السبت 4 شباط (فبراير) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > بوابة الأوان > ابن خلدون والسّوربون / حسان العرفاوي

ابن خلدون والسّوربون / حسان العرفاوي

قوّة ضئيل الحوادث تكمن في أنها تضيء خفايا الأمور من خلال مجرّد تفصيل

الاحد 4 تموز (يوليو) 2010
، بقلم   
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

لاعتقاده ربما بأنه من غير المشروع لمن يجهل الفلسفة الشرقية أن يصبح مبرزا في الفلسفة، حكم إيتيومبل، ذاك العالم الفرنسي الفذّ، على نفسه، لمّا كان طالبا، بالاكتفاء بشهادة التبريز في النحو، وتلك في نظر أساتذته أسهل منالا، واستمر يتعلم اللغة الصينية (ليصبح فيما بعد أحد أهمّ مُختصّيها). سيرة ذلك المفكر المتفرد، الذي نبذ اسما علما (رونيه) كان يمجّه ليشتهر باسمه العائلي ويملأه بفرده، تشهد كيف يمكن، في كنف مسار فكري، أن يتداخل وأن يتضارب الخيار الحرّ مع الإكراهات المفروضة، والفضول حيال الحضارات الأخرى مع الوفاء للنّفس ليتعارض مع انغلاقات المجتمعات الأصلية.

 على تلك العلاقة الغريبة بين العالم العربي وعالم العلماء. فغداة الحرب العالمية الثانية، دُعي إيتيومبل إلى إنشاء وإلى إدارة قسم للدراسات الفرانكوفونية في جامعة الإسكندرية، وكانت هذه آنذاك قد بُعثت لتوّها. وقد ربطته في ذلك صداقة مع طه حسين، فتعرّف على مقدمة ابن خلدون.

وهاكم كيف قُوبل اقتراحه برفع ابن خلدون إلى مصافّ مؤسسي علم الاجتماع، ندّا لمنتسكيو وهـ. دي سان سيمون: «شتمني رايمون آرون (عالم الاجتماع الفرنسي المرموق) على نحو مُسفّ في قلب السّوربون، إذ أنه كتب ونشر وأعاد نشر، وكرّر بأنّي كاذب، لأنّي تجرّأت على قول أنه ما دُمنا بصدد تدريس علم الاجتماع، فإنه يتعين علينا أن نضُمّ «المقدمة» إلى برامجنا (…). لقد هزأ بي أمام السوربون كلها، قائلا ما مفاده «إذن أنت الذي سيتولى التعليق، باللغة العربية بطبيعة الحال، على ابن خلدون». والحال أني ما كنت قرأت المقدمة إلا في ترجمتها الفرنسية».

قُوّة ضئيل الحوادث تكمن في أنها تضيء خفايا الأمور من خلال مجرّد تفصيل. وهذه الحادثة تكشف بجلاء عن فرصة لقاء أُجهضت، على نحو مزر، بسبب التّعامي الإرادي، والنفور الأحمق، ووضيع استراتيجيات التنافس على السلطة، وفي كل الحالات من دون أناقة، بين فكر ابن خلدون وبين زعيم مدرسة في علم الاجتماع، وإن كانت تزعم الشمول والكونية، إلا أنها تبقى بالدرجة الأولى باريسية.

وقد كان دوركهايم، في أثناء الحرب الكونية الكبرى، قد انجرّ إلى البرهنة، في نص صغير بالغ التعصب القومي، على أن علم الاجتماع، كروح وكطموح، إنما هو علم فرنسي، ولا يمكنه، بحال من الأحوال، أن يكون ألمانيا.

فقط إذا ما محضنا العلم تساميا صارما فولاذيا وسيادة خارقة، تخضع الطبيعة إلى متطلباتها والمجتمعات إلى تطورها، يمكننا أن نستغرب أن يكون العلم من فعل ومن قول رجال ونساء، بحسب ما تقتضيه اللحظة، وبحسب أهوائهم ومنافساتهم والتزاماتهم.

بعض روائيين وعلماء تخيّلوا كيف يمكن للعلم أن يكون إن هو تمكّن من التحلُّل من إكراهات محيطه (من ميزانيات ونزاعات إيديولوجية وما إلى ذلك…) أو من كل وازع غير ذلك المُتمثل في الرغبة النزيهة في معرفة المزيد عن العالم. تلك الاستشرافات الطريفة، إذ تُصور لنا ما لا وجود له، أي علماء في بلاد العجائب (تماما مثل أليس) أو ضربا من مدينة فاضلة للعلم ومعرفةً مُنزهة، إلخ… تضطلع بوظيفة طوباوية : إنها تُطوّع الواقع وتُسرف في إبراز التباعد بين ما ينبغي أن يكونه العالِم إن هو التزم بأقانيم المصنّفات المنهجية التي يضعها وبين ما هو فاعل فعلا. كل هذا بعيد عن تلك الصورة الشعبية عن العالم الذي يبدو حبيس برجه العاجي، غير عابئ بصخب العالم.

 

عن المنتدى الثقافي – جريدة الصباح التونسية

 

التعليق على هذا المقال


Zeng Chuanxing (الصين)

في مفهوم "الدّولة (...)

مفهوم وتركيب لغويّ ظهر حديثا في البلدان العربيّة وباللّغة العربيّة، وهي على الأرجح تنفرد به في اللّغة السّياسيّة المتداولة حاليّا. فصفة المدنيّة تنسب غالبا إلى المجتمع لتعني الفضاء المتوسّط بين الأسرة والدّولة، أي الجسد الاجتماعيّ المنظّم على نحو إراديّ وبمعزل عن الطّبقة السياسيّة. وتنسب إلى المواطن لتعني المواطن الذي ينهض بحقوقه وواجباته من تلقاء نفسه وبكلّ حرّيّة. ويضيفها الفيلسوف الفرنسيّ أتيان (...)
alawan on facebook
alawan on twitter