الخميس 17 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > أبحاث > اكتشاف الشيطان2/2 متاهة التقويم ؟

اكتشاف الشيطان2/2 متاهة التقويم ؟

السبت 28 حزيران (يونيو) 2008
بقلم: نادر قريط  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

 
من يقرأ مدوّنات العصور الغابرة، يميّزولا بدّ بين التاريخ والأسطورة، ولا بدّ أن يبتسم وهو يسمع الطبري يقول في سياق شرحه لآية (ن والقلم): خلق [الله] الأرض على حوت والحوت هو النون، والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، والصخرة على الريح، فتحرّك الحوت فاضطرب، فتزلزلت الأرض فأرسى عليها الجبال فقرّت ..إلخ ومن فاته أن يعرف إسم السمكة التي أشارت للإمام عليّ بعبور نهر الفرات أثناء موقعة صفين، فليذهب إلى مجلدات كاشف الأنوار، للمجلسي، ليعلم أنّ السمكة تدعى : صرصرة بنت كركرة..

 هذا بالتأكيد ليس تاريخا، (ولا كركرة) إنه نسيج أسطوري خضع لروح عصره، ولسياقه العقلي والزمني، وهو لا يقلل من شأن كتابه، الذين كانوا محكومين بأطر المعرفة التي سادت زمنهم، فالنقد التاريخي لا يقيم وزنا لموروث شفهي كهذا، ولا لمدوّنات ذلك العصر القصصيّ الأسطوريّ، بل يستنج من ظلالها بعض الحقائق والمفاهيم وأنظمة القيمة، خاصة إذا غابت القرائن المادية كالعمارة والمسكوكات والفنون.. إلخ وبالعموم يمكن القول إن الخطوط العامة للتاريخ الكوني خضعت جوهريا لهيمنة هذا النسق الدوغمائي، وما أسسه كتبة التوراة، وكتّاب تواريخ الملوك والأمم والسير من المسيحيون والمسلمون، وفق منظورهم للكون والعالم، وتحت ضغط الإملاءات الدوغما- سياسلطوية. لكن السيد أبا جعفرالطبري( توفي عام923م) لا يتوقف هناك وتنتهي قصته ويُطوى خبره، فهو أحد أكابر بناة التاريخ، تماما كمعاصره القيصر البيزنطي قسطنطين السابع (أكبر مثقفي عصره )، أو غيرهم ممن أخبرونا مثلا أن شارل مارتل 720م، الملقب بالمطرقة (جد شارلمان العظيم) قد أوقف زحف المسلمين عند بواتييه (بلاط الشهداء)، وقتل منهم 375 ألف( بالمطرقة طبعا وليس بقنابل فوسفورية!!) هذه المعركة بنظر نقاد اليوم، لم تحدث قط، لأنها تقع في ثقب زمني ( سنوات شبحية) ويمكن ببساطة ضمها إلى قصص علاء الدين والمصباح السحري، أو تركها تلعب على مروج المسعودي، مع أليس في أرض العجائب.

منذ عصر النهضة اندلع سجال بين ناقدي التاريخ وبين (الأغلبية المطمئنة)، التي ما زالت تتشبث بتاريخ سلالات الملوك والحقب والمعارك، وبما هندسه سكاليغر وبيتو أثناء وبُعيد الإصلاح الغريغوري للتقويم عام 158م، وأهم ساحة لذلك السجال هو التقويم نفسه. وأول اعتراض حقيقي، سجله العالم الشهيرإسحق نيوتن [1]، الذي قدم تابلوهات وجداول زمنية تختصر من تواريخ السلالات والحقب حوالي 500سنة لكنه فشل في مواجهة جداول سكاليغر وبيتو، بسبب اكتشاف ( أو اختلاق ) قوائم مسابقات الأولومبيا اليونانية؟ وبعد أن خفت الجدل، ظلت الشبهات تحوم وتؤشر على وجود ثغرة زمنية، مُلئت عشوائيا، بأحداث وهمية. وأهمية هذا الجدل ترجع إلى وظيفة التقويم: كونه إطار الصورة التاريخية، التي تحدد ملامح الوعي التاريخي، والذاكرة. إن السؤال عن الزمن، وعدد السنين التي إنسكبت في مجرى التاريخ البشري، يظل أمرا يصعب تقديره، حتى على علوم الفلك والفيزياء، لإنعدام مرجعيات دقيقة يمكن الإنطلاق منها، والحساب عليها. على سبيل المثال: فإن تآكل آلات ومعدات عصر البرونز في السودان، تحتاج إلى 9000سنة، ونفسها تتآكل في أسكندنافيا خلال 2500عام، وكذلك الأمر فإن حساب الطبقات المترسبة في البحيرات، التي يأتيها الطمي سنويا، أثبت إنحرافا كبيرا، يصعب بموجبه تعداد السنين التي إنصرمت. ونفس الأمر مع حساب طبقات الجليد في غرينلاند، أو حساب الحلقات الجذعية للأشجار( طريقة دندرو ) أو القياس بواسطة الكربون 14، فكل هذه الطرق سجلت إنحرافات زمنية، وأخضعت نتائجها دائما للإجتهاد والتأويل والخداع أحيانا.

