الخميس 17 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > مقالات > ابن خلدون: من النصّ إلى التاريخ

ابن خلدون: من النصّ إلى التاريخ

الاحد 19 أيلول (سبتمبر) 2010
بقلم: سعيد ناشيد  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

   "خلافة النبوّة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه –أو الملك- من يشاء".

 عادة ما يؤخذ هذا الحديث النبويّ، أو المنسوب إلى النبيّ، من طرف غالبية فقهاء السلف ومعظم الفقهاء السلفيين، كدليل على مشروعية وجواز الحكم المُلكي الجبري، أو بلغة العصر، الملكية المطلقة. ليس مقام القول هنا أن نناقش حجّية هذا الحديث المتوارث عن أهل الحديث، ومع ذلك فدعنا نفترض ابتداء ما يرجّحه التأريخ من أنّ الحديث الوارد في أكثر من مصدر، وضع في ظروف تاريخية لاحقة، قبل أن يُقحم في المدونة الحديثيّة ضمن سياق الحاجة إلى تبرير تجربة الملكيّة المطلقة والتي احتاج إليها العرب حين دخولهم إلى العهد الإمبراطوري، لكنها ظلت كالعنصر الغريب عن مضامين النصّ القرآنيّ.

أغلب الظن أنّ ذلك الحديث لم يكن موجودا قبل بلوغ الأمويين إلى هرم الخلافة، وإلا لكان قد احتج به معاوية بن أبي سفيان، وهو الذي خاض عقب انقضاء خلافة الثلاثين عاما من "خلافة النبوّة" صراعا دمويا انتهى به في الأخير إلى أن يصبح مؤسس المرحلة الملكية في تاريخ الإسلام. لا نجد أي نص تاريخي يرصد لنا بأن معاوية قد وجد في النص الديني ما يحتج به على تأسيس نظام حكم ملكي وراثي، عدا الاحتجاج بالعصبية.

ورغم تضخم مدونة الحديث إلى حدّ التخمة تسويغا للمشروعية "الإلهية" لتجربة الملكية المطلقة، إلا أن الفقه الإسلامي لم يفلح في تأسيس نظرية سياسية "فقهية" متكاملة وداعمة للملكية، اللهمّ في حدود تجويز محتشم، لا ينفي ولا يؤكد وإنما يبرر ما هو حاصل في واقع الحال. يقول ابن تيمية بأن "خلافة النبوة مستحبة وليست واجبة وأن اختيار الملك جائز في شريعتنا"(1).

لذلك لم ينجح الفكر السياسي الإسلامي في التأسيس النظري للملكية المطلقة إلا بعد أن استند إلى عقل سياسي سيتجاوز العقل الفقهي بل والديني عموما. وهنا تتجلى قيمة المجهود النظري الكبير الذي قام به الفيلسوف الإشبيلي التونسي عبد الرحمان بن خلدون.

خلال عصر ابن خلدون، كانت أغلب مناطق الأندلس قد خرجت عن سيطرة العرب، وكانت المنطقة المغاربية منقسمة إلى ثلاث دول، والعراق تحت حكم المغول(2)، ما يعني أن الفكر السياسي الإسلامي كان في حاجة إلى إعادة بناء الدولة القوية على قواعد أكثر تماسكا من قواعد الإيمان الديني، والتي أثبتت عدم كفايتها.

تكمن أصالة ابن خلدون في قدرته على تجاوز الأسس الدينية المتقادمة التي ما فتئت تستند إليها الملكية المطلقة في ديار المسلمين، ولذلك لم يأخذ بما ورد في التراث الديني أو الفقهي، وبدل ذلك فإنه لم يتردّد في الطعن في صحة كل الأحاديث المنسوبة للرسول والتي حاولت تبرير الملكية المطلقة بمستندات دينية ضعيفة، ولذلك حاول إعادة تأسيس الدولة على قاعدة المشروعية التاريخية.

يمكننا أن نعرض منهجية ابن خلدون وفق الوضوح التالي :

يلاحظ ابن خلدون بادئ ذي بدء أن "كل أمر يُحمل عليه الجمهور فلا بدّ فيه من عصبيّة"(3)، ثم يؤكّد ما يلي : بما أن "الرياسة إنما تكون بالغلب"(4)، وأن "الغلب يكون بالعصبية"(5)، فيصبح "التغلّب الملكيّ غاية للعصبية"(6)، بمعنى أن "الغاية التي تجري عليها العصبية هي الملك"(7).

لقد نقل ابن خلدون الخطاب السياسي الإسلامي من مجال المشروعية الدينية إلى مجال المشروعية التاريخية. فمع ابن خلدون لم تعد الدولة الملكية القوية ضمن أحكام النص الديني، وإنما أصبحت مسألة مفوضة لنظر التاريخ، بصرف النظر عن أن ابن خلدون يقر بنفسه بأن الدين الإسلامي "قد ذمّ المُلك وأهله"(8).

غير أنّ الله لا يذمّ الملك لذاته، وإنما يذمّه من أجل تصريفه إلى "أغراض الحقّ". والواقع أن الملكية المطلقة بحسب ابن خلدون، ضرورة طبيعية للناس وحتمية تاريخية بمقتضى مستقرّ العادة. وهنا يستعرض رؤية مشابهة لتلك التي سيقول بها هوبز، إذ يقول –والقول هنا لابن خلدون وليس لهوبز- : "من أخلاق البشر فيهم الظلم والعدوان بعض على بعض (…) فأمّا المدن والأمصار فعدوان بعضهم على بعض تدفعه الحكام والدولة بما قبضوا على أيدي مَن تَحتهم من الكافة أن يمتدّ بعضهم على بعض، أو يعدو عليهم، فإنهم مكبوحون بحَكَمة القهر والسلطان عن التظالم"(9).

لذلك يلحّ ابن خلدون على "أنّ الملك غاية طبيعية للعصبية، ليس وقوعه عنها باختيار، وإنما هو بضرورة الوجود وترتيبه"(10).

على أنه لا يكتفي بجعل الملكية المطلقة ضرورة تاريخية، وإنما يذهب بمنطق التحليل التاريخي إلى غاية جعل الدعوة الإسلامية نفسها تبدو وكأنها ليست أكثر من المرحلة التاريخية والتي كانت غايتها منذ البداية بناء الدولة العربية القوية والقادرة على تأمين حدودها ومجابهة مطامح الدّول الأخرى. لكن ما جدوى أن يكون الدين ممهدا تاريخيا لمرحلة الدولة؟ السبب أن العرب "لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة"(11).

هكذا لا يحظى الملك الجبري بالمشروعية وحسب، وإنما تكون الشريعة نفسها ضمن الخلفية التاريخية التي ستقود لاحقا إلى بناء الدولة، بما يجعل الدولة الملكية المطلقة عند ابن خلدون تبدو وكأنها ثمرة النص الديني بقدر ما هي مرحلة متجاوزة له ولاغية لأحكامه السياسية، هذا إن كانت له فعلا أحكام سياسية. فغاية الدعوة والنبوة بحسب ابن خلدون، الوصول إلى بناء الدولة الملكية عند العرب، أسوة بما هو الأمر لدى شعوب ومجتمعات أخرى.

وإذا كان أول تاج من تيجان الملك في الإسلام قد آل عقب أهوال الفتنة الكبرى إلى معاوية بن أبي سفيان (الأموي)، بدل علي بن أبي طالب (الهاشمي)، بما ينازع مظهر "المشروعية الدينية" ويُعاكس موازين القوى العددية، فمردّ ذلك أن المشروعية القائمة على الكثرة والورع لا تقيم الدولة ولا تمثل أي أساس للملك أو سند له حتى في تلك الأزمنة. وتأكيدا على الطابع "العلماني" للتاريخ السياسي العربي، كتب ابن خلدون يقول : "لما هلك عثمان واختلف الناس على علي، كانت عساكر عليّ أكثر عددا لمكان الخلافة والفضل، إلا أنها من سائر القبائل من ربيعة ويمن وغيرهم. وجموع معاوية إنّما هي جند الشام من قريش شوكة مضر وبأسهم، نزلوا بثغور الشام منذ الفتح، فكانت عصبيته أشدّ وأمضى شوكة"(12).

لقد آلت مشروعية الحكم إلى بني أمية، ليس لأسباب دينية وليس لاعتبارات ذات علاقة بشكل من أشكال التفويض الإلهي، ومع ذلك فإن مشروعية حكمهم أصبحت قائمة ولا شك، لكن لاعتبارات لم تعد تتعلق بالنص المتجاوز، وإنما لاعتبارات تتعلق بالعقل والمصلحة والتاريخ.

لقد نجح ابن خلدون في أن يؤسس قواعد جديدة لمشروعية الحكم الجبري الذي ابتدأ مع الأمويين، تحت مسمى قديم هو الملك الجبري ومسمّى حديث هو الملكية المطلقة، على مشروعية وجوب الخروج من النصّ إلى حيث الله "أجرى الأمور على مستقر العادة"(13).

خلاصة القول :

رغم أن العقل الفقهي في الإسلام لم يأل جهدا في تبرير الحاجة لدولة قوية انطلاقا من الترسانة التي يوفرها النص الديني من مختلف مستوياته، إلا أنّه أخفق وما يزال يسجل إخفاقا قاطعا، سواء في تركيا الآن، حيث التجربة "الإسلامية" داخل الدولة تظل خارجة عن النص، أو في مصر أو الجزائر أو الأردن أو غزة، حيث التجربة "الإسلامية" داخل النصّ تظلّ خارجة عن الدولة. ذلك لأنّ العقل الدينيّ حين يصرّ على بناء الدولة انطلاقا من النصّ، فعلاوة على أن هذا القول مجرد قول إنشائي، إلا أنه يتناسى بأن قوة النص الديني الإسلامي تكمن بالذات في قابليته للتجاوز من طرف أية تجربة سياسية ناضجة راشدة ومنحازة لمصالح الأمّة بدل أحكام النصّ المقدّس، تجربة منحازة لـ"أمّة القرآن" بدل "قرآن الأمّة".

الهوامش:

 1- مجموع فتاوى ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمان بن محمد بن قاسم الحنبلي، طبعة خاصة، 1398 ه، المجلد 35، ص : 25 .
 2- محمد خاتمي، الدين والفكر في شراك الاستبداد، ترجمة ماجد الغرباوي، دار الفكرالمعاصر، بيروت، ودار الفكر، دمشق، 2001، 354 .
، ص : 213

3- تاريخ ابن خلدون، المجلد الأول، دار الكتب العلمية، بيروت،1992
4- نفس المرجع السابق، ص : 14 
 5- نفس المرجع السابق، ص : 140 
 6- نفس المرجع السابق، ص : 148 
7- نفس المرجع السابق، ص : 148 
8- نفس المرجع السابق، ص : 213 
9- نفس المرجع السابق، ص : 136 
10- نفس المرجع السابق، ص : 213 
 11- نفس المرجع السابق، ص : 151
12- تاريخ ابن خلدون، المجلد الثالث، دار الكتب العلمية، بيروت، 1992، ص :5 
13- تاريخ ابن خلدون، المجلد الأول، مرجع سابق، ص : 169
 

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

عمّان - اسامة الشملة
19 أيلول (سبتمبر) 2010 03:58

حقيقة المقال ذكي جدا ، وهذا امر ليس بجديد على سعيد ناشيد البداية تشي ان الخطاب سيكون سياسي عن المواطنة والحقوق المدنية ، لكن عندما يتم الانتقال الذكي الى الدين وطريقة تفسير ابن خلدون للدين من ناحية اجتماعية حقيقة ادهشتني كيفية الخروج بهذا التفسير بكل بساطة وسلاسة ذكرتني طريقة التحليل بفرويد وتحليله لنفس الموضوع


الرد على التعليق

بيروت - هشام هاشم
19 أيلول (سبتمبر) 2010 13:30

- بعض النتائج التي خرج بها ابن خلدون إنما تعتمد على قراءته هو لتلك الحقبة من التاريخ الاسلامي (صراع معاوية مع علي بن أبي طالب)، وهناك قراءات لا تتوافق مع قراءة ورؤية ابن خلدون لهذه الفترة الحساسة من تاريخ الاسلام.
- لا أدري أي عقل هذا وأي مصلحة تلك التي تشرعن حكم رجل كمعاوية!؟
- وهل صار الواقع التاريخي هو الذي يقولب لنا النظريات التي يمكن الاعتماد عليها لصياغة منهجية متكاملة في الحكم وتأسيس الدول!!


الرد على التعليق

ميسان - عبد الكريم معن
19 أيلول (سبتمبر) 2010 18:13

تحية للأستاذ سعيد ناشد على مجهوده الطيب، و ارجو أن يتسع صدره لما سأبديه من قضايا أذكرها في سبيل الدقة و محبة المعرفة لا غير . المقال صغير، و هو يريد أن يضطلع بطرح أكبر منه، و اخشى أن يكون أكثر من طاقة الباحث نفسه، هو يريد أن يطرح تقابلا بين تصورين سياسيين للدولة بالاستناد على تاريخ الإسلام، و يقدم مفتاح التقابل و حله بابن خلدون، و هذه قضية فيها جمع بين ما لا يجتمع، فهي تريد أن تسوغ موقفا إيديولوجيا، مشروعا في كل الاحوال،و لكن بأن تعطيه غشاء "معرفيا"، لكن الضحية هنا كانت هي المعرفة، فالمقال ابان عن عدم معرفة و أكاد أقول جهلا فادحا بابن خلدون، فأن نقدم ابن خلدون باعتباره من فتحنا على السياسة و التاريخ و أخرجنا من سرداب التراث فهذا قول يشيب له الولدان، و الغريب أن الأستاذ يستشهد بكتاب "تاريخ ابن خلدون" في عمومه و لا يحدد، و الحال أن أضعف ما عند ابن خلدون هو تاريخه، لأنه صورة لما سبقه من تواريخ عند المسعودي و الطبري، فابن خلدون لا يتميز بشيء كمؤرخ، بل هو صورة من الأقدمين، أما تميزه ففي المقدمة، و كان على الأستاذ أن يبين أنه استند إليها، و في ماذا. ابن خلدون فقيه مالكي، و كان قاضيا للمالكية في مصر، و مواقفه من الفلسفة و علم الكلام و علوم العقل لا تقل رجعية عن غيرها، و عمله التطبيقي كمؤرخ ليس أقل رجعية أيضا، و لو أن الأستاذ استند و رجع إلى المختصين في الفكر الخلدوني و هم بالعشرات من عرب و مستشرقين لما سقط في هذا، لهذا فإني اتعشم من الأستاذ ناشد أن يقتصد الأحكام العامة، و ألا ينسى الدقة في المعرفة، فيسقط على ابن خلدون صورة لا علاقة لها بالواقع. أما الحديث عن "الحديث"، فهو ايضا يستدعي معرفة به، و أدنى المعرفة ما تعلق بالجرح و التعديل، و هو ما سيعصم من بعض الغرائب مثل القول "أغلب الظن أنّ ذلك الحديث لم يكن موجودا قبل بلوغ الأمويين إلى هرم الخلافة، وإلا لكان قد احتج به معاوية بن أبي سفيان" فمثل هذه الحجة تدعو للذهول، لأنها تنتمي إلى السيكولوجيا الافتراضية أكثر ما تنتمي للنقاش المعقول. تحيتي للأستاذ و شكرا على سعة صدره


الرد على التعليق

  • - سعيد ناشيد
    19 أيلول (سبتمبر) 2010 19:29

    يا سيدي المحترم، غريب أنك تجهل بأن ما درجنا على تسميته بمقدمة ابن خلدون هو فقط المجلد الأول من حوالي ستة أو عشرة مجلدات بحسب الطبعات تسمى بكتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر. يا سيدي المقدمة ليست عملا مستقلا عن تاريخ ابن خلدون، وهي المجلد الأول الذي اعتمدته. يا سيدي المقدمة هي مقدمة تاريخه. يا سيدي شكرا على اهتمامك.


    الرد على التعليق

    • - هادي طرابسي
      19 أيلول (سبتمبر) 2010 23:29

      عادة ما يؤخذ هذا الحديث النبويّ، أو المنسوب إلى النبيّ، من طرف غالبية فقهاء السلف ومعظم الفقهاء السلفيين، كدليل على مشروعية وجواز الحكم المُلكي الجبري، أو بلغة العصر، الملكية المطلقة" لم يرد حديث حديث نبوي بهذه الصيغة وإنما بصيغة فيها تحذير من عاقبة التولي عن الدين.والسلفيون قاوما الإستبداد ويقاومون


      الرد على التعليق

    • - عبد الكريم معن
      20 أيلول (سبتمبر) 2010 04:41

      يا سيدي المحترم، أعرف أن المجلد الأول هو المقدمة، لسبب واحد، وهو أن ابن خلدون هو موضوع بحثي، و لست محتاجا لأن أعرف ذلك يا سيدي، و يا سيدي المحترم، لهذه الاعتبارات كلها يذكر الداسون- ممن لم تعد لأي أحد منهم و كأنك عدت لابن خلدون رأسا، و كأنك أنت من اكتشفت بنفسك قيمة ابن خلدون لأول مرة في التاريخ - فيقولون "المقدمة"، تمييزا لها عما بعدها مما لا يرقى لقيمتها، و لهذا قلت في تعليقي "أما تميزه ففي المقدمة، و كان على الأستاذ أن يبين أنه استند إليها، و في ماذا"، وقلت أيضا "و الغريب أن الأستاذ يستشهد بكتاب "تاريخ ابن خلدون" في عمومه و لا يحدد"، و انتبه لفي عمومه هذه، و يا سيدي ما أجبت عن اي من تساؤلاتي المعرفية حول ابن خلدون، بل ذهبت إلى مناقشة جزئية لا تمس جوهر الموضوع، فلنفترض أني جاهل بهذه الجزئية حتى، ما قولك في باقي الأسئلة و ما جوابك ؟ و يا سيدي المحترم، من يكتب عليه أن يتقبل النقد و يناقشه، و لا ينساق فقط مع البوليميكا، و قد رجوت أن يتسع صدرك، فما اتسع.و شكرا لك على كل شيء


      الرد على التعليق

منوبة - عادل بن عبد الله
20 أيلول (سبتمبر) 2010 15:01

ملاحظات حول مقال ناشيد (الجزء الأوّل) -أوّل ما يتبادر إلى ذهن القارئ هو علاقة هذا النص بمجمل"مشروع "ناشيد الذي مداره"الإسلام هو أكثر الأديان قابلية للخروج من الدين المؤسّسي".هل إنّ إبن خلدون هو جزء من هذا المشروع وبأيّ معنى؟ وإن كانت هذه الفرضية غير صحيحة-أي انتماء إبن خلدون للسؤال اللاهوتي-الأنطولوجي الناشيدي- فإنّ إشكالية المقال تصبح عندها ممّا يحتاج إلى استئناف في القول كبير وهو ما نبّه إلى وجوه منه- بذكاء و أدب كبيرين -الأستاذ عبد الكريم معن ،ولم يفعل الأستاذ ناشيد معه -كدأبه في أغلب ردوده- غير الالتفاف على الأسئلة الحقيقة و التركيز على جزئية"شكليّة" تكون بمثابة الشجرة التي يراد لها حجب الغابة كلّها. -قد يكون الأستاذ ناشيد في مقالاته في حلّ من الإحالة على أي مراجع أو مصادر .ولكنه عندما يختار الإحالة فإنّ عليه الوفاء بشروطها العلمية أو الإعراض عنها جملة وتفصيلا. ولا يخفى على قرّاء "مقالات" الأستاذ ناشيد "الصحفية" –وهذا الوصف ليس من باب الاستنقاص بل من باب التقويم المعرفي القابل للتعليل -،أنه يقف في أغلب إحالاته موقفا متذبذبا بين تمام التوثيق و عدم الأخذ به نظرا لطبيعة الكتابة الصحفية.و التوثيق هنا محمول على معنيين: 1- هو بمعنى اعتماد الطريقة العلمية في توثيق الشواهد الواردة في النص ولا أظنّ أنّ أي أحد اشتغل في بحث علمي حقيقي جاهل بمعنى هذا القول وطرائق إجرائه.ولعلّ أي قارئ يلاحظ استسهال الأستاذ ناشيد لهذا الجانب سواء في توثيق الايات أو تخريج الأحاديث أو نسبة الشواهد والمقبوسات وتحديد مواضعها النصية . 2- هو بمعنى اعتماد المختصّين في الموضوع المدروس. ولا يزايدنّ علينا أحد بأنّ ناشيد يريد أن يبدع مقالة من عنده.فعلى فرض صحّة هذا الاعتراض-وهو في تقديري غير صحيح في مجمل الأطروحات الناشيدية-فإنّ معنى الإبداع لا يستوي إلا بما هو حركة تجاوز للسابق و إحاطة "معقولة"به. ولا يخفى على القارئ أنّ ناشيد لم يذكر أيا من المختصين في الفكر الخلدوني و كأنّه يبدأ من نقطة الصفر .والحال أنّ الكتابات في "المقدّمة" أكثر من أن تحصى بأكثر من لغة وفي أكثر من قطاع معرفي .و ليس ذكر مجمل "تاريخ المبتدأ والخبر" بكامله إلاّ ضرب من التلبيس و التعالم الذي قد نتسامح معه لو كان المقال أصلا في مقارنة المقدّمة بمجمل كتاب التاريخ ولم يكن في بعض الأطروحات التي وردت ضمن المقدّمة لا في سواها. -أسأل الأستاذ ناشيد : هل ما جئت به في المقال من بنات أفكارك وتخريجاتك؟ إنّ النزاهة العلمية تقتضي ردّ "الأمانات" إلى أهلها.وليس ينقص من قيمتك أن تحيل على الذين أفدت منهم في بناء مقالك ، بل لم تتجاوز مجرّد مقام الناقل الأمين في كثير من الأحيان للمعنى دون اللفظ.ولا يخفى على الأستاذ ناشيد أنّ إثبات هذا الأمر لا يحتاج إلى جهد كبير .ولو وقف كاتب المقال عند حدّ النقل لكان في الأمر نظر ولكنه ربط بين "مقبوساته"-على حد العبارة الشهيرة للأستاذ أميرالغندور- ربطا غير محكم مما شوّه أصول الأفكار و أبعدها عن سياقاتها الأولى ضمن نصوص المحقّقين من أصحابها.وبالطبع فإنّ عدم التمكّن من المقدّمات النظرية مؤذن ب"فساد العمران" الفكري –لو أردنا استعمال المصطلح الخلدوني مع ضرب من التوسّع والمجاز. إنّ الغالب على مقالات الأستاذ ناشيد هو غياب النفس الفكري العميق وهو أمر يمكن إثباته-بالإضافة إلى بنية الجملة و تعالقاتها الدلالية- عند التفحّص المنطقي لعلاقة مقدّمات مقالاته بنتائجها الجزئية أو العامة.وليكن مثلنا الإجرائي هذا المقال. يسأل أي قارئ هذا السؤال: ما هي إشكالية الأستاذ ناشيد فيه وما هي طبيعتها ؟ لنبدأ من العنوان. عنوان هذا المقال " إن خلدون: من النص إلى التاريخ" وهو يحاول أن يثبت قيمة اللّحظة الخلدونية باعتبارها انتقالا من سلطة النص الديني إلى سلطة التاريخ و قوانينه الموضوعية المتحكّمة في الاجتماع البشري و خاصة الاجتماع العربي بدءا من لحظة تحوّل الخلافة إلى ملك عضوض أو دولة استبدادية كما أراد الأستاذ ناشيد المطابقة بينهما –وهي مطابقة غير دقيقة و لا تتجاوز مستوى الإسقاط- إن شئنا الدقة المفهومية- لا مجرّد النظر في التشابهات الصورية-.ولا ينتبه الأستاذ ناشيد إلى ما في العودة إلى ابن خلدون من مزالق قد لا تخدم أطروحته التي تأتي في نهاية المقال. إنّ الزعم بأنّ ابن خلدون قد" استند إلى عقل سياسي سيتجاوز العقل الفقهي بل والديني عموما"،هو من باب "الإنشاء" الذي يبدو أنّ كاتب المقال يعيبه على العقل الديني .فإبن خلدون رغم تجديده "النظري"لا الإجرائي لم يكن يفكّر خارج المنظومة السّنية الأشعرية ذات الميولات الرّوحية الصوفية.كما أنه في تفصيله لأنواع الحكم لا يخفي تفضيله للخلافة في مقبل الضّربين الآخرين وهما الملك العقلي والملك الطبيعي.ولا يمكن فصل هذا التفضيل الخلدوني عن الغاية التي يسعى إليها كل نمط من أنماط السلطة –أو الأمر بالمصطلح القرآني-،فالخلافة هي عنده نظر "بنور الله"الجالب للمصالح الدنيوية والأخروية معا،وهو ما لا يفي به الملك العقلي وإن كانت رتبته أعلى من رتبة الملك الطبيعي و ذلك لانحصار غايتهما في تحقيق مصالح الدنيا دون الآخرة. هل تجاوز إبن خلدون هنا العقل الفقهي أو الدّيني عامة كما صادر على ذلك الأستاذ ناشيد من باب ما يسمّيه المناطقة بالمصادرة على المطلوب؟ إنه سؤال أترك الإجابة عنه لصاحب المقال و لقارئي مقاله…لأنّ الإجابة عندي مما يحتاج إلى مزيد بيان.


الرد على التعليق

منوبة - عادل بن عبد الله
20 أيلول (سبتمبر) 2010 15:03

(الجزء الثاني من التعليق) ولا يخفى على قارئ المقدّمة أيضا –أو أي بحث وضع فيها- أنّ إبن خلدون قد حافظ على العلاقة التفاضلية بين أنماط السلطة التي عرفها الاجتماع الإسلامي منذ اللحظة النبوية. فالأصل هو النبوّة التي استحالت خلافة ثمّ انحدرت إلى ملك عضوض.ولا يستطيع الأستاذ ناشيد أن ينكر أنّ إبن خلدون –مثل سائر أهل السنة- كان يحنّ إلى مرحلة الخلافة على الأقل في المستوى النفسي أو في مستوى التقويم المعياري رغم وعيه المرهف باستحالة تكرارها واقعيا مما جعله يشكّ حتّى في مسألة المهدي الذي سيخرج في آخر الزمن وذلك لفقدانه للعصبية اللازمة للملك.ولكن هل يعني ذلك أنّ إبن خلدون قد فارق الدائرة الدينية وفكّر من خارجها؟ قد يكون هذا التأويل مقبولا لو رأينا دعوة واحدة منه إلى اعتماد" الملك العقلي" بديلا للملك العضوض ،بل بديلا للخلافة التي أصبحت من باب المثال الذي يستحيل تكراره.ولكن هل نجد هذه الدعوة في أي موضع من مقدّمته ،بل في مجمل تاريخه الذي قرأ الأستاذ ناشيد طبعات مختلفة منه؟ أرجو من الأستاذ ناشيد أن ينير جهلي في هذه المسألة و أن يذكر لي ذلك الموضع و أكون ممنونا له مسبقا لعلّ مقال الأستاذ ناشيد هذا ،كان قادرا على تأسيس إشكالية حقيقية لو أنه تجاوز مستوى العموميات و الأحكام التي لا تأصيل نظريا ولا تاريخيا لها.فلا أحد ينكر النقلة" النظرية " وغير المستأنفة التي مثلتها مقدّمة إبن خلدون ، ولكن ذلك لا يجعله مرجعا ذا فائدة في تجديد الفكر السياسي الإسلامي أو نقده.فإبن خلدون لم يكن قادرا على تخيّل اجتماع سياسي خارج عن رقابة الوحي و إن خضع لقوانين العمران .كما أنه لم يكن يفكّر أصلا في بناء بديل "سلطاني " أو التفكير الفلسفي أو التأريخي في إمكانية ذلك وشروطه. ولذلك كان إقحامه ضمن مقدّمات هذا المقال ضربا من "التحكّم" الذي لا مبرّر له.ولمّا كنت أميل إلى أنّ الأستاذ ناشيد لا يدعونا إلى إحياء الأطروحة الخلدونية بمحدوديتها التاريخية السياقية، بل إلى استئنافها من خلال قصديّتها أو إمكانيات التأويل التي تحتملها فقد كان عليه تبيين مسالك ذلك الاستئناف و تحديد مساراته من منظور حداثي .ولا نجد في هذا المقال أي محاولة لذلك اللهم إلا في خاتمته التي لا تعلّق منطقيا لها بالمقدمات إلا من جهة التأويل البعيد . جاءت نتائج الأستاذ ناشيد في هذا المقال طارحة العديد من الأسئلة التي لا يمكن الهروب منها عند قراءة أي مقالة من مقالات هذا الكاتب.وسأورد أهم هذه الأسئلة من غير تفصيل : 1-ما هي الفئة التي يتوجّه إليها الكاتب ومن أي موضع يصدر هذا الخطاب وما هي طبيعته أصلا؟ 2- هل استطاع الأستاذ ناشيد حقّّا تجاوز المتلقّي الافتراضي-أو المثالي- الذي كانت تتوجّه إليه الكتب التراثية ؟ أي هل إنه يكتب لمواطن ينتمي إلى دولة وطنية أم لمؤمن سنّي عربي؟ 3- هل فعلا هناك علاقة منطقية – مثل اللزوم أو التضمّن أو الاقتضاء أو غير ذلك- بين مقدّمات عمله ( اللّحظة الخلدونية) ونتائجه(الانحياز إلى أمّة القرآن بدل قرآن الأمّة)؟ 4-هل فعلا نحن أمام إشكالية علمانية حداثية أم أمام خطاب تراثي جديد لم يفكّر في حقيقة بنيته العميقة بطريقة نقديّة حقيقية؟ 5-هل الكتابة الناشيدية هي حقا منتمية إلى مشروع تحديثي مؤصّل أم إنها مجرّد" خواطر" غير نضيجة تحتاج إلى تفكير أعمق قبل إخراجها إلى حيّز النقاش العام؟ إنها أسئلة كنت طرحت بعضها على الأستاذ ناشيد وأعيد طرحها مرّة أخرى .وليس القصد من كل ذلك التشكيك في قدرات الكاتب ولا في مهاراته ،بل منتهى القصد أن يساعد القارئ على "موضعة" مقالاته وتحديد مستوى النقد الصالح لها حتى لا نحمّله ما لا يحتمل ولا نلزمه إلا ما ألزم به نفسه. لقد نظرت في أغلب الخلاصات أو المحصّلات التي يختم بها الأستاذ ناشيد ووجدت أنها تجيء غالبا متسرّعة أساسها التحكّم والإنشاء الخطابي. ولعلّ "خلاصة القول" التي وضعها الكاتب لهذا المقال تكفي شاهدا على ذلك.فالكاتب لم ير في المشروع الخلدوني إلاّ إمكانية لتبرير الانتقال من الملك العضوض (الملك الاستبدادي ) الذي ربطه تحكّما ب"العقل والمصلحة والتاريخ" –أي الحاجة إلى دولة قوية ومشروعية الخروج على النص-،إلى المطلب الحداثي في الانفكاك من سلطة ذلك النص وتجاوزها. ولا أخفي على القارئ أنّ هذا التأويل مشروع ،بل هو من نقاط القوّة في هذا المقال .ولكنّ ذلك لم يتمّ ضمن نسق حجاجي متماسك أو بتأسيس مفهومي متين.فالأستاذ ناشيد لم يستطع أن يخرج حتى في أكثر أطروحاته حداثة "ظاهرية " عن مقالة "تراثية" مثّلها العديد من الأصوليين –ولعلّ من أشهرهم نجم الدين الطوفي- و أساس تلك الأطروحة" حيث ثمّة مصلحة فثمّة شرع الله". كما لا يمكن في هذا الموضع أيضا إغفال ما يمكن أن يقدّمه الفكر المقاصدي عند الشاطبي وغيره من ثراء تأويلي عندما يتمّ التعامل معه من منطلق حداثي متأسّس فلسفيا و في غير الفلسفة من العلوم اللسانية والاجتماعية والنفسية. لقد حاول الأستاذ ناشيد في هذا المقال توظيف "الرمزية " الخلدونية من أجل استئناف القول السياسي ونقد تجارب سياسية تزعم الانتماء إلى الفقه السلطاني الإسلامي-السني سواء أصدرت من موقع الدولة أو موقع خارج عنها أو معارض لها. وأنا لا أخفي اتّفاقي معه في ضرورة نقد الفكر السياسي الإسلامي و تفكيك الخطابات الحديثة التي تحاول استثمار رمزيته و جعلها مدخلا للانفراد بالشأن العام و احتكار الهيمنة عليه. كما لا أخفي اتفاقي معه في ضرورة بناء عقد اجتماعي أساسه المواطنة لا الديانة أو المذهب. لكنّ هذه المطالب جميعها لا يمكن لها أن تستقيم نظريا أو تكون فاعلة واقعيا ضمن مقاربات غير مؤصّلة فلسفيا . التحية للكاتب ولكل قرّاءالأوان


الرد على التعليق

  • ميسان - عبد الكريم معن
    20 أيلول (سبتمبر) 2010 15:38

    الأستاذ عادل بن عبد الله، هنا في تعليقك علم غزير، و أدب كبير، و حديث في الصميم، و الحقيقة أن هذا التعليق يرقى لمستوى المقال المستقل، لولا أني على ما أرى لست حريصا على ذلك، فتقبل شكري و تقديري و احترامي اللامحدود


    الرد على التعليق

  • القاهرة - أحمد خالد
    20 أيلول (سبتمبر) 2010 17:55

    عن قول الأستاذ عادل "فإبن خلدون لم يكن قادرا على تخيّل اجتماع سياسي خارج عن رقابة الوحي و إن خضع لقوانين العمران"

    " وتزيد الفلاسفة على هذا حيث يحاولون إثبات النبوة بالدليل العقلي ،وأنها خاصية طبيعية للإنسان ،فيقررون هذا البرهان إلى غايته وأنه لابد للبشر من الحكم الوازع ثم يقولون بعد ذلك : الحكم يكون بشرع مفروض من عند الله يأتي به واحد من البشر ،وأنه لابد أن يكون متميزا عنهم بمايودع الله فيه من خواص هدايته ليقع التسليم له والقبول منه ،حتم يتم الحكم فيهم وعليهم من غيرإنكار ولا تزييف ،وهذه القضية للحكماء غير برهانية كما تراه ،إذ الوجود وحياة البشر قد تتم من دون ذلك بما يفرضه الحاكم لنفسه ،أو بالعصبية التي يقتدر بها على قهرهم وحملهم على جادته .فأهل الكتاب والمتبعون للانبياء قليلون بالنسبة إلى المجوس الذين ليس لهم كتاب ،فإنهم أكثر أهل العالم ،ومع ذلك فقد كانت لهم الدول والآثار فضلا عن الحياة ،وكذلك هي لهم لهذا العهد في الأقاليم المنحرفة في الشمال والجنوب ،بخلاف حياة البشر فوضى دون وازع لهم البتة ،وبهذا يتبين لك غلطهم في وجوب النبوات وأنه ليس بعقلي ،وإنما مدركه الشرع كما ذهب سلف الأمة ،والله ولي التوفيق والهداية "

    مقدمة بن خلدون_الباب الأول _المقدمة الأولى _342_الهيئة العامة للكتاب


    الرد على التعليق

    • منوبة - عادل بن عبد الله
      20 أيلول (سبتمبر) 2010 18:43

      تحية للأستاذ أحمد خالد.أشكرك على تدقيقك و لكن لا أظنّ أنّ ما ذكرت ينقض النقد الذي وجّهته للأستاذ ناشيد. فأنا لم أقل إنّ ابن خلدون لا يعرف أنّ من الاجتماع ما يتمّ خارج رقابة الوحي،(الملك العقلي) بل كلّ ما قلت هو أنّ إبن خلدون -على حدّ علمي المتواضع بنصوص مقدّمته- لم يدع إلى تفضيل الملك العقلي على الخلافة ولا إلى جعل هذا الملك مدخلا لاجتماع مدني يحلّ محلّ الاجتماع القائم على أساس ديني.وأظنّ أن ّذلك كان داخلا في مجال ما يسمّى ب"المستحيل التفكير فيه" ضمن الابستيمي الذي تحرّك ضمنه المشروع الخلدوني لإعادة فهم العمران البشري وقوانينه الموضوعية . ولا شكّ أنّ خلفيته الدينية السنية ، والرمزية المعيارية (المخيالية) للخلافة "الراشدة"، ; جريان العمران في المجتمعات التقليدية على أن يتأسّس الاجتماع على جذر ديني(توحيدي أو إحيائي أو متعدّد الالهة)، كلّ ذلك كان من الأسباب التي حالت دون طرح هذا الاحتمال. كما لم يكن من المتخيّل -ولا من الممكن- في الفضاء الإسلامي التقليدي تخيّل اجتماع مبني على أحكام العقل و خارج عن المحددات الدينية، اللهم إلا إذا صدر الخطاب من موقع فلسفي مستند إلى التراث اليوناني.وكما ترى من الشاهد الذي أثبته مشكورا،فإنه قرأ المقالة الفلسفية أو الحكمة بمنظور ديني قد لا يطابق إلا ما استطاعت الثقافة الإسلامية قبوله وتيبئته من التراث الهلينستي.ولا يخفى عليك ،أستاذي الكريم أنّ الشاهد الذي سقته قد جيء به -ضمن أبواب المقدّمة- في إطار الرد على مزاعم الفلاسفة بوجوب النبوّة عقلا ودفاعا عن المقالة الأشعرية القائلة بوجوب النبوّة شرعا -أو بالنص- لا بالدليل العقلي الخالص ، وهو دليل يراه ابن خلدون قاصرا عن درك رتبة البرهان رغم ادّعاء الفلاسفة ذلك.و لك كلّ الشكر


      الرد على التعليق

- مختار الخلفاوي
20 أيلول (سبتمبر) 2010 17:31

السادة المعلّقون، نشكر لكم هذه الملاحظات التي لا تكتفي بتقريظ ما هو منشور، ولكنّها تمارس معه العلاقة الطبيعيّة وهي النقد. ومن ينقد عليك كمن يؤلف معك..على أنّ جنس التأليف، هنا، لا يخرج عن مقالة تأمّلية لا دراسة بحثيّة.. ومحاسبة الكاتب على أنّه لم يعد إلى جميع ما كتب في الموضوع، وأنّه لا يذيّل مقالته بمسرد في المصادر والمراجع يحمّل الكاتب كلّ كاتب - والموقع أيضا - فوق ما يحتمل.. نحن ننشر مواد بحثية نراعي فيها، ما استطعنا، مقتضيات البحث وشروطه المنهجيّة والبيبليوغرافيّة، كما ننشر، حينا آخر، مواد تأمّلية لها مقتضياتها المخصوصة، ولها مقاماتها وقرّاؤها.. للمقالة التأمّلية تارات وللمقالة البحثيّة تارات، ولكلّ أوان.. تحياتي وتقديري إلى الجميع..


الرد على التعليق

  • - عبد الكريم معن
    20 أيلول (سبتمبر) 2010 18:28

    الأستاذ الخلفاوي، تحية تقدير، أشكر تدخلك الذي كان اولى بالكاتب أن يفعله احتراما لقرائه، و ليس الإدارة التي هي مدير فقط لا ينحاز، أنا لم أطلب من الاستاذ ناشيد غير الدقة، و حتى دقة المراجع هذه لنتجاوزها، فلنتحدث عن دقة الافكار، فلا يجوز أن نعتبر صفة مقالة تاملية تسمح لنا بقول اي شيء كما نشاء، هناك ضوابط و إلا فلكل أن يقول أي عجب يراه، فأن نقول بأن ابن خلدون اخرجنا من النص هذا كلام خاطئ تماما تماما تماما، و لا يمكن أن يسمح بقوله حتى لطالب ثانوي، ابن خلدون فقييييه، و فقيه مالكي، و مواقفه من حركات التنوير في الإسلام سلبي جدا، بل هو في موقفه من علم الكلام يعتبر أن علم الكلام حده "الدفاع عن الملة"، و هو ما يجعله يقصي بالمرة المعتزلة، و علاقته بالقرآن قدسية، فكيف يا سيدي نقول من النص إلى التاريخ ؟ اصلا هذه المفاهيم "النص" و "التاريخ" مفاهيم لا تنتمي لعالم ابن خلدون، لأن القرآن عنده ليس "نصا"، بل هو كلام الله، و تصروه عن التاريخ ليس "جدليا"، بل ثيولوجي، فلا ينبغي أن نتجنى على المعرفة لهذا الحد، فحتى عتاة الخلدونيين قالوا إن الرجل محكوم بعصره، و إشكاليته انتهت معه، أما ان نقول بجرة قلم "تكمن أصالة ابن خلدون في قدرته على تجاوز الأسس الدينية المتقادمة التي ما فتئت تستند إليها الملكية المطلقة في ديار المسلمين، ولذلك لم يأخذ بما ورد في التراث الديني أو الفقهي"، فهذا من علامات الساعة، و حينها اسمحوا أن أكتب نصا حول "الغزالي و الثورة على الدين "، أو "ابن رشد و النانولوجيا" تحية


    الرد على التعليق

- سعيد ناشيد
20 أيلول (سبتمبر) 2010 20:02

الأستاذان الفاضلان عبد الكريم معن وعادل بن عبد الله. أنا لست باحثا أكاديميا أو جاميعا، فأنا محكوم بخلفيات إصلاحية في مباحثي، وهذه مسالة اختيارات، كما أني أحترم من يختار الخيار الجامعي الأكاديمي الصرف، لكني أعتقد أن من شروط البحث الأكاديمي أن لا نخلط بين تاريخ ابن خلدون وبين تاريخ ابن مسعود أو الطبري، ذلك أن تأريخ الطبري مثلا هو سرد دقيق وموضوعي بالفعل، لكنه يبقى سردا للوقائع والأحداث، أما تاريخ ابن خلدون فإنه ولأول مرة في التاريخ نجد هناك تصورا للتاريخ باعتبار وجود قانون يوحد ويشمل سيرورة التاريخ البشري برمته، في مراحل صعوده ونزوله. إن تجاوز التصور الخلدوني اليوم لا يعني أنه لم يكن عقلانيا، تماما كما أن تجاوز الأفلاطونية أو الديكارتية لا يعني ذلك لاعقلانيتها. أما لماذا عدت رأسا إلى المثن الخلدوني من دون وساطة من أي باحث أو مستشرق، فهذا ما سأجيب عنه في موضوع لاحق، لأنه يستحق تخصيص موضوع خاص، وشكرا على إثارة النقاش والتحفيز على مزيد من البحث، وأنتظر منكما المزيد من الإفادات.


الرد على التعليق

  • - عبد الكريم معن
    21 أيلول (سبتمبر) 2010 03:04

    الاستاذ ناشيد، تحية لك، الحقيقة أنك وصلت إلى درجة من الخلط غريبة، كيف تقول أنا لست باحثا جامعيا بل أنا "إصلاحي" ؟ ومن قال لك أنك باحث جامعي ؟ و هل بين الأمرين تناقض، و هل صفة الباحث الجامعي تنفي أن يكون الباحث إصلاحيا، و هل هناك إصلاحية دون تكوين و ضبط و معرفة؟ ما اعرفه هو أن الإصلاحيين 99 بالمائة منهم في العالم العربي هم باحثون جامعيون، من محمد عبده إلى محمد أركون، أللهم إن كنت تقصد ب"الإصلاح" بعض الدعاة الدينيين ممن يستبدلون مقاعد الدراسة بكراسي القنوات التلفزية، يعني ما مقصودك بأني أصلاحي و لست جامعيا ؟ لا معنى لهذا الكلام سيدي، ثم شيء آخر، ليس لك أنت أن تقول "أنا باحث إصلاحي"، أترك الناس تقول عند هذا أو ضده، ليس لك أن تقول مثل هذا الكلام، فهو قد يجعلك تنعت بالغرور الذي أربأ بك عنه، و حتى إن كنت "إصلاحيا" و غير جامعي، هل هذا يجيز لك أن تقول أشياء خاطئة ثم تبررها بدعوى أنك "إصلاحي" و لست جامعيا؟ عجيب يا زمن العجائب. لا تقدم و لا إصلاح و لا تطور بدون علم و تعليم، و بدون احترام لضوابطهما، و بدون اقتصاد في الأحكام، هذا ما احترامي الكبير لشخصك، فرفضي لفكرة ، لا تعني رفضي لصاحبها كإنسان، و هذه واحدة مما تعلمنا إياه "أعراف البحث الجامعي و أخلاقه.


    الرد على التعليق

- سعيد ناشيد
20 أيلول (سبتمبر) 2010 20:54

نظرا لبعض المشاغل لم أتمكن من قراءة التعليقات بدقة وتركيز، والآن فعلت. يؤسفني أن الباحث المقتدر عادل بن عبد الله يقول عني بالحرف : "أسأل الأستاذ ناشيد، هل ما جئت به في المقال من بنات أفكارك وتخريجاتك؟ إن النزاهة العلمية تقتضي رد الأمانات إلى أهلها، وليس ينقص من قيمتك أن تحيل على الذين أفدت منهم في بناء مقالك. بل لم تتجاوز مقام الناقل الأمين في كثير من الأحيان للمعنى دون اللفظ. ولا يخفى على الأستاذ ناشيد أن إثبات هذا الأمر لا يحتاج إلى جهد كبير". الآن بلا لف ولا دوران أدعوك سيدي عادل بن عبد الله إلى أن تثبت ذلك أمام الرأي العام الأواني. وإن أستطعتَ أن تفعلها فلن أعود إلى الكتابة ثانية، وبشهادة الجميع، بل وسأستحق ساعتها صفة "منتحل".


الرد على التعليق

  • منوبة - عادل بن عبد الله
    21 أيلول (سبتمبر) 2010 01:27

    تحية للأستاذ ناشيد ولكل قرّاء موقع الأوان. لا أظنّ يا سيدي أني قد اتهمتك بالانتحال بل بعدم الأمانة العلمية وبينهما من الفروق ما قد يخفى على غير المحقّقين.فالانتحال هو أن تدّعي امتلاك ما سبقك إليه غيرك مع رفض تلك النسبة إليه رغم ثباتها البيّن .ولا أظنّ أنّك يا سيدي متّهم في هذه الناحية ،إذ سكوتك عن الغير يخرجك من حدّ الانتحال ولكنه لا يعصمك من نقيصة عدم الأمانة العلمية،وهي من العيوب المنهاجية التي كثيرا ما أضرّت بالقيمة العلمية للعديد من أطروحاتك الهامّة . أمّا ما عبته عليك واستدركت عليك فيه، فهو عدم الأمانة العلمية. وهذا المصطلح أقصد به أمورا منه أمران هما الأهم في هذا الموضع :
    -  - -أنك لا تشير إلى كون أفكارك -في أغلبها قد سبقك إليها العديد من المختصّين ،بل العديد من الذين يشاركونك"خلفياتك الإصلاحية"بعيدا عن الضوابط الأكاديمية .فلا أظنّ أنه يخفى عليك أنّ الإشكالية نفسها (أي الانتقال من النص إلى التاريخ)هي من الإشكاليات المركزية للعديد من المقالات النقدية والتحديثية ولعلّ أقرب ما يحضرني الان هو كتاب الدكتور عبد المجيد الشرفي"الإسلام بين الرّسالة والتاريخ".وقد كان من الممكن حتى من داخل المنظور "الإصلاحي" غير الأكاديمي الذي تنتسب إليه أن تذكر هؤلاء على الأقل لبيان الطبيعة "التراكمية " والنقدية للدعوات التحديثية. كما كان من الممكن أيضا ربط مقالتك بتيار تحديثي كامل كان هاجسه البحث عن التحوّلات التي عرفها النص عند تنزّله في التاريخ ،أو في سلطة التاريخ وأثره في انبناء الدلالات القطعية للنصوص أو في ما عرفته الحضارة العربية من ظاهرة معرفية سمّاها الباحث المصري عبد الجواد ياسين ي كتابه"السلطة في الإسلام" ب"تنصيص التاريخ". ولا شكّ أنك واع بأنّ نقدك التاريخي للحديث الذي صدّرت به مقالتك، هو من هذا الباب –أي من باب تنصيص التاريخ أو" الوضع" بلغة القدامى-. ولا أحسب أنّ تضعيفك له – وهو ما علّلته بعدم اعتماده من قبل معاوية- ،هو من باب إلقاء الكلام على عواهنه ،بل أنت لا شكّ قد بنيت رأيك في المسألة على قراءات في كتب السيرة و الحديث و التاريخ . ولذلك فإنّ سكوتك عن مصادرك هو وجه من الوجوه التي سمّيتها بعدم النزاهة العلمية.
    -  -إنّ عدم الأمانة العلمية أيضا يظهر في ربطك للفكر الخلدوني بسياقاته المحايثة( تفكّك الدول الإسلامية وحروب "الاسترداد في الأندلس و ضعف الممالك وعدم قدرتها على التصدّي للخطر الخارجي) ،وهو أمر لا يخفى على أي دارس للفكر الخلدوني من منطلقات حديثة.وبالطبع فإنّ مداخل الأعمال الأكاديمية خاصة لا تخلو من تمهيد تاريخي يؤطّر الفكر الخلدوني ضمن سياقاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية .ولا أظنّك محوج إلى أن أسرد عليك طائفة من هذه الأعمال ولعلّ من أشهرها الدكتوراه التي وضعها المفكّر المغربي الراحل محمد عابد الجابري عن "العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي"-(آنظر مثلا الفصل الأوّل ،عصر التراجع والانحطاط).هل ذكرت يا أستاذ ناشيد في مقالك ما يمكن أن يعدّ إضافة تأريخية أو إشكالية أو مفهومية إلى الدراسات الخلدونية التي قال عنها الجابري منذ ذلك التاريخ البعيد لكتابة أطروحته"إنّ مقدمة إبن خلدون قد "قتلت" بحثا ودرسا :فكم من أطروحة قدّمت في هذا الموضوع في الجامعات العربية وغير العربية ، وكم من كتاب ظهر هنا وهناك ليقدّم للقارئ العربي ، وغير العربي "فلسفة إبن خلدون الاجتماعية والتاريخية ،علاوة على العديد من المقالات والأبحاث التي تظهر ،بين حين وآخر ،في المجلات المختصّة وغير المختصّة ،في الحوليات والجرائد ..إلى درجة أنّ الباحث اليوم، قد لا يتمكّن مهما أوتي من صبر وأناة وواسع اطّلاع ،من استقصاء كلّ ما كتب ونشر حول إبن خلدون،بله أن يقدّم في الموضوع جديدا"(نقلا عن مقدمة أطروحة الجابري المذكورة أعلاه).
    -  آنظر معي يا أستاذ ناشيد إلى تواضع العالم الذي كان في موضع المطالب بتقديم "أطروحة "أكاديمية جديدة يقرّ منذ مقدّمة عمله بصعوبة هذه المهمّة .فهل تستطيع، يا سيدي، أن تقول لي فكرة واحدة في العصبية وضرورتها للملك ،أو في انقلاب السلطة إلى ملك عضوض زمن بني أميّة أو في قيام الاجتماع العربي على دعوة دينية…لم يكن لها أصل و تفريع في الكتابات الجامعية وغيرها حول فكر إبن خلدون؟ و هل تذكر لي فكرة واحدة"جديدة" تبطل شبهة السكوت عن مراجع سابقة تمّ تغييبها في هذا المقال –وهذا من باب حسن الظنّ بك لأنّ الجهل بوجود بحوث سابقة أو تعمّد عدم الاطّلاع عليها أو التباهي بذلك ،بل والتحدّي بالقدرة على إثبات نسب فكري بين مقالتك و بين من سبقوك ،هو أمر معيب في حقّ صاحب دعوة إصلاحية يفترض فيه نهوضه بشروط "المصلح" من معرفة بأهمّ من سبقوه في مسعاه التحديثي . إنّ نقولك عن ابن خلدون هي من باب المعلوم من فكره بالضرورة –لو استعرنا المصطلح الأصولي-،وقد يكون من التهافت في أي مقالة أن تدّعي الانطلاق من درجة الصفر في التأويل اللهم إلاّ إن كانت منتمية إلى سجلّ في القول والتفكير ينتمي أساسا إلى رؤية ذوقية أو انطباعية أو "اعتباطية " أنزّه عنها الأستاذ ناشيد و إن كان مصرّا على التحلّي بها كما يبدو من رفضه الاعتراف بصدوره عن أعمال سابقة في المتن الخلدوني.
    -  وحتى في هذه الحالة التي يتمّ التعامل فيها رأسا مع المدوّنة النصيّة ،فإنّ توهّم غياب تأثيرات سابقة-واعية وغير واعية- توجّه عملية التلقي ومسالك التأويل ،هو أمر لا يمكن أن يقول به أي مطّلع على البحوث الحديثة في جماليات التلقي و علوم التربية واجتماعيات المعرفة.فهل فعلا يا أستاذ ناشيد أنت مصرّ على هذه الرتبة في العلم وقد أحسنت بك الظنّ ونزّهتك عنها؟ وهل هذا التعامل مع التراكم المعرفي السابق بالتجاهل والإهمال هو عندك أكرم من الإقرار بتأسّس عملك على ما سبقه من مجهودات نظرية لم نطلب منك أكثر من ذكر بعضها على جهة التمثيل والاعتراف بالدّين المعرفي؟


    الرد على التعليق

  • منوبة - عادل بن عبد الله
    21 أيلول (سبتمبر) 2010 01:29

    -  (الجزء الثاني)
    -  إنها أسئلة لا أظنّ أنّ الأستاذ ناشيد فكّر فيها قبل التعجّل بطرح تحدّيه "العام" ،وهو تحدّ أراه مردودا عليه بقلب بسيط في السؤال: قد أعجز –على سبيل الفرض الاعتباطي لا الجدلي- على توثيق ما أثبتّه لك من عدم خروج كلّ أطروحتك من دائرة "الدراسات الخلدونية" …فهل تستطيع أنت أن تثبت لي و للقرّاء إتيانك بأطروحة جديدة يمكن اعتبارها مقاربة جديدا أو حتى فكرة جديدة تضاف إلى مجمل ذلك التراث البحثي؟ يكفي أي كتاب أو بحث مفرد –وليكن مثلا كتاب فهمي جدعان : المحنة بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام – لإثبات أنّ كلّ الأفكار التي ظننت نفسك تتأوّلها من غير وساطة هي في الحقيقة من بديهيات المعرفة بالتراث الخلدوني. فهذا الكتاب –الذي لا تعلّق مباشر له بالفكر الخلدوني – يطرح ما بدا لك قولا غير مسبوق .ودعك من الكتابات المتخصصة التي لولا الخوف من شبهة التعالم لأحلتك على الكثير منها .وقد يتكفّل غيري من المختصين بالفكر الخلدوني بذلك و منهم الأستاذ عبد الكريم معن الذي لم تجب على أيّ من أسئلته بعد.
    -  أستاذ ناشيد. يشهد الله أنّي لم أنو يوما المسّ من شخصك أو الحطّ من قيمتك العلمية . ولو عدت إلى الجزء الثاني من تعليقي لوجدت فيه بالحرف"وليس القصد من كل ذلك التشكيك في قدرات الكاتب ولا في مهاراته ،بل منتهى القصد أن يساعد القارئ على "موضعة" مقالاته وتحديد مستوى النقد الصالح لها حتى لا نحمّله ما لا يحتمل ولا نلزمه إلا ما ألزم به نفسه" وهو ما يعني أني أردت فهم طبيعة مقاربتك من جهة المتلقّي" المثالي" لها وذلك بغية تحديد التفاعل الممكن معها ودرجته في مستوى التجريد.ولا يعني ذلك أني أغمط الكتابة الإصلاحية قيمتها التي لا ينكرها إلا مكابر ،بل كلّ ما يعنيه –وهو ما تفضّلت ببيانه في استدراكك على التعقيبات- أنّ الخطاب فيها لا يمكن أن يؤاخذ بما يؤاخذ به البحث العلمي. ولم تكن غايتي أن أتهمك بالانتحال ولا بغيره و إنما التنبيه إلى أنّ مقالتك لم تكن من العلم المستأنف و أنها لم تلتزم الدقة و النزاهة في الاعتراف بأنّ ما بنيت عليه من محاور دلالية ليست أمر غير مسبوق بل هو منتم إلى تراكم معرفي هائل منذ القرن التاسع عشر وفي أكثر من لغة من اللغات الأعجمية شرقاوغربا
    -  أمّا إعلانك نيتك الانسحاب إن أنا استطعت إثبات "انتحالك" لأفكار غيرك،فهي لم تكن من مقاصدي، وقد بينت لك أنه كان من باب حسن الظّن بك ،إد لم أكن أتصوّر أنك تخرج مقالة للناس لا تعود فيها لما كتب قبلك من أهل الاختصاص وغيرهم.ولا أخفيك أنني مستاء أيضا منك حين "أبعدت النجعة" -كما يقول العرب- و جعلت ردّك على نقدي تحدّيا أراه حقيقة غير ذي موضوع. فقد بيّنت لك أنّ الأمر لا يستقيم لك إلا في حالة واحدة وهي وجود أطروحة جديدة لم تسبق إليها في مقاربة الفكر الخلدوني، وهو أمر أراك غير قادر على إثباته انطلاقا من هذا المقال.كما لا يفوتك أنني قد ثمّنت ربطك بين النزعة العقلية الخلدونية والمطلب الحداثي في تأسيس الاجتماع خارج الهيمنة الدينية و المشرفين على شؤون المقدّس. ولكنني استدركت عليك في ضرورة التفكير في تأصيل أكثر متانة من الاعتماد على الفكر الخلدوني . ولا أظنك تخالفني في وجود أدبيات سلطانية و مقاصدية قد تكون أدخل في المسألة الإصلاحية وأقدر على فكّ الهيمنة السلفية (الأزهرية–الوهابية) على شؤون الدين داخل الفضاء السني.
    -  وختاما فليعلم الأستاذ ناشيد وكل قراء الأوان أنني أوّل من سيدعوه إلى مواصلة الكتابة في الأوان لأنّ المحاورة لا تكون إلا بين أكفاء –ولا شكّ أنّه من أكفإ المحاورين و أعمقهم فكرا في بعض المواضع من مقالاته-وهو ما سبق أن أثبته في بعض تعليقاتي على مقال له-. ولا يعني استدراكي على الأستاذ ناشيد أنني أنكر قيمته المعرفية-حتى وإن صدرت من موقع إصلاحي غير أكاديمي- بل غاية ما في الأمر هو التنبيه إلى بعض الهنات التي لا يمكن لعمل أن يخلو منها خاصة عندما يقرّ بأنه ينطلق من نقطة الصفر في التأويل….وتلك مسألة أخرى قد تكون موضع نقاش فيما يأتي من المقالات. والشكر للجميع .
    - 


    الرد على التعليق

    • - سعيد ناشيد
      21 أيلول (سبتمبر) 2010 02:12

      أستاذي عادل بن عبد الله، لنتجاوز كل ما سبق، فأنت أكثر ذكاء مما كنت أتصور، وقد استفدت كثيرا من مداخلتك، وصدقني أني لا أقول هذا من باب "الالتفاف على الأسئلة الحقيقية" فلو كنت أفعلها لما كنت أكتب على هدي المحاورات مع المعلقين، وتأكد بأني سواء أجبت أم لم أجب عن الأسئلة فأنا أتفاعل معها جميعها وأستفيد منها وإلا لما كنت أتعلم وأتغير يوما بعد يوم. وحين أقول عنك بأنك باحث مقتدر، فليس من باب الرياء، وإنما لأني أرى فيك باحثا جامعيا مقتدرا، وأحترم فيك قدراتك واحترافيتك في هذا المجال. لقد أخذت بعين الاعتبار بعض المراجع التي أحلتني عليها وسأبحث عنها، أما عن أستاذنا الكبير عبد المجيد الشرفي فلقد ذكرته أكثر من مرة، لكن في الموضع الذي يعنيه، ربما نلتقي قريبا إن كنت في تونس. محبتي.


      الرد على التعليق

      • طرابلس - محمد ارحمي
        21 أيلول (سبتمبر) 2010 20:42

        تحياتي الحارة للأستاذ ناشيد سعيد، و للإخوة المتحاورين، و شكرا للأوان على هذه المساحة التي نستفيد منها جميعا أيما فائدة .


        الرد على التعليق

      • منوبة - عادل بن عبد الله
        22 أيلول (سبتمبر) 2010 18:51

        تحية للأستاذ سعيد ناشيد. شكرا على رحابة صدرك واتّساعه لما ضاق به غيرك من المعلّقين الذين قد تخسر من دفاعهم عنك بغير علم أكثر ممّا تربح في مشروعك الفكري الطموح. لقد أبنت عن خلق رفيع حقّا و أرجو أن تحمل استدراكي عليك على الرغبة في البناء "الحواري" لمعرفة عقلانية نحتاجها جميعا. أرجو أن نراك قريبا في تونس وأن نقوم معك بما أنت أهل له من استقبال وإكرام. ولك كل الود


        الرد على التعليق

سوسة - أحمد العابد
22 أيلول (سبتمبر) 2010 15:39

غريب… غريب… غريب… نقرأ كلّ شيء في التّعاليق… كلّ شيء من الدّروس الجامعيّة الممجوجة إلي الخطابات العقائديّة المبتذلة… لكن لا شيء بخصوص الأفكار المبلورة في المقال أو البحث… سلسلات من الأسماء و عناوين كتب تبدو و كأنّها حبوب مسبحة يسبّح بها صاحبها بحمد "علمه" المتسامي عن مناقشة الأفكار… مرّة بدعوى أنّها اثيرت سابقا و مرّة بدعوى "المنهجيّة" و مرّة بدعوى نوايا صاحب المقال الخبيثة الّتي يعلمها المعلّق و لا يصرّح بها صاحبها…. كلّ شيء سوى مناقشة الأفكار المعروضة للنقاش… غريب… غريب… غريب…


الرد على التعليق

  • منوبة - عادل بن عبد الله
    22 أيلول (سبتمبر) 2010 18:41

    يروى أنّ شخصا ذهب إلى مجلس أصحابه بعد أن أفاق من نومه وقال لهم: تزعمون أنّ عليا إبن أبي طالب كان فصيحا…فوالله لقد جادلته في منامي فما ردّ عليّ بأكثر من : "سلاما"….فطفق كلّ من حوله يضحكون و لكنّه بقي فاغرا فاه و لم يفهم علّة كلّ ذلك…..أرجو أن يكون الأستاذ أحمد العابد أوفر عقلا منه –ومنّي أيضا إذ جادلته "احتراما" لإنسانيته رغم كلّ ما بدا منه معرفيا وأخلاقيا -وأن يفهم أنّي لن أجيب عن استفزازاته و مهاتراته -لا في هذا الموضع ولا في غيره- بعد ما كان من أمره في الحوار ومنهجه في الـتأويل ولو جاء بألف علم لدنيّ آخر من خوافي "تجنياته"-عفوا تأويلاته-التي هي من المضنون به على غير أهله…أمّا الآن…ف"سلاما"…..


    الرد على التعليق


Paul Delvaux (بلجيكا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter