الأربعاء 23 تموز (يوليو) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > مقالات > الأمثال والحكمة في الشرق القديم

الأمثال والحكمة في الشرق القديم

الجمعة 25 حزيران (يونيو) 2010

بقلم:

صوفي كلوزان Sophie Cluzan   ترجمة : محمد الدنيا

شارك اصدقاءك هذا المقال




كانت كتابة الأمثال في الشرق القديم تستند إلى الحكمة، وربما كانت تعود في جذورها إلى السومريين. ذاعت في الشرق كله، وانتشرت عبر نصوص ثنائية اللغة، فتناقلتها أطياف واسعة من السكان. نجدها في بلاد "كنعان" أيضاً، آتية من "بلاد الرافدين" منذ منتصف الألفية الثانية. نقرأها مثلاً في رسائل "تل العمارنة" حيث استخدمها ملوك "كنعان" عند مخاطبتهم سيّد إقطاعهم المصري. تدافع الحكمة الرافدينية عن القيم التقليدية، ولا تقبل بالمغامرة والإسراف، وتشدّد على احترام السلطة الإلهية أو البشرية، وتأبى الخطر الذي يمثله أيّ مساس بالنظام من خلال عدم الالتزام بالقانون وأطر الحياة الاجتماعية.



نقرأ من بينها :



"إن مضيت وغزوت بلاد العدوّ : جاء العدوّ وغزا بلدك".

"من يملك مالاً كثيراً سعيدٌ بلا ريب؛
من يملك شعيراً كثيراً سعيد بلا ريب،
ولكنّ من لا يملك شيئاً يستطيع النوم".

"بالنسبة للفقير، أفضل له أن يكون ميتاً لا حيّاً :
إن كان عنده خبز، فليس عنده ملح؛
إن كان عنده ملح، فليس عنده خبز؛
إن كان عنده لحم، فليس عنده "خردل"؛
إن كان عنده خردل، فليس عنده لحم".

"للمتعة : الزواج
للتفكير: الطلاق".



"تدوم الصداقة يوماً،
وتدوم القرابة أبداً".

شقاء وخطأ

 
البشر في الفكر الشرقي هم في خدمة الآلهة. إنهم " الرؤوس السوداء" têtes noires، الرعايا أو الخدم. وإذْ كان الآلهة كراماً، فإنّ وفاء البشر لهم يضمن سعادتهم، بينما يحلّ الشقاء بالمتهاونين. ومنذ نهاية الألفية الثالثة، في زمن أسرة "أور" الثالثة، نحو 2100 – 2000، بدأت تُطرح أسئلة فيما يتعلق بدقة العلاقة التي من المناسب إقامتها بين شقاء وخطأ. وكُتبت أناشيد شكوى، بالسومرية أو بالأكادية. ينتقد المستقيمُ َالظالمَ، الذي يظلمه، يشكو أمره إلى إلهه إلى أن يعود فيحسن التصرف معه، يؤكّد براءته وعجز الفانين عن معرفة الطريق إلى الإله. ووفقاً لأناشيد التوجُّع هذه، فإنّ الإنسان جاهل ولا يستطيع تمييز الخير من الشرّ، خصوصاً لأنه تخفى عليه معايير عالم الآلهة. يحثّ الشِفاءُ والسعادة المستعادان على الشكر، وعلى عدم العودة إلى التساؤل، ولكن لا إجابات بأيّ حال من الأحوال، لأن سبل الآلهة صعبٌ اختراقُها. يطرح تشكّي الملك " أور - نامو " Ur - Nammu، بوضوح، التساؤلَ حول العدالة الإلهية :

" ضرب البلاءُ سومر، كان الراعي العادل غاضباً، كان الراعي العادل أور – نامو غاضباً، نعم، كان الراعي العادل غاضباً! غيّر ،، آن ،، كلامَه المقدس، القلبُ بالغُ الأسى. غيّر ،، إنليل ،، مخاتلةً، الأقدارَ المحددة كلَّها. أما أنا، ( المدعو أور – نامو ) فها كم كيف عوملت. كنت وفيّاً في خدمة الآلهة، الآلهة ،، الأنوناكي ،، وأحقّق ازدهاراً بنُبْل. مع ذلك لم يؤازرني ولا طمْأن قلبي أيٌّ من الآلهة. [ ... ] أنا الذي كنت أخدم الآلهة ليلاً ونهاراً، كيف كوفئت على جهدي؟ [ ... ]. 