التقويم الميلادي إلى أين؟
قبل بضعة أعوام، وقبيل الإحتفال بالألفية الثالثة، ذاع خبر كتاب هربرت إليغ ( القرون الوسطى المختلقة )[2] الذي أشار إلى أكبر ثغرة زمنية في التقويم الميلادي بين 614م و 911م، والبالغة 297 سنة، ومذذاك إشتعل النقاش مجددا ولم يهدأ، وصدرت عشرات الكتب والدراسات، وإنقسم عالم الباحثين بين معارضة وموالاة. ونظرا لصعوبة وطول الحديث حول هذا الموضوع، وجدت أن أقتبس من دراسة صدرت عام 2007 لآدالبرت فيلتز[3]، وأستقي ( أنهب) بعض معلوماتها ، فهي تختصر كثيرا من العناء واللغو، وتنقل آخر أخبار هذه المبارة الحامية، التي لا صافرة لنهايتها.
إن طبخة البابا غريغور الثامن ( 1582م) وإصلاحه للتقويم اليولياني ( الذي أطلقه يوليوس قيصر في 1 ينايرعام 45 ق.م)، حركت حاسة الشم المرهفة عند هربرت إليغ، فالبابا قفز بالكالندر عشرة أيام ( من 4 إلى 15 اكتوبر) ليعيد الإنقلاب الربيعي إلى 21 مارس، بينما كان من المفروض عليه أن يقفز 13 يوما ( بالضبط 12,7) ؟ وهذه المدة هي تراكم الخطأ الذي خلفه التقويم اليولياني ( بين 45 ق.م و1582م ) والذي سبب إنحراف موعد بداية الربيع ( تساوي الليل والنهار) فمن المعروف أن السنة الفلكية تبلغ 365 يوم و5ساعلت و48 دقيقة و46ثانية، وهي تقل عن السنة اليوليانية ب 11,23دقيقة وبالتالي فإن الخطأ المتراكم يصبح: 1627 سنة يولياني× 11 دقيقة، والنتيجة 12,7 يوم، وعدم إضافة الكمية 2,7 يوم، يعني إختفاء حوالي ثلاثة قرون من زمن الكالندر. إلا في حاليتين إثنتين: أولا: أن يكون الإنقلاب الربيعي زمن يوليوس قيصر، قد صادف 24 مارس وليس 21 مارس، ثانيا: أن يكون إطلاق التقويم بدأ فعلا في 21 مارس، ثم جرى إصلاحه أثناء الموتمر الكنسي في نيقيا عام 325م ، بالقفز ثلاثة أيام ( من 18 إلى 21مارس كما تشير أحدى الوثائق المزعومة) ومع غياب الإثباتات، ووثائق المؤتمرات الكنسية ( المسكونية ) يمكن للمرء أن يفترض عدم حدوث إصلاح ما، فالساعة الشمسية الأثرية في روما، التي شيّدت تكريما وتعظيما للقيصر الروماني أغسطس، تشير إلى أن يوم ولادته صادف 23 سبتمبر (وهو موعد الإنقلاب الخريفي، الذي تحدده الساعة الشمسية بدقة، عندما يُشكل ظل الشروق وظل الغروب خطا مستقيما، وهو يوم فأل للإمبراطوريةحسب الميثولوجية السائدة آنذاك ) وهذا يعني بالنيجة أن بداية الربيع كانت تتطابق مع 21 مارس.؟ لكن دعنا من هذا السؤال، الذي سيبقى مفتوحا للإحتمالات، لنرى الأسباب الحقيقية، التي دفعت المسيحية للإهتمام بالزمن فهناك مكتوب من القيصر قسطنطين يقول فيه: إتفق الرأي على ضرورة الإحتفال بعيد الفصح سوية، وهذا إتفاق ملزم ، عليه فإن الفصح يكون: أول يوم أحد بعد حلول الربيع وإكتمال القمر.لذا فإن البحث عن تناغم بين الدورة القمرية والسنة اليوليانية الشمسية، وحسابها مقدما بدون اللجوء إلى المراقبة الفلكية، وتحديد أيام آحاد الفصح ( جداول الفصح) كان الدافع والمحرض الأول للإشتغال بالتقويم وحساب الزمن.
ومن خلال العودة إلى تلك الحسابات وجداول الفصح، والوثائق التي حددت أوقات الخسوف والكسوف وإرتباطها بإهمال غريغور ل2,7 يوم، من إصلاحه، كل ذلك فتح سجالا طويلا أخره ما كتبه أندرياس بيركن ، وجان بوفورت.أما بالنسبة إلى إليغ ، الذي إشتم رائحة شواط، من طبخة البابا تلك ، فيعود له الفضل في تسليط الضوء على تاريخ القرون الوسطى المبكرة ( بين القرن 7 و10) حيث تبيّن غيابا كاملا للدلائل والإثباتات الحسية، وكأن أوروبا خلال هذه الفترة لم تبني كنائس ولم تكتب كتبا، ولم تصك عملات، ومعظم الوثائق والمخطوطات، التي نسبت إلى تلك الفترة ُصنفت باعتبارها مزوّرات ومنحولات، فاستنتج إليغ أن الأعوام بين 614م و911م ليست أكثر من تاريخ بدون تاريخ، أو سنوات شبحية حسب إصطلاح هانس نيميتس !!
