الخميس 17 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > خارج الإطار > إنذار "غورو" الثاني!

إنذار "غورو" الثاني!

الاثنين 22 آب (أغسطس) 2011
بقلم: نادر قريط  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

في عديد من دول الغرب بات مألوفا دعوة أكابر الجالية الإسلامية، لحضور حفل إفطار بمناسبة دخول شهر رمضان. هذا التقليد السنوي يرعاه في النمسا رئيسها الإشتراكي هانس فيشر. ومن قبيل المبالغة في تقدير المناسبة، يتم الإفطار في القصر الملكي العريق “هوفبورغ” (حاليا مكاتب الرئاسة) الذي كان في الماضي مركز أسرة هابسبورغ التي حكمت المملكة النمساوية الهنغارية وأصقاعا أخرى من أوروبا.

ومن طريف القول أن سكرتارية القصر تضطر لتعرية جدران إحدى الصالات وإبعاد اللوحات الشهيرة عنها وذلك لتهيئة جو مناسب (صحراوي قاحل) لصلاة الجماعة، التي يُصرّ الصائمون على تأديتها في رحاب القصر (اللوحات لا تخلو من حسناوات وسيقان وأثداء قد تؤجج فتوى إرضاع الكبير!).

تذكرت هذه القصة وأنا أقرأ إيميل الدكتور فيرنر الذي تعرفت عليه قبل سنين في ندوة مملّة، استدعى الأمر تقطيعها بين الممرات، حيث تبادلنا التأفف من الندوة، وفي النهاية قدّم لي بطاقة تشير إلى أنه يعمل في إدارة القصر المذكور، ثم إنقطعت الأخبار ولم نلتق بعدها.

ودارت الأيام (ومرت الأيام) وكتب لي أواخر مارس الماضي:
[لدي ترجمة لتصريحات المستشارة “شعبان” وتأكيدها على أن الرئيس الأسد لن يسمح بإراقة قطرة دم واحدة. التصريحات تبدو مشجعة وتشبه كيس بابا نويل المليء بالهدايا والوعود الإصلاحية كإلغاء العمل بقانون الطوارئ وإقرار الحقوق المدنية للأكراد. ما رأيك؟ فيرنر]

قلت في نفسي: ثمة أمر أهم لن يجده فيرنر في الترجمة، أمر لخصته رياح السموم في ملامح المستشارة. فالكلام وحده لا يقول كثيرا، بل ما يختبئ وراءه في اللاوعي. إن إلغاء العمل بقانون الطوارئ وغيره، قضايا أثارها الحكواتية، فالحقيقة أن السلطة والشعب قد نسيا قانون الطوارئ تماما، ومنذ عقود يُعمل بالإستبداد الفصيح الذي يقول في حدّه الأدنى: سكّر بوزك يا كر (اسكت يا جحش) مع بعض الصفعات والركلات إن لزم الأمر.

والحال كذلك لا يستطيع المرء سبر كلمات المستشارة إلا بعد شقلبة معانيها! (شقلب فعل آرامي ويعني قلب) تماما كالشعارات الكبرى التي صدّعت رؤوسنا، فالوحدة مثلا ليست إلا دثارا للعشائرية وتمويها لخطوط التماس بين “أحياء” المدن (وبين أمواتها) وكذا هي الحرية فقد تجلّت أخيرا بأيد مغلولة وأجساد موطوءة بالأحذية، اللهم سوى الإشتراكية فهي الوحيدة التي أنجزت مهمتها بعد أن أشركت عموم الشعب في الفقر والخوف.

لهذا فإن تصريحات المستشارة، وحسب لغة الصم والبكم، تعني رشوة علنية للأكراد، ولعبا سافرا على فسيفساء اللوحة السورية. أما التأكيد على عدم إراقة قطرة دم، فيذكّر بأسطورة حربية تروي أن قائدا حاصر مدينة. وبعد أن إشتد الحصار وافقت المدينة على الإستسلام لقاء عهد أمان يقضي بأن لا يُقتل رجلٌ من المدينة، ولما فُتحت البوابات ودخل الجيش، أمر القائد بقتل كل الرجال بإستثناء رجل واحد. وهكذا برّ بعهده!
عليه فإن عدم السماح بإراقة قطرة دم، لعبة لفظية تمتح من نفس الإناء.

بكلّ الأحوال لم أرو لفيرنر عمّا يجول بخاطري من هواجس، إعتذرت له بلباقة وتذرعت و..و..و.. على أمل لقاء قريب. ومضت الأيام، ودخلنا شهر رمضان، الذي تزامن مع الحملة العسكرية وإقتحام مدينة حماة وغيرها، وإذ به يكتب رسالة حازمة شديدة اللهجة تقول:

أكتب لك بصراحة والمعذرة إن تجاوزت أدب السياسة واللياقة، وأرجو أن تُقدّر حسن النيّة]

إن النظام السوري نسي أننا (نحن) من أنشأ دولكم ورسم حدودها وأسس جيوشها وشرطتها وجامعاتها. ونحن من صنع الأسلحة والذخائر التي يُقتل بها، والنت والتلفون الذي تستخدمونه. ونحن أيضا من يفرض أخلاقيات الحرب والسلم.
منذ العصور الوسطى إلى اليوم، وبرغم وحشية الحروب التي طالت سكان المستعمرات، أو عصفت بملايين المدنيين من ضحايا القصف الجوي إبان الحرب العالمية الثانية. برغم كل ذلك التاريخ الدموي، فإن أخلاق الفروسية لم تغب قط، هذه الأخلاق تمنع الفارس من إغماد سيفه في صدر محارب سقط سيفه. فما بالك إذا غرزه في صدر إنسان أعزل؟ هذه الأخلاق كُرست فيما بعد بإتفاقيات دولية تُلزم حماية المدنيين، وتقديم الغذاء والدواء وإنقاذ الجرحى ولو كانوا من ألد الخصوم.

إن جريمة سيبرينيتسا وإعدام البوسنيين العُزّل على يد ميليشيات صربية، أصابت أوروبا بالذعر وأيقظت ذكريات أليمة ومقززة، فكان لزاما علينا إستخدام القوة وجلب القتلة أمام المحاكم.. للأسف إن حكومتكم إعتمدت عنفا دمويا مفرطا في قمع مواطنيها يفوق بمرات ما إستخدمه نظام بريتوريا ضد الأفارقة السود، وهذا يثير الإشمئزاز لدى ساستنا، إن الوعود التي قدمها وزيركم “المعلم” مدعاة للسخرية، فأية ديمقراطية تلك التي يقليها بزيت الدبابات؟

العقاب الجماعي وقطع الكهرباء والماء والإتصالات عن المناطق المُستباحة عسكريا ومنع الميديا من مواكبة الأحداث؟ يفضح أكذوبة ال "جماعات مسلحة" إلا إذا كانت (الجماعات المسلحة) تعمل بالكهرباء وتُبرّد بالماء؟

لقد شاهدنا أفلاما مروّعة ومهينة لكرامة الإنسان. لذا فإن نظامكم الذي منحنا إنطباعا خادعا بالمدنية، وكونه ضمانة للتعايش في الشرق الأوسط. يعيدنا إلى عهود منسيّة من التوحش. عليه أظن أنه أصبح عبئا على الضمير العالمي، وتغييره بات هماً أخلاقيا قبل أن يكون سياسيا. د. فيرنر 10اغسطس 2011]
لم أجبه لحد الآن. ما أزال أفكر، فالكتابة لأوروبي ذي ثقافة ارستقراطية مسيحية، عملية مزعجة ومُربكة، وتحتاج مُدققا لغويا!

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

- سامي العباس
26 آب (أغسطس) 2011 07:48

حسنا فعلت ياأستاذ نادر قريط أن عنونت النص بهذا العنوان :انذار غورو الثاني ..لم ترد على الدكتور فيرنر لنعرف بالضبط ما هو الرد لكن العنوان يقول الكثير . ما أفضت إليه موجة الديمقراطية في العالم العربي وفي سورية على نحو الخصوص يفتح العين على المخططات الأمريكية للإستثمار في هذا الحراك . وبمعزل عن كمية الكذب التي تصبها على رأس المتلقي أربعون فضائية تجندت لنصرة الثورة السورية فإن حماة التي عول عليها السفير الأمريكي كفخ سيصطاد النظام تتحدث الآن لوسائل الإعلام ولبعثة الأمم المتحدة التي زارتها عن حقيقة الثوار القندهاريين اللذين عاثوا فيها قتلا وتدميراً . عزيزي نادر قريط .ما يدمي القلب ليس كذب الفضائيات المعروفة الإرتباط والتمويل . بل ما تكشف عنه "مناضلون " سابقون قلبت لديهم شهوة السلطة سلم المبادئ التي رفعوا شعاراتها لعقود . لاتفسير لدي لما جرى لهؤلاء : هشاشة التكوين المعرفي أم هشاشة الضمير ؟ أم كلاهما معاً ؟ كل ما أرجوه أن تعد للمئة قبل أن تتحدث بما تراه على الفضائيات أو يتبرع بإرساله لك على الفيسبوك مناضلون نذروا أنفسهم كغطاء علماني لتكفيريين يذبحون البشر كما يذبحون الدجاج .


الرد على التعليق

Ruston, Louisiana - أحمد نظير الأتاسي
26 آب (أغسطس) 2011 09:54

تحية أستاذ نادرز طال الغياب. سعدت بعودة أسلوبك الساخر والنافذ. هؤلاء الأوروبيون، أحبهم لأنهم مسلون فعلاً. يشتمونك وهم يعتقدون أنهم يقدمون أعظم التنازلات. أية عهود منسية من التوحش، يا ماما خوفني. الظاهر لم يكن للنمسا مستعمرة في إفريقية. المشكلة أن جرائم الأوروبيين دائماً أنيقة وشكلها أحلى ونظيفة، يعني قنبلة عنقودية، قنبلة نووية، طائرة شبحية، قنبلة نارية قطر كرة النار نصف ميل. يعني لا يبقي على قيد الحياة إلا الصراصير تحت الأرض. أما سطح الأرض فلا دماء ولا هم يحزنون ولا داعي لتنظيف الأحشاء وشظايا الجمجمة. مجزرة سيربرينيتسا، جيد أتى بذكرها. لم يكن عندهم رد إلا الإتصال بالأمريكان الذين يقصفون من الجو. ودائماً أنيق ونظيف ولا يترك أثراً مزعجاً. أنا أقترح عليك أن تأخذه زيارة إلى سوريا، ليس فرع مخابرات بل معسكر تدريب جامعي أو حصة قومية. لكن إشرح له قبلها معنى "كر" ومعنى "رئيس مفدى". بس إذا مستعد يخلصنا من الأسد لأسباب أخلاقية كما يقول فليس هناك أية مشكلة. بس من النوع النظيف والأنيق لو سمحت. سلام إليك في أرض الهابسبرغ وليالي الأنس في فينا.


الرد على التعليق

uae - عماد دلا
31 آب (أغسطس) 2011 06:19

الاستاذ نادر العزيز أحد أصدقائي من الشعراء المغمورين قال لي ذات عيد جلاء وبصورة شعرية مكثفة اصطلح البعض على تسميته "فلاش " قال " في عيد الجلاء بكى أبي على الفرنسيين " هذا بخصوص انذار غورو الأول , أما عن الأنذار الثاني فنعم هم من صنعوا كل شيء ولهم الحق بل واجبهم وضع قواعد الحرب وقواعد السلام , اخلاقيات الفارس والهم الأخلاقي شيء حقيقي وليس وهما او ستارا يتستر به الاوربيون …. مصالحهم مصانة في ظل نظام العصابات المجرمة المتسلطة في سوريا كما هي مصالح اسرائيل …والذي يدعي بوجود مؤامرة كونية , فعليه تقديم دراسة شاملة وبالارقام لمصالح الاوربيين الكامنة خلف هذه المؤامرة , واي شيء أخر يبقى بلاغة لن تقنع من 23 مليون سوري في الداخل غير افراد العصابة … مع خالص مودتي


الرد على التعليق

- خالد الجلال
31 آب (أغسطس) 2011 11:42

دائما ما يتحدث القومجيين والسلفيين العرب بأن الدول العربية هي نتاج مشروع استعماري غربي ويطلقون عليها مسميات مثل كيانات و ولايات وأفطار بحاجة الى قاطرة فلماذا تلوم هذا النمساوي نعم هم يقولون انها مشروع غربي لم يكتمل فلو اكتمل لما بقي مشروع لذلك من حق صاحب المشروع التدخل بمشروعه كما يريد لتصويب اوضاعه او اجراء اي تعديل او لمسات فنية نعم هم من صنعو كل شيئ سواء قبلنا ام رفضنا بررنا ام احتججنا وبما ان الغالبية تؤمن بالمؤامرة الكونية مرسخة الدونية والعجز عجز شعوبنا عن دخول الحمام دون وصاية وحزمة من التعليمات باي رجل تدخل وان كنت ذكر تقف من اجل التبول واما لانثى فتجلس هل تلومهم وتنسى لومنا وننسى في غمرة الدفاع عن الكرامة العربية المهدورة اننا في ذيل الامم ارتضينا ان نبقى عالة على الاخرين بالصناعة والزراعة وحتى الفكر والثقافة مكتفين بتبرير كل هذا بانه مؤامرة كونية ارضية وفضائية على الامة التي كانت لا نعلم متى كانت خير امه اخرجت للناس وحتى لا نعرف من هم الناس الذين اخرجت لهم هذه الامه وكيف شخصيا ارى ان هذا التفكير مريح اعني عقلية المؤامرة فاريح واستريح واسئل اهل الذكر عن كل صغيرة وكبيرة تحياتي لكم جميعا


الرد على التعليق


Paul Delvaux (بلجيكا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter