الاثنين 1 أيلول (سبتمبر) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > مقالات > استحالة التّأصيل للنّهضة في خطاب الأصوليّة المعاصرة

استحالة التّأصيل للنّهضة في خطاب الأصوليّة المعاصرة

الثلاثاء 1 كانون الثاني (يناير) 2013

بقلم:

حسن حافظ  

شارك اصدقاءك هذا المقال



 يخرج علينا الأصوليّون بآراء حول رغبتهم في “النّهضة” بالبلاد والعباد على أساس ديني، يسوّقون لنا أنّهم حملة مشاعل “النّور” وأنّ “البناء والتنمية” لديهم يعتمد على “الأصالة” من أجل إرساء قيم “الحريّة والعدالة”، لكن هيهات، فجميع الحركات الأصوليّة المعاصرة لا يمكن لها أن تؤسّس لخطاب نهضة، فهم دعاة تقليد وأهل تسليم وطاعة، العقل عندهم ممتنع والتقليد حاضر في التكوين الفكري لديهم والحفظ بديل الفهم، المدهش أن هناك استحالة في الخطاب الأصولي للتأصيل للنّهضة في القرن الواحد والعشرين.



لا تنبع هذه الاستحالة من داخل الإسلام ذاته بل من هؤلاء المنتسبين للإسلام الذين كانت لهزيمتهم الساحقة أو انسحاقهم التاريخي أمام النموذج الغربي المسيحي اليهودي العلماني (تستخدم تلك المصطلحات في الخطاب الأصولي من أجل نفي الآخر باحتقاره والتأكيد على حماية الذات بربطها بالمقدس) فالهزيمة الحضارية خلفت شعورا بالعار انتجت مشروعا نكوصيا بديلا عن مشروع نقدي لتطوير التراث العربي الإسلامي لا في إطار ثنائية الأصالة / المعاصرة؛ بل من خلال استلهام الروح العلمية واستلهام نماذج فكرية تعطي المثل والأنموذج القابل للتخطي من خلال مشروع متطور، فالأصولية المعاصرة وكما نراها في مصر وتونس تخلط الشريعة بالمشروعية وتلتبس بالشرعية، بقصد التضليل على حقيقة غياب المشروع.


 اعتقد الأصوليون أنهم بتمسكهم بحرفية النص واحتكار الحقيقة الإسلامية والاعتماد على الشكلانية الدينية سيحمون ما تبقى من الإسلام، رغم أنهم بمظهريتهم وفهم بعض الطوائف التكفيرية الخاطئ ألحقوا أكبر مذمة بالإسلام، وقدموا أكبر خدمة لأعداء العالم الإسلامي، لذلك تبدو ادعاء التيارات الأصولية بامتلاكها مشروعا للنهوض بالبلاد الإسلامية شعارات جوفاء، ففاقد الشيء لا يعطيه كما أن الخطاب الأصولي يؤصل لنظرية انهيار المجتمعات الإسلامية كلما تقدم بها الزّمن.


فالخطاب الأصولي المعاصر قائم على مسلمة “خير السّلف على الخلف”، فالسلف يتقدم في سلم النقاء الديني، وكلما امتد الزمن تزداد خطيئة الإنسان اعتمادا على التفسير الخاطئ للحديث النبوي “خير القرون قرني ثم الذي يليه ثم الذي يليه، ثم الهرج”، و حديث “لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه”، وهي أحاديث اعتمدت لتقديس السلف في الخطاب الأصولي المعاصر ومحاربة الحداثة بربطها بالبدعة التي تُدخل النار! كما اعتبرت العقلانية “ردة” لابد من وأدها فلا عقل أمام النقل فالنص حاكم.


وكلام مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا في رسالته الشهيرة “إسلامنا” (لاحظ الاسم الذي يقدم مفهوم إسلام جماعة الإخوان واحتكارهم للدين) واضح في أن الأمة الإسلامية “إذا أسلمت في عبادتها وقلدت غير المسلمين في بقية شؤونها فهي أمة ناقصة الإسلام” ( ص 15- 16، من طبعة سلسلة صوت الحق التي كان يصدرها اتحاد طلاب الجامعات المصرية في السبعينيات)، وهنا يظهر التناقض الفكري في أنقى صوره، فالإيمان واعتقاد المسلم الصحيح في أمور دينه غير كافي في نظر مؤسس جماعة الإخوان المسلمين إذا ما قلد غير المسلمين في بقية شؤونه وما هي هذه الشؤون إلا ما يستجد من الحياة اليومية من أحوال، فالجمود وعدم التجديد مطلوب في ذاته فالأخذ من الأمم الآخرى ينقص من الإيمان، وهو كلام نكتفي بإحالته على أحاديث نبوية من عينة “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” وهو حديث يؤصل لفكرة التواصل الحضاري لا الصدام.


هذا نظريا، أما عمليا، فالأصوليون لا يؤمنون بأيّ من مكونات الدولة الحديثة، فمازال تفكيرهم محصورا في الشكل المتحجر لدولة القرون الوسطى، وهم لا يعودون للماضي للاستناد عليه من أجل القفز إلى المستقبل، بقدر رغبتهم في جرّ المجتمعات الإسلامية المعاصرة إلى ماضي انقضى ولا يمكن العيش فيه بروح القرن الواحد والعشرين، ومعروف موقف حركة النهضة الحاكمة في تونس حاليا، من تحديث التعليم، فلها موقف شهير في مطلع التسعينيات كفرت خلاله الدولة لتحديثها تدريس التربية الدينية، فالتجديد جريمة عندهم.

الأصوليّون في سبيل تحقيق حلمهم في الوصول إلى سدة الحكم؛ لا يعترفون بالممنوع عملا بقاعدة “الضرورات تبيح المحظورات”، والحديث عن إنهم منفذي إرادة الرب يسمح لهم أن يخالفوا أوامره في سبيل التمكين وتطبيق “الحاكمية”، وهذه أحدى سقطات الجماعات الأصولية وفهمها الخاطئ للدين، بل والأهم التأثر الواضح بالنظرية السياسية الشيعية القائمة على ركني التقية وعصمة الأئمة، فالأولى تبيح إظهار الأصوليين لغير ما يبطنوا، كنحو قبولهم بالانتخابات البرلمانية والدساتير التشريعية كوسيلة للوصول إلى غاية الحكم، فعندهم “الغاية تبرر الوسيلة”، وبعد الوصول إلى الغاية (الحكم) فالواجب من وجهة نظرهم القضاء على تلك الوسائل المخالفة للشريعة وإقرار قواعد الشورى (وهي التجربة الوحيدة التي يراها الأصوليون ناجحة في 14 قرنا من الفشل السياسي للمسلمين) وأهل الحل والعقد ليكون الحكم دُولة بينهم، وهي للأسف قواعد لا تأصيل لها عندهم ولا تعدو أن تكون شعارات غامضة، لا يتم استدعاء التاريخ إلا بمقدار مشوه لتأكيد وجود تجارب مزعومة احتفت بهذه القيم، والتاريخ يكذبهم.


أما مبدأ عصمة الأئمة فواضح أن جماعة الإخوان المسلمين في مصر تنظر إلى المرشد العام نظرة فوق بشرية، وقرارات مكتب الإرشاد رغم تهافتها لا تقبل النقاش، والطاعة مقدمة على الفهم، وإقصاء عدد من قيادات الجماعة ورموزها كان بسبب اختلافها في عدد من القضايا السياسية، فهم لم يخرجوا عن فكر جماعة الإخوان المسلمين بل اختلفوا فقط في بعض القضايا السياسية، وهنا نرى ترسيخ لمفهوم الطاعة حتى لو أدى ذلك الإطاحة بقامة كـ عبد المنعم أبو الفتوح أو محمد حبيب أو كمال الهلباوي والقائمة طويلة، أما الهوس بشيوخ السلفية واتباع أقوالهم رغم تنافرها مع واقع الحياة دليل حي على الصورة المختلطة في لا وعي هؤلاء حول تداخل صورة الرسول بصورة الشيخ ما يعني انتقال مفهوم العصمة من شخصية الرسول الغائبة إلى صورة الشيخ أو الداعية الحاضرة في المشهد بكثافة، والأهم هو الشعور بالغربة وسط واقع يكشف تراجع المجتمعات الإسلامية وتخلفها عن غيرها من الأمم.


مفهوم الطاعة وادعاء العصمة يبرر غضب الأصوليين من معارضة الشعوب لهم، فأن تكون معارضا يعني أنك خارج معسكر الإسلام وتتمترس في خنادق الكفرة، ويطرح الأصوليون أسئلة على أنفسهم من نوعية كيف للعامة المضللة أن يثوروا في وجه حملة كتاب الله ومن يمتلكون مفاتيح الحقائق الدينية؟، هنا لابد من قمع العامة التي لا تعرف من أمرها شيئا، وإدخالها بيت الطاعة الديني بإشهار سلاح الشريعة في وجه منتقدي التيار الأصولي، وهو سلاح يستخدم في الدول العربية في ظل نسبة أمية معرفية ودينية.


أما مفهوم الدولة فغائب تماما عندهم إلا إذا كانت مجرد وسيلة ضرورية للوصول إلى التمكين، وبعد بلوغ هذه المرحلة يمكن التضحية بالدولة وأركانها على مذبح الخلافة غير المتحققة تاريخيا، فالقانون يُغيب في حضور فتاوى الشيوخ التي يراد لها أن تكون الإطار المرجعي لدولة الأصوليين (انظر مواد 2 و4 و219 من الدستور المصري التي تجعل تفسير نصوص الدستور حكرا أو تكاد على هيئة كبار العلماء بمؤسسة الأزهر، بما يجعلها سلطة فوق دستورية) من أجل احتكار تفسير الإسلام وتأويله واستباحته إذا ما تعارض مع حكمهم، فالأصل عندهم أن الإمام يجمع كل السلطات في شخصه باعتباره ظل الله في الأرض.


إذا ما ذهبنا إلى واقع التأصيل الاقتصادي وجدنا العجب العجاب فالنظرية الاقتصادية للأصوليين لا تعدو أن تكون رأسمالية مشوهة متخلفة بمقاييس الدول الرأسمالية، ويكفيك إفلاسا حديث بعض الرموز الأصولية في مصر عن إعادة الغزوات من أجل حل مشكلة المجتمع المسلم اقتصاديا واجتماعيا من خلال أحياء نظام الأسرى والسبايا، في حين يريد البعض استعادة تجربة بيت المال المفهومة والمتوافقة مع عصرها لكن غير المفهوم الآن هو التوقف عندها وأقصاء قرون من التطور داخل المجتمع الإسلامي نفسه، ورغم التشدق يوميا بمفهوم الاقتصاد الإسلامي إلا أنه وهم وحديث خرافة، وسقطة موافقة القوى الأصوليّة في مصر لقرض صندوق النّقد الدّولي الذي طلبته الحكومة الإخوانية، على الرّغم من اعتراض نفس القوى الأصولية على طلب حكومة مدنية سابقة منذ شهور قليلة لنفس القرض بدعوى أن القرض ربا دليل حي على أن لا فكر عندهم إلا فكر المصلحة.


مع غياب التأصيل الحقيقي لخطاب نهضة واقعي يؤسّس لمجتمع إسلامي حديث، يتم ترديد شعارات جوفاء تقدّم تطبيق الشّريعة قبل تطبيق العدالة التي هي جوهر الرسالة المحمدية، ومحاولة استدعاء نجاح النظام التركي باعتباره نجاحا للتجربة الإسلامية في العالم ككل أكذوبة بكل بساطة، فالحزب العدالة والتنمية التركي لم ينجح إلا من خلال ارتداء القفاز العلماني ويعمل خلال عشر سنوات من داخل مؤسسات الدولة العلمانية التركية فلا وجود لمؤسسات إسلامية سياسية لعدم تحققها تاريخيا.

في النهاية تبقى كلمة نوجهها للشعوب العربية من ينتظر الديمقراطية ودولة مدنية من الأصوليين كمن ينتظر الأبلق العقوق.

 


شارك اصدقاءك هذا المقال

هل نجني ثمار فشل (...)

أحكمت الأنظمة العربيّة غلق القماقم العتيقة، وبمجرّد تزعزع بعضها أو تلاشيها، غير مأسوف عليها، انطلقت عفاريت الهويّة والطّائفيّة والشّريعة والعقيدة وفتحت أمامنا مسرحا قياميّا شبيها برقصة أشباح الماضي مع الأحياء. كلّ هذا الرّعب الذي نراه يتمّ باسم الإسلام، رغم كلّ الحسابات والرّهانات الجيوستراتيجية، ورغم الدّور التّخريبيّ الذي لعبته بعض الدّول، ورغم تعدّد أطراف اللّعبة في كلّ بلد فتح فيه جحيم هذا الحفل (...)
الفيسبوك
تويتر