الخميس 17 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > مقالات > اعترافات علماني تائب!

اعترافات علماني تائب!

الثلثاء 18 تشرين الأول (أكتوبر) 2011
بقلم: سعيد ناشيد  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

أيها المتعصبون والمتشددون والمتطرفون، يا أحبائي في الدين والوطن، وفي الله والإنسانية جمعاء (!) بملء إرادتي ودونما إكراه أو تكفير أو إرهاب، أود أن أعترف لكم وأمامكم وبحضوركم، إن كنتم من الحاضرين، بأني بفضلكم صرتُ أمتلك إيمانا قويا ليس مثله مثال، واعتقادا واثقا لا يفسده شك أو سؤال، ويقينا ثابتا لا يهزه سجال ولا يحركه جدال، "كجلمود صخر حطه السيل من عل". كل الامتنان لكم أهل الفضل والفضيلة؛ لأني كنت غافلا فانتبهت، ضالا فاهتديت، جاهلا فتعلمت. جزاكم الله خيرا كثيرا وأجزى لكم أجرا موفورا في الدنيا وفي الآخرة.


أما بعد.

أربعة عشر قرنا من الزمن الهجري مرت وأنا غارق في الجهل والجهالة والإثم والضلالة، لا أفقه شيئاً في ديني ولا أدرك جوهر عقيدتي. فقد كنت، في أعظم أيامي ومعظم آمالي، مشغولا بمسائل الجبر والخوارزميات، وبالطب والنجوم والخيمياء، وبالترجمة والموسيقى والمقامات، وبعلم لا ينفع، وعين لا تدمع، وقلب لا يخشع، بل كنت مشغولا بكل ما يشغل العباد عن إعداد الزاد ليوم المعاد. فما أظلمني، وما أضلني (!) لكنكم اليوم، وفي نهاية التاريخ الهجري، أحققتم الحق وأزهقتم الباطل، وأبلغتم الرسالة بأمانة، ومنكم تعلمت كيف أكون… مسلما.

كنت جاهلا لا أعلم، غافلا لا أفهم؛ طالما ظننتُ أن الإسلام فطري بلا كهنوت، طبيعي بلا طاغوت، سمح بلا جبروت ولا جهلوت (من الجهالة). وكنت أرى الإسلام إشراقة وشوقاً بلا حاجة لأي سلطة أو تسلط، ولا إلى لجان تفتيش أو أجهزة مراقبة أو ترصد عن قرب أو عن بعد. غفرانك ربي فقد كنت من الخاسرين.


في جاهليتي الألفية، والتي استغرقت مني أربعة عشر قرنا منذ فجر الإسلام وإلى غاية "جاهلية القرن العشرين"، لم أكن أومن بإله يغار على شعبه، أو يغضب من أبنائه، أو يحرض بعض أتباعه على بعض أوليائه، أو يسلط بعض حراسه على رقاب الناس أجمعين، أو متعطش للأضاحي البشرية وللدماء؛ فقد كنت أظن بأن الله متعال و"غني عن العالمين".


وبفضلكم أدركت وجود ركن سادس من أركان الإسلام، لا يعلمه إلا الراسخون في العلم، وهو الإيمان بوجود مؤامرات شيطانية تهدد الإسلام وتهدف إلى الإساءة للذات الإلهية. ويصبح الأمر كما لو كان عصابا وسواسيا جماعيا، فيبدو الله أحوج ما يكون إلى حماية خاصة، وإلى شرطة دينية، وإلى ضابطة قضائية، وإلى محامين يرافعون عنه في محراب المحاكم، وإلى مقاتلين أشداء يقاتلون بالسيوف والخناجر والعصي والهراوات والتكبير والتهليل، وإلى أحزاب سياسية تهيّج الهائجين أثناء الانتخابات، وإلى نقابات وأنصار ومشجعين ومسيرات تأييد، وإلى حراسة دائمة، مؤدى عنها أو بالمجان. وليس ثمة من عيب في الإصابة بالعصاب، بل كل العيب في من يهزؤون أو يتهكمون.


كنت إخال الإسلام قناعات حرّة، لا تحتاج إلى راتب شهري أو رصيد بنكي، ولا إلى منح خاصة للدراسة أو الدعاية أو التحريض، ولا إلى تعويض على الأتعاب أو تفرغ مهني. كنت جاهلا عندما ظننت أن الشؤون الدينية مجرد تطوع طوعي لوجه الله تعالى.


وبفضلكم انقشعت عورة الحق ورفع عنا الحرج، وبدا الإسلام مجرد توظيف وتجنيد وتجييش وتحريض وتأجير، وأصبح هناك مقابل أتعاب الإمامة والفتوى والدعوة والتبليغ والدعاية والتحريض راتب شهري من الدولة، أو منح من مراكز خاصة، دون احتساب التعويضات على البرامج الإذاعية والإشهار رفقته أو أدناه، فضلا عن الإكراميات السلطانية أو السلفية، وهلم جهلا وكهنوتا.


كنت مخطئا إذ ظننتُ أنّ الإسلام شوق يسكن القلوب الحرة بلا ثرثرة ولا كثرة كلام حول كلام الله، وبأنه إنصات للصمت الذي هو صوت الله قبل أن يحجبه صوت الشيخ المجلجل أو الواعظ المولول. كنت أظن بأن الإصغاء لكلام الله يعني أن نقيم داخل منطقة الشوق إلى المعنى الإلهي والذي لا أحد يطفئه، بمعنى لا أحد يدركه، مصداقا لقوله "ما يعلم تأويله إلا الله".

كنت مخطئا إذ ظننت بأن الإسلام هو أن لا نقدس نصا أو كلاما أو إنسانا أو كاهنا من كان، وأن لا نؤمن بوجود أي نص مقدس؛ طالما أن الله أكبر من كل نص يُقدس.


كنت مخطئا إذ ظننت أن سياسة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، حين تصر على تهديد حرية الناس في القول والإبداع والضمير، فإنها تدمر الشرط الأول والأهم لكل أخلاق، والذي هو الحرية. لماذا؟ بالجواب الإسلامي؛ لأن الحرية شرط من شروط التكليف، بزوالها يرفع كل تكليف، بمعنى تزول المسؤولية الأخلاقية عن الإنسان. وبالجواب العملي؛ لأن السوط يفسد الضمير وينتج عبيداً ومنافقين. لكني كنت مخطئا؛ لأني لم أكن أعلم أن حكم الله لا يقوم سوى على حد السيف، وأن الإسلام لا يحتاج إلى مواطنين أحرار ومسؤولين أمام ضمائرهم، وإنما يحتاج إلى مجرد عبيد يخافون من السوط والرجم والجلد والسب والشتم والقذف، أو أنهم يخافون من نظرات بعضهم البعض، وهذا يكفي.


طيب.

شكرا لكم أيها المتطرفون والمتعصبون والمتشددون. فقد عريتم تخلفنا وكشفتم السوأة التي كنا نخشى أن تنكشف. وأصبح معنى الإسلام أن ندير دبرنا للتاريخ ونتبول في سراويلنا على الحداثة، ثم نعوي في البراري ونملأ الدنيا صياحا: "وا إسلاماه، وا محمداه، وا ويلتاه، وا ويحتاه" ! وهكذا دواليك إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا أو على الإسلام السلام.

 

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

السعودية - ناصر محمد
18 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 08:51

يبدو أن الأستاذ ناشيد كتب هذا المقال من وحي الهياج الشعبي الأرعن الذي حصل مؤخرا في تونس على خلفية فيلم كرتون إيراني قام بتجسيد الذات الإلهية في ثلاثة مشاهد لا تتجاوز مدتها دقيقتين.! شاهد المقاطع على الرابط بالأسفل ثم اقرأ التعليقات لترى أن الوضع بلغ من الانحطاط ما لا يجزيه الكلام!

http://www.youtube.com/watch?v=wuCV…


الرد على التعليق

Montréal - حسان الجمالي
18 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 13:27

من أجمل ما قرأت عن دين أستلب واستغل ولعبت بمبادئه الأساسية ألف يد قذرة لطخته بالدماء•

حسان الجمالي


الرد على التعليق

- نزيه كوثراني
18 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 17:38

يذكرني هذا النص بنوع من الاستشراق المعكوس .ينهض على نفس التربة الايديولوجية في لغة مكرورة تبحث عن الاسلام الصحيح الخالي من الشوائب والعادات و المعتقدات الخرافية…كما قال بعض الإحيائيين البعيدين عن مفهوم النهضة وسار على دربهم القوميون والبعثيون والليبراليون والكثير من المثقفين الذين يبحوث عن الاسلام المكي الروحاني والايماني( أركون ومن معه ) بعيدا عن الإسلام المدني السياسي . ونحن اليوم أمام نفس الاسطوانة حيث يعترف صاحبنا بجهله وجهالته بكون الاسلام محجوب بالمسلمين من خلال تصرفاتهم وتعصبهم وغلوهم …وكلهم يؤكدون ان المشكل في غياب الفهم الصحيح للاسلام العظيم مما يفسر المفارقات الحياتية والوجودية بين النص و الواقع /التطبيق وكأن 14 القرن على حد حسابهم لم تلد رجلا أو امرأة واحدة قادرة على التطبيق الصحيح وعيش التجربة السياسية الدينية المأمولة .(امة) لم تترك العقل والإنسان في حدوده العقلية والفلسفية كفعالية بشرية ان يمارس وجوده ويؤسس قيمه وحضارته . عبر تاريخها دمرت النور وعشقت الظلام والحروب والاقتتال باسم سطوة السماء على الارض وتأهيلها للموت والفناء والقيامة … وليس للتقدم والتطور فحكمت على نفسها بالتخلف والانحطاط المادي والقيمي الثقافي الاجتماعي . لايمكن للسردية الدينية الاسطورية التوحيدية التي أسطرت تاريخ الشعوب البدائية ورفعت وقائع التاريخ المادي عن وحل التاريخ البشري فاسطرنها كمعجزات وخوارق دينية من ذلك مثلا القصص الديني في اليهودية والمسيحية والاسلام ومع الصيرورة التاريخية تاسطرت هي الاخرى لأنها كانت متضمنة لذلك البعد الاسطوري كمعجزات وخوارق دينية ..لايمكن لكل هذا ان يؤسس مجتمعات ويبني أوطان لسبب بسيط انه لم يكن إلا احد مستويات الصراع البشري المشبع بالتناقض والاختلاف كمصالح مادية وروحية ومن ثمة لم يكن إلا سياسيا منذ ولادته وان اتخذ مظهرا دينيا لأنه الشكل الثقافي الوحيد للمجتمعات لتعيش الصيرورة والتغيير والتمرد كحركة تطور تاريخية في تلك المرحلة.من المغالطات ان نتحدث عن مفاهيم الأمة..فكر الامة وحدتها ..الفكر الاسلامي المجتمعات المسلمة بنوع من الاتساق والانسجام …وكأننا لسنا مجتمعات بشرية يؤسسها التناقض والاختلاف كصراع تاريخي ومن زاوية هذا الفهم نفهم الصراع السياسي الدائر اليوم في تونس وغيرها بين الحرية والعبودية وبين الاستبداد والتحرر


الرد على التعليق

  • - محمد رحال
    19 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 00:10

    يمكن موافقة الكاتب في استنتاجاته المريرة عن المحاولات التي تستهدف تحويل الإسلام من دين الفطرة البسيطة السمحاء ، لكهنوت تراتابي معقد تكبله بدع وطقوس تمظهرية، لا تعبر سوى عن أبهة طنانة ذات ألقاب رنانة، وأزياء مزركشة بنياشين براقة، كما هو حال الكنيسة، عند الموالي الشيعة . وما تلك المظاهر كلها إلا سعيا من رجال الدين هؤلاء، لإبهار السدج من أتباعهم و الاحتيال عليهم لأكل أموالهم بالباطل كما في قوله تعالى : ( وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة). وقوله:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله). إلا أن هذا لا يدخل فيه واجب المجتمع توفير دور العبادة والمؤسسات الضرورية للتفقه في الدين و تدارس شريعته الهادفة أساسا لتكوين المواطن التقي الصالح الذي يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه خالقه .


    الرد على التعليق

- مازن بكاري
18 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 21:28

الذين احتجوا في تونس على الفلم هم في واقع الامر احتجوا على تصوراتهم للإله.فالإله بالنسبة لهم فوق السحاب وله لحية طويلة.


الرد على التعليق

  • تونس - أمين بن البشير
    24 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 22:53

    أحسنت …نفس ما قلته سبحان من لا مكان و لا شبه و لا مثل له. المقال في تجريده الإشراقي الصوفي مخادع إلى حد كبير فهو يهوي بالإسلام في مهاوي الردى التاريخي و نهاية الفعل الإنساني البشري الذي تصوره الآية الكريمة "قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي" و ينصرف إلى الوحي دون البشرية و إن طوعت البشرية الوحي لصالح ما ترتأيه أنانيتها الوقتية و المحدودة من إرهاب للنص ذاته و قسره على فئة دون أخرى تعاميا عن الحقيقة المجردة و التي يطلبها الكاتب في جنبات الحب و لا يدركها إلا بعد المرور بمخاض الفعل البشري الأليم.


    الرد على التعليق

المغرب - ادريس شرود
18 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 22:34

تحيتي إليك صديقي سعيد.
- أعتقد أن الإنتصار للحرية لا يتطلب ما سميته ب"الإعتراف" ولا ب"التوبة"، ولا الدفاع عن الأخلاق باسم الحرية(الحرية هي الشرط الأهم لكل أخلاق).
- لا يجب المراهنة على الدور الذي يمكن أن تلعبه الثورة في إصلاح الفكر وإعداد وسط اجتماعي محايث يقبل بحرية الرأي والإعتقاد وإمكانية التنافس بين أعضائه في كل المجالات.
- لا ينبغي أن يفاجأ المرء بصعوبة تطبيق القانون لحماية الحرية، ولا الإندهاش من الردة الإرتكاسية لأشخاص كانوا بالأمس القريب يدافعون عن الحرية، ولا الدعوة إلى مجرد رفع شعار مركب (التفاهم/التسامح/الإختلاف ) الذي لم يعد يعقد عليه آمال كبيرة، بل من المستعجل الإنخراط فيما سمته الأستاذة رجاء ين سلامة ب"النقلة الحضارية والثقافية".
- تتطلب هذه النقلة:
- العودة إلى الذات والإهتمام بها حتى تصير قادرة على معرفة معنى "الإحترام".
- الإنفتاح على الآخر والدفاع عن حقه في الوجود الحر.
- البحث عن السبل الكفيلة بتنمية فضائل منسية ك"الصداقة" و"الحب" و"العيش المشترك". أشكرك صديقي سعيد ناشيد.


الرد على التعليق

تونس - الحواري بن عبدالملك
18 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 22:56

الإسلام مرئيا كفكرة وليس كممارسة هو الشرط الأول للعقل النقدي الواعي ، إذ الفكرة لا تزال مع ديمومة الزمن تحتفظ بقوتها ووهجها وعمقها ، ثمة بعث وثورة وقوة ، ثمة عدل وحرية وحقوق وفروض ، أما الممارسة فهي تتعدد وتتنوع باختلاف الزمان والمكان ، وليس ثمة شك في أن الإسلام تتجاذبه صراعات سياسية وإقليمية تزعم أنها تفتعل الصراع لحماية الدين أو مد نفوذه أو إعادة إنتاجه وتصديره ، في حين أن الواقع يثبت أن هذا لا يعدو كونه مجرد قناع زائف لزحف إيديولوجي سياسي أو لسيادة وهمية أو شرعنة لسلوك جائر أو حجبا لتشابكات غير مرئية ، يدرك الكل أن هناك من يزعم أنه متدين وفي الخفاء يمارس مفارقات هائلة ينبذها الدين ، كذلك على السمتوى السياسي ثمة نظامات تزعم أنها تتمثل الإسلام نسقا فكريا وقانونيا لدسترة الدول والحكم مع أن ملاحظة يتيمة لطبيعة هذا النظام تكفي لإدراك الفساد المتأصل على مستوى موازين الدولة المنهوبة بلا حساب ولا ضبط وعلى مستوى تجزئة المجتمع إلى طبقات تكون كل طبقة ضدا للأخرى وعلى مستوى اقتحام خصوصيات الفرد الهامشي أمام مركزية الدولة وتعاظمها المطلق وعلى مستوى خرق الحريات العامة وسحقها والرمي بها حيث لا تعود مرئية ولا مشروعة وعلى مستويات متعددة ، تجيء هذه الممارسة البشعة مزوقة بالعمائم والخطابيات القاتلة الحاطمة لامتصاص إرادة البشر وتحويلهم إلى رزم هشة تقبضها السلطة سياسية كانت أو دينية أو اجتماعية وتبسطها كيف تشاء . كل ذلك نار تأكل حضارتنا وتصنع من وجودنا وجودا يائسا وبائسا ، ولكن ليس معنى ذلك أن الخلاص يكمن في الانقضاض على كل شيء والانفلات من الضوابط العقلية القابضة والناظمة لتصورات الفرد وامتثالاته ومفهوماته ، إن دفع الشباب الناشط إلى سلوك طريق العبث والتمرد والانسلاخ يمكن أن يكون بصورة جزئية وفي مواجهة بؤر توتر منقوضة وباطلة من حيث أنها تصعق العقل الحر ويرفضها الحس الناضج الواعي ، أما شيطنة البشر وإرادة تحويلهم إلى ركام رخيص منزوع الجوهر وبلا إنسية متعالية وتوجيه الفرد المسلم إلى مصادمة الألوهة بما هي فكرة قدسية تؤسس للسلام الأخير فذلك دحرجة للمجتمعات البشرية نحو الاهتمامات الرخيصة وقطعها عن كل ماورائية تدغدغ الأحاسيس الفتية نحو الارتقاء ، وهنا أتكلم عن الأحاسيس الفتية الناشطة لأجل العدل والمساواة والحرية المحروقة بحرارة الإيمان ، هذه المفردات الحقوقية يستحيل أن تتحقق واقعا حتى مع تأسيس الضمانات القانونية الحافظة لها ، وإنما بذلك وبشيوع التنوير وثقافة القانون فنحن نقترب منها من جميع الجهات وفي اقترابنا لها تنأى وتهرب ويبقى الاقتراب الدائم من الهروب المستمر هو قدرنا الأبدي والضامن الأساسي لزحف هذه الجماهير وتوق هذه القلوب ، كذلك هي الألوهة هي الفضاء الجاذب لكل هذه الأرواح للانشداد نحو غايات تعود للفرد بسعادة ملذاذة ، ليس إغراقا في حلم أو غوصا في سديمية مضببة بقدر ما هو بحثا أبديا لافتضاض ممكنات وجودية واجتراح كينونات مفترضة مخبوءة في الزمن . ماذا جنى أولئك الذين قتلوا في مخيالهم الجمعي فكرة الألوهة ؟ لأول مرة يتم تشريع الشر ويقولون افعل ما شئت فأنت حر ، بانطفاء فكرة الألوهة وثقب الفضاء الماورائي وكسر أقواس الملائكة والخير والضياء هاضت أجنحة الشوق نحو الماوراء وغاصت الأرواح في الطين غير قادرة على الارتقاء والصعود الدامي بشهوة الاقتراب الدائم من الكمالات الهاربة ، ليس ثمة ماوراء إذن ما جدوى الصعود ؟ إن هي إلا دائرة نخبط في وحولها عميانا - يقولون ، والحق أنه ليس الدين في ذاته إلا فكرة ناعمة رقيقة تضمن شفافية القلب وبراءته وطهره ، إذا دخل الدين قلبا بث فيه شيئا غير مرئي لا يسمى ولا تعرفه قواميس اللغة يشبه كف العذراء الناعمة ، ها هو العالم اليوم ينحر الدين كفكرة ويعود بالعبث واليأس والخداع والزيف . لم يكن الدين يوما هو الخلاص النهائي للبشرية فحتى مع وجود التدين الحقيقي العميق تألم نفوس وتبخع أرواح وتنبث خسارات هائلة ، لكنه هو المحرك الأول للاقتراب نحو فضاءات الحرية والضابط العقلي والشهوي والحافظ لجماليات الروح والجسد والسلوك اليومي والحافز نحو الارتقاء والصعود ، بدون الدين هذه البحيرة المقدسة التي ترقص على ضفافها العصافير بألوانها وأرياشها سنتحول إلى غابات بشرية حارقة كل واحد منا يشتهي أن يجعل من الآخر مأكولا له . الخداع والزيف والكذب والتسلط يمكن أن تمارس باسم الدين وباستغلال أدواته ومفرداته لكنها ليست هي الدين لأن الدين ينبذها ويرفضها ويكتب على من يقارفها ويواقعها وبلغة الدين شقاء أبديا وجحيما سعيرا ، إذن لا تكون الثورة على الدين كفكرة والانتصار للحريات العامة والحقوق المدنية إلا انتصارا للدين بصورة غير مباشرة وانتصارا لبعده الإنساني العميق حتى وإن زعموا أنهم ضد الدين فهم يجذرون الدين ويحفرونه في عمقه ، الثورة إنما تكون على العمائم والسلط والمؤسسات التي تسيس الدين وتعبث به وباسمه وهو يلعنها كل يوم وينتظر من يخلصها من الأظفار الناشبة في لحمه ودمه ، ليس الدين إلا فكرة بريئة حاملة لكل الجماليات البشرية ، أن تحب أن تبدع أن تنجز أن تسهم في انبثاث التنوير والتحرير أن تطعم الفقراء أن تبتسم أن تساعد المستضعفين أن تكون إنسانا ألا تخدع ألا تكذب ألا تستغل ألا تنافق ، ربما هي شجاعة أن أقول هذه أبجديات الدين وإني لا أجد خيرا منها . ما حدث في تونس أرى أن المسؤول عنه أكثر من جهة ، الجزء الأكبر من المسؤولية يقع على القناة إذ أن الأصل في هذه المسألة في بعدها القانوني أنه لا يجوز المساس بمعتقدات طبقة من طبقات المجتمع أيا تكن هذه المعتقدات وكيفما كانت طبيعتها ، وبناء على ذلك ثمة انتهاك صارخ لهذه البدهيات الأساسية في لغة القانون ، وهذا يشي بالجهالة القانونية التي وقعت فيها إدارة هذه القناة ، ثمة جهالة بشعة وفاضحة ببدهيات القانون واحترام حريات الآخرين في تكوين معتقداتهم ورؤاهم ، ما قامت به القناة من هذه الزاوية لا يعدو كونه انحطاطا مهنيا وجهالة قانونية وانزياحا نحو الاستبداد والاستفزاز ومحاولة تعميم أحادية التوجه وفردانية الرأي ، القناة قاصرة عقليا عن إدراك هذه الأبعاد العميقة وهي وربما بصورة غير مباشرة وغير مقصودة تعمل على تفكيك الوحدة الوطنية وإيقاع تونس في شوائك جارحة ، يجب تأسيس ما يشبه الميثاق الوطني العمومي يتم فيه النص على احترام معتقدات الآخرين الثابتة أما الزوائد الناتئة على هذه المعتقدات والتي ليست منها فيمكن التعريض بها ولكن بسلوك أنماط تفكير حوارية عقلية ، على المستوى الآخر ليس العنف تعبيرا مدنيا لائقا إنما الحراك الفكري والمعرفي الممنهج هو الصراط نحو امتصاص الآخر واستدماجه في فضاء سياسي حر .


الرد على التعليق

  • زاخو - العراق - س . السندي
    19 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 16:04

    بداية تحياتي لصاحب المقال ألأخ سعيد ناشيد ولكل المعلقين وتعلقي ؟ ١ : جوهر المقال يقول أن ألإسلام ليس دين بل فكر ديني خليط من الزرادشتة واليهودية والمسيحية وحتى من الصابئة المندائية وقصص خرافية لاترتقي حتى لأدب ألف ليلة وليلة ، وقبل أن يوجه النقد للبشر يجب أن يوجه النقد لمن شرع سلوك أولائك البشر ؟ ٢ : للأخ محمد الرحال والأخ نزيه أقول ، ليس من العدل وضع كل ألأديان في ميزان ، لسبب بسيط يدركه العاقل المتعلم والباحث ، وإلا نكون قد حمكنا على أنفسنا بالجهل أو التقية ونسفنا مبدأ التطور في الحياة ، فلايعقل أن يصغي قوم موسى لموسى لو قال أحبو أعدائكم أو باركو لاعنيكم كما قال المسيح ، فلم تكن تنفع يومها تلك المسامحة حيث كانت الغزوات بطولة والسلب والنهب شطارة ، والقتل شجاعة ومهارة ، فهل يعقل أن يطعم الطفل الرضيع خبزا أو الطفل الصغير باجة وثريد ( أكلات عراقية ) ، فالمصيبة في ألإسلام أنه لم يرتقي أكثر من المسيحية بل إنحط أكثر حتى من الوثنية والجاهلية والكلام في هذا طويل في القرأن والحديث ؟ ٤ : فبكل محبة أقول العتب ليس على المسلمين بقدر العتب على نبيهم وإلهه الذي مسخهم أجمعين ، ولانجاة للمسلم إلا بتملك الشجاعة والإقرار بزيف هذا الدين وفشله في كل المياديين ، وبدليل واقعنا المعيب والمهين ونحن في القرن ٢١ ، سلام ؟ ٥ : أخر الكلام … ؟ ١ : لاَ غِنَى كَالْعَقْلِ، وَلاَ فَقْرَ كَالْجَهْلِ، وَلاَ مِيرَاثَ كَالاْدَبِ، وَلاَ ظَهِيرَ كَالْمُشَاوَرَةِ ٢ : يقول أفلاطون قمة الأدب أن يستحي الإنسان من نفسه ٣ : مسك الختام محبتي للجميع والسلام ؟ أخوكم /سرسبيندار السندي


    الرد على التعليق

البيضاء - البطاش عبدالقدوس
19 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 15:47

مرة أخرى،وبمرارة من يحس أنه تحت سلطة الرقيب، أوجه نفس الاستفسار لإسرة تحرير الأوان عن سبب منع نشر تعليقي الذي أدليت به بالأمس . و الغريب أنني لم أتوصل إلى حدود الآن بأي تبرير. أتمنى أن يكون هذا الإهمال نتيجة سهو ما و ليس بباعث خلفيات إديولوجية معينة أو تحيز لبعض الأشخاص…ألسنا في منبر يرفع شعار حرية الرأي؟ مح تحياتي


الرد على التعليق

  • - الأوان
    19 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 17:12

    السيّد عبد القدوس، اكتب تعليقا يخلو من الشخصنة والغمز والسباب، وسننشره، أما الحكم على الأشخاص بالانتهازية والتقلّب فليس "الأوان" مجاله على كلّ حال.. والنقد متاح بل مطلوب على أن يحترم آداب التعليق والحوار.. وشكرا على الاهتمام


    الرد على التعليق

    • البيضاء - البطاش عبدالقدوس
      19 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 18:45

      أشكر من بادر في أسرة التحرير على الإجابة عن استفساري،غير أنني ألتمس منه إعادة النظر في الحكم على مضمون تعليقي الذي لا يتضمن أي " شخصنة أو غمز أو سباب"، أو أية إشارة إلى فلان أو علان، بل هو وصف عام و مجرد لصنف من "المثقفين" الذين تعج بهم الساحة العربية.و إذا رأى البعض من أسرة التحرير أنه هو المقصود بهذا التعليق،فمارس عليه الرقابة، فقد وقع في مطبين: الأول معرفي بفرض قراءته لمضمون التعليق باعتبارها الوحيدة الممكنة، و الثاني أخلاقي،و هو الأخطر، و يكمن في الشطط في استعمال السلطة و الرقابة على كل مالا يتطابق مع معايير "القراءة الوحيدة الممكنة"؟ و لذلك فأنا ألتمس "استئناف الحكم" و أطلب من الأسرة الكريمة أن تنشر تعليقي أمام "محكمة القراء" للبث قي مدى احترامه لمبادىء النشر الجاري بها العمل في كل المنابر الحرة. شكرا على تفهمكم.


      الرد على التعليق

      • - مختار الخلفاوي
        19 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 23:29

        السيد عبد القدوس، ثانية، اقول لك: مرحبا بكل تعليق يحترم آداب الحوار، ويتعلّق بالموضوع المنشور. وشكرا على التفهّم


        الرد على التعليق

        • ليبيا - الفيتورى الحاتمي
          27 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 15:04

          تشخيص واقع الحال لا غير … والادهى والامر ان الاسلام القادم ليس الاسلام الخانع و الموظف بل هناك موجة الاسلام المتأمر و العميل….كل الالوان والاتجاهات الدينية المرفوعة والعاملة خرجت عن الدين الاسلام الذي رفع قبل اربع عشر قرنا من الزمن الهجري .


          الرد على التعليق

- جاسم المادح
4 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011 13:59

كنت سأفضل أن تدخل الموضوع بشكل آخر.


الرد على التعليق


Paul Delvaux (بلجيكا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter