرسة وتلامذة، فالعقود التي قضاها الجابري في التأطير و التدريس لم تشفع له عند تلامذته الذين انقلبوا عليه واختاروا سبلا فكرية بعيدة جدا، فعبد السلام بنعبد العالي مثلا انتقل من الفارابي إلى الفلسفة المعاصرة، وسالم يفوت من ابن حزم إلى الابستمولوجيا وغيرهم ولنا أن نتصور مثلا لو أنه ترك تلامذة على غرار ما قام به المرحوم جمال الدين العلوي مؤسس "مركز الدراسات الرشدية" بفاس، ليتمموا مشروعه حول القرآن لكان شيئا عظيما. شكرا لك ولكل القراء المحترمين


    الرد على التعليق

المغرب - ادريس شرود
14 حزيران (يونيو) 2011 20:49

تحية إليك صديقي حسن ، وشكرا على الفاتتك لذكرى رحيل المرحوم محمد عابد الجابري .
- اسمح لي أن أقف عند لفظة intempestives ، التي تأتي في الترجمات على النحو التالي :
- اللاوقتية ، كما تفضلت .
- اللاموسمية .
- اللاحالية .
- اللاراهنية .
- اللازمنية .
- لكن المهم أكثر ، هو الوقوف عند اللفظ نفسه ، عله يساعدنا على موضعة أبحاث المرحوم محمد عابد الجابري في سياقها المطلوب ، وهل بالفعل تنطبق هذه الكلمة على اهتمامات الجابري كما أشار الصديق المصطفى مرادا ، وهل المرحوم يشكل رجل فكر " الآن هنا " أم أن مسار الرجل بقي حبيس التراث ؟
- يجب أن نؤكد مع الصديق حسن وطلاب وطالبات المرحوم الجابري وأصدقاءه في مجلة أقلام ومجلة فكر ونقد ، على الدور الذي لعبه في تدريس الفلسفة وتعريبها ، وفتحه لدروب لقاء مع فروع المعرفة الفلسفية العالمية . أضف إلى الإهتمام الكبير بمشروعه النقدي خاصة خارج المغرب .
- أتفق مع ملاحظة الصديق مرادا حول قلة عدد أتباع الرجل ، لكن الكم لن يفسر لنا ضعف اهتمام المغاربة وخاصة المثقفين والأساتذة والجامعيين والطلاب بأفكار الرجل .
- وقفت بكيفية قوية على أفكار الرجل مع صدور الجزء الرابع من مشروع نقد العقل العربي ، والذي حمل عنوان " العقل الاخلاقي … " ، ثم حاولت متابعة إصدراته حول القرآن الكريم . لكن كنت - وليس للأسف - دائما أصطدم بتضخم في إضفاء القيمة على تراث خصوصي يراد له أن لا يواجه بالنقد ، حتى وإن كانت رغبة القارئ والناقد في تأسيس الأمور من جذورها و توظيف المادة المعرفية بشكل مغاير على حد تعبير الأستاذ عبد السلام بنعبد العالي . لذلك تحس بنفسك وكأن " لا شئ يتغير في التاريخ " كما يقول جيل دولوز ، تحس وكأنك وسط شعب وإنسان عربي إسلامي عصي على التحويل transmutation ومفتقد للصيرورة devenir .
- ما المشكل الرئيس الذي يعترض مثل هذا الفكر كي يقوم بقفزته الحاسمة ؟
- إنه المشكل يتعلق بالإدراك ، إدراكنا ل l’ intempestive - خاصة مع تضخم النرجسية التاريخية - ، هذا اللاراهن الذي يعني السحاب اللاتاريخي الذي لا علاقة له بالأبدي ، وتلك الصيرورة التي بدونها لن يحدث شئ في التاريخ ، لكن دون أن تتحد مع التاريخ …( إنه ) العمل ضد الماضي وبالتالي العمل على الحاضر لصالح ( أرجو ذلك ) مستقبل … إنه المكثف والمباغت ، ( الذي ) ليس بلحظة وإنما صيرورة . كان نيتشه ينعته باللاراهن l’ intempestif /l’ inactuelوفوكو بالراهن l ’actuelكما يشير إلى ذلك دولوز - غتاري . فلا يتحدد الراهن بما نحن عليه وإنما بالأحرى بما نصيره ، أو نحن بصدد صيرورته ، أي الآخر ، أي صيرورتنا آخر ( دولوز - غتاري : ماهي الفلسفة ص 123 ص124 ).
- تبدو الأشياء ثابتة منذ عصر التدوين / العصر الذهبي ، إذ رغم مجئ ابن رشد لم يحدث كسر ذاك الإستمرار التاريخي ، ولم تتأثر تلك الخصوصية ب "الدهر" على الأقل ، يعني ذلك ، أن شأن التراث بعيد عن مفهوم الصيرورة .
- لذلك كانت أفكار المرحوم الجابري تتحدث فقط عن مفاهيم الإستيعاب والتوظيف والإستنبات والتبيئة ، والتحديث والتأصيل كعملة واحدة . إنها ألفاظ وكلمات تدل بالفعل على الإتزان والتعقل والطيبوبة ، لكنها لا تأخذ بفاعلية الفكر والفلسفة ك " غضب ضد المرحلة " .
- أكتفي بهذا القدر ، وأختم تعليقي بمقطع مأخوذ من متابعة كتبتها بمناسبة صدور الجزء الرابع من مشروع المرحوم: " العقل الأخلاقي " ، مجلة فكر ونقد عدد 54 :
- " إن الرحلة التي قام بها الأستاذ الجابري لتقصي أصول العقل الأخلاقي العربي، أفضت به إلى الصدع بحقيقتين أساسيتين، يقول:

الحقيقة الأولى: إن الرغبة في "اتقاء الفتنة" قد بررت على الدوام قبول العيش باستكانة، تحت الحكم الذي أصله فتنة! فكانت النتيجة قيام الحكم في الإسلام، وعلى الدوام إلى الآن، على "وحدانية التسلط"، فكانت مدينتنا إلى اليوم "مدينة الجبارين"(ص630).

الحقيقة الثانية: لم ينهض العرب والمسلمون بعد، ولا إيران ولا غيرها من بلاد الإسلام النهضة المطلوبة، والسبب عندي أنهم لم يدفنوا في أنفسهم "أباهم" أردشير!(ص630).

إن وضعية "القبول بالعيش باستكانة". التي تتضمنها الحقيقة الأولى، نتيجة قوية جدا في نظري، سواء بالنسبة لما يمكن لقارئ أن ينتظره من عملية نقد العقل الأخلاقي العربي، بوصفه يحمل ويروج لنوع من القيم السلبية ما زالت الكثير منها يؤثر في السلوك ويوجه الرؤى في حياتنا المعاصرة، أو بالنسبة لكائن بشري "سياسي" أحسن يوما بضيق التنفس في مدينته أو قريته، بسبب "وحدانية التسلط" وغياب النهضة المطلوبة نتيجة الحضور القوي لـ"الأب" أردشير. هذا القبول، تحول إلى "نمط وجود"، عمر طويلا، وللأستاذ الجابري ألف تحية، لأنه عمل على الإخلال بمساراته وفكك بنيته وكشف عن تاريخه وتجلياته.

أما النفي الفعال التي تتضمنه الحقيقة الثانية، والتحليل الذي قدمه الباحث على طول صفحات هذه العمل الفكري القيم، يعتبر طرحا أصيلا لمبحث ظل بعيدا عن الدرس والتحقيق والنقد والمراجعة. فهو صادر عن عمل وجهدا أكيد –والجابري يؤكد ذلك غير ما مرة في مؤلفه- ويمكن لأي قارئ أن ينتهي إلى هذه الحقيقة. وأعتقد أن مقولة "العيش" التي تسللت خلسة إلى الصفحة الأخيرة من الكتاب، كنقطة ضوء هامشية، في مشهد زمني مظلم، استغرق أكثر من 1380 سنة، لها علاقة قوية بالموروث الأخلاقي اليوناني، ذلك أن موضوعة "العيش " اعتبرت مبحثا أساسيا في التفكير الفلسفي اليوناني، وشكلت فنا يحرض على الاعتناء بالذات وبالآخرين، ويحتفل بجمالية الوجود.
- تحياتي إليك صديقي حسن والمصطفى وعبد الكريم .


الرد على التعليق

  • فاس - المصطفى مرادا
    15 حزيران (يونيو) 2011 12:26

    تحية مرة أخرى، استكمالا للقول وتعميقا للأسئلة الواردة في المقال، أريد التنبيه إلى أمر محير في علاقة الجابري بابن رشد تحديدا، فعندما اراد الجابري ان يؤسس للقول الفلسفي في المعرفة،شكل ابن رشد بالنسبة إليه المنتهى، فهو العقل البرهاني، لكن عندما اراد أن ينجز قولا فلسفيا في السياسة و الأخلاق بقي رهين المشرق بل ازداد توغلا في الشرق نحو بلاد فارس، وهذا الاختيار له ما يبرره على مستوى نصوص الآداب السلطانية العربية، لكن الأمر المحير هنا ولم ينتبه إليه الجابري في حدود علمي المتواضع جدا، هو لماذا كان ابن رشد عقلانيا متطرفا في الطبيعيات بشكل جعله يَحمل الأرسطية إلى أقاصي لم يفكر فيها أرسطو ذاته، في مبحث النفس مثلا، ولكنه عندما تعلق الأمر بالسياسة تحديدا فقد آثر تلخيص كتاب الجمهورية لأفلاطون؟ بمعنى لماذا لم يقرأ ابن رشد كتاب السياسة لأرسطو؟ لماذا حرص ابن رشد على وحدة النسق الأرسطي وانسجام مقوله في الطبيعيات و المنطقيات و الالهيات وخرق النسق بشكل سافر في أمور السياسة و القيم؟ فإما ان ابن رشد لم يقرأ كتاب السياسة لأرسطو لكونه لم يترجم بعد، أو قرأه ولكنه أشفق على الواقع السياسي الذي ينتمي إليه من خطورة إقامة قول أرسطي في السياسة والقيم، وهذه في تقديري إشكالية حقيقية، لأنها من جهة تفترض أولا القيام بعمل تحقيقي محض لمعرفة تاريخ ترجمة كتاب السياسة إلى العربية، لكون ابن رشد لا يتقن لغة غيرها، ثم البدء في بناء فرضيات وطرح إشكالات منها: ماذا لو دخلت مفاهيم كتاب السياسة كالمواطن و الديموقراطية و الجمهورية و الانتخاب وغيرها النسق السياسي السلطاني؟ وشخصيا يثيرني هذا السؤال، ليس فقط لأنه مدعاة للتخيل و التخييل الجميلين، ولكن لأن هناك شيء أكبر لا ندركه جعل أكبر الفلاسفة أرسطية ومعاداة للأفلاطونية بكل تمظهراتها وهو ابن رشد "يهمل" الحق الكامن في كلام المعلم الأول ليرجح قول أفلاطون الإلهي؟ هذه مشكلة حقيقية خصوصا وأن قارئ الجمهورية يعرف أن الأمر يتعلق بكتاب يتجاوز موضوعه السياسة بالمعنى المتداول ليطرح قضايا أخرى أحسب أنها تنسف كل القول الرشدي، وأنا أستغرب لماذا لم ينتبه، في حدود علمي، الجابري لهذه المعضلة. وللموضوع صلة تحياتي للجميع


    الرد على التعليق

    • - محمد رحال
      16 حزيران (يونيو) 2011 01:59

      يمكنني أستاذ حسن أوزال أن أصيح معك بأعلى صوت تماما كما فعل أرخميدس حين أكتشف "دافعته"المسماة باسمه، وهو يقول : -"أوريكا! أوريكا! لقد وجدتها! لقد وجدتها! ها هي!ها هي !ولكن هذه المرة فرحتي تتعلق بالكلمة المفتاح لسر المنهجية الفكرية الجابرية وهي في الفقرة الأخيرة من مقالتك :("إنها العقلانية التي ما أحوجنا إليها، اليوم، حتى لا تبقى حضارتنا حضارة فقه بتعبير الجابري نفسه، وتضحى الفلسفة بالتالي فلسفة حياة متحررة من كل نصية ووثوقية.")/ انتهى. إنها ،إذن، دعوة واضحة من الجابري لإعمال العقل المتحرر من قيود التقليد البائدة، المزود بأحدث ما يمكن من أدوات البحث والتنقيب و التقصي الميدانية المعاصرة من أجل إعمالها، بلا حرج ، في دراسة أواستكشاف أو تفكيك التراث تماما كما هو علية حاليا منهج علوم الآثار والتاريخ و غيرها من الميادين العلمية المضبوطة.والذي أعرفه من أسلوب الجابري من خلال قراءتي لجملة من كتبه بما فيها مدخل إلى "القرآن الكريم" و " فهم القرآن" ، هو التزامه بالحياد و الوضعي. فهو يعرض على القارئ مختلف القضايا بإشكالياتها مصحوبة بمختلف وجهات نظر المتطرقين السابقين لها، ثم بعد ذلك يبدي الأسباب التي تجعله يرجح إحداها عن الأخرى . و كل ذلك بتوضيح بيداغوجي لا يمل ذي نفس طويل و وسعة صدر قل نظيرها . و على كل حال فشكرا على مساهمتك بوجهة نظرك تلك التي لا شك أنها تخصك لوحدك .


      الرد على التعليق

المغرب - ادريس شرود
16 حزيران (يونيو) 2011 20:43

تحية صديقي حسن .
- أعتقد أن العمل النقدي الذي اضطلع به المرحوم الجابري ،لم يساعد في نظري ،على إبتكار صورة جديدة للفكر . وأتقف مع ملاحظة الصديق رحال حول نجاح المرحوم في عرض مختلف القضايا بإشكالاتها مصحوبة بمختلف وجهات النظر . لكن ، أضيف إلى أن هذا العرض كانت تحكمه مواقف وتوجهات .
- دعني صديقي حسن ، أعرض بعضا من هذه المواقف المسبقة التي حكمت المشروع بكامله في الأخلاق والسياسة .
- لقد برع المرحوم الجابري في عرض ذلك " التنافس المتنامي بين نظم القيم التي كانت تروج لها الموروثات الخمس في الساحة الثقافية العربية " ، لكن ذلك التنافس لن يكون له تأثير على " العقل العربي " وصيرورته ، نتيجة توقفه واكتماله مع عصر التدوين . إذ يشير المرحوم إلى أن لكل من الفقه والكلام دور في عدم بروز الحاجة إلى مثل هذه الأخلاق منذ بداية " التدوين " نقد العقل الأخلاقي ص 620.
- يستبعد المرحوم عنصر المنافسة في تشكل القيم والأخلاق في الثقافة العربية ، على عكس إسهام المدن الإغريقية ، التي خلقت علاقات تنافس تقيم تقابلا بين الراغبين في كل المجالات ، في الحب وفي الألعاب وفي المحاكم ومجالس القضاء ، وفي السياسة و الفكر كما يؤكد دولوز - غتاري .
- أكيد أن اكتمال منظومة الأخلاق في المجتمع العربي ، لن يسمح بالمنافسة لا في القيم ولا في السياسة ، إذ يؤكد الجابري عى أن " التنافس المتنامي بين نظم القيم التي كانت تروج لها الموروثات الخمس في الساحة الثقافية العربية (…) أيقظ ، في نهاية الأمر ، الوعي بالحاجة إلى " أخلاق إسلامية " تكون بديلا للأخلاق اليونانية والآداب الفارسية و" العربية الجاهلية " ، نفس المرجع ص 620 .
- أكيد أن إقصاء التنافس ، يعني التشريع لكل أشكال قتل الرغبة ، والتخوف الشديد من كل " صراع " سواء في السياسة أو الفكر أو إبداع القيم ، بتعبير أخر ، استبعاد دور قيمة الحرية في نسج علاقات إجتماعية محايثة .
- لذلك يستخلص الجابري من عمله النقدي هذا ، قيمة أخرى ، ليست غريبة عن العقل العربي ، لكن لم يلتفت لها العصر الذهبي . وقد اعتبرها المرحوم " طرحا مغايرا " عنون به الفصل التالث والعشرون " ، في الإسلام : المصلحة أساس الأخلاق والسياسة " :
- يقول الأستاذ الجابري : " في جميع هذه التموجات غاب الكلام عن أبرز قيمة أخلاقية في الخطاب القرآني : " العمل الصالح " ! نقد العقل الأخلاقي ص 620 .
- سيعتبر الأستاذ الجابري هذا الإستنتاج ، طرحا مغايرا ، بل أفقا جديدا ، دشنه العز بن عبد السلام ، الذي تحرر من الإنغلاق الفقهي والكلامي ومن إغراءات الأسلمة : أسلمة آداب الفرس ( الماوردي ) وأسلمة أخلاق اليونان ( الراغب الأصفهاني ) وأسلمة " آداب السلوك " الهرمسي ( الغزالي ) نقد العقل الأخلاقي ص 620 .
- السؤال الأساسي الذي يمكن طرحه :
- هل يشكل القول ب " العمل الصالح " مفتاحا لأفق جديد بالفعل ، وهل ممكن أن يساعدنا على أشكلة علاقتنا بذواتنا وبالآخرين وبالعالم ؟
- بل ، هل ممكن لهذا الطرح أن يدفع إلى التفكير في مشاكلنا بشكل مغاير ؟
- هذه أسئلة تدفع إلى ضرورة الإنفتاح على تراث الثقافات الأخرى وعلى المفاهيم التي أبدعها مفكرين وفلاسفة ورجال سياسة وفنانين وأطباء … من حضارات مختلفة ، والتي ساهمت بشكل قوي في تغيير نظرتنا إلى أنفسنا وإلى الآخرين . -شكرا صديقي حسن ، شكرا لكل الأصدقاء ، تحيتي إليكم .


الرد على التعليق

france - حميد زناز
16 حزيران (يونيو) 2011 23:23

أجمل و أدق ما قيل في الجابري هو ما قاله المفكر التونسي العفيف الأخضر : الجابري يكتب عن العقل بلا عقل’


الرد على التعليق

  • - محمد رحال
    17 حزيران (يونيو) 2011 18:12

    كجواب للسيد حسين زناز على "اللقطة"(cliché )أو“الفكرة المسبقة(stériotype) التي تفضل بها، و هي تعد بامتياز من أهم أساليب اللاعقلانية الشعبوية التي تعجزها الحجة و يخونها المنطق ، لا أجد أبلغ من تعليق سابق أقتطع منه هذه الفقرة : -"أكيد أنه لا محالة أن الأسلوب يكشف عن دخيلة صاحبه، ومن ثمة يظهر جليا أن أغلب المستخفين بدراسات الجابري المنطلقة من التراث ،إما انهم لا يعرفون عن كتبه غير العناوين،و إما أنهم من أشد دعاة القطيعة مع التراث والتاريخ العربي الإسلامي و أهم رافد لهما القرآن، لصالح التغريب تحت ذريعة أن الرجوع إلى الماضي ما هو إلا نكوص و مضيعة للوقت ؛ لامبالين بما في ذلك الحل الاختزالي، الذي يتبنى التغريب الأعمى بديلا، من طمس للذاكرة و انفصام للشخصية الجماعية . فإن لم يكونوا لا من هؤلاء ولا من أولئك، ( إن بعض الظن إثم ) فالمأمول أن يرجعوا مرة أخرى إلى ما كتبه الرجل ،و سيكتشفون منهجية، في البحث والتقصي عن الحقيقة ، لا تترك تساؤلا يخطر ببال إلا و أجابت عنه،ولا مرجعا إلا و استنفذته،بل إنه هو نفسه، رحمه الله، كمنتسب لحقل الفلسفة المعاصرة يرى أن الأسئلة هي العمود الفقري في كل بناء فكري جاد ، ولذلك كان دائما يستهل فصول كتبه بتقديم مسهب ، يطرح فيه كل التساؤلات والإشكاليات الممكنة مصاحبة بوجهات النظر المختلفة ، و يجيب عنها بوضوح وتبسيط بيداغوجي مفعم؛بحيث لا يترك لمنتقد ما ينتقد . ذلك لأنه خبر الدرس الفلسفي طيلة حياة عملية عريضة. إن خير مدافع عن مشروع الجابري الحضاري هي عينها النصوص التي كتبها هو نفسه بيده. ذلك المشروع الذي من أجله ، زهد في كل المناصب التي عرضت عليه، واعتذر عن قبول عدة جوائز قيمة، إبقاء لتفرغه وحفاظا على حياده. وعزاؤنا فيه بعد رحيله ما نلمسه حاليا من حفاوة بذكراه في أكثر من نادى وعلى أرفع المستويات العلمية والجامعية, داخل الوطن العربي و الإسلامي وخارجه. هذا و وقانا الله من نكبة رشدية أخرى” ./. انتهى و للاطلاع على النص كاملا هذا هو الرابط : .http://2pda.blogspot.com/2010/06/bl…


    الرد على التعليق

  • - محمد رحال
    17 حزيران (يونيو) 2011 22:19

    عفوا هناك استدراك: المرجو استعمال الرابط التالي بدل الرابط أعلاه للاطلاع على النص كاملا وهذاهو: http://2pda.blogspot.com/2010/06/bl…


    الرد على التعليق

- نزيه كوثراني
18 حزيران (يونيو) 2011 18:25

يبدو البحث الذي أعده الأستاذ حسن انه اختار أن يؤطره في زاوية البوليسية انسجاما مع عبارة نيتشه ذات المنطق القطعي في الحكم والدلالة على الفلسفة المعاصرة( اما او) وحتى يمسك صاحبه بالجرم المشهود انتقى والتقط مجموعة من المواقف التي تدين صاحبه ولاتترك فرصة الإفلات من الحكم المبيت بان الرجل انتصر للفكر السلفي الديني القريب من التقليد القروسطي ان لم نقل انقلاب على الفكر العلمي الابستمولوجي ليسقط في النظرة اللاهوتية الدينية لااقل ولااكثر .بل انه تقنع بالحداثة ليسهل عليه تضليل وتغليط الاخرين وتلك خصائص العقلية الانتقائية والاقصائية كما يستنتج الاستاذ حسن .اعتقد ان بحث الاستاذ سيطرت عليه لعبة انتزاع الموقف الايديولوجي من خلال التعبير عن التميز و الجرأة اللتين يقتضيهما مظهر الحداثة في نقد المقدس انسجاما مع المنهجيات الحديثة التي لاتقدم اية تنازلات للنظرة الدينية اللاهوتية .قد نختلف مع الجابري في اشياء كثيرة لكننا لانستطيع انكار مشروعه النقدي ومحاولته الشجاعة في التأسيس للدرس الفلسفي والبحث العلمي .بإدراكه العميق بان الثقافة العربية تفتقر الى السؤال النقدي العلمي العقلاني الذي يخولها فهم الواقع والعمل على تغييره وتطويره . سؤال الفكر النقدي العلمي هو الارضية التي يمكن ان تؤسس للقيم العلمية المتحررة من العقلية الخرافية السحرية والغيبية وبناء عليها تتأسس القيم الفلسفية والمسالة ليست خطية بل تفاعلية وجدلية وذات الاعتماد المتبادل بين النقد الابستمولوجي والقيم الفلسفية العقلية والبرهانية .والفترة التي ظهر فيها الجابري كانت تطلب من المثقف العربي ان يكون سياسيا وايديولوجيا وكاتبا وواقعيا بمعنى انه كان يسال فيما يكتب أين هو الواقع . فمتطلبات المرحلة كصراع سياسي واجتماعي في العالم العربي بين قطب القوى التي تحلم بالتحرر وقطب القوى المتحالف مع الاستبداد المحلي والاجنبي غيبت وأجلت وحرفت مسارات البناء الثقافي والفكري كلحظة تنوير حقيقية . نحن لا نبحث عن مبررات بقدر ما نحاول الوقوف على العمق في الاسئلة التي اصابت بنارها بعض المثقفين – منهم الجابري - قدموا الكثير على المستوى الفكري والعلمي وفجروا اسئلة كانت بمثابة ارضية لتناسل مجموعة من الدراسات والابحاث المتفاوتة الرصانة والعلمية والتي تجاوز مدى تأثيرها العالم العربي . لذلك نرى بان الاكتفاء بالاستقطاب كتميز في الموقف لايمكن ان يضيف شيئا لمشروع النقد الذي أسسه الجابري كانسان أصاب واخطأ وهو في سيرورته يبحث عن تجاوزات في نقد ونقض تتأسس كنقد للمشروع لا كتفتيش بوليسي عن زلات وتعثرات هي اشيه بالسلفي الذي يقول لااجتهاد مع النص متذرعا بحرفية وقطعية الدلالة كما يراها ويرغب في تكريسها لحاجة في نفس يعقوب . هناك ورشات دشنها الجابري وأفاق كثيرة رسم أبعادها وان كانت تحتاج على الاقل الى نوع من الهندسة اللااقليدية الفكرية دون ان يقلل ذلك من قيمة مجهودات الجابري التي تفاعلت معها وبجدارة الكثير من مشاريع النقد مثل مجلدات طرابشي على سبيل الذكر لاالحصر. للأسف كانت ورقة حسن تبحث عن أتباع ولا عن تعميق سؤال النقد والفكر العلمي العقلاني وهذا ما يمكن أن يفعله بصورة عكسية باحث اخر سلفي فيهجم على عقلانية واببستمولوجية الجابري إن لم يكفره كما يفعل صاحبنا ويسقط الجميع في فخ الايديولوجية بمعناها القدحي.مع تحياتي


الرد على التعليق


Paul Delvaux (بلجيكا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter