الجمعة 29 آب (أغسطس) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > مقالات > ابتهال الخطيب: ما زال ثمّة أمل

ابتهال الخطيب: ما زال ثمّة أمل

الأربعاء 3 آذار (مارس) 2010

بقلم:

وائل السواح  

شارك اصدقاءك هذا المقال



الضجّة الهائلة التي افتعلتها مجموعة من القوى الأصولية في الكويت وعلى امتداد العالم العربي، في حملة غير مسبوقة على السيّدة ابتهال الخطيب، الكاتبة الكويتية الليبرالية، تحمل أكثر من جانب. فمن ناحية، تؤكّد الحملة الشرسة ضدّ الخطيب أنّ القوى الأصولية والسلفية والتكفيرية لا تهادن بأيّ شكل في ما يتعلّق بالفكر الليبراليّ الذي يقوم على أساس إعمال العقل وضمان حقوق الأفراد في التفكير والتعبير والمساواة. ومن ناحية أخرى، تؤكد أنّ سيطرة الأصولية على العالم العربي التي تتنامى بشكل ملحوظ في أكثر من بلد عربيّ، خاصة التي كانت تتبنّى الفكر الشموليّ والاشتراكي بكافّة أطيافه، لم تعد بعد كاملة، وأنّ ثمّة بقعا من الضوء ما زالت تنتشر في أرجاء مختلفة من هذه المنطقة من العالم. وإنّني لأزعم أنّ السيدة ابتهال الخطيب هي واحدة من أوضح هذه النقاط وأكثرها سطوعا وتوقّدا وأصالة في الوقت نفسه.

ابتهال الخطيب أستاذة جامعية وكاتبة وباحثة كويتية، بدأ نجمها يلمع بسبب وضوح رؤيتها وعمق كتاباتها. وهي أيضا ناشطة في المجتمع المدني الكويتي، وعضو الهيئة الإدارية للجمعية الكويتية لحقوق الإنسان. وقد قامت الدنيا ولم تقعد بعدُ ضدّها عندما أدلت بمقابلة تلفزيونية في قناة LBC اللبنانية، عبّرت من خلالها عن طيف واسع من الرؤى والأفكار الليبرالية والعلمانية الأصيلة قلّ أن يوجد الآن على امتداد العالم العربي والإسلامي من يتجرّأ على قولها.

ماذا قالت ابتهال الخطيب كي تقوم القائمة عليها؟

كانت الأستاذة الخطيب قد تناولت في حوار لها مع مذيعة الـ LBC وفاء كيلاني طيفا واسعا من القضايا التي تمسّ بشكل مباشر قضايانا المجتمعية، وتهزّ القاعدة الذكورية التي تستند إليها مجتمعاتنا في الدول العربية والإسلامية. وكانت أكثر المواضيع إثارة للجدل موضوعة الفتوى التي يتصدّى لها رجال دين، وغيرهم من المفتين وأنصافهم وأشباههم، في ما يتعلّق بكلّ صغيرة وكبيرة من حياة البشر الاجتماعية والسياسية والفكرية والاقتصادية. وعندما سألتها الكيلاني لماذا تتدخّل في قضايا حسّاسة ليست من اختصاصها، قالت الخطيب إنّها لا تتدخّل في شؤون الدين، ولكنّ المفتين لا يفتون في قضايا خاصة وإنما في قضايا مجتمعية كبيرة، ولذلك لا بدّ من إحكام العقل والمنطق فيما يفتون. وركّزت الخطيب على الفتاوى غير العقلانية التي تبيح إرضاع الكبير والتمتّع بالصغيرة أو ما يسمّى بـ “مفاخذة الرضيعة”، وقالت إنّ الناس لاموا المفتين على هذه الفتوى، ولكنّ أولئك المفتين لم يقوموا سوى بتكرار ما هو موجود في المراجع الإسلامية الكبرى التي لا تزال معتمدة لدى السنّة والشيعة. وكرّرت الخطيب ما كانت ذكرته في مقالة لها في صحيفة أوان الكويتية بعنوان “افتحوا الكتب وانفضوا الغبار”، من أنّ الشيخ الذي أطلق فتوى إرضاع الكبير ظُلم باتّهامه بالتخلّف والرجعية، ولكنّ الرجل لم يتعدَّ أن كرّر ما هو مكتوب في صحيحي مسلم والبخاري، وهمّا من أمّهات كتب السنّة التي يعتمدها أصحاب المذهب بعد القرآن. وقد تكرّر اللغط عينه مثلاً لدى ظهور فتوى التمتّع بالرضيعة الواردة في كتاب الإمام الخميني «تحرير الوسيلة»، والذي يعدّ بدوره من أهمّ كتب التقليد الشيعية، وغيرها من الفتاوى، التي لا تزال تُتداول كتلك الخاصة بملك اليمين، التي تتمتّع باعتراف ومباركة إسلامية كاملة.

وعبرت الكيلاني عن صدمتها بهذه الحقيقة، كما صدم كاتب هذه السطور الذي لم يصدّق دعوى الخطيب حتى رجع إلى كتاب “تحرير الوسيلة” للإمام الخميني ليجد تحت بند “المسألة 12” ما يلي حرفيا: “لا يجوز وطء الزوجة قبل إتمام تسع سنين، دواما كان النكاح أم منقطعا، وأما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة والضمّ والتفخيذ فلا بأس بها حتى مع الرضيعة. ولو وطأها قبل التسع ولم يفضّها لم يترتّب عليه شيء”. قلّة قليلة قد اطلعت على مثل هذه الفتاوى للإمام الخميني وغيره، وقلّة أقلُّ قد وعت ما قالته هذه الفتوى من أنّ الزواج يمكن أن يتمّ مع الرضيعات، ولكنّ الوطء لا يجوز قبل تسع سنوات (أي يجوز في التاسعة)، بيد أنّ التمتّع بالطفلة الرضيعة جائز. ما قالته الخطيب إنّ هذه الفتاوى يجب أن تزال من كتبنا، و– بلغتها – “ينبغي أن ننظّف المراجع الإسلامية من هذه الفتاوى غير العقلانية”.

ومن القضايا الأخرى المثيرة للجدل التي طرحتها الخطيب، مسألة حقوق المثليين الجنسيين والحقّ في الإعلان عن الإلحاد، وضرورة فصل الدين عن الدولة، وإمكانية تجسيد شخصية النبي في الأعمال الدرامية والفنية. عن المثليين الجنسيين، قالت الخطيب إنّها تؤيّد “إعطاء جميع المواطنين بكافّة أطيافهم الدينية والاجتماعية حقوقهم المدنية، حتى لو كان من ضمن هؤلاء مثليّون طالما أنّهم لم يخالفوا قوانين البلد”. كما أيّدت فكرة تجسيد شخصية الأنبياء بمن فيهم النبي محمد في الأعمال الدرامية أو فيلم سينمائي، وطالبت بتدريس الثقافة الجنسية في المدارس، والسماح بإقامة المدارس المختلطة لمن يرغب، وحاججت بأنّه ثمّة في الكويت نحو مائة وخمسين مدرسة خاصة، بينها ستّ أو سبع مختلطة، ومع ذلك، يحاول الإسلاميون إغلاق هذه المدارس على قلّتها. ورفضت حجب أية مواقع الكترونية. وقالت إنها تعتبر المجاهرة بالإلحاد حرية رأي، رافضة الضغط الذي مارسته عليها مقدّمة البرنامج لتقديم أيّ تنازل جوهريّ.

ردّات الفعل بدأت من البرنامج نفسه، عندما استند رجلان أصوليان - طلبت معدّة البرنامج تسجيل شهادة لهما بمواجه الخطيب - وهما النائب الشيخ محمد هايف المطيري والصحفي حسين عبد الرحمن، في هجومهما على الخطيب على أنّها امرأة، مفترضين أنّ في ذلك وحده ردّا على طروحاتها. فأمّا الأول فقال إنّ الإسلام لا يمكن فصله عن الدولة ولا عن المجتمع والاقتصاد والثقافة، وأضاف دون أن يرمش له جفن، إنّ أمريكا والغرب بدءا بتطبيق الشريعة لإسلامية التي ترفضها الخطيب. أمّا الثاني، فاستسهل الأمور أكثر، واتّهم الباحثة الخطيب بأنّها طالبة شهرة، وطلب منها أن “تستريح في بيتها وهي تبحث عن قنابل وفرقعات لشدّ الأضواء إليها لأنها تنتهج مقولة خالف تعرف”.

لم يناقش أيّ من الرجلين الراديكاليين أفكار ابتهال الخطيب، بل انطلقا من حيث أنها أنثى، وبالتأكيد لم يقم أيّ منهما بفتح كتب البخاري ومسلم وأحمد وابن تيمية وسيّد قطب وروح الله الخميني، ليتأكّد أو ينفي إذا ما كان اتّهام الخطيب صحيحا أم لا.

ولكنّ الحملة لم تنته ههنا، فما إن بُثَّت الحلقة حتى شنَّ مئات الإسلاميين، المعروفين وغير المعروفين، هجمة منسّقة ضدّ الخطيب على صفحات الإنترنت. وتباينت هذه الردود من دعوات مهذّبة بأن يهديها الله إلى شتائم شخصية منحطّة، لا أستطيع ذكرها في هذا المقام.

ردّ فعل الخطيب جاء هادئا ومتألّما. فأمّا داخل البرنامج فقد قالت إنّ من حقّ الرجلين أن يقولا ما يقولان، ولكنها تساءلت لماذا قبل النائب المطيري أن يقسم على دستور الكويت بدلا من القرآن. أمّا في ردّها على حملات التشهير، فقد كانت متألّمة أكثر منها منزعجة، بسبب سوء الفهم والتشويه المقصود لأفكارها. وكان كثير من الأصدقاء اتّصلوا بها، لتقديم توضيح للّغو المخطوط على الإنترنت حول المقابلة. ووصفت الخطيب التشهير المقصود بأنه “شرّ صفيق أتى في نقل أجوبتي، وأنا، لسبب لا أعيه تماماً بعد، أشعر وكأنني خارج دائرة الحدث، كأنني أراقب مشهدا سرياليا من بعيد، ولا أستطيع سوى أن أشهق إعجاباً بتوحّشه وغرابته وصلفه الشرير”.

على أنّ التشهير زادها قوّة ومنعة وصلابة. ولقد أكّدت وأعادت: “لن أتخلّى عن شيء مما جاء في المقابلة. أنا متمسّكة بكلّ كلمة قلتها، ومؤمِنة بكلّ رأي أدليت به في تلك الليلة الليلاء. لكن، لا يستطيع الإنسان الذي يملك عقلاً ومنطقاً سوى أن يقف بخفر ووجل أمام جرأة النقل بطريقة لا أستطيع أن أصفها حتى بالكذب. وقد يضع لها القراء وصفاً يعجز عقلي عن صوغه”.

وكان أنصاف المتعلمين الذين يهيمنون على شبكة الإنترنت قد نقلوا فكرة الخطيب بأن “”هناك الكثير من الفتاوى المدفونة في أمهات الكتب، الشيعية والسنية، التي تحتاج لإعادة نظر، ونفض، بل وإزالة تامة لابتعادها المهول عن المنطق الإنساني، منها مثلاً فتوى إرضاع الكبير والتمتع بالصغيرة،“على الشكل التالي:”ابتهال الخطيب تشجّع التمتّع بالرضيعة.“كما حرَّفوا مقولتها بأنّ”الزواج المثليّ يتمّ تشريعه في بعض المجتمعات، طبقاً لدراسة اجتماعية، لاعتقادهم بحاجتهم لمثل هذا التطبيق، ولكن يصعب تطبيق هذه الممارسة في مجتمعاتنا، حيث يبنى عليها تغيير شامل لمفهوم الأسرة وقوانينها، فجاءت عناوينهم “ابتهال الخطيب تشجّع زواج المثليين”. وقالت ردّاً على سؤال الحقّ بالمجاهرة بالإلحاد، إنّها مع حقّ الإنسان بالمجاهرة بمعتقده أياً كان، (والذي هو حقّ أصيل في الدستور الكويتي)، فنقل الأصوليون عنها أنّها “تؤيّد الخطيب وبقوّة، المجاهرة بالإلحاد.” وذلك كلّه مطعّم بالشتائم والسباب، منه ما لم تسمع به السيّدة المثقفة من قبل، مختوماً بالصلوات والتسليم والدعوة على أعداء الدين.

ابتهال الخطيب إنسانة حقوقية في الدرجة الأولى، ينصبّ عملها التطوّعيّ الأساسيّ في الحريات وحقوق الإنسان، ومن هنا فهي تقول “لا يمكنني بأيّ حال من الأحوال أن أسمح لمعتقدي أو توجّهي الفكريّ أو مشاعري أو آرائي الشخصية أن توجّه أحكامي الإنسانية. فمثلاً أنا لا أعرف مؤسّسة حقوق إنسان معتبرة تقرّ مبدأ الإعدام كعقوبة، على الرغم من إقرار هذه العقوبة في كلّ الأديان السماوية، وذلك لأن حقوق الإنسان ليست مفصّلة لأصحاب ديانات، أو تقاليد، أو توجّهات معيّنة، بل هي مظلّة تظلّل البشرية جميعها. فعندما أُسأل أنا عن رأي حقوقيّ، فإنني أضع نصب عيني نظرة إنسانية عامّة تخلو من أيّ أحكام مسبقة، أضع حقيبتي الإنسانية التي أحمل فيها إيمانياتي ومعتقداتي ومشاعري جانباً، وأتخفف من كل تحيز، ما أمكن، لأصدر حكماً إنسانياً يمكن تطبيقه على الستة مليارات إنسان على سطح الخليقة”.

وفي معتقدها أنّ المبادئ لا تتجزّأ ولا تنتقى، وليست رهن الموقف أو الوقت أو الأشخاص المعنيين وتوجّهاتهم، المبادئ الإنسانية شاملة، عامّة، متحرّرة من كلّ تقليد، أو انتماء، متلبّسة ثوب الإنسان في أنقى وأبسط صوره دونما قيد أو شرط أو توصيف.

لماذا قامت القائمة ولم تقعد على ابتهال الخطيب؟ أعتقد أنّ سبب ارتفاع السقف في الهجوم على السيدة الخطيب هو بالدرجة الأولى وضوح أفكار هذه السيدة. فهي لا تدور ولا تداور ولا تلفّ على الفكرة دون أن تقولها. وعندما حاولت المذيعة التلفزيونية أن تحصرها في زاوية ضيقة، على أمل إخافتها لكي تتراجع عن أقوالها، كانت تختار الإجابة الصعبة، الإجابة التي فتحت عليها نار جهنّم الأصوليين على الأرض، ولم تختر اللفّ والدوران وقول الأمور من خلال استعارات وتوريات وبلاغات أخرى.

على أنّني أعتقد أنّ ثمّة وراء الحدَّة في ردَّة الفعل سببين إضافيين لا يمكن تجاهلهما: الأوّل أنّ الخطيب هي امرأة، أي أنّها، بعرف الأصوليين ضلع قاصر، وكائن ناقص عقل ودين، فكيف يتأتَّى لها هذا الوضوح الفكريّ والاتّساق المنهجيّ والقوّة والتصميم على مواجهة كلّ شكل من أشكال قمع العقل ومحاولات استلابه؟ لقد أخاف الحضور الطاغي للسيدة الخطيب ومقدرتها على إيصال أفكارها ببساطة وقوّة وترابط، الأصوليين لأن هذا الحضور كان يهدم الفكرة التي حاولوا رسمها وترسيخها عن المرأة خلال قرون. والسبب الثاني أنّ الخطيب هي ابنة الكويت، فهي ليست مصرية أو لبنانية أو سورية أو فلسطينية أو تونسية، حيث كان المجال يسمح في العقود السابقة للفكر اللبرالي أن يزدهر ويتبلور، وكان من المتوقّع والمقبول أن يأتي من هذه الدول مفكّر (أو مفكّرة) ليبرالي مستنير ليقول القول الذي طرحته الخطيب. أمّا أن يأتي مثل هذا المفكّر من الكويت، البلد الذي وضع الأصوليون فيه كلّ إمكاناتهم المالية والعصبية والقبلية ليزيحوا الفكر القومي- الليبرالي الذي ساد في ستينات القرن الماضي وسبعيناته، فكان فيه خطر يتهدّد سلطة الأصوليين هناك. ويتّخذ الأمر بعدا آخر إذا تذكّرنا أنّ الكويت هو جزء من الخليج العربي، المعروف تاريخيا بمحافظته. ولذلك فإنّ خرق هذه المنظومة المحافظة، وخاصة إذا تفاعلت مع مفكّرين ليبراليين آخرين في دول خليجية أخرى مثل مشاري الذايدي وحسين شبكشي ونادين البدير، وغيرهم، سوف يشكّل من دون شكّ مصدر خطر على الفكر الأصوليّ، الراديكاليّ.

وثمّة كلمة سرّ إضافية في قصة الخطيب، لخّصتها هي بعبارة واحدة: “أنا بلدي لا يفعل بي هذا”. كانت تجيب على أسئلة الكيلاني التفصيلية والتعجيزية، وأحد هذه الأسئلة كان: “ماذا لو أقيمت ضدّها دعوى تفريق من زوجها بحجّة أنّها مرتدّة؟” ابتسمت ابتهال بعذوبة وقالت: “أنا بلدي ما تسوي فيني شذي”. (أنا بلدي لا يفعل بي هذا). فمن مثل ابتهال يستطيع أن يقول عن بلده مثل ما قالت؟


شارك اصدقاءك هذا المقال

هل نجني ثمار فشل (...)

أحكمت الأنظمة العربيّة غلق القماقم العتيقة، وبمجرّد تزعزع بعضها أو تلاشيها، غير مأسوف عليها، انطلقت عفاريت الهويّة والطّائفيّة والشّريعة والعقيدة وفتحت أمامنا مسرحا قياميّا شبيها برقصة أشباح الماضي مع الأحياء. كلّ هذا الرّعب الذي نراه يتمّ باسم الإسلام، رغم كلّ الحسابات والرّهانات الجيوستراتيجية، ورغم الدّور التّخريبيّ الذي لعبته بعض الدّول، ورغم تعدّد أطراف اللّعبة في كلّ بلد فتح فيه جحيم هذا الحفل (...)
الفيسبوك
تويتر