الخميس 17 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > أبحاث > الإسرائيليّات في القرآن

الإسرائيليّات في القرآن

الجمعة 24 أيلول (سبتمبر) 2010
بقلم: محمد النجار  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

هذا مبحث قديم جديد، تناوله عديد الباحثين الأجانب منذ القرن التاسع عشر(1) وحتّى يومنا هذا، وهو اقتباس القرآن من التراث اليهوديّ(2) وهذه "الشبهة" في الحقيقة موجودة منذ وُجد القرآن نفسه الذي وثّقها أكثر من مرّة: (حتّى إذا جاؤوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلاّ أساطير الأوّلين) (الأنعام، 25) (وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلاّ أساطير الأوّلين) (الأنفال، 31) الخ.. فالآيات عديدة، وهؤلاء المجادلون ربّما يقصدون بقولهم "أساطير الأوّلين" معنى "خرافات الأوّلين" وربّما يقصدون كتابات وحكايات وقصص الأوّلين، (قصص ليست غريبة على أسماعهم إنّما هي مألوفة، وهي متداولة فيما بينهم، والقرآن بالنسبة لهم لا يختلف عمّا تقدّم..)(3) فمعنى كلمة "أساطير"(4) يحمل مدلولين حسب الآيات التي ترد فيها، إمّا مدلول الخرافة، أي خرافات الأوّلين، وإمّا مدلول الكتابة، أي كتابات الأوّلين ويكون الجذر سطر يسطر أي كتب يكتب، وهو ما نراه في قوله : (والقلم وما يسطرون) (القلم، 1) أو قوله: (وكتاب مسطور) (الطور، 2) بيد أنّ لفظة أساطير صارت لا تعني لاحقا إلاّ الخرافة والأسطورة بمعناها المتداول اليوم، فيقول الرازي مثلا: (قد والله تعجّبنا من قولكم إنّ القرآن معجز، وهو مملوء من التناقض، وهو أساطير الأوّلين)(5) بمعنى خرافات الأوّلين.

قد يقول قائل: لا إشكال في أن نجد في القرآن ما قالته الكتب المقدّسة السابقة، فالمصدر واحد والرسالة الإلهيّة واحدة، والقرآن مصدّق لما بين يديه من التوراة والإنجيل فمن الطبيعيّ أن يروي قصصهما نفسها بل ويصحّح بعضها أيضا، فما وافق القرآن منها فهو حقّ وما لم يوافق فهو محرّف. وهذا كلام جانب الصواب وإليكم التفصيل.

الإسرائيليّات التوراتيّة: (6)

نقل القرآن عديد القصص التوراتيّة كخلق السماوات والأرض في ستّة أيّام وخلق آدم وبعض التشريعات وغير ذلك، بيد أنّ هذه القصص سرقتها التوراة من الحضارات المجاورة ويقول سهيل قاشا: (وقد توصّل العديد من العلماء إلى أنّ ما تضمّنته أسفار العهد القديم من قصص وأساطير وشرائع إنّما يرجع أصله إلى المدوّنات السومريّة والبابليّة والأشوريّة، وإنّ اليهود اقتبسوا منهم ما ينفعهم، وحذفوا بلا هوادة كلّ ما لم يلق استحسانهم)(7) فتدوين التوراة كان بين أواخر القرن الثامن والخامس قبل الميلاد(8) فلا نتعجّب أن نجد فيها قصصا أشوريّة مثل قصّة النبيّ موسى الذي ألقته أمّه في اليمّ وحمله الماء إلى من رعاه ثمّ صار قائدا وهي في الأصل قصّة الملك سرجون الأكادي الذي حكم بين سنوات 2279 و2334 قبل الميلاد(9) ولا نتعجّب حين نقرأ قصصا أو شرائع بابليّة إثر عودتهم من السبي البابلي مثل اقتباسهم من شريعة حمورابي المكتوبة حوالي سنة 1750 قبل الميلاد والموجودة اليوم في متحف اللوفربباريس، إذ نقرأ مثلا في المادة 196: (إذا فقأ سيّد عين ابن أحد الأشراف، فعليهم أن يفقؤوا عينه) وفي المادة 200: (إذا قلع سيّد سنّ سيّد من طبقته، فعليهم أن يقلعوا سنّه) (10) وهو ما نجده في سفر التثنية 19، 21: (نفس بنفس، عين بعين، سنّ بسنّ) وحرفيّا بالعبريّة: נפש בנפש עין בעין שן בשן = نفش بنفش عين بعين شن بشن، وهذا بدوره انتقل إلى القرآن : (وكتبنا عليهم فيها [أي في التوراة] أنّ النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسنّ بالسنّ) (المائدة، 45) ثمّ يقول القرآن في الآية نفسها: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) فهل يا ترى هذا ممّا أنزل الله أم ممّا شرّع حمورابي؟ ولا نتعجّب حين لا نجد دليلا أركيولوجيّا واحدا عن وجود موسى ولا عن عجائبه وآياته ويقول "ليو تاكسيل": (ولكنّ مؤرّخا مصريّا واحدا لم يقل أيّ كلمة عن هذه الكارثة المفجعة [أي غرق فرعون وجنده] التي لا مثيل لها في تاريخ الأعمال الوحشيّة السابقة، كما لم يتحدّث أيّ منهم عن الكوارث العشر الشهيرة التي حلّت بالمملكة المصريّة. ويحاول بعض اللاهوتيّين أن يتذرّع بأنّ الشعور الوطني المصري هو الذي منع المؤرّخين المصريّين [وقتها] عن تأريخ الأحداث المذكورة، ونحن نقول: فليكن الأمر هكذا فعلا! ولكن ماذا عن المؤرّخين الذين ينتسبون إلى جنسيّات أخرى؟ ما الذي منع هؤلاء من تدوين تلك الأحداث المأساويّة لو أنّهم سمعوا بها؟ وكيف أمكنهم ألاّ يسمعوا بها؟ (…) حتّى هيرودوت الذي درس تاريخ مصر دراسة جيّدة وساق كثيرا من أخبار شعبها، لم يقل كلمة واحدة عن الأحداث إيّاها) (11) والأبحاث الأركيولوجيّة الحديثة(12) زادت الطين بلّة ولم تستطع إثبات هذه الأحداث التوراتيّة-الإنجيليّة-القرآنيّة، كما أنّ قصّة استعباد فرعون لبني إسرائيل تنتمي إلى الخيال القصصي لا الوقائع التاريخيّة فالعبوديّة لم تكن موجودة في مصر(13) ناهيك عن قصّة سليمان والتي أطلق فيها كتبة التوراة العنان لخيالهم لتمجيد أصلهم وفصلهم ومن بعدهم القرآن فصار لسليمان جنود من الجنّ والإنس بينما لا يوجد ولو ذكر واحد يتيم(14) لهذه الشخصيّة عند مؤرّخي الحضارات المجاورة وهذا من العجب العجاب.

والراجح عندنا أنّ هذه الشخصيّات مزاعم يهوديّة متأخّرة انبثقتْ إثر السبي البابلي (وربّما قبله) لصناعة أبطال قوميّين وخاصّة موسى الذي تحدّى المملكة المصريّة بفضل "يهوه" واستطاع إخراج بني إسرائيل ليقودهم نحو الأرض المقدّسة، وبالمناسبة فأرض كنعان هذه كانت تحت الحماية المصريّة أصلا، فلا يكفي أنّ موسى تغلّب على فرعون الذي تبعه مع جنده في البحر بكلّ غباء بل زاد أن استولى اليهود من بعده على الأراضي الكنعانيّة في فلسطين التي تحت سلطة الفراعنة، وجعلوا أنفسهم شعب الله المختار والمفضّل وهذا انتقل بدوره إلى القرآن الذي يقول: (يا بني إسرائيل أذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأنّي فضّلتكم على العالمين) (البقرة، 122) فالله يفضّل شعبا على شعب وهو خالقهم جميعا، أمّا لماذا، فتلك حكمته. ولا يخفى على كلّ ذي رشد وعقل أنّ هذا يصبّ في مصلحة كتبة التوراة، وكتبة العهد القديم بصفة عامة، لإذكاء الروح القوميّة فيهم ومقاومة المحتلّ تحت رعاية الخالق الذي اختارهم، فنقل عنهم القرآن أساطيرهم وخرافاتهم ومزاعمهم والأمثلة كثيرة لا يتّسع المقام لها هنا مثل خلق الأرض والسماء في ستّة أيّام والتي يعلّق عليها معروف الرصافي قائلا: (أمّا الحقيقة فهي أنّ خلق السماوات والأرض في ستّة أيّام خرافة مذكورة في التوراة، وبما أنّ التوراة عند محمّد كتاب مقدّس من كتب الله، أخذ ذلك منها وذكره في القرآن) (15)