نجد ترداداً لهذا الأدب الذي يلتمس العدل الإلهي مرّات عديدة في التوراة، التي استلهمت من هذا التراث الشرقيّ كلّه :
"إِلهِي إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي، بَعِيداً عَنْ خَلاَصِي، عَنْ كَلاَمِ زَفِيرِي؟
إِلهِي، فِي النَّهَارِ أَدْعُو فَلاَ تَسْتَجِيبُ، فِي اللَّيْلِ أَدْعُو فَلاَ هُدُوَ لِي" ( المزامير: 22؛ 2-3 )

"العدالة الإلهية"

أحد المكونات الرئيسية لأدب الحكمة الشرقي هو ذاك المسمّى "العدالة الإلهية " théodicée. مما لا شك فيه أن هذا النص المؤثر قد أوحى بما ورد في سفر" أيوب" التوراتي. هذا العمل معروف من خلال مخطوطات مختلفة، يعود تاريخ بعضها إلى فترات حديثة. إنه قصيدة طويلة مكتوبة باللغة الأكادية، ومقدمة على شكل حوار. مؤلّفها معروف من خلال مُطرَّزة (1) حيث يبتدئ كلّ من الفقرات الشعرية الإحدى عشرة بالمقطع اللفظي نفسه، ويؤلّف مجموعُ المقاطع اللفظية اسماً معروفاً في وثائق أخرى على أنه ينتمي إلى لائحة "كبار حكماء" عصر "نبوخذنصر" الأوّل ( 112 – 1105) و"أدد – أبلا – إدينا " Adad – apla - iddina ( 1069 – 1048 ). يتحادث مثقفان ويتجادلان حول العدل الإلهي، وفق نمط أدبي قديم جداً يحضره كيانان أو شخصيتان تتواجهان من أجل إثبات مزاياهما الواحد تلو الآخر في شكل من المناظرة. هنا، المثقف الذي يفتتح الجدل متشائمٌ، ويعبّر عن سوء حظه الذي يعزو مسؤوليته إلى الآلهة. يقول إنه رأى الأقوياء يضطهدون الضعفاء، دون أن ينصفهم أحد، ويزعم أنّ الآلهة لا تولي سوى قدر قليل جداً من الاهتمام بالبشر، بما في ذلك الناس الأتقياء. ويسعى مُناظرُه إلى الدفاع عن الأخلاق، والدين والنظام القائم. وينتهي الحوار بإثبات مشترك للتعالي الإلهي والعجز البشري.

[ ... ]
- عبثاً حاولت أن أتأمّل العالم، متناقضةٌ صورُه،
لا، لا يسدّ الإله الطريقَ على الشيطان!
انظر، أبٌ يجرّ المركبَ في القنوات، وابنُه الخليع في سريره!
[ ... ]
أنا الذي تذلّلت أمام الإله، ماذا استفدت؟ ها أنا جاثٍ عند قدمي
مرؤوسي، والفظّ، الغنيّ والموسر، يعاملني باحتقار!
- أيها الحصيف، أيها العالم، يا ملك الحكمة، روحك معذّبة، وها أنت
تقسو في معاملة الإله!
قلب الإله بعيد عنا بُعد أعماق السماء.
معرفته صعبٌ مرتقاها والناس يجهلون.
[ ... ]
عبثاً نبحث عن قصد الإله، الناس يجهلونه! ".
 " البارّ المتألم "

إحدى المؤلفات الشرقية الأخرى المتعلقة بالمصائب والعدل الإلهي قصيدةٌ مشار إليها بكلماتها الثلاث الأولى: " لُدلول بل نمكي " Ludlul bêl nêmqi أو "أريد أن أسبّح بحمد سيد / رب الحكمة". في هذه القصيدة، التي كتبت في نهاية الألفية الثانية على الأرجح، تشابهات مدهشة مع سفر "أيوب"، ومن هنا اسمها: "البارّ المتألّم". هنا، حديث منفرد (مونولوج) لرجل غارق في المصائب ويتساءل عن العدل الإلهي، حيث الإله "مردوخ" هو الإله الوحيد المسؤول عن مصير البشر. فقد الرجل، وقد كان من قبل متنفّذاً في البلاط، كلَّ شيء، ويشكو من عدم استيعابه العذاب الذي يعانيه. مكّنته ثلاثة أحلام متتالية من رؤية شخصيات تتشفّع له وتطهّره. يعي أخيراً أنّ مقاصد الآلهة لا تدرَك، وهو ما يتقاطع مع عبارة "العدالة الإلهية".

" أريد أن أسبّح بحمد ربّ الحكمة،
الإله [الفطِن]، الذي يذكي الليل، ولكن
الذي يبسط [النهارَ] رحباً،
[ ... ]
غضبه لا يُردّ، غيظُه الطوفانُ،
ولكن دائماً ينفرج قلبه ويهدأ خاطرُه،
هو الذي لا تقدر السماوات على تحمّل صدمة يديه،
لكن في راحتيهما السَكينة، والصفح عن الأموات!
[ ... ]
تخلّى عنّي إلهي، وغاب إلى الأبد،
تركتني إلاهتي، ابتعدت [عنّي]!
لا همّ للحاشية إلا تكديس العداء عليّ،
يجتمعون ويتبادلون فيما بينهم
أشياءَ لا تقال؛
هكذا (قال) الأوّل: .. سأذيقه الموتَ!..
أعلن الثاني: .. سأحرمه من منصبه!..
وجاء من لدُن ثالث: .. سأستولي على ما أُوكل إليه!..
[ ... ]
بعد أن كنت شامخاً، صرت عبداً.
وبدلاً من أسرتي الكبيرة (حولي)، غدوت وحيداً!
عندما أمشي في الشارع، يشيرون بالأصابع إليّ،
وإذا دخلت إلى القصر، يلمزونني!"
 ("البارّ المتألّم")

" أَمَّا أَنَا فَدُودَةٌ لاَ إِنْسَانٌ. عَارٌ عِنْدَ الْبَشَرِ وَمُحْتَقَرُ الشَّعْبِ.
كُلُّ الَّذِينَ يَرَوْنَنِي يَسْتَهْزِئُونَ بِي. يَفْغَرُونَ الشِّفَاهَ، وَيُنْغِضُونَ الرَّأْسَ قَائِلِينَ:
«اتَّكَلَ عَلَى الرَّبِّ فَلْيُنَجِّهِ، لِيُنْقِذْهُ لأَنَّهُ سُرَّ بِهِ".
 [ ... ]
 لأَنَّهُ قَدْ أَحَاطَتْ بِي كِلاَبٌ. جَمَاعَةٌ مِنَ الأَشْرَارِ اكْتَنَفَتْنِي. ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ.
أُحْصِي كُلَّ عِظَامِي، وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَيَتَفَرَّسُونَ فِيَّ.
يَقْسِمُونَ ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي يَقْتَرِعُونَ.
 [ ... ]
 ( المزامير: 22 )

" خَلِّصْنِي يَا اَللهُ، لأَنَّ الْمِيَاهَ قَدْ دَخَلَتْ إِلَى نَفْسِي. غَرِقْتُ فِي حَمْأَةٍ عَمِيقَةٍ، وَلَيْسَ مَقَرٌّ.
[ ... ]
أَكْثَرُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِي الَّذِينَ يُبْغِضُونَنِي بِلاَ سَبَبٍ. اعْتَزَّ مُسْتَهْلِكِيَّ أَعْدَائِي ظُلْماً.
 [ ... ]
لأَنِّي مِنْ أَجْلِكَ احْتَمَلْتُ الْعَارَ. غَطَّى الْخَجَلُ وَجْهِي. صِرْتُ أَجْنَبِيًّا عِنْدَ إِخْوَتِي.
 [ ... ]
 (المزامير: 69)

سفر أيوب

الشقاء ولغزه مطروقان في "العهد القديم" على نطاق واسع. وإذْ لم تكن فكرة وجود عالم آخر يمكن أن يكون فيه جزاء البررة قد سادت إلا إبان القرن الثاني قبل الميلاد، فإن مسألة العدالة الإلهية قد طُرحت بقوّة بعد أن لم يأت الثواب الأرضي. يصوّر عدد من نصوص "العهد القديم" مسألة التألم على أنها وسيلةُ تطهُّر، امتحانُ تعلُّم. يتابع سفر "أيوب" طريقةَ التفكّر هذه التي كان قد ابتدأها مفكّرو الشرق القديم، ضمن نص ذي بنية شديدة الشبه ببنية "العدالة الإلهية". يلقى "أيوب"، في تساؤله الطويل حول الإله والإشارات التي يبعث بها، أجوبةً مختلفة عما يراه غير عادل. إنها أجوبة حكمةٍ، تتقاطع مع تلك الموجودة في حوار "البارّ المتألم":


الطاعة الصامتة لأن حكمة الإله متعالية ويجب أن لا يُسأل فيها؛ ووجود خصم، شيطان، ولكن لا يمكن أن تلقى عليه مسؤولية شقاء لا يمكن أن يأتي إلا من متعالٍ على كل شيء، أي الإله؛ وعلى المبتلى أن لا ينحو باللائمة إلا على نفسه ومقدورُه لا يتغير إلا بالاهتداء.

حكمة وشطَط

يمكن ذكر الكثير من نصوص حكمة الشرق القديم لإيضاح وجود هذا التقليد الطويل وما لها من أثر في الشكل والمضمون على ما اصطبغت به التوراة من حكمة. تنطوي أنماط مختلفة من النصوص على هذه التعاليم الحِكمية، على شكل حِكم، وتساؤلات إشكالية أو أيضاً حكايات وخرافات. ومن الأمثلة الرئيسية على هذا الجنس الأخير تذكر "ملحمة جلجامش" حيث الملَكية والحكمة مترابطتان على نحو متقن. ووفقاً لهذه الملحمة، فإنّ حكمة البشريّ تقوم على عدم البحث عن الخلود، على عدم مشيئة التعالي على شرطه، وتقوم حكمة الملك على تعلّم فنّ الحكم العادل، الذي لا يمكن أن يتأتّى إلا من خلال الحكمة، تلك التي تخفّف المطامح المفرطة. الخلود، كبحث لا مبرّر له، هو واحد من مواضيع التفكّر التي تفضي إلى الحكمة. نلمس أهمية المسألة، والقلق الذي تولّده، في عدد كبير من نصوص الشرق التي تتطرق إليها. لا يمكن للطبيعة البشرية بشططها (حيث تقوم الخطيئة الأصلية على إرادة بلوغ معرفة الخير من الشرّ) أن تبلغ الخلود (تصبح شجرة حياة الجنة متعذرة المنال). يسعى هذا التأكيد التمهيدي، على شكل برهان وتفسير، إلى إلغاء كلّ محاولة جديدة للتساؤل والبحث من جانب البشر، وهو ما يبرهن على الأهمّية التي اكتسبتها المسألة بين تيارات التفكير التي كانت قائمة في مجتمعات محرّري التوراة. وأوجد تأكيد استحالة الوصول إلى الحياة الخالدة في أثناء ذلك الشروط لظهور تيار فكري جديد تدريجياً الحياةُ الخالدة فيه متاحةٌ للمؤمن بعد الموت. وتعود جذور هذا الاستفهام حول الصيرورة بعد الموت، حالما أضحى هنالك تسليم به، إلى التفكّر الذي كان سائداً لدى المفكرين القدامى. ونجد فكرة عن ذلك في "القصة الشعرية لأبطال الزمن الغابر"، التي ألفت في زمن " أبي إيشوح " Abi - eshuh ملك " بابل" بين 1711 و 1684 وهي معروفة بعدة نسخ بالسومرية والأكادية:

" [ ... ]
أين هو الملك ألولو Alulu الذي حكم 3600 سنة؟
أين هو الملك إتانا الذي صعد حتى السماوات؟
أين هو جلجامش، السيد، الذي بحث عن الحياة الخالدة مثل زيوسودرا؟
أين هو هواوا Huwawa [ ... ]؟ أين هو إنكيدو الذي أظهر قوته في البلاد؟
أين هو بازي Bazi ، أين هو زيزي Zizi؟
أين هم الملوك العظام، لم يعودوا يولَدون، منذ الزمن الماضي حتى اليوم؟
لم يعودوا ينجَبون؟
حياة لا ألقٌ فيها هل تساوي أكثر من الموت؟
[ ... ] ".

الحكماء والملِك

كانت لأهمية الحكمة في مجمل التقاليد الشرقية انعكاسات أيضاً على المجال المركزي في تنظيم هذه المجتمعات : السلطة السياسية. ضمّ تأسيس "إسرائيل" الملكي في بنيته حكماء ومستشارين. شكل المستشارون جماعة خاصة لا ينتمي إلهيا الحكماء جميعاً. وقد نُظر إلى عدد المستشارين على أنّهم مصدر نجاح : "مَقَاصِدُ بِغَيْرِ مَشُورَةٍ تَبْطُلُ، وَبِكَثْرَةِ الْمُشِيرِينَ تَقُومُ" ( الأمثال: 15؛ 22 ). يشدّد سفر "الأمثال" مرّات عدّة على الرابط بين السياسة، والحكمة وحسن الحكم والعدد الكافي من المستشارين. من جهة أخرى، يمكن أن يكون المستشار مخيفاً للملك نفسه: كان "داود" يخاف كثيراً من "أخيتوفل"، مستشاره السابق الذي انتقل إلى معسكر "أبشالوم"، ابنه الذي ثار ضدّه. تشير التوراة أيضاً إلى مستشاري البلاطات الأخرى: البلاط الفارسي مع سفر "عزرا" (عزرا: 7؛ 28 / 8؛ 25) حيث يذكر المستشارون على أنّهم موظفون إلى جانب الوزراء (رؤساء لدى الملك). ويتحدث "أشعياء" عن مستشاري الفرعون في نصّ مفعم جداً بالأيديولوجيا الملكية، وأحد ألقاب الملك هو "المُشير العجيب" (أشعياء: 19؛ 11؛ 8، 23-9، 6 ).



في الشرق القديم، شخصيات الحكماء التي تضع خبرتها وعلمها تحت تصرف الملَكية هي تقليدية. يجيد الحكيم إدراك معنى الأحداث الماضية من خلال بناء التاريخ الذي يمارسه. يعزى لكلّ حُكْم حكيم، يسمّى "أبكالو " apkallu، أو علاّمة، ويسمى "أومانو " umânu. كانت قد نوّهت إليهم لائحةُ حكماء، ابتدأت بـ"أدابا"، معاصر" ألولو " أول ملك ما قبل طوفاني، وتنتهي بـ " أحيقار " ( آبا – إنليل – داري Aba – Enlil - dari )، في عهد الملك "أسرحدون" ( 680 – 669 ). كانت قد وجدت أسطورة متعلقة بالحكماء، غير أنه لا توجد أية وثيقة مسمارية تنوه إليها؛ وقد جاء ما هو معروف منها من خلال ملخص قدمه "بيروزس " Bérose بالإغريقية:

" في بابلونيا، كان كثير من الناس القادمين من أماكن أخرى قد أقاموا في كلديا (القسم الشاطئي من وادي الرافدين الأدنى)، حيث عاشوا حياة جاهلية، أشبه بالبهائم. في سنة أولى، آنذاك، ظهر هناك، على الشاطئ، مسخٌ غريب خرج من البحر الأحمر واسمه وانيس ( " أوانس " ) Oannès. كان جسمه كله جسم سمكة، وتحت رأسه (السمَكي) رأسٌ آخر (بشري) مولج فيه، مثل قدمين، شبيهتين بقدمي آدمي – صورة حفظتها الذكرى وبقي الناس يستنسخونها حتى يومنا هذا. علمهم هذا الكائن الحيّ نفسُه، ممضياً أيامَه بين الناس، دون أن يتناول أي غذاء، الكتابةَ والعلوم والفنون من كلّ نوع، وتشييدَ المدن، وبناء المعابد، والاجتهاد (القانوني) والهندسة؛ وكشف لهم، على النحو ذاته، عن طريقة زراعة الحبوب وجني الثمار؛ إجمالاً، أعطاهم كلّ مقومات الحياة المتحضرة. وعند مغيب الشمس، كان هذا المسخ نفسه وانيس يعود ويغوص في البحر ليقضي لياليه في الماء : لأنه كان برمائياً. فيما بعد، ظهرت كائنات أخرى مشابهة [ ... ]".

يذكر "بيروزس" بعد ذلك ستّة من هذه الكائنات المسخة، ويربط ظهور كل منها بفترة حكم أحد الملوك السابقين للطوفان. تتوافق هذه الكتابات التي رواها "بيروزس" وتلك الماثلة في اللوح الذي سجلت عليه لائحة الحكماء، وأسماء هؤلاء هي المذكورة لديه، بغضّ النظر عن التغيرات التي نتجت عن النقل من السومرية والأكادية إلى اليونانية. إذاً، تشرح تقاليد حكماء الشرق القديم أنّ الـ"أبكالو" قد عاشوا في البدايات، هم حكماء أسطوريون من أزمنة ما قبل الطوفان، خرجوا من البحر ليطلعوا البشرية على العلم، والفنون والتقنيات. وعندما وقع "الطوفان"، عاد هؤلاء الحكماء إلى عنصرهم الأصلي، الـ " أبسو"، عالم المياه العذبة وميدان الإله "إنكي" / "إيا"، إله الذكاء والمعرفة، الذي يحميهم ويرعاهم.



أصبح الـ "أبكالو" إذاً، في التقاليد، نوابغ خيّرين، وسادة التطهير بالماء. كانوا عبر معارفهم الفنية أوّل من أجاد تشكيل صورة عن الآلهة، بنتيجة ممارساتهم الطقسية المرتكزة إلى الماء المحْيي الذي يمنح الصورة حياةً. كانوا إذاً وسطاء مفضلين عند الآلهة. وفي الألفية الأولى، نظر إليهم على أنهم الأسلاف الأسطوريون للمثقفين، الذين يمسكون مع الـ "أونامو" بزمام الأسرار. شهدت شخصية الحكيم آنذاك نجاحاً حقيقياً في الشرق القديم. يتمثّل أحد وجوههم الرمزية لارتباطهم بالسلطة الملكية في الحكيم "أحيقار"، وزير الملك الآشوري "أسرحدون"، وقد فقد حظوته في أحد الأوقات نتيجة وشايات، ثم أعيد إليه الاعتبار بعد ذلك. انتشر نموذجُه على نطاق واسع، خصوصاً عبر الأدب الآرامي. وكان الغرض من القصة هو الإشادة بالإخلاص للملك، أياً كانت تقلبات التاريخ. وفي سفر "طوبيا" تلميحات كثيرة إلى ذلك.

السلطة الملكية والجزاء الإلهي


أفضى الرباط العضوي بين الملَكية والحكمة إلى إمكان إطلاق حكْم وتحليل لكل واحدة من فترات الولاية. كانت عبادة الآلهة في الشرق القديم، لاسيما عبادة إله الدولة، ضمانةَ نظام الكون. وكان على الملك أن ينتبه إلى الطريقة التي يمارس بها السلطة، وكان سلوكه يكيف صيرورةَ الدولة والشعب. كان مطلوباً منه أن يكون ورعاً في بنائه المعابد وصونها وفي تقديمه القرابين بانتظام وكثرة. وكان على هذه التقوى أن تواكب ممارسة العدل بلا ضعف، باستقامة، وإنصاف وذكاء. كان هناك إذاً نموذج أخلاقي للقيادة الصالحة وتوجب على الملك أن يكون متوافقاً معه. يستند بعض نصوص الشرق إلى حكم ملوك قدامى مشهورين من أجل التنويه إلى قضية نجاحاتهم أو إخفاقاتهم. المبدأ هو مقابلة نجاحاتهم الأولية بانكسارهم في النهاية، وإظهار الأخطاء التي أفضت إلى حالة الفشل. والأسباب الرئيسية هي بشكل عام انعدام الورع والكبرياء المفرط.



في التوراة، تكيف الملَكية وسلوكياتها أيضاً صيرورةَ الشعب بكامله. الالتزام ببنود العهد مع الإله هو مطلب يشمل الالتزام بالقوانين اللاهوتية المتعلقة بالعبادة، والمعبد، ورفض الأوثان، والحفاظ على قواعد السلوك الاجتماعي الأخلاقية. كان تاريخ "إسرائيل" قد تحدّد بذلك وفقاً لورع قادته، حيث ينزل الإله الهزائم والمصائب المختلفة على الشعب غالباً كعقاب على سلوك ملكي يمسّ القانون الذي سُنّ بالتأكيد من أجل الفرد ولكن ضمن إطار اجتماعي يمثل فيه الملكُ الشعبَ رمزياً. هذا المفهوم مماثل إذاً لذاك الذي كان قائماً من قبل في أقدم التقاليد الشرقية حول الملَكية. وبهذا الصدد، نجد نصاً تثقيفياً هو "مرآة الأمير " Miroir du prince أو " معاتبةُ أمير " admonestation à un prince مقدم على شكل مجموعة نُذُرٍ، مركزة على سلوك الأمير: حسب سلوكه، يكون الحكم هادئاً أو مضطرباً بفعل هزائم عسكرية، وثورات أو مؤامرات. تخاطب المجموعة، وهي نص بابلي، ملكاً من ملوك " آشورية " كان يمكن أن يعامل سكان " بابلونيا " بطريقة تعسفية. يوضح النص جيداً المحاولات التي كانت تقوم من أجل الحد، بكل الوسائل بما فيها الأدب، من تعسف السلطة الملكية ويمثل بصورة مسبقة التحذيرات إزاء تجاوزات الملَكية التي ستوجهها التوراة إلى قبائل "إسرائيل" المطالِبة بملك يحكمها.

جلجامش: نموذج ملكي

"ملحمة جلجامش" قصيدة طويلة نعرف منها نسخاً عديدة، أكملها تلك التي أتت من مكتبة "آشوربانيبال" في "نينوى". وكان قد عثر على أجزاء من هذه الحكاية الملحمية في مواقع مختلفة من الشرق القديم، ممّا يؤكّد انتشارها ونجاحها، حتى في "مجدو"، و "إيمار"، وأيضاً "حتوشة" حيث عثر على ترجمات للعمل بالحثية أو بالحورية. يعود أقدم مخطوطاتها المعروفة إلى الألفية الثانية وأحدثها إلى القرن الثالث قبل الميلاد. كتبت في نحو ثلاثة آلاف بيت من الشعر موزّعة على أحد عشر لوحاً، ويعود تاريخ هذه النسخة من الملحمة التي عثر عليها في "نينوى" إلى بداية الألفية الأولى.



كان " جلجامش" دون شك ملكاً تاريخياً لمدينة "أوروك"، وقد حكم نحو 2700 ق.م. تنسب له " اللائحة الملكية السومرية"، التي حرّرت في بداية الألفية الثانية، مائة وستاً وعشرين سنة من الحكم وتضعه في الموقع الخامس من أسرة " أوروك ". ووفقاً لهذه اللائحة، قد يكون ابنَ شيطان، " للو " Lilu ( شيطان من " بابل " كان يبحث عن النساء المريضات ليؤذيهن ليلاً، حسبما كان معتقداً " المترجم " )، مما يضعه جزئياً في عالم فوق طبيعي. في الملحمة التي كرست له، هو ملك " أوروك "، ابن الملك " لوجالباندا " Lugalbanda والإلهة " ننسون " Ninsun. استبد بسكان مدينته مما دفع ناسَها للشكوى إلى الآلهة، الذين خلقوا آنذاك رجلاً، " إنكيدو "، القادر على مضارعة المستبد، كي يجد هذا الأخير من ينصاع له.... . إن كانت هذه الملحمة تنطوي على جانب لا يستهان به من الأساطير، فإن فيها جانباً من التاريخية، خصوصاً تاريخية " جلجامش "، الذي كان ملكاً حقيقياً لـ " أوروك "، أو أيضاً تاريخية أسوار مدينته، التي ذكرت في الملحمة، والتي أتاحت التنقيبات الآثارية العثور عليها، والسعي أيضاً إلى جلب خشب الأرز من لبنان، وهو ما يتوافق أخيراً مع أحد المشروعات الرئيسية للملَكية الرافدينية، التي اهتمت بتغطية وإكساء الأحياز المقدسة الشاسعة أو المنشآت العامة التي كانت تبنيها؛ وهذا ما نجد مثيلاً له في قصة بناء " سليمان " للهيكل في " أورشليم ". كان على " جلجامش "، الملك التاريخي الحقيقي، أن يترك أثراً من شخصيته، وبعض الأحداث البطولية، في الذاكرات، وأن تعزى له مآثر، عند التخوم بين الأسطورة والواقع، والتي أمكن أن يكون بعضها من إنجازات شخصيات أخرى. وهكذا، يقدم هذا الملك على الأرجح شكلاً من التكوين التركيبي، حيث تلخص مغامراته التمرّنَ الملكي والبشري.



ترددت فقراتٌ من ملحمته في التوراة. الأولى بينها جميعاً هي حول " الطوفان "، وكان مؤلفو سفر " التكوين " مطلعين دون شك على حكاية " أوتانابشتيم " تلك. وهناك نقطة تقارب هامة تتعلق بالاختلاف بين البشر والحيوانات. في أوقات حياته الأولى، كان " إنكيدو "، الذي خلقه الآلهةُ، مثل بهيمة برية. لم يرتق إلى البشرية إلا فيما بعد، ويتخلى منذئذ عن رفقة الحيوانات ليصير رفيق " جلجامش "، صنوه، وهو ما تردده التوراة في حكاية خلق " آدم "، الذي لم يجد رفيقاً بين الحيوانات، غير أنه يدرك في المرأة أخيراً نظيراً له. في " ملحمة جلجامش "، يقدم " أوتانابشتيم " للبطل نبتةً تمنح الشباب الأبدي. وذاك الذي حرم " جلجامش " من الوصول إلى تجديد شبابه هو حية، بعد أن اختلست النبتة منه. وفي التوراة، ما يرمز إلى الحياة وانتصارها على الموت هو أيضاً نبتة، شجرة؛ غير أن ما يتدخل بين الإنسان والشجرة هو الحيوان نفسه، حية تحث على انتهاك المحرّم الإلهي وتلقي بـ " آدم " و " حواء " خارج الجنة، فتمكث شجرة الحياة بذلك خارج متناولهما بشكل نهائي.
أخيراً، أصبح الملك " جلجامش " النموذج الشرقي للملَكية، حيث تقدم ملحمته مطالعة للطريق الواجب اتباعه كي يصبح الإنسان ملكاً عادلاً وحكيماً. هذا الطريق مزروع بمغامرات استثنائية تبين ضرورة أن يكون المرء مسيطراً على كل شطط. تُظهر المطالعة أيضاً العبثية والخطر اللذين تمثلهما حالاتُ الإسراف والأعمال التي هي في غير أوانها أو من غير المناسب القيام بها. لا يأتي العنفُ ضد الخارج، بثقة متغطرسة، إلا بالخراب. تصبح المعركة ضد العملاق " هواوا "، حيث يظهر البطلان قوةً لم يحسنا احتواء إفراطها، غطرسةً أولى، تخالف ممارسة السلطة المثالية للعدل والحكمة. تنقل التوراة هذه الصراع في حكاية صراع "داود" التدرّبي ضد العملاق "جليات"[جالوت]، ولكن مع التركيز على صفات الاعتدال والحكمة لملَكية مثالية رمز إليها الراعي الفتى ( " داود " ).



يذكرنا نص "جلجامش" أيضاً بدور مجلس الشيوخ في اتخاذ القرار حين يتعلق الأمر بالجماعة. قبل أن ينطلق إلى غابة الأرز، يستطلع "جلجامش" رأيهم، ويمكن أن نستنتج من ذلك أنه كان على الملَكية في بداياتها، وقد مثلت القوةَ القادرة على الشروع في القتال، أن تحصل على ضمانتهم مسبقاً. تذكرنا هذه التبعية النسبية للملك بتلك التي توردها التوراة لحظة تعيين "شاول" ملكاً، في وقت الأزمة. يشكل الشيوخ في التوراة جماعةً غير واضحة المعالم، ولكن التي أدت دوراً اجتماعياً هاماً، وهم فيما بعد الذين توّجوا "داود" على قبائل الشمال : "وَأَتَى رِجَالُ يَهُوذَا وَمَسَحُوا هُنَاكَ دَاوُدَ مَلِكاً عَلَى بَيْتِ يَهُوذَا"، وفقاً لاستخدام معتاد لكلمة "رجال" في إشارة إلى شيوخ مدينةٍ (صموئيل 2: 2؛ 4). "وَجَاءَ جَمِيعُ شُيُوخِ إِسْرَائِيلَ إِلَى الْمَلِكِ، إِلَى حَبْرُونَ، فَقَطَعَ الْمَلِكُ دَاوُدُ مَعَهُمْ عَهْداً فِي حَبْرُونَ أَمَامَ الرَّبِّ. وَمَسَحُوا دَاوُدَ مَلِكاً عَلَى إِسْرَائِيلَ " (صموئيل 2: 5؛ 3). أخيراً، في التقليد التوراتي، ذكر الشيوخ أيضاً بارتباط مع ملوك آخرين – "رحبعام" يستشير الشيوخ و"ياهو" يوجّه رسائل لهم -، مبرزةً الجانب الحربي لتأسيس الملَكية وضرورة أن يراقب قسم من المجتمع تجاوزات الملك المحتملة، وهو من الخاصيات الهامة في مجتمعات الشرق القديم، تعكسه التوراة كما مجمل النصوص المتعلقة بالتأسيس الملَكي.
 
عن كتاب De Sumer à Canaan, l`orient ancien et la Bible, seuil / Musée du Louvre, 2005


هامش:


(1) المطرزة قصيدة تكوِّن حروف أبياتها الأولى المتتالية عبارةً أو كلمةً؛ فإن كانت الحروف الأولى من الأبيات المتتالية تسير وفق الترتيب الأبجدي سميت بالمطرزة الأبجدية، أما إذا كانت الحروف الوسطى هي التي تكون تلك العبارة أو الكلمة فإنها تسمى بالمطرزة الوسطى، بينما تسمى بالمطرزة النهائية إذا كانت الحروف الأخيرة هي التي تكون العبارة أو الكلمة". المترجم


شارك اصدقاءك هذا المقال

هل نجني ثمار فشل (...)

أحكمت الأنظمة العربيّة غلق القماقم العتيقة، وبمجرّد تزعزع بعضها أو تلاشيها، غير مأسوف عليها، انطلقت عفاريت الهويّة والطّائفيّة والشّريعة والعقيدة وفتحت أمامنا مسرحا قياميّا شبيها برقصة أشباح الماضي مع الأحياء. كلّ هذا الرّعب الذي نراه يتمّ باسم الإسلام، رغم كلّ الحسابات والرّهانات الجيوستراتيجية، ورغم الدّور التّخريبيّ الذي لعبته بعض الدّول، ورغم تعدّد أطراف اللّعبة في كلّ بلد فتح فيه جحيم هذا الحفل (...)
الفيسبوك
تويتر