لكن إليغ ومناصريه الكثر من أمثال هاينسون ونيميتس وتوبر وبيكل، ليسوا وحيدين في الميدان. فالموالاة أيضا لاتزال متراصة الصفوف، وتدافع بعزيمة آخرها ما كتبه فويغت عام 2005[4] فقد قام بحسابات ارتجاعية ( دقيقة ) لتقويم ريفينا ( إيطاليا ) المنقوش على لوح صخري، وأثبت بحساباته صحة التقويم الميلادي الحالي، وإستحالة وجود سنوات شبحية، وكذلك الحال مع تحليله لجداول آحاد الفصح لهيبوليتوس.. وكان رد النقاد، بأن هذه الحسابات صحيحة، بشرط أن تكون ألواح ريفينا قد نقشت قبل القرن 11م ، ومن يستطيع إثبات ذلك؟؟
خلاصة: الحجج والبراهين، تميل لصالح تيار النقاد، وتشير إلى أن تلاعبا وتطويلا للتقويم قد حدث. لكن ذلك مازال يحتاج إلى براهين وتأكيدات واستنباطات فيزيائية وفلكية. وهكذا يكون السجال قد دخل في مرحلة جديدة، يجند كل طرف فيه، آخر قراءاته للعلوم ودراسات أركيولوجيا الفلك(وهي بحوث تقوم على استعادة الماضي الفلكي وتحديد أزمنة حدوث الخسوف والكسوف، والأحداث الفلكية مقارنة بتواريخ البشر) وهنا تجدر الإشارة إلى نمطين من الدراسات، وعلاقتهما بتحديد الزمن التاريخي.
أولا: طريقة الكربون 14، التي اكتشفها الأمريكي ليبي، وبدأت تطبيقاتها منصف القرن الماضي، وتقوم على تقدير عمر البقايا العضوية ( خشب، أصداف عظام..إلخ ) وقد تم تطبيقها على بقايا خشب متفحم من فيلا أوغستا القريبة من بركان فيزوف (إيطاليا) الذي انفجر في 24 إغسطس عام 79م، وكانت النتيجة تتطابق مع فرضية إليغ وتؤكد وجود الزمن الشبحي، لكن المعضلة أن هذه الطريقة تعطي انحرافا زمنيا قدره +- 185 سنة ، فنظرية الكربون 14 تقوم على حساب زمن تحوّل مادة الكربون14 المشع، واندثارها بسبب فقدانها الطاقة الإشعاعية، حيث يفقد الكربون 14 نصف عمره خلال 5550سنة، وهو يُنتج في الطبقات العليا من الجو بسبب تعرض غاز اوكسيد الكربون الجوي لنيوترونات مشبعة بالطاقة، وهذا يخلق توازنا مابين معدل تكوّنه ومعدل اندثاره، وقد حاول بلوس ونيميتس[5] التشكيك بالطريقة والتأكيد على تأثرها بعوامل فيزيائية وجوية تؤثر سلبا على مصداقية نتائجها.
أما الطريقة الأخرى، فتقوم على دراسة التحولات الفلكية، وتباطؤ سرعة دوران الأرض ( بتأثير قوة الاحتكاك الناجمة عن المد والجزر)وهذا يعني زيادة طول اليوم ( بنسبة ضئيلة جدا) وزيادة السرعة الزاويّة للقمر
 فدوران الأرض حول الشمس، يحدث بدقة متناهية؟؟ بينما يتباطأ دوران الأرض حول نفسها ، وبالتالي فإن مدة اليوم الحالي تزيد عن مدة اليوم القياسي الذي حُدد عام 1820م ب(24 ساعة) ، وبنفس الوقت تزداد السرعة الزاويّة للقمر، ويبتعد عن الأرض 4 سم سنويا، وهذا يؤدي إلى زيادة طول مداره، وبالمحصلة فإن سرعته الخطية تتراجع، حسب قانون كيبلر. وبالاستناد إلى أحداث فلكية منتخبة بدقة وعناية قام ر.ر نيوتن بتطبيق تلك المعلومات الفلكية لتواريخ الكسوفات والخسوفات خلال الألفيات الثلاثة المنصرمة، وقام بإسقاطها على خط زمني بياني، أعطى النتيجة الفيزيائية المعقولة، لإزدياد السرعة الزاويّة للقمر، لكن الخطوط البيانية بين عام 500م و 1000م توقفت عن الزيادة، وكأن القمر توقف عن زيادة سرعته الزاويّة، لهذا يرى فيرنر فرانك أن حذف الفترة الزمنية بين 600ميلادي و 900ميلادي سيجعل الخط البياني مستقيما، أما نتائج ستفنسن، التي إعتمدت معلومات فلكية عربية ويونانية وصينية بين 700ق.م و1500م فترسم قطعا مكافئا قليل الإنحناء، أما المفاجأة فكانت المعلومات الفلكية الأوروبية بين نهاية عصر الأنتيكا والقرون الوسطى، فهي ترسم خطا مستقيما، ولاتتفق مع الرسم السابق، وكأن الأرض لم تكن تدور بسرعة ثابتة!!والنتيجة النهائية ( مازالت قيد التحقق) لم تضف إلا مزيدا من التناقضات والجدل، فمن الخط البياني ل ر.ر نيوتن إستنتج كورث على سبيل المثال أن الكسوف الذي أورده الإسكندراني تيون، والذي يعود إلى 16 يونيو 369م يتطابق مع التقويم الحالي، وهذه حجة استخدمت ضد تيار النقاد. مما دفع أنصاره إلى تكذيب دقة تلك المعلومات الفلكية، حيث أثبتت الحسابات الإرتجاعية لبعض الكسوفات الشمسية ( كالذي حدث يوم 19يوليو 418م) إنحرافا بمقدار 29 سنة .. بعد هذه الدوخة فإن الدلائل التاريخية تشير إلى أن القفزة في التقويم حدثت بين القرن 10و11م، وترتبط ببداية إطلاق واستعمال التقويم الميلادي وتطبيقه على التاريخ اليوناني الروماني.

 وقبل أن يتسرب الملل أو الشك، لابد أن نحدس، بأن هذه الفترة الشبحية بين 614م و911م ليست فترة عادية يمكن تجاهلها والإغماض عنها، فأوروبا تستطيع أن تضحي بشارلمان وسلسلة الملوك والبابوات ( قبله وبعده) وتتحمل بعض الآلم والحزن على فراقهم، لكن ماذا يفعل العرب والمسلمون، إذا كانت السنة الهجرية الأولى قد رُبطت بصخرة عام 622 ميلادي؟ ماذا نفعل إذا كانت المرحلة التأسيسة للإسلام تقع في هذا الثقب الأسود؟ قد يحزن( أو يفرح) البعض لغياب الصحابي الجليل أبو هريرة، أو اندثار أحاديثه ( وفق طريقة الكربون 14 ) لكن أين سنضع معركة الطف، وعلى من سيرتدي الشيعة أثواب الحداد؟ الجواب ببساطة هو فك هذه العقدة، فالتقويم الهجري هو الأقدم عمليا( هذا مايؤكده الباحثون) وتدعمه الآثار الحسية اعتبارا من 150هجري، والوثائق الكتابية اعتبارا من 250هجري. وأولى الروابط بين التقويمين، لم تظهر قبل القرن 11م ( أو بعد المؤتمر الكنسي في بازل عام 1432!!! واعتماد الفاتيكان للتقويم المسيحي بشكل رسمي ونهائي، رغم أن قشتالة كانت السباقة، وبدأت استخدامه رسميا عام 1180م.)
 
ما يرمي إليه كاتب السطور، ليس الكتابة عن متاهة، وترهات تشغل بال المترفين، بل التعريف، بطبيعة النقاش والجدل التاريخي، في أوروبا مابعد الحداثة، وهل بإمكان العرب والمسلمين، أن يتصوروا التاريخ بنسبية أكثر، ويتنازلوا شيئا عما يعتقدون أنه ثوابت مطلقة، حُفرت في صخرة الحقيقة، فتاريخ الإسلام المبكر يقع فعليا في منطقة وعرة وشديدة الضبابية، وعندما تكون الرواية التاريخية صحيحة وأكيدة كما سردها الموروث، فإننا حقا أمام معجزة فريدة، في زمن لامعجزات فيه.(التفاصيل تأتي لاحقا)

كيف حدث التلاعب بالتقويم الميلادي
يرى هربرت إليغ أن النصب الأركيولوجية المعمارية، تحددت ملامحها في بيزنطا مع نهاية عصر جستنيان ( 556م) وبداية عهد أوتو الأول (936م) لذا اقترح أن تبدأ الفترة الشبحية مع اعتلاء هرقل عرش بيزنطا (61م) وهي تتطابق فعليا مع (911م ) عام تنصيب كونراد الأول في مملكة الفرنجة الشرقية. وهنا يطفو السؤال، لماذا حدثت هذه القفزة؟؟ إليغ باعتباره المايسترو، لفت النظر في دراسة له ( عام 1991م) إلى القيصر البيزنطي المثقف قسطنطين السابع (912-959م ) وأهمية دوره، حيث ينسب إلى دواوينه إعادة كتابة تاريخ العالم، وإتلاف المخطوطات القديمة، بذريعة التحوّل من الحروف الكبيرة إلى الصغيرة( لهذا يعتقد البعض أنه أكبر مزوّر عرفته البشرية) فالحشو التاريخي الذي حدث لايمكن فهمه إلا في سياق حملة منظمة لتجاوز حقب تزمينية مختلفة، أوتقاويم وتواريخ متعارضة، ويبدو أن الإحتكاك قد حدث بين القرن 10 و11م ، آنذاك أخذ هذا القيصر المثقف برؤية خلق العالم التوراتية، واعتمدها مقياسا للزمن في بيزنطة (استمر حتى عام 1456م ، وسقوط القسطنطينة ). وقد أثر ذلك على الملك أوتو الثالث الفرنجي ( أمه كانت أميرة بيزنطية) وهو من معاصري البابا غريغور الرابع ( 996م) وسيلفستر الثاني ( 999م ) أحد أهم البابوات المثقفين، والذي أراد تحقيق حساب ( كالندر) مسيحي يعتمد مولد المسيح، من هنا بدأ البحث عن نقاط ارتكاز وعلامات تحدد هذا التقويم المسيحي المزمع عمله، وتم العثور على مقولات لديونيسيوس فيلوكالوس ( 354م) الذي عمل بتكليف من البابا داماسوس ( 305-385م) على تحديد ميلاد المسيح ،وهكذا تم اختيار عام 753 (بعد تأسيس روما) يوم 25 ديسمبر، موعدا لولادته، وتم ربط ذلك التاريخ بإشارات إنجيلية تفيد بأن المسيح ولد في 1يناير من السنة الثلاثين لحكم القيصر أغسطس، وأيضا تم الإستناد إلى كتاب نسب إلى ديونيسيوس إكسيغوس( 525م) وهو على الأرجح من اختراع القيصر قسطنطين السابع، وبالتوازي مع تلك التقاويم، كان هنالك الحساب اليهودي الذي يعتمد الصورة التوراتية لخلق العالم في ستة أيام ( وكل يوم بألف سنة) وحسب هذا التقويم فإننا نعيش اليوم عام 5769 (بعد خلق العالم)، أي أن الخلق حدث عام 3761 قبل الميلاد، في حين أن التحقيب الزمني البيزنطي إعتمد نفس المفهوم التوراتي لكنه حدد ميلاد المسيح في منتصف اليوم السادس، وبالضبط عام 5508( بعد خلق العالم ) معتبرا أن بداية اليوم السابع إيذان بحلول مملكة الرب أو القيامة.

خلاصة مهمة:
 لفت نظري تاريخان وردا عند الطبري، ربط فيهما بين حسابات اليهود والنصارى وبين العام الهجري الأول، ونقل ما تقوله مصادر اليهود، التي تزعم أن الهجرة صادفت عام 4642 (بعد خلق العالم حسب التقويم اليهودي)[6] وبحساب بسيط نستدل أن الهجرة الإسلامية حدثت عام 881ميلادي [ 4642 ناقص 3761] ، ثم يضيف حسب لغته: وأما اليونانية من النصارى، فتزعم أن الذي ادعته اليهود باطل وأن الصحيح من القول في قدر مدة أيام الدنيا، من لدن خلق آدم إلى وقت الهجرة هو 5992 وبضعة أشهر؟؟ ووفق الحساب البيزنطي، الذي يحدد ولادة المسيح عام 5508 بعد خلق العالم، فإن الهجرة صادفت عام 484 ميلادي[ 5992 ناقص 5508] وحسب رأيي المتواضع، فإن جذور مشكلة التقويم الميلادي تعود إلى الخلاف بين اليهود، والبيزنطيين حول تزمين حقبة خلق العالم، فتاريخ الطبري، يقدم خدمة جليلة لتيار النقد (تفوق قصة الحوت )والرقمان اللذان أوردهما حقيقة تعكس الواقع، إذ لامصلحة دوغمائية وراء اختلاقهما، سيما وأنهما وردا خارج سياق بنائه الدوغما أسطوري، ولايمسان جدلا اسلاميا خطيرا يلزمه ( براءة اختلاق ؟؟) ولا أدري سبب غفلة الباحثين الغربيين عن هذه المعلومة، التي تشرح ببساطة أسباب حدوث القفزة الزمنية، في الكالندر المسيحي، فتقدير الهجرة الإسلامية( يهوديا) يقع عام 881ميلادي ( وبيزنطيا) يصادف عام 484ميلادي والفرق بين الرقمين 397سنة، وهذا يزيد عن الزمن الشبحي لهربرت إليغ بمائة سنة!! وبهذا يكون الطبري، قد أسدى لتيار النقد إضاءة معرفية أخرى، ربما لم يلتفت لها أحد ، فالرقم 397 يتشابه مع الرقم 297سنة شبحية، وربما وقع الطبري أو نسّاخ تاريخه من الوراقين بخطأ كتابّي ما ؟؟ لكن الأمور تتجه لتأكيد ماذهب إليه هربرت إليغ الذي يجزم أننا نعيش اليوم في العام ((ألف وسبعمائة وأحد عشر ميلادي)) آملا أن لا يضطرب الحوت (النون) ولا تتزلزل الأرض، وإن نفخ في الصور فلا مانع لدينا.


 الهوامش:

Isaac Newton: The Chronology of Ancient Kingdoms Amended, 1728 (posthum) 1
Heribert Illig, „Das erfundene Mittelalter“, Econ-Verlag München-Düsseldorf 1996 2
Die Realität der mittelalterlichen Phantomzeit und ihre Konsequenzen: Adalbert Feltz 3
Ulrich Voigt, „Über die christliche Jahreszählung“, Zeitensprünge (2005) 4
 Chr. Blöss, H.-U. Niemitz, C14-Crash-Kurs, Zeitensprünge(2003) 5  
 أخيرا : تاريخ الطبري الجزء الأول ( دار المعارف ) صفحة 17 و18  

مقالات ذات صلة :

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

- الكاتب
28 حزيران (يونيو) 2008 10:01

ورد سهوا إسم قشتالة والأصح كاتالونيا، لأن قشتالة لم تعتمد التاريخ الميلادي إلا بعد عام 1300، المؤتمر الكنسي في بازل عام 1434 وليس عام1432م ، وفي السطر الثامن طبعا :من (المسلمين والمسيحين) وهذا خطأ أستحق عليه السجن ثلاثة أشهر


الرد على التعليق


Paul Delvaux (بلجيكا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter