الخميس 23 تشرين الأول (أكتوبر) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > مقالات > الأصولية الفاشية – النازية : التفوق العرقي الجرماني

الأصولية الفاشية – النازية : التفوق العرقي الجرماني

الخميس 26 آذار (مارس) 2009

بقلم:

خالد غزال  

شارك اصدقاءك هذا المقال



في إطار الأصولية الفاشية تندرج أيضاً الأصولية النازيّة، وتتشابهان في كثير من القواسم المشتركة، سواء لجهة النظرة إلى طبيعة الدولة، أو لموقع الزعيم –الإله ودوره المحوريّ، أو للتوجّهات الأيديولوجية التي تقوم عليها النظرية، أو في الوسائل المتبعة للسيطرة على الدولة والمجتمع. ويؤكّد الاتصال بين الأصوليتين أنهما قامتا وانتشرتا في مرحلة تاريخية واحدة، بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، ولعبتا دوراً مهمّاً في التاريخ البشريّ، عبر الكوارث والويلات التي نجمت عن وضع النظرية الفاشية –النازية موضع التطبيق، ليس أقلها الحرب العالمية الثانية والإبادة التي رافقتها لقسم من الجنس البشري. حملت النظريتان رؤية شاملة للعالم حوت في داخلها كل ما يسمح بالهيمنة الكاملة على الإنسان في كليّته الشاملة. لم ينقطع الأدب السياسي عن دراسة الظاهرة الأصولية النابعة من الأيديولوجية الفاشية منذ قيامها حتى اليوم، ولم يتوقف هذا الأدب عن تحليل مجمل العوامل التي ساهمت في قيام وانتشار هذه الأصولية. لا تزال قراءة الظاهرة تكتسب أهمية خصوصاً أنّ الفاشية والنازية عادتا إلى الإنبعاث إلى هذا الحد أو ذاك، ليس فقط في ألمانيا وإيطاليا موطنهما الأصلي، وإنما أيضاً في عدد من المجتمعات الأوروبية والأميركية، وهي تلاقي في هذا المجال الإنبعاث الآخر للأصوليات الدينية الصاعدة في الزمن الراهن. إذا كان من الصعب الإلمام بشكل شامل بطبيعة الأصولية الفاشية في هذا البحث، فإن التركيز سيكون على عدد من المحاور التي تتصل وثيقاً بطبيعة هذه الأصولية والقواعد العامة التي تحكم ممارستها.

السمات العامة للأيديولوجية النازية—الفاشية

إنّ قراءة السّمات العامة للأصولية الفاشية عبر رؤية العناصر العامة لأيديولوجيتها، تسمح بتفسير بعض المظاهر السلوكّية التي ترتّبت على ممارسة هذه القوة بعد أن وصلت إلى الحكم. ركزت الفاشية على خلق إنسان جديد يتّسم بشكل رئيسي بالإخلاص للدولة والزعيم، وبالإنضباط الحديدي والطاعة المطلقة والعمياء في تنفيذ الأوامر، وفي التضحية غير المحدودة من أجل انتصار الأمة. تحتل نظرية العرق الصافي، سواء أكان الجرماني أم الروماني، موقعا خاصاً في شحن الجماهير بعصبية خاصة، بالنظر إلى اعتبار أنّ هذين العرقين يتمتعان بإصطفائية خاصّة ومتميزة عن سائر الشعوب التي تقع في منزلة أدنى منهما. والأمّة وفقاً لهذا المفهوم تتشكل من كتلة إثنية جامدة بل ومتجانسة، وتتأكد هذه الصفة بمقدار ما تقوم على عصبية الدم، وهو أمر ترتّب عليه لاحقاً ممارسات مرعبة، من خلال ما جرى في ألمانيا وإيطاليا من تصفيات وتطهير في سبيل الحفاظ على الطبيعة القومية للأمتين الألمانية والإيطالية، وضمان وحدتهما في آن. كان هتلر يرغب في قيام إمبراطورية نقيّة عرقياً، وكان لديه أيضاً نوع من التقديس لنظرية داروين، القائلة بالبقاء للأقوى انطلاقاً من الصراع من أجل الحياة الذي تفرضه الطبيعة على البشرية. تورد حنّة أرندت في كتابها “أسس التوتاليتارية” مقاطع عن مفهوم هتلر للأمة الألمانية وللدولة ولموقعه ضمنهما نقلاً عن كتابه “كفاحي” وسائر خطبه اللاحقة، فتقول على لسانه :“ليست الدولة وسيلة من أجل غاية، فالغاية هي الحفاظ على العرق... إنْ أنا إلاّ عاشق ينقل خطوة في ثرى الأمة الألمانية مستخرجا منها الصلابة. ولطالما قلت إنّ يوماً ما سيأتي يكون فيه كل الألمان ذوي الشأن في معسكري. على أي حال، فإنّ الذين لا يشاؤون الانضمام إلى معسكري يكونون عديمي القيمة”. كما كان هتلر يردد دوما “لن أقرّ للأمم الأخرى بنفس حق الأمة الألمانية”، بحيث تحوّل هذا القول إلى مبدأ تقوم عليه العقيدة الرسمية للنازية، حيث يؤكد هتلر على “أن قاعدة وجهة النظر الوطنية-الإشتراكية حول الحياة هي رؤية إنعدام الشبه بين البشر”. واستتباعا لذلك، أولت الفاشية موضوع الجماهير أهمية لجهة التجييش المتواصل لها وتنظيمها، بما يجعلها في حالة تأهّب دائم للمهمات التي تنوي السلطة تنفيذها. ويذهب غوبلز إلى القول بأنه “يجب إرضاء الغرائز البدائية للجماهير” على ما يقول هنري ميشال في كتاب:“الفاشستيات، ص76”. إضافة إلى ذلك، تولي النازية موضوع النخب اهتماماً مميزاً فتوظفها في كتابة التاريخ الخاص بالأمة الجرمانية، بل وإعادة النظر بالتاريخ السابق كله وإبقاء ما يتناسب مع التوجهات النازية، والتشديد على كون الثقافة السابقة للنازية هي ثقافة مزيّفة. تشير حنة ارندت إلى هذا الجانب بالقول :“كان للحركات التوتاليتارية فتنة لا تقاوم على النخبة عينها، لذا ما برحت الحركات الآنفة تتباهى بكونها أزالت التمييز بين الحياة الخاصة والحياة العامة، وبكونها أعادت إلى الإنسان امتلاء سرّياً ولا معقولاً” (أسس التوتاليتارية، ص73).

تحتل الناحية السيكولوجية اهتماماً مميّزاً لدى الأيديولوجية الفاشية-النازية، وتتخذ لها ميادين متعددة، فنظرية المؤامرة جاهزة للاستخدام بشكل دائم حيث تتعرّض الأمة لمؤامرات القوى المعادية لها، مما يستوجب سحق هذه القوى المعادية. ويتم استحضار منطق المؤامرة في كل مرة تهتزّ فيها صورة السلطة وخطابها العنصري، فيتمّ “تصريف” الإحتقان إمّا عبر الحملة على القوى اليسارية والشيوعية، أو من خلال تنظيم عمليات الإبادة للجنس غير الآري وعلى الأخص السامييّن منهم وعلى رأسهم اليهود. ولأنّ منطق المؤامرة يظل هاجساً يحكم القادة الفاشيين-النازيين، كان لا بدّ من “تسييد” منطق الإرهاب الجماعي الذي كان هتلر يطلق عليه تسمية “إرهاب الفكر”، واستخدام وسائل القتل والتعذيب. في كتابه “الفاشستيات”، يقول هنري ميشال :“كانت اللامبالاة كاملة تجاه الكائن البشري وتجاه إمكاناته الفكرية. وأصبح تثقيف الناس كنوع من تربية الحيوانات، وأصبح التعصّب المحرّك الرئيسي عند النازي في عمله” (ص69). وتشير كتب درست الفاشية والنازية بعد استلامهما السلطة إلى العمل الإستثنائي لتأمين النقاء العرقي للشعب الجرماني، باستخدام وسائل بشعة تتصل بتشريع تعدد الزوجات لهذه النخب القوية، والإنجاب خارج الزواج، وصولاً إلى سرقة الأولاد، ناهيك بقرارات الإجراءات الصحية، التي تقوم على عزل كل العائلات التي تنطوي على حالات أمراض قلبية ورئوية عن بقية الشعب، تمهيداً لتصفيتها جسدياً في مرحلة لاحقة.

يحتل استحضار الأمجاد التي تتصف بها الشعوب الجرمانية موقعاً مهماً في التعبئة الأيديولوجية الفاشية - النازية، ويجري التركيز على التاريخ الذي يتحدث عن بطولات الجرمان أفراداً ومجموعات. وهي تعبئة تمهد لتأليه منطق العنف والحرب في وصفهما وسيلة وحيدة لتحقيق الأهداف الرامية إلى استعادة الإمبراطورية الجرمانية. يشير والتر اولبريخت في مقالة له منشورة في كتاب “دراسات في الفاشية” إلى بعض المقولات النازية بالقول :“انطلقت الفاشية الهتلرية من أكذوبة تاريخية أنّ الإمبريالية الألمانية ما كانت لتخسر الحرب العالمية الأولى على الصعيد العسكري إلاّ نتيجة النقص في الصلابة الأخلاقية” (ص76). إضافة إلى الإيمان بمقولة قائمة على فرضيّة رفض البربرية لأي حرب ترمي إلى أهداف مثالية، بحيث “لا يجب اعتبار الحرب الرامية إلى أهداف مثالية، وإلى المحافظة على أمّة نبيلة، كشيء بربريّ، بل كأرفع تعبير عن الحضارة الفعليّة، كضرورة سياسية، في صالح التقدم البيولوجي والإجتماعي والأخلاقي” (ص119).

تأثّرت النازية- الفاشية بالأدب الألماني “المؤلّه” للقوة خصوصا ما قدمه “نيتشه” على هذا الصعيد، واعتباره الحرب من القوى الضرورية التي تحتاجها الطبيعة من أجل أن تنمو وتتجدّد. فالحرب مدرسة تتعلم فيها النخب ومعها مجمل الشعب دروساً في البطولة، والحرب عنصر حاسم في تطور الروح الرفاقية بين أفراد الحزب الفاشي، والحرب من أهم العوامل التي تعطي الفرد إحساساً قوياً بالإنتماء والذوبان في المجموعة القومية، وهو ما يشدّد عليه أولبريخت في وصفه للفاشية :“هكذا تصبح الحرب رغم كل شيء مثاليّة، وتأخذ طابعاً صوفيّاً، بحيث يجب أن تغنّى الحرب كي تصبح أسطورية، وإلاّ سقطت في النسيان، وفقدت الأمة رجولتها” (ص120). من هنا تمتزج اللاعقلانية التي تطبع الفكر الفاشي لجهة تمجيد الغريزة والحرب ونفي الموت والدفاع عن المتّحد القومي وقيمه التقليدية، تمتزج بالهدف الأساس في الوصول إلى السلطة، لتشكل جميعها نوعاً من “النيورومانطيقية” كخاصّة تتسم بها الفاشية-النازية وأدبها المروّج لها على جميع الصعد والمستويات.

الزعيم- الإله

للزعيم في صلب العقيدة النازية-الفاشية موقع متميّز تقرب النظرة إلى “تأليهه” ووضعه في مصاف الأنبياء، مما يترتّب عليه وجوب العبادة، فهتلر لم يكن ينظر إلى نفسه رئيسا لدولة، بمقدار ما كان يصرّ على اعتبار نفسه مرشد الشعب الألماني. ووفقاً لما يصفه هنري ميشال في كتابه “الفاشستيات”، فإنّ الزعيم يقبع فوق الجماهير وما يقوله يمثّل الحقيقة المطلقة، وما يفعله يقع في صميم مصالح الأمّة، “فقد كان هتلر يعتبر نفسه أيديولوجياً ونبيّاً في آن معاً” (ص58)، بل إنّ هتلر كان وفق معاصريه مصاباً بعصاب نفساني يقترب من أن يكون انفصاما في شخصيته، لذا “كان أهلاً لاتخاذ قرارات مفاجئة تعزى إلى نوع من الوحي أو الإشراق” (ص57). كان الإخلاص للزعيم أحد العناصر المكونة للفاشية-النازية، ويمثل هذا الإخلاص عنصراً رئيسياً في الإيمان بالعقيدة وبطروحاتها السياسية والفكرية، ذلك لأنّ هذا الزعيم يجسّد نموذج الإنسان الأعلى والأقوى الذي يلهم الجماهير العمياء بطبيعتها ويقودها إلى النور والحقيقة.

لم تكن عبادة الزعيم ووضعه في مصافّ الأنبياء والآلهة أقل ازدهاراً لدى موسوليني، بل اتخذت هذه العبادة أشكالاً من الفظاظة، انطلاقاً من أنّ موسوليني كان ينظر إلى الشعب الإيطالي نفسه بشيء من الاحتقار، وكان يقول عنه “شعب الغنم... هذا الجنس التافه”، لذا فتّش في ماضي روما عن العظمة التي يفتقد إليها الشعب الإيطالي في عصره الراهن، وجعل من شخصه المنقذ الذي يعيد لإيطاليا ذلك المجد الروماني القديم، وجعل من “روما كلمة سحرية ملأت التاريخ طيلة عشرين قرنا” (الفاشستيات، ص36).

الدولة التوتاليتارية

بعد الإشارة إلى المفاصل الأساسية للأيديولوجية الفاشية-النازية، ومعها موقع الزعيم فيها، يصبح يسيراً تبيّن المقومات الرئيسية التي تقوم عليها الدولة الفاشية وتوجهاتها في ممارسة السلطة. تقوم الأصولية النازية-الفاشية على نظرية في السياسة ترفض بشكل قاطع الديمقراطية وسيلة للحكم وسبيلاً لحل النزاعات بين القوى السياسية وداخل المجتمع. تشكل الديكتاتورية القائمة على نبذ واضطهاد سائر القوى السياسية ميزة أساسية لهذه النظرية، مما يعني أنّ النازية تقوم قبل كل شيء على إلغاء الحياة السياسية في المجتمع. ترافق رفض الديمقراطية مع رفض المجتمع الليبرالي، ورفض النظرية الماركسية في صراع الطبقات، وصولاً إلى رفض كل سلوك يأمر به العقل الذي كانت الفاشية تنظر إليه في وصفه عقبة أمام تطلعاتها، لكون هذا العقل سيتسبب في خنق النشاط الحيوي الذي يتطلبه قيام الدولة الكليّة. لذا لم يكن غريبا أن تتّسم الدولة الفاشية بالصفة البوليسية القوية، وقمع كل الحركات السياسية غير المنتمية إلى التنظيمات التوتاليتارية، وتسليط أجهزة القمع على الشعب واستخدام كل وسائل الإرهاب لإخضاعه انطلاقاً من قاعدة عامة للحكم تقوم على تأمين التماسك السياسي والإجتماعي من خلال منطق القوة. وهذا يتطلب اقتلاع مظاهر الانقسام الموروثة، من قبيل وجود الأحزاب السياسية والتنافس في ما بينها، ووجود صحافة حرة، والتعددية في النقابات، لصهرها جميعا في حزب واحد وقائد واحد. تستخدم التقنيات الحديثة في الدعاية والتحريض والإرهاب، مقرونة بتبرير يقوم على أنّ الأمة يتهددها الخطر الدائم نتيجة المؤامرات المحاكة ضدها من قوى الخارج وعملائها في الداخل.

قامت الدولة الفاشية-النازية إذن على نمط من الديكتاتورية المطلقة، حيث تركزت السلطة في يد حزب وحيد قائم على زعامة تتجسّد في رئيس أقرب إلى “الربّانية” يقع على عاتقه هداية وإنقاذ الأمة، تغذّيه أيديولوجيا تمثل الحقيقة الكاملة، وهو منبثق من صلب الشعب الجرماني بفضل ما يتمتع به من شخصية متميزة، مما يبرّر أن تكون كلمته تمثل القانون لأنها الحقيقة نفسها، وعلى النفخ المتواصل بالروح العسكرية للشبيبة بشكل خاص وللمجتمع ككل. فالدولة التوتاليتارية الفاشية لا تكتفي بالإستيلاء على السلطة، بل إنها لا تعتبر سلطتها مكتملة إلاّ بعد قلب المجتمع والثقافة رأساً على عقب، لذا “فإنّ الحزب الاشتراكي –الوطني من حيث كونه أيديولوجيا لن يتخلّى عن الصراع قبل أن تنطبع حياة كل ألماني بقيمه الأساسية” وفق ما يقول هتلر في كتابه “كفاحي”، بحيث تندمج الدولة والمجتمع السياسي في الحزب الذي وحده يتكلم باسم هذا المجتمع والشعب. يشير آلان تورين في كتابه “ما هي الديمقراطية؟” إلى أنّ “الدولة التوتاليتارية هي دولة – ملّة تقوم وظيفتها الرئيسية على محاربة اعدائها الخارجيين والداخليين، وعلى تأمين أقصى قدر من الإجماع السياسي”، وهو ما يشار إليه دائماً بأن أبرز صفات الدولة التوتاليتارية هو “التهام المجتمع”.

الدين الفاشي

دار جدل حول الفاشية-النازية وعلاقتها بالدين ومدى علمانيتها، وقد اعتبر دارسون للفاشية أنها تملك مفهوماً خاصاً لـ“دينها”، أساسه النظرة الصوفية التي تقدمها لجيشها ومناصريها. في كتاب “دراسات في الفاشية” يورد الكاتب الفرنسي “دانيال غيران” ما مضمونه أنّ الصوفية هي أول شيء تقدمه الفاشية لفرقها: “صوفية تجعل العناصر العديدة لجمهرة ما مندمجة في وحدة روحّية، في اتحاد شعوري” (ص135). لا ينكر زعماء الفاشية تقديم أيديولوجيتهم على أنها دين، فموسوليني يورد في هذا الصدد “إن الفاشية مفهوم ديني .. ولو لم تكن الفاشية إيمانا فكيف كانت تمنح هذه الصلابة وهذه الشجاعة لمعتنقيها؟.. لا يمكن تحقيق شيء عظيم، إلاّ في حالة انفعالية من الحب، من التصوف الديني” (ص137). لا يقلّ هتلر، في المقابل، وضوحاً عن زميله موسوليني في التشديد على الجانب الروحي كعنصر لحمة وولاء للأمة والزعيم، “فالإنسان الذي لا يحتاج، من اجل ارضاء حياته، إلاّ إلى الأكل والشرب هو إنسان لم يفهم قط ذلك الذي يضحي بخبزه اليومي لإرواء عطشه الروحي وجوعه النفسي” كما يشير هتلر الى ذلك (ص138).

لم تتوان الفاشية طوال عهدها عن نبش الشعور الديني، ليس لتعبئة الجماهير حول طروحاتها، وإنما أيضاًً لتمجيد الزعيم الذي يمثل رجل العناية الإلهية، ممّا جعل من موسوليني “نصف إله” ومن هتلر شخصية كونية إستثنائية الوجود حيث “ما من مجال للنشاط الإنساني إلاّ ويتجلى فيه”. ولأنّ الرجلين يتمتعان بهذه الصفات “النبوية-الإلهية”، فإنهما معصومان عن كل خطأ، وما يصدر عنهما يمثل الحق والحقيقة في آن. يشدد نيكوس بولنتزاس في كتابه “الفاشية والديكتاتورية” على طابع الأيديولوجية الفاشية الخاصة بتأليه الزعيم والدولة على أساس اندماجهما في مقولة واحدة، وعلى كون قيادة الزعيم تمثل القانون والقواعد التي تحكم الأمة مجموعاً وأفراداً.

ترتب على هذا الدمج بين الدين وتأليه الزعيم قيام منظومة من الأيديولوجيا حكمت مفاهيمها مجمل السياسات النازية والفاشية في ألمانيا وإيطاليا، وكان استخدام العنف السمة المركزية لهذه الممارسة.

خاتمة

حكم التاريخ خلال القرن الماضي ضد الأصولية الفاشية- النازية، وحمّلها مسؤولية جرّ العالم إلى الحرب العالمية الثانية بكل ما ترتب عليها من مجازر وإبادة بشرية في المانيا نفسها وسائر بلدان العالم. لا يزال انبعاث هذه الأصولية في أكثر من مكان في العالم اليوم ، بكل ما تحمله من طابع عنصري، تثير الهلع في المجتمع الألماني اولاً، وهو الذي لم يشف بعد من عقدة سيطرة النازية على المجتمع وسير الشعب الألماني في معظمه وراء طروحات هتلر وقيادته، وكذلك في المجتمعات التي تحاول اقسام من مواطنيها تقليد النازية في الشكل والمضمون.

المراجع

حنّة أرندت : أسس التوتاليتارية، ترجمة أنطوان أبو زيد، دار الساقي ، بيروت، 1993
بالميرو تولياتي: محاضرات في الفاشية، ترجمة أنطوان صيداوي، دار الفارابي، بيروت ، 1981
هنري ميشال: الفاشستيات، ترجمة علي مقلد. سلسلة “ماذا أعرف؟”، المنشورات العربية، بيروت، 1983
مجموعة مؤلفين: دراسات في الفاشية، ترجمة جوزف سماحة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1973
Nicos Poulantzas: Fascisme et Dictature
Seuil/ Maspero, Paris ,1974


شارك اصدقاءك هذا المقال

هل نجني ثمار فشل (...)

أحكمت الأنظمة العربيّة غلق القماقم العتيقة، وبمجرّد تزعزع بعضها أو تلاشيها، غير مأسوف عليها، انطلقت عفاريت الهويّة والطّائفيّة والشّريعة والعقيدة وفتحت أمامنا مسرحا قياميّا شبيها برقصة أشباح الماضي مع الأحياء. كلّ هذا الرّعب الذي نراه يتمّ باسم الإسلام، رغم كلّ الحسابات والرّهانات الجيوستراتيجية، ورغم الدّور التّخريبيّ الذي لعبته بعض الدّول، ورغم تعدّد أطراف اللّعبة في كلّ بلد فتح فيه جحيم هذا الحفل (...)
الفيسبوك
تويتر