الإسرائيليّات التلموديّة والمدراشيّة:

وإذ إنّ العهدين القديم والجديد مليئان بالأساطير فإنّ القرآن لم يصدّق فقط ما بين يديه منهما بل صدّق أيضا التلمود والمدراش وهما منجمان كبيران للأساطير والخرافات. ولفظة التلمود مشتقّة من جذر למד = لمد وتعني تعلّم وعرف ودرس، فتلمود تعني دراسة وهي قريبة من لفظة "تلميذ"، ويتكوّن التلمود من محورين رئيسين: المشناه والجمارا، أمّا المشناه فهي الشريعة النقليّة الشفويّة، ويزعم اليهود(16) أنّها منقولة عن موسى، وهي تتكوّن من ستّة مباحث ولفظة مشناه مشتقّة من جذر שנה = شنه، وتعني "ثنّى" بالعربيّة وراجع وأعاد وهذه اللفظة تذكّرنا بلفظة "المثاني" في القرآن فإن كانت ستّة في التلمود فهي سبعة في القرآن، (آتيناك سبعا من المثاني) وأمّا الجمارا فهي نقاشات حول المشناه، ويوجد التلمود البابلي والتلمود الأورشليمي(17) وقد انتهتْ كتابة التلمود في القرن السادس بعد الميلاد(18) أمّا المدراش فهو ما يوازي كتب التفسير في الإسلام، أي كتبه رجال دين يهود لتوضيح أو تأويل التوراة، ولفظة "مدراش" تعني الدراسة أيضا والبحث والتأويل وجذرها "درش" وتقابلها لفظة "درس" بالعربيّة، والمدراش تتوزّع كتابته بين القرن الثاني والقرن الثالث عشر بعد الميلاد، بيد أنّنا نستطيع معرفة تاريخ كتابة بعض النصوص قبل الإسلام أو بعده. وأغلب القصص القرآني عن الأنبياء مأخوذ من التلمود والمدراش، حيث راجعتها كلّها، إلاّ قصّتي عاد وثمود بوصفهما قصصا عربيّة غير مذكورتين في التراث اليهوديّ.

ربّما سيقول قائل إنّها قصص صحيحة ذكرها القرآن ولا شيء ينفي أن يذكرها من كان قبله، فهي ليست سرّا من الأسرار، وعليّ حينها أن أضرب مثالا لأقرّب الأمر إلى القارئ، ولنفتح تفسير الزمخشري ونختار مثلا تفسيره لسورة النمل، الآية 18 التي تتحدّث عن مرور النبيّ سليمان قرب وادي النمل والتي جاء فيها: (حتّى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيّها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنّكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) فيقول الزمخشري مفسّرا: (قيل كانت تمشي [أي النملة] وهي عرجاء تتكاوس، فنادت: يا أيّها النمل، الآية، فسمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال. وقيل كان اسمها طاخية) (19) ولنفتح أيضا تفسير ابن كثير لهذه الآية، فنقرأ التالي: (عن قتادة، عن الحسن، أنّ اسم هذه النملة حرس، وأنّها من قبيلة يقال لهم بنو الشيصان، وأنّها كانت عرجاء، وكانت بقدر الذئب) (20) وكما ترون فالنملة لها اسم وقبيلة وهي في حجم الذئب، وتتكلّم ثمّ يتبسّم سليمان من كلامها الفصيح، ثمّ لنفترض أنّ القرآن لم يقل إنّ محمّدا هو آخر الأنبياء، ولنفترض أنّ شخصا في عصرنا الحالي ادّعى النبوّة وقال أنّه مصدّق للتوراة والإنجيل والقرآن، ويبدأ في صياغة كلام مسجوع ويقول مثلا: (وإذ قالت طاخية لقومها من بني شيصان يا أيّها النمل ادخلوا…الخ) ألن نكذّبه ونقول له: هذا كلام أساطير ذكره بشر يخطئون ويصيبون؟ ألن نعطيه أيضا المصادر التي نقل عنها هذا الكلام، لنبيّن أنّه ليس بوحي، بل نقل عن بشر آخرين؟ ونذكّره بأنّ القرآن لم يذكر طاخية ولا شيصان.

وهذا تحديدا ما نجده في القصص القرآني المنقول من التلمود والمدراش الذي كتبه بشر أطلقوا العنان لخيالهم، فألّفوا الأساطير، ومنها بالطبع النملة التي تتكلّم، فلا لوم على الزمخشري وابن كثير في التفسير فالأسطورة تلد الأسطورة، والقرآن نفسه يشير إلى اقتباسه من الكتب السابقة، باعتبارها وحيا، فيقول: (وإنّه لتنزيل ربّ العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربيّ مبين، وإنّه لفي زبر الأوّلين) (الشعراء، 192، 196) فالقرآن ترجمة بلسان عربيّ لما هو موجود في زبر الأوّلين، وإحقاقا للحقّ فقد أبدع في الترجمة، في أغلب المواضع، وحاز قصب السبق في استعمال عنفوان وبلاغة اللغة العربيّة في المجال اللاهوتي. وقد كانوا يعلمون أنّ كلّ القرآن منقول من كتب الأوّلين إلاّ من بعض آياته حيث جاء في صحيح مسلم أنّ ملكا من السماء نزل إلى النبيّ وقال له: (أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبيٌّ قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة) (21) فكلّ كلام القرآن قد أوتي لنبيّ من قبل، أو بالأحرى لمن يعتقد أنّهم أنبياء، إلاّ سورة الفاتحة وخواتيم سورة البقرة، حسب ابن عبّاس راوي الحديث.

الإسرائيليّات العربيّة:

قد اقتبس القرآن عديد القصص والأحكام من التراث اليهوديّ بيد أنّه كان يتدخّل أحيانا في صياغة القصّة أو التشريع ليجعله موافقا للأرضيّة العربيّة كوصفه للجنّة مثلا، فأغلب العرب يعيشون في أرض صحراويّة قاحلة، فلا بدّ أن تكون الجنّة فيها أنهار من عسل وخمر ومليئة بالنساء الأبكار والولدان المخلّدين ويعلّق ابن الراوندي على هذا الأمر قائلا: (لمّا وصف الجنّة [أي محمّد] قال فيها أنهار من لبن لم يتغيّر طعمه وهو الحليب ولا يكاد يشتهيه إلاّ الجياع، وذكر العسل ولا يُطلب صرفا، والزنجبيل وليس من لذيذ الأشربة، والسندس يفرش ولا يلبس، وكذلك الاستبرق الغليظ، ومن تخايل أنّه في الجنّة يلبس هذا الغليظ ويشرب الحليب والزنجبيل صار كعروس الأكراد والنبط !) (22) وقد حافظ القرآن على تشريعات موجودة كقطع يد السارق مثلا وهي عادة جاهليّة حيث جاء في المنمّق أنّ قريشا في الجاهليّة كانت تقطع يد السارق (23) ناهيك عن عادة "الحجّ" وهي شرائع وثنيّة جاهليّة فيدفع الحاج اليوم الأموال الطائلة كي يطوف حول حجر ويقبّل حجرا ويرمي حجرا بحجارة ثمّ يعود وقد غفر الله له ذنوبه فمن المستفيد من هذه السياحة الدينيّة ؟ ولنا أن نتمثّل كلام وحيد السعفي: (الدين يشيّد صرحه العظيم على أنقاض الصرح القديم، فشابه الدين الدين وآمن الإنسان بتواصل الحياة في ظلّ الإصلاح والقضاء على التحريف، وظهر للعيان ما كان خافيا من دين حنيف حرّفه الزمان، ذاك شأن الدين، ذاك حيلة من حيل الدين) (24) قلنا إذن، إنّ القرآن كان يتدخّل في صياغة القصص أحيانا مثل قصّة السامري والعجل أو قصّة "الخضر" وموسى وغيرهما، فبعض القرآن تأليف "مدراشيّ" باللغة العربيّة فيه تأويل للقصص السابقة وعرضها بطريقة أخرى وهذا يدلّ على تمكّن النبيّ من التراث اليهوديّ ومن اللغة العبريّة كما نرى مثلا في قوله: (من الذين هادوا يحرّفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا وأسمع غير مسمع وراعنا ليّا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنّهم قالوا سمعنا وأطعنا وأسمع وأنظرنا لكان خيرا لهم وأقوم…) (النساء، 46) فقول اليهود "سمعنا وعصينا" يعني "سمعنا وأطعنا" فلفظة "عصينا" العبريّة تعني بالعربيّة "أطعنا" وهي الجملة التي قالها اليهود لموسى حيث نقرأ في سفر التثنية 5، 27: ושמענו ועשינו = وشمعنو وعصينو وتعني بالعربيّة: سمعنا وأطعنا، فاليهود في هذا الآية في القرآن يتهكّمون حيث يذهب في خلد من كان حاضرا أنّهم يعصون النبيّ، فإن اعترض أحد الصحابة أو النبيّ قالوا: بل نقصد عصينا العبريّة أي الطاعة وإن لم يعترض أحد ظلّ السامع يعتقد بعصيان اليهود جهرا، وقولهم كذلك "راعنا" وهي مشتقّة من لفظة רע = رع والتي تعني "الشرّ" فقولهم "راعنا" أي أنت "شرّنا" بالعبريّة بينما بالعربيّة تعني "ساعدنا" و "اصبر علينا" لذلك يقول القرآن معلّقا "ليّا بألسنتهم وطعنا في الدين" فالنبيّ كان يفهم العبريّة والمقاصد من غمز اليهود، وكيف لا وهو المطّلع على قصص التراث اليهوديّ والتي صاغها بلسان عربيّ بليغ ورائع فلم يجانب الصواب حين يتحدّى الناس بأن يأتوا بمثل هذا القرآن بالعربيّة، ومن حقّه أن يفخر ويتحدّى.

الإعجاز العلمي في الإسرائيليّات:

أُلّفتْ كتب عديدة تتحدّث عن الإسرائيليّات في الحديث والتفسير والسيرة (25) بوصفها أساطير لا يقبلها العقل، ولكنّها تتجاهل إسرائيليّات القرآن فهل أنّ نوحا الذي عاش 950 سنة ممّا يقبله العقل؟ أم الهدهد الذي كان يقوم بدور وزير الخارجيّة بين سليمان وبلقيس؟ أو ربّما التقام الحوت ليونس ثمّ خروجه حيّا هو ممّا يقبله العقل؟ وغير ذلك كثير من الخرافات كأهل الكهف وكالذي مات مائة عام ثمّ عاد إلى الحياة .. الخ، فكلّ هذا يدخل في باب الإيمان لا في باب العقل وكلّ شخص حرّ في إيمانه بما يريد بيد أنّه ليس حرّا في عقلنة الأسطورة وأسطرة العقل، فيخرج علينا دعاة الإعجاز العلميّ بفذلكات سرياليّة أحيانا يجرّون فيها اللغة العربيّة من شعرها ذليلة مهينة ويلوون عنقها وعنق المعنى، فمثلا نقرأ أنّ قول القرآن" والشمس تجري لمستقرّ لها" هو إعجاز علميّ ويتناسون (وربّما لا يعلمون) أنّ الأصل موجود في التلمود (26) فهل يا ترى يوجد إعجاز علميّ في التلمود؟ أو قولهم إنّ آية إنزال الحديد من السماء هي إعجاز علميّ فهل قول القرآن" وأنزلنا من الأنعام ثمانية أزواج" يعني أنّ الأكباش والأبقار نزلت من السماء أيضا؟ كما أنّ آية إنزال الحديد هي نقل لأسطورة شعبيّة حيث أنّ الحضارات القديمة وقبل العصر الحديديّ في بداية الألفيّة الأولى قبل الميلاد، كانوا يستعملون الحديد الذي في النيازك الساقطة على الأرض فاعتبروه معدنا قادما من السماء (27) وظلّت هذه الأسطورة في التراث الشعبي ودخلت إلى القرآن، كما أنّ الحديد، علميّا، لم ينزل من السماء، هذا إن كان يصحّ أصلا ذكر كلمة "نزول" و"سماء" أثناء الحديث عن تكوّن الأرض، فانظرْ يا رعاك الله كيف تصبح الأساطير أدلّة علميّة ويُحشد لمروّجيها المؤسّسات والأموال والرجال لنشر الجهل بين الناس وهم -أي الشعوب- أحوج إلى إنشاء مؤسّسات تعنى بالبحث العلميّ الحقيقيّ وتدعّمه لعلّها تضع أقدامها على سلّم الحضارة والتقدّم. وقد نتفهّم سعي هؤلاء إلى الشهرة والمال من ناحية وإلى محاولة التوفيق بين الفيزيقيا والميتافيزيقيا من ناحية أخرى، (ليست هذه المحاولة بقاصرة على القرآن، وإنّما لها جذورها التاريخيّة في علاقة الفكر المسيحيّ بالحقائق العلميّة الجديدة منذ بدأ العلم يتناول قضايا احتكرها اللاهوت حقبا طويلة) (28) فكان لابدّ أن نجد أدلّة علميّة في النصوص المقدّسة نقوّي بها الإيمان حتّى وإن وصل بنا الأمر إلى "التدليس التقيّ" على حدّ تعبير فولتير.

الخاتمة:

لمْ نَشأْ في هذا المبحث المقتضب أن نتوسّع كثيرا في ذكر القصص الإسرائيليّة ومقارنتها بالقصص القرآني حيث قد طُرح هذا الأمر من قبل وغيره كاقتباس القرآن من التراث الفارسي والمسيحي، بيد أنّنا نودّ الإشارة إلى أنّ القرآن ينتمي إلى السياق الشرق-أوسطي اللاهوتي وهو متجذّر فيه من ناحية وفي مجتمعه العربيّ من ناحية أخرى ولا يمكننا فصل القرآن عن الإسرائيليّات لأنّه امتداد عربيّ لها، وإن كان القرآن بوصفه كتاب دين ظلّ وفيّا لكتابات الأوّلين فإنّنا وفي عصرنا الحديث نعتبرها مجرّد أساطير وخرافات نقلها القرآن عن حسن نيّة ودافع عنها وحارب من أجلها. 

الهوامش:

1-Abraham Geiger, Was hat Mohammed aus dem Judentume aufgenommen? Bonn, 1833 (الطبعة الإنجليزيّة: Judaism and Islam, tr. Young, 1896); W. St. Clair- Tisdall, The Original Sources of the Qur'an, [المصادر الأصليّة للقرآن] Society for Promoting Christian Knowledge, London, 1905; etc..وآخرها:

Hai Bar-Zeev, une lecture juive du coran [قراءة يهوديّة للقرآن ], Berg International Editeurs, 2005

2- جمع لويس جنزبيرغ Louis Ginzberg كلّ الروايات من المدراش والتلمود والتراث اليهوديّ ونشرها بين السنوات 1909-1938 في كتابه الموسوعيّ: Legends of the Jews (أساطير اليهود) وهو مترجم إلى الفرنسيّة ( Les légendes des Juifs) في ستّة أجزاء بترجمة Gabrielle Sed-Rajana في دار نشر cerf بباريس، نُشرتْ بين سنوات 1997-2006. 

3- إبراهيم محمود، الفتنة المقدّسة، عقليّة التخاصم في الدولة العربيّة الإسلاميّة، دار رياض الريس، بيروت، 1999، ص160

4- لفظة أسطورة تقابلها باليونانيّة Istoria= Ιστορία وباللاتينيّة storia ومنها انبثقتْ history الإنجليزيّة وhistoire الفرنسيّة.

5- عبد الرحمن بدوي، من تاريخ الإلحاد في الإسلام، سينا للنشر، ط2، مصر، 1993، ص250

6- التوراة هي كتب موسى الخمسة فقط ولكنّنا نستعملها هنا اصطلاحا على كامل نصوص العهد القديم.

7- الأب سهيل قاشا، أثر الكتابات البابليّة في المدوّنات التوراتيّة، بيسان للنشر والتوزيع والإعلام، بيروت، 1998، ص8

8-Israel Finkelstein et Neil Asher Silberman, La Bible dévoilée, Gallimard, Paris, 2004, p368-374

والكتاب الأصلي بالإنجليزيّة بعنوان: The Bible unearthed

9- هو نصّ مكتوب في القرن السابع قبل الميلاد ومنسوب إلى سرجون الأكادي الذي عاش قبل ذلك التاريخ بستّة عشر قرنا لكن اللافت للانتباه أنّه يوازي بداية تدوين التوراة من ناحية وأنّ اليهود كانوا فعلا في السبي البابلي من ناحية أخرى وسمعوا بالقصّة فأسقطوها على شخص موسى، لقراءة النصّ انظرْ:

Georges Roux, La Mésopotamie : essaie d’histoire politique, économique et culturelle, l’univers historique, éd. Seuil, Paris, 1985, p138-139

10- سهيل قاشا، أثر الكتابات البابليّة، مرجع سابق، ص28

11- ليو تاكسيل، التوراة كتاب مقدّس أم جمع من الأساطير، ترجمة حسان ميخائيل إسحاق، ط1، 1994، ص176 والكتاب الأصلي بالفرنسيّة: La Bible Amusante, éd Librairie pour tous, 1897

12- Israel Finkelstein et Neil Asher Silberman, La Bible dévoilée, op.cit, p84-118

13-Droit et Cultures, Revue d’anthropologie et d’histoire, Centre droit et cultures , Université paris X, Bernadette Menu, La question de l’esclavage dans l’Egypte pharaonique, éd. L’Harmattan, n39-2000/1, p59-79

وذهب نديم السيّار إلى أنّ موسى وُجد أثناء احتلال الهكسوس لمصر وأنّه بُعث إلى هؤلاء الرعاة لا إلى الفراعنة المصريّين انظرْ كتابه: قدماء المصريّين أوّل الموحّدين، طبعة الأهرام، سنة 1995 بالقاهرة.

14-Israel Finkelstein et Neil Asher Silberman, Les rois sacrés de la Bible : A la recherche de David et Salomon, Gallimard, 2007

15- معروف الرصافي، الشخصيّة المحمّديّة أو حلّ اللغز المقدّس، دار الجمل، ألمانيا، 2002، ص 654

16- يرفض مذهب "القرّائين" الشريعة الشفويّة أي التلمود ويؤمنون فقط بكتب العهد القديم، وهم مثل مذهب "القرآنيّين" في الإسلام.

17- لمزيد المعلومات عن التلمود وأقسامه راجع: أحمد إيبش، التلمود كتاب اليهود المقدّس، تاريخه وتعاليمه ومقتطفات من نصوصه، دار قتيبة، دمشق، 2006

18- المرجع السابق، ص27

19- الزمخشري، الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل….، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمّد معوّض، مكتبة العبيكان، الرياض، 1988، ج4، ص440

20- ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تحقيق نخبة من الأساتذة، مؤسّسة قرطبة للطبع والنشر والتوزيع، مصر، 2000، ج10، ص397

21- الحميدي، الجمع بين الصحيحين، تحقيق: علي حسين البواب، دار ابن حزم، لبنان، 2002، ج2، ص97

22- ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، دار صادر، بيروت، 1939، ج6، ص103 نقله ابن الجوزي من كتاب "الدامغ" لابن الراوندي وهو كتاب لم يصلنا.

23- البغدادي، كتاب المنمّق، تحقيق: خورشيد أحمد فاروق، دائرة المعارف، 1964، ص530

24- وحيد السعفي، القربان في الجاهليّة والإسلام، منشورات تبر الزمان، تونس، 2007، ص194

25- انظرْ مثلا محمّد حسين الذهبي، الإسرائيليّات في التفسير والحديث، مكتبة وهبة، ط4، 1990 / وانظرْ: رمزي نعناعة، الإسرائيليّات واثرها في كتب التفسير، دار القلم ودار الضياء، 1970 الخ..

26- التلمود البابلي، سنهدرين 91 ب، ويذكر فيها أنّ الشمس تذهب لتسجد لخالقها وهو نراه في البخاري ومسلم نقلا عن أبي ذرّ متحدّثا عن هذه الآية: "كنت مع رسول الله في المسجد عند غروب الشمس فقال يا أبا ذر أتدري أين تذهب الشمس فقلت الله ورسوله أعلم فقال تذهب تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها فيقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله عز وجل ( والشمس تجري لمستقرٍّ لها ذلك تقدير العزيز العليم ) سورة يس في رواية ثم قرأ ( ذلك مستقرٌّ لها ) في قراءة عبد الله وفي رواية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تدرون متى ذاكم ذاك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً وفي رواية وكيع مختصرة" الحميدي، الجمع بين الصحيحين، مصدر سابق، ج1، ص152

27- The Journal of the Royal Anthropological Institute of Great Britain and Ireland, Vol. 71, No. 1/2 , 1941, T. A. Rickard, The Use of Meteoric Iron, p55-66

28- عاطف أحمد، نقد الفهم العصري للقرآن، دار العالم الجديد، ط3، القاهرة، 1985، ص46 وانظرْ أيضا في نقد الإعجاز العلمي: خالد منتصر، وهم الإعجاز العلمي، دار العين للنشر، مصر، 2005

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

- nour alaaloui
24 أيلول (سبتمبر) 2010 06:01

أهلا سيد محمد النجار مقالة رائعة وكتابتك أكاديمية وتنويرية أود أن أعطي لك هنا رابط قناتي الوثائية على اليوتويب إذ أنني أترجم وثائقيات فريدة تنويرية ومن أهم الوثائقيات عندي "التوراة بدون حجاب " وثائقي لإسرائيل فنكلشتاين ونيل سيلبرمان

4 ساعات من المتعة

وثائقي فرنسي متكون من أبرع أقسام 1- الآباء ساعة 2-الخروج ساعة 3-الملوك ساعة 4-الكتاب ساعة ترجمت منه لحد الآن القسم الأول -عصر الآباء - ونصف القسم الثاني الخروج وسأتمم ترجمةالبقية عن قريب هاك رابط قناتي وتجد فيها كل شىء http://www.youtube.com/user/GIORDAN…

أتمنى أن تشرفني بتعليق هناك وتعطيني رأيك تحياتي لك


الرد على التعليق

  • - احمد خيرى
    24 أيلول (سبتمبر) 2010 20:21

    Sorry I must write in English because of some problems with a device of mine, really many thanks MR.Nour i Have just watched the film that is great thanks for your great efforts I am looking forward to going on watching the rest of the film


    الرد على التعليق

  • - محمّد النجّار
    24 أيلول (سبتمبر) 2010 23:34

    السيّد نور لقد اطّلعتُ على القناة وإنّي أشكرك كثيرا على هذه المجهودات التي تقوم بها من اختيار دقيق للأفلام المفيدة والسهر على ترجمتها ورفعها، وخاصّة أنّ الناس صارت تقدّم الصوت والصورة على جهد القراءة والتركيز ممّا يجعل ترجمتك لهذه الأفلام مفيدة وممتعة في الوقت نفسه. وقد اعتمدت في حديثي عن موسى والتوراة بصفة عامة على الكتابين القيّمين لإسرائيل فنكلشتاين ونيل سيلبرمان، "الكتاب المقدّس بلا حجاب" و "بحثا عن داود وسليمان"، وسرّني أن يكون أحد هذين الكتابين موجودا في شكل فيلم وثائقي وبالعربيّة ممّا يتيح للقارئ العربي الاطّلاع على آخر الأبحاث الأركيولوجيّة المهتمّة بالعهد القديم وفي حلّة أنيقة من الصورة والموسيقى. أجدّد شكري لك وإنّي أصبحت من المتابعين لترجماتك وفي انتظار البقيّة منها. تحيّاتي


    الرد على التعليق

    • - سامي العباس
      25 أيلول (سبتمبر) 2010 05:52

      الأستاذ محمد النجار شكراً على مقالك التنويري .ننتظر منك المزيد.وننتظر أيضاً بفارغ الصبر المفرزون للجهاد على هذا الموقع من حراس الجهل ماذا سيقولون فيك من قصائد ..وخصوصاً أولئك الذين تعلموا فنون التقية وخلط السم بالدسم .. سامي العباس


      الرد على التعليق

      • تونس - محمد الحاج سالم
        25 أيلول (سبتمبر) 2010 16:05

        استغربت شديد الاستغراب من إجازة هيئة تحرير الأوان نشر مثل هذا التعليق النّابي الموجّه ضدّ شريحة من الكتّاب والمعلّقين الملتزمين بآداب الحوار بقطع النّظر عن مواقفهم الفكريّة. فوصم الآخرين مهما كان خلافنا معهم بأنّهم "حرّاس الجهل" و"مفرزون للجهاد" يدخل في باب الثلب الذي لا نرضى لموقعنا إجازة نشره، إذالنّشر يعني ضمنيّاالقبول به.

        وأنا لم أكتب هذا تأليبا على الأستاذ سامي العبّاس، ولكنّي أسأله فحسب: هل ما كتبته خارج تقريظ الأستاذ النجّار يدخل صلب الموضوع المطروح ؟

        أرجو أن لا يؤخذ كلامي من قبل الأستاذ سامي على أنّه هجوم ضدّه بوصفي "محامي الشّيطان" وألاّ يدخلني بدوري في زمرة "حرّاس الجهل"…


        الرد على التعليق

      • منوبة - عادل بن عبد الله
        26 أيلول (سبتمبر) 2010 18:46

        الجزء I تحية إلى الأستاذ محمد النجار وشكرا على هذا المقال الذي سيكون مدخلا لنقاش أرجو أن يكون ثريا بين عقول تنتمي إلى مواقع روحية و علمية متباينة. سأحاول أن أكسر أفق الانتظار عند أغلب قرّاء الأوان هذه المرّة ولن أوجّه تعقيباتي إلى متن المقال و إنما إلى القراءة الفينومينولوجية-التفكيكية التي أجراها الأستاذ الصديق أمير غندور.ولكنّ ذلك لا يعني خلوّ هذه التعقيبات من نقد لمتن مقال النجار في المواطن التي لم يشتغل عليها تفكيك الأستاذ الغندور. و لأني أعرف مقدار انبهار أمير غندور بالفكر ما بعد الحداثي، فليسمح لي أن أصدّر هذا الاستدراك على كتابته باقتباس عنوان كتاب هام وتغيير اسم العلم فيه: "التفكير مع أمير ضدّ أمير".
        - لا شكّ أنّ نقدك للنجار هو نقد مؤسس معرفيا و لا أخفيك أني أشاركك العديد من المطاعن التي وجّهتها له ،وخاصة في التداخل بين العرض التاريخي للمسألة و بين مواقف صاحب المقال وفي تسويته المتسرّعة بين الأسطرة والخرافة. ولكني سأحاورك في مواطن الاختلاف بيننا- و أرجو أن تكون مفيدة لك في توسيع منظورك الفينومينولوجي و في الوقوف على بعض نقاط التهافت فيه.
        - إنّ الطريق الثالث الذي تتحدّث عنه -وهوطريق سبق أن ظهر في السياسة البريطانية مع طوني بلير وتعلم ما عانى العالم منه في المستوى الواقعي .ولا شكّ أنّ سحبه للمجال المعرفي التأويلي لا ينبغي أن ينسينا الخطر الناجم عن مقالة لا تتفكّر في نفسها نقديا- هو طريق لا يمكن النظر إليه في عالم الفكر انطلاقا من رؤية هندسية مثالية.إنه طريق لا يمكن أن يكون وسطا بين حدّين ولا يمكن أيضا أن يكون خارج قدرات الجذب في النقيضيت اللذين جاء لتجاوزهما. هذا الطريق هو في محصوله رغبة أشاركك في قصديتها و غاياتها القصوى و لكني أخالفك في المقاربة الأكثر وفاء لها
        - وكذلك في ضرورة "تنسيب " نتائجها حتى لا نقع في التعميمات الميتافيزيقية التي لا أظنّك كنت بعيدا عنها في قولك" وهنا تثور نقطة يساء الاحتجاج بها و أريد أن أبدّدها هنا مرّة و إلى الأبد"..
        - ولا أظنّ يا صديقي أنّ الخطاب الذي يريد " التأبّد " هو خطاب معرفة حوارية،بل هو إلى الدوغمائيتن اللتين أردت تفكيكهما أقرب.
        - لقد أقمت نوعا من التسوية المتسرّعة بين المقالة الاستشراقية الفيلولوجية و المقالة الأركيولوجية وهو أمر لا أظنّه مسلّم به لك.
        - فمضمرات البحث الأوّل و مناهجه ونتائجه لا يمكن بحال أن تكون في نفس القيمة العلمية لآخر الأبحاث الأركيولوجية - التي ساهم فيها الكثير من الأركيولوجيين اليهود الموضوعيين-.ولا شكّ أنّ هذه الأبحاث قد أكّدت الطابع غير الحدثي للعديد من السرديات الكتابية-القرآنية ولكنها لا تستطيع أن تنفي الطابع الانتروبولوجي التأسيسي لتلك السرديات الكبرى.ولا شكّ أنّ على العقل الديني أن يتزحزح عن مواقعه التقليدية إن هو أراد إنشاء حالة من الحوار المبدع مع العقل العلمي الحديث.
        - و لا أوافقك أيضا في أنّ أركون قد سوّى بين القطاعين المعرفيين أو أنه رفض لآخر مكتشفات الأركيولوجيا أو بنى خطابا "متجاوزا" لها اللهم إلا إن كان ذلك في كتاب له لم يصله علمي المتواضع.
        - لقد عبت على النجار تدخّلاته غير العلمية التي أفسدت عليه مقاربته. وهذا أمر صحيح .
        - ولكنك يا صديقي لم تسلم من هذا المطعن خاصة في استحضارك غير المبرّر ولا السليم للمعرفة الصوفية.


        الرد على التعليق

Ruston, Louisiana - أحمد نظير الأتاسي
25 أيلول (سبتمبر) 2010 05:42

تحية. أولاً أود أن أشارك الأستاذ محمد النجار في شكره وإعجابه بعمل الأستاذ نور العلوي، لقد استمتعت بمشاهدة الفيلم الوثائقي وأنا أيضاً بانتظار البقية. أعود إلى مقالة الأستاذ محمد النجار التي تحوي قبسات من مواضيع متعددة لكن مترابطة بغرض إطلاع القراء على الجديد، وهذا ما عودنا عليه. وأود أن أضيف قائلاً بأن تسمية "الإسرائيليات في الإسلام" تسمية قد تعني أن الإسلام غريب عن التراث اليهودي الذي "لحق به بعد زمن كشوائب". وأنا أعتقد أن التراث اليهودي جزء أساسي من الإسلام. وإذا دققنا في معنى كلمة "الكتاب" في القرآن لوجدنا أنها كثيراً ماتعني التوراة (أي الكتب الخمسة الأولى من العهد القديم). وعندما يتحدث القرآن عن الشريعة الأكمل التي يجب أن يحتكم إليها الرسول والناس حوله فإنه يعني التوراة. ولا يتناقض هذا مع عداوة محمد ليهود المدينة ولا يعني تسليم يهود اليوم فلسطين أرض الميعاد لأن القرآن يقول بأن الله غضب عليهم لعنادهم وقتلهم الأنبياء (على حد قوله) فأخذ منهم عهده القديم وشردهم من أرض الميعاد على يد الرومان. أما الشريعة (أي التوراة) فتبقى كما هي شريعة الله التي امتصها الإسلام زاعماً أنه دين الله المختار الجديد أعطاه لشعبه المختار الجديد. القضية بالنسبة للقرآن ليست أفكاراً تذهب بذهاب الناس وإنما شريعة سرمدية يحملها من آمن بالله فيؤيده الله بنصره. أما أساطير الأولين فهي كما ذكرتَ حكايات الأولين، ولم ينبذها المعارضون لمحمد بوصفها خرافات وأكاذيب بل بوصفها معروفة وقديمة. أما لو ذكر لهم محمد سفر اللاويين وسفر التثنية (اللذان يحويان الشريعة) لكان قولهم مختلفاً. مثلاً قد يقولون "هذا أمر الله لليهود فما دخلنا نحن لقد أمرنا الله بالتقرب له عن طريق بناته الغرانيق العلى ولم يفرض علينا كما فرض على اليهود". ونرى أن هذه الفكرة أساسية في القرآن وهي أن الله يفرض فروضاً مختلفة على شعوب مختلفة ويرسل لكل قوم نبياً منهم يحدثهم بلغتهم. الرؤية القبائلية للحياة كانت ولا تزال الشائعة ولا أرى أن اليهودية الأولى أو الإسلام الأول يشذان عنها. طبعاً الأمور تتغير مع التمدن والانضمام إلى الإمبراطوريات المتعددة الإثنيات (كما حدث مع مسيحية بولص والإسلام العباسي).


الرد على التعليق

  • - محمّد النجّار
    26 أيلول (سبتمبر) 2010 02:23

    الأستاذ القدير أحمد نظير الأتاسي، أشكرك على إضافتك القيّمة التي أثريت بها الموضوع.

    تحيّاتي لك.


    الرد على التعليق

    • - سامي العباس
      26 أيلول (سبتمبر) 2010 09:34

      الأستاذ محمد الحج سالم المحترم تحياتي ..حراس الجهل يعرفون أنفسهم .وإن التزمو ا أحياناً بآداب الحوار _وقليلا ما يلتزموا-وظيفتهم مكشوفة :المشاغبة إطلاق النار بشكل عشوائي داخل موقع تنويري كموقع الأوان ..الصدر الرحب للموقع يعطيهم هذه الفرصة بينما المواقع التي من نفس طينتهم العقلية لاتسمح بذلك ..ما قلته لايطالكم حتى ولو قررتم الدفاع عن الشيطان ..تعليقاتك التي أتابعها ونصوصك لاتضعكم في هذه المنزلة ..تحياتي


      الرد على التعليق

- أمير الغندور
26 أيلول (سبتمبر) 2010 06:01

- 1
- أظن مقال محمد النجار الحالي جيد جدا وأفضل من سابقيه .. وأظن أنه يمكن قبول أغلب ما ورد فيه بهدوء تام .. فقط إذا تركنا النص يتكلم وحده واستبعدنا واستئصلنا منه تدخلات المؤلف (النجار) العديدة حين حشر آراءه وتفسيراته الشخصية للأحداث التي ذكرها في المقال.

- أتوقع أن يثير رأيي هذا حتى استغراب أ النجار نفسه، والذي أظنه يعتبر ما ورد في مقاله صادما ومرفوضا لدى العقليات الدينية الأصولية والتراثية .. وهو محق .. فقد تبين لي أن رؤيتي للأمر تختلف كثيرا عما لدى هؤلاء المنغلقين .. ولكن بنفس درجة اختلافي عما لدى النجار كما اتضح في تفسيراته (لأساطير الأولين) أعلاه.

- ولذلك فأنا أشكر محمد النجار بصدق على مقاله .. لأنه أفادني جدا في توضيح وفهم حجم اختلافي المزدوج (غير الصدامي ولا الصراعي) معه من ناحية، ومع العقلية التي يتوخى هو مقارعتها بمقاله أعلاه، من ناحية ثانية.

- فبالفعل أفادني المقال كثيرا في فهم طريقة اختلافي المزدوج تلك وكيف أنها لا تنحاز لا إلى جانب اليسار المتطرف (النجار) .. ولا إلى جانب اليمين المتشدد (الأصوليين التراثيين) .. بحيث أني بعد هذا المقال أصبحت أشعر بأني أكثر فهما لما أتوخاه من (طريق ثالث) وأكثر أملا في إمكانية إحداثه وشقه وسط هذين الموقفين المتحيزين (اليساري واليميني – إن جاز التعبير).

- لكن الأمر يحتاج إلى كثير من التحليل والتنظير .. ولا أزعم قدرتي على بلورة هذا الموقف بشكل تام بعد .. لكن أزعم وجود بعض الرغبة لدي في المحاولة في هذا الطريق الثالث، والذي أظن أنه بدأ يكتسب زخما يجعله يفارق ويتجاوز مشكلات الطريقين المعروفين (اليساري واليميني) بخطوات واضحة تستفيد من أحدث المناهج العلمية والفكرية المعاصرة.. تاركا الموقفين المتحيزين المتصارعين يتقاتلان دون جدوى .. بينما يسلك هو (الطريق الثالث) نحو مزيد من العلم والفهم والتأويل والتوافق الهادئ مع العصر كما مع التراث.

- وأزعم أني أجد كثير من ملامح هذا الطريق الثالث وإرهاصاته في كثير من التعليقات غير المتشنجة أعلاه .. حيث ما يجمع بيننا هو تبني نظرة غير صراعية تجمع بين التراث والمعاصرة بحد أدنى من استخدام الأذنين معا– أذن نحو اليسار وأخرى نحو اليمين .. دون سد أحدهما تحيزا للآخرى .. (فربما كان هذا هو منطق وجود أذنين في مكانهما)

- ولهذا أرفض منطق الأذن المبتورة .. أو ما يمكن أن أسميه أذن فان جوخ .. التي يمكن أن نؤول معناه كما يلي: "البتر الطوعي لإحدى الأذنين حبا وتحيزا لموقف أحادي".

- بل وأظن يمكن تأويل موقف أوديب الذي فقأ عينيه على أنه موقف التراثيين المتصوفين .. الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع وحقائق كانت خافية عليهم فرفضوا الحياة إجمالا واعتبروا أنفسهم مستحقين للعقاب .. وباختيارهم هذا أصروا على التعامل مع العالم لا من خلال منطق الرؤية البصرية .. بل بمنطق جديد هو منطق الأعمى الذي يعتمد على البصيرة بدلا من البصر.

- وبهذا يكون الطريق الثالث الذي أتوهمه هو وحده القادر على فهم المشكلات الهامة التي يثيرها مقال محمد النجار .. دون تعصب ودون اتخاذ موقف الارتداد المطاطي الآلي أو الردة الفكرية التي تنتاب أغلب من يتبنون الأفكار بمنطق إيماني وثوقي لاعقلاني بحيث يهتز إيمانهم تماما بمجرد تعرض هذه الأفكار للمناقشة والتفنيد. فيتبنون إما منطق "الأذن المبتورة" أو منطق "فقأ العين" عن أوديب المتأخر ..

- وأنا هنا أتعمد استخدام منطق الأساطير تمهيدا للدخول إلى ما أريده من توضيح لمعالم هذا الطريق الثالث ..

- فحديث أ محمد النجار عن "الأسطورة" أعلاه يميل إلى اختزالها إلى "خرافة"، وهنا أحب أن أشير إلى وجود منطقين في التعامل مع الأسطورة، هما:

- 1 - منطق رافض للأسطورة يختزلها إلى مجرد "خرافة" خاطئة علميا وأركيولوجيا، وهو منطق "فولتير" الذي يشير إليه محمد النجار. ويستخدم هذا المنطق غالبا المنهج الفيلولوجي حيث يهدفون إلى التدقيق في "حرفية" النصوص القديمة .. ويتعجبون من وجود تباينات وتداخلات واشتراكات نصية وتناصية بينها .. فيظنون أن التفسير الوحيد لهذه التباينات والمشتركات هو: خطأ الكل .. وزيف الكل .. بل وربما تأمر وتواطئ الكل .. وهذه النقطة أوفاها حقها أركون وهاشم صالح في كتبهما المشتركة.

- 2- منطق منفتح على تأويل الأسطورة .. ليس كما نجد لدى مصطفى محمود وزغلول النجار .. لكن كما نجده لدى سيجموند فرويد في تأويله لأسطورة أوديب مثلا.

- ذلك أن منطق فرويد هو منطق الطريق الثالث التأويلي لأنه لا ينظر إلى الأسطورة على أنها مجرد "خرافة" أو قصص لتخويف أطفال، بل على أنها تحتوي على مشاعر الشعوب وتختزن أمالها وربما تنتج طموحاتها. وبذلك فإن هذا المنطق التأويلي المنفتح يقف أمام الأساطير ويقول: "لابد أن هناك أمر ما هام في هذه الأساطير، وإلا لما صدقتها وأنتجتها هذه الأعداد الهائلة من البشر. ومهمتي كمفكر هي أن أفهم هذه الأساطير وأعيد قراءتها وكيف أنها أصبحت مستغلقة علينا الآن."

- وقريب من هذا المنطق ما أسماه على حرب بالمنطق التحويلي.


الرد على التعليق

- أمير الغندور
26 أيلول (سبتمبر) 2010 06:03

- 2
- وهنا تثور نقطة يساء الاحتجاج بها وأريد أن أبددها هنا مرة وللأبد. ذلك أن أصحاب الموقف الرافض للأسطورة يحتجون بالقول أن كون الأسطورة كانت مصدقة وسائدة في عصر ما من أعداد هائلة من البشر، لا يكفي لإثبات حقيقتها وأهميتها. فالعدد الكبير من المصدقين للأسطورة لا يكفي لجعلها حقيقة. وهذا استدلال صحيح شكليا، ولكنه منقوص تماما. لدرجة أننا لو استكملنا نقصه فإنه سينقلب تماما إلى نقيضه كما يلي:

- فالعدد الأكبر من المصدقين للأسطورة القديمة قد مات في الماضي، بينما نحن نعيش في إطار أساطير بديلة ومضادة تقوم على العلم الذي يعتبر كل أسطورة قديمة هي محض خرافة موجودة فقط في أذهان أصحابها من المتخلفين وبذلك فهي تعبر عن فكر بدائي غير علمي. وبذلك نصبح أمام أسطورتين لا أسطورة واحدة.

- فالأسطورة لا تفقد معناها إلا بظهور أسطورة مضادة .. ومن المستحيل التفكير في الأسطورة في عصر الأسطورة – كما أوضح ألتوسير في مجال الأيديولوجيا – بل لابد من أن تقوم الأسطورة على أنقاض أسطورة سابقة.

- وهنا يتفق معي محمد النجار تماما حين يقول عن تفسير الزمخشري لسورة النمل:

- "فلا لوم على الزمخشري وابن كثير في التفسير فالأسطورة تلد الأسطورة"

- بل يتفق معي في هذا أيضا أهم المصادر اليت يستشهد لها محمد النجار مثل حين يقول:

- ولنا أن نتمثّل كلام وحيد السعفي: (الدين يشيّد صرحه العظيم على أنقاض الصرح القديم، فشابه الدين الدين وآمن الإنسان بتواصل الحياة في ظلّ الإصلاح والقضاء على التحريف، وظهر للعيان ما كان خافيا من دين حنيف حرّفه الزمان، ذاك شأن الدين، ذاك حيلة من حيل الدين) (24)

- التعديل الذي أضيفه أنا هنا هو فقط توسيع المسألة بحيث لا تظل قاصرة على الدين فقط .. بل تشمل أيضا كافة نظم التفكير الإنساني .. من سحر قديم ودين وسيط وعلم حديث. وذلك يتفق مع فوكو، ومنهج التاريخية الجديدة new historicism

- فتصبح العبارة كما يلي:

- ولنا أن "نوسع منطق" كلام وحيد السعفي: ("الأسطورة" تشيّد صرحها العظيم على أنقاض الصرح القديم للأسطورة السابقة، فتشابه (الأسطورة الجديدة الأسطورة القديمة ويشابه السحر الدين ويشابه العلم الدين ويشابه الدين الدين) وآمن الإنسان بتواصل الحياة في ظلّ الإصلاح والقضاء على التحريف، وظهر للعيان ما كان خافيا من دين حنيف حرّفه الزمان، ذاك شأن الدين، ذاك حيلة من حيل الدين. وكذلك يظهر أن العلم هو التطور الطبيعي لمراحل الفهم البشري من السحر إلى الدين إلى العلم أخيرا الذي يصبح خاتم نظم التفكير البشرية في عصرنا الحالي، بالضبط كما كان الدين خاتم نظم التفكير في العصور الوسيطية، وكان السحر هو خاتم نظم التفكير في العصور القديمة.

- ففي كافة هذه العصور لم يتوقع الإنسان أن يتجاوز الأساطير السائدة إلى نظام جديد للتفكير ينفك من منطق هذه الأساطير. لذا كانت الأسطورة (بمعنى الخرافة) هي تحديدا أساطير الأولين .. لأن المتأخرين ظنوا دوما أن أساطيرهم هي الختم والتصحيح لكل تحريف سابق. وبذلك يكون الدين صحيح للسحر ويكون العلم تصحيح للدين ..

- وهكذا توقفنا حاليا عند مرحلة العلم الذي يبني أساس أسطورته المعاصرة (بالمعنى الإيجابي) على تناقضه وتعارضه مع الأسطورة السابقة عليه (بالمعنى السلبي – حيث أصبح خرافة).

- لذلك فمن الطبيعي جدا أن تقوم أسطورة العلم المعاصر على أساس تحويل أساطير الدين الوسيط إلى خرافات. هذا قانون يتفق معي فيه محمد النجار ومصادره (وحيد السعفي).

- لكن هل يكفي منطق الاستناد إلى كبر عدد المصدقين للأسطورة المعاصرة لتبرير حقيقتها وتأييدها في نفي أهمية الأسطورة السابقة؟؟

- ذلك أن المنطق المعاصر يؤيد تماما أسطورة العلم في مقابل أساطير الدين. ولا يمكن لمن هم منخرطون في هذا المنطق التفكير بعكس ذلك. وأنا هنا لا أدعو بالمرة إلى ممارسة هذا التفكير العكسي.

- بل فقط أدعو إلى عدم الغرق في ذات المنطق الأسطوري. وأدعو إلى فهم نسبية كل من الموقفين، دون الانتصار لأحدهما على الآخر.

- وهنا أختلف مع محمد النجار في انتصاره لمنطق العلم على منطق الدين. كما أختلف مع السلفيين في انتصارهم لمنطق الدين على منطق العلم. وبذلك يكون ما أدعو إليه أقرب إلى فهم مشكلات الموقفين وسقوط كل منهما في ذات المنطق الإطلاقي المنغلق، ذي الأذن المبتورة والعيون المسمولة والعاجز عن فهم المنطق الكلي الحقيقي لطريقة التفكير البشري، والذي يساند دوما الأسطورة السائدة في تجنيها المسيس على الأساطير السابقة.

- ما أدعو إليه هو منطق أقرب إلى منطق فرويد وفوكو، وليس إلى منطق فولتير، حيث تصبح للأسطورة دلالات هامة تعبر عن رؤى وأمال وطموحات الشعوب، ولا يمكن الاكتفاء في معالجتها بالموقف الفيلولوجي أو الأركيولوجي القائم على إثبات أو عدم إثبات صحتها التاريخية. فهذا منطق ينتمي إلى ابتذالات الاستشراق التي تمكن أركون من تجاوزه ودحضه ببراعة لدى الغربيين السلفيين، بحيث لم يعد مقبولا أن نراه يعود للحياة في كتابات عرب وقفوا عند ما وقف عنده أسلافهم (الفكريين) من المستشرقين الغربيين دون قدرة على تجاوز مناهجهم الفيلولوجية العتيقة، بعد أن تجاوزها أركون وهو عربي. فهم بذلك أقرب إلى ممارسة الردة العلمية على منجزات العرب أنفسهم (أركون هنا)، (بانتماءهم لمناهج غربية عتيقة).

- أريد فقط التذكير بأنني لست هنا في إطار الصراع أو النزاع مع محمد النجار، بل في إطار المطالبة بتطوير ما لديه برؤية موضوعية غير متحيزة، لا يمينا ولا يسارا. ذلك أن الفكر المعاصر قد دخل منعطف التأويل، وتجاوز منعطف الفيلولوجيا العتيق الذي ظهر مع فولتير واسبنوزا، منذ زمن، ويسوؤني علميا أن أرى باحثينا ينفقون جهودهم في هذا المنهج العتيق مع عجز عن تجاوز مشكلاته.


الرد على التعليق

- أمير الغندور
26 أيلول (سبتمبر) 2010 06:05

- 3
- ولنأخذ أمثلة مما ورد في تفسيرات النجار ولنحاول تفكيكها وتجاوزها لنفهم مشكلات منهجه وإمكانات المنهج البديل (الطريق الثالث).

- يقول النجار: ".. لا نجد دليلا أركيولوجيّا واحدا عن وجود موسى .. ويقول "ليو تاكسيل": (ولكنّ مؤرّخا مصريّا واحدا لم يقل أيّ كلمة عن هذه الكارثة المفجعة [أي غرق فرعون وجنده] التي لا مثيل لها في تاريخ الأعمال الوحشيّة السابقة .. فلا يكفي أنّ موسى تغلّب على فرعون الذي تبعه مع جنده في البحر بكلّ غباء .."

- واضح أن الخرافة التي يشير إلى استحالتها النجار هنا هي: غرق فرعون وجنده .. ويظنها "غباء".

- هنا نحن أمام منطقين يفكر وفقهما النجار (مثل أي مستشرق فيلولوجي):

- 1- منطق الاستحالة النظرية (يسميها النجار "غباء" الأسطورة)

- 2- منطق الاستحالة التاريخية (حيث لا توجد أثار أركيولوجية "مادية" تؤكد الأسطورة)

- وللأسف، فإن هذين المنطقين هما كل ما يملك المنهج الفيلولوجي والعلمي المعاصر للانتصار على "أساطير الأولين"، وتجريدها من المصداقية، بغرض الاستئثار بها وحده.

- الرد على المنطق الأول هو بسؤال بسيط: هل مستحيل أن يغرق فرعون وجنوده بغباء؟

- أظنه ليس مستحيل ولا غباء. بل هذا يحدث في عصرنا. في تسونامي وفي كاترينا وفي "النوات البحرية" التي تشتهر بها المنطقة تاريخيا. لكن فقط نسميها بأسماء مختلفة. فهل استطاع العلم المعاصر مع كل ترسانة التنبؤات والأرصاد العلمية المعاصرة منع حدوث تسونامي أو حتى القدرة على تقليل أعداد الضحايا في كاترينا؟؟ ألم تكن هذه الكوارث البيئية الطبيعية "فضيحة" لأغلب الإدعاءات والمزاعم العلمية؟؟

- أظن أن الإجابة والوقائع المعاصر يدحضان تماما منطق الاستحالة النظرية لغرق فرعون وجنوده.

- بل إذا أضفنا إلى ذلك أنه من المعروف تاريخيا أن مصر كانت تتعرض لفيضانات رهيبة طوال تاريخها قبل إنشاء السد العالي، لأصبحنا أكثر قربا من رفض منطق الاستحالة النظرية والتاريخية تماما.

- إذا أظن أن المنطقين اللذين استخدمهما محمد النجار أعلاه غير كافيين بالمرة. بل أظن أن استناده إليهما دليل على إنطلاقه من "أسطورة علمية" بديلة لا تقدر حتى على التفكير في مشكلاتها.


الرد على التعليق

- أمير الغندور
26 أيلول (سبتمبر) 2010 06:07

- 4
- حول معنى أساطير الأولين:

- يختزل محمد النجار موقف القرآن من مسألة أساطير الأولين.

- فقد لفت إلى أحد أوجه هذه المشكلة نظير أتاسي في تعليقه حين قال:

- "أود أن أضيف قائلاً بأن تسمية "الإسرائيليات في الإسلام" تسمية قد تعني أن الإسلام غريب عن التراث اليهودي الذي "لحق به بعد زمن كشوائب". وأنا أعتقد أن التراث اليهودي جزء أساسي من الإسلام. وإذا دققنا في معنى كلمة "الكتاب" في القرآن لوجدنا أنها كثيراً ماتعني التوراة (أي الكتب الخمسة الأولى من العهد القديم). وعندما يتحدث القرآن عن الشريعة الأكمل التي يجب أن يحتكم إليها الرسول والناس حوله فإنه يعني التوراة. ولا يتناقض هذا مع عداوة محمد ليهود المدينة ولا يعني تسليم يهود اليوم فلسطين أرض الميعاد لأن القرآن يقول بأن الله غضب عليهم لعنادهم وقتلهم الأنبياء (على حد قوله) فأخذ منهم عهده القديم وشردهم من أرض الميعاد على يد الرومان. أما الشريعة (أي التوراة) فتبقى كما هي شريعة الله التي امتصها الإسلام زاعماً أنه دين الله المختار الجديد أعطاه لشعبه المختار الجديد. القضية بالنسبة للقرآن ليست أفكاراً تذهب بذهاب الناس وإنما شريعة سرمدية يحملها من آمن بالله فيؤيده الله بنصره. أما أساطير الأولين فهي كما ذكرتَ حكايات الأولين، ولم ينبذها المعارضون لمحمد بوصفها خرافات وأكاذيب بل بوصفها معروفة وقديمة."

- لكن الوجه الأخر، هو أن موقف الإسلام من الأساطير كان موقفا غير أسطوري وغير متحيز بل هوأقرب إلى المنطق المنفتح، الذي يفهم أن الأسطورة تمثل قيمة لمن يصدقها، لكن القرآن نفسه في تعامله وسرده لهذه الأساطير، لم كان أقرب إلى التناول العقلاني لها، وليس إلى التناول الرجعي المنغلق. بل إن تسمية القرآن لها بأنها "أساطير الأولين" فيها نفسها قدر لا يستهان به من "العقلنة" لهذه الأساطير.

- قس على ذلك تعامل التوراة والأنجيل مع الأساطير، وستجد أن القرآن هو النص الوحيد الذي يقدم لك هذه الأساطير باسمها، بل وبمنطق السرد القصصي البعيد، وليس بمنطق استحضار الفعل نفسه وكأن القارئ مشارك فيه إلا في النادر. فلا نجد في القرآن مثل ما نجد في التوراة من صراع الرسول مع الملاك، ولا امتحانات الشيطان الذي يضع الرسول على الجبل.

- بل تبقى الأساطير في القرآن أقرب إلى التناول البراجماتي الهادف إلى استخلاص القيمة والعبرة، دون التأكيد الوثوقي على أن هذه الأحداث قد وقعت أو لم تقع. بل تتمحور "أسلوبية" القرآن حول "الهدف" من الأسطورة، وليس حول الأسطورة "في حد ذاتها".

- وهذا واضح بنص الآيات التي تسفه الاهتمام بالتدقيق التاريخي الأركيولوجي. وأقوى آية تدل على ذلك هي الآيات من سورة الكهف. التي تقول:

- "سَيَقُولُونَ ثَلااثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاء ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا"

- واضح هنا أن الهدف من ذكر الأسطورة في القرآن هو: "وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا" .. واترك هذه الجدالات البيزنطية.

- إن الهدف من ذكر أساطير الأولين هو الاستغناء بالقرآن عن أهمية التوراة والإنجيل كمصدر لهذه الأساطير. لكن مع تجاوز هذه الأساطير، دون توظيفها كمؤيد للنص القرآني – كما حدث في التوراة والإنحيل.

- بل الهدف هو تجاوز كل من الأساطير والنصوص المقدسة السابقة على القرآن.

- لذا فالاستناد إلى عدم صحة أساطير الأولين لا يطال القرأن بالمرة، بل يطال التوراة والنجيل. وبالفعل كانت هذه استراتيجية سبينوزا وهيوم في نقد أساطير الأولين في التوراة والإنجيل، حيث نجد اعتمادا وارتباطا كبيرا بهذه الأساطير التي تورد بكلام ضمير المتكلم الأول الذي حضر الأسطورة بنفسه.

- لكن هذا يختلف تماما عن ضمير المتكلم في القرآن والذي يقول مثلا:

- "(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ). سورة غافر : آية 78.

- وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ). سورة القصص : آية 45، 46.

- واضح هنا أن القرآن يذكر القارئ بأن هذه الأساطير لا يشهد النبي على صحتها. بل نجد تعمد إجراء قطيعة بين المخاطب وبين الأسطورة. التي يصبح علمها عند الله. بينما لا يحصل حتى الرسول إلا على نصح بعدم الخوض فيها، وعلى حد أدنى من العلم بها. وكأن هناك تعمد لتحجيم دور هذا الأساطير ليقتصر دورها على استخلاص العبرة لا أكثر.

- وهذه مسألة أظنها كانت تمثل ثورة فكرية ودينية في مسألة التعامل مع الأسطورة وقت نزول الوحي.


الرد على التعليق

- أمير الغندور
26 أيلول (سبتمبر) 2010 06:09

- 5
- هناك مشكلة أخرى في قراءة النجار لأساطير الأولين في القرأن. فهو لا يقرأ القرآن قراءة فينومينولوجية أو حتى حرفية. بل نراه يستند إلى تفسير ابن كثير والزمخشري وكأنهما يمثلان جزءا أساسيا من القرآن. وفي هذا خلط شديد بين نص القرآن ونصوص التفسير التي تمثل اجتهادات بشرية محكومة بسياقها التاريخي.

- فإن كان الحديث عن الإسرائيليات أو الأساطير في القرآن. فهذا يختلف عن تناول الإسرائيليات لدى ابن كثير أو الزمخشري أو غيرهما.

- بالطبع يمكن الحديث عن الإسرائيليات والأساطير في النصوص الإسلامية عامة. وهنا يمكن درس ابن كثير والزمخشري وغيرهما. لكن هذا ليس مقصد محمد النجار. فهو يريد التركيز على القرآن وحده، ربما لتفادي انحكام وارتباط التفسيرات إلى التاريخ. ولذا فمن الخطأ المنهجي أن ينتقل المقال إلى مناقشة ما ورد في تفسير ابن كثير أو الزمخشري وكأنه ينضاف إلى النص القرآني.

- لكن يبدو أن هدف النجار كان هو توسيع التفسير بالقدر الذي تسمح به العقلية التاريخية لدى ابن كثير والزمخشري، وليس بالقدر الذي لا يسمح به النص القرآني نفسه – وفق الآيات التي أوردتها أعلاه.

- لذا فدخول النجار على خط ابن كثير والزمخشري ليس مجرد خطأ منهجي غير مقصود. بل أظن فيه تعمد للتركيز على تفسيرات بعينها وتقديمها كما لو كانت تمثل القصد الأصلي والنهائي للنص القرآني. وهذا أكثر من مجرد خطأ منهجي.

- العجيب أن نجد محمد النجار يركز على الجانب "الخرافي" في قصة نملة سليمان أو حديث الهدهد أو حوت يونس، مثلا، ولكني أظنه لا يجد أي مشكلة مثلا عندما يقرأ قصة "مزرعة الحيوانات لجورج أورويل" أو "أليس في بلاد العجائب" أو حتى هاري بوتر ومملكة الخواتم. فكل هذه الأعمال لا يبدو أن النجار أو غيره يعتبرونها قصص "خرافية" بأكثر مما ينظرون إلى المحتوى الفكري الموجود فيها. بل أظننا جميعا لا نعتبر هذه القصص المعاصرة "خرافية" بل هي "كلاسيكيات معاصرة". فقد تغير معنى مصطلح "الخرافة" لدينا لينطبق فقط على الماضي، ليبرر لخرافات الحاضر أن تكون أكثر "معقولية" بينما هي أشد خرافية مما نظن.

- لدرجة أني أظن أنه لو طلع علينا كاتب معاصر وقال لنا أن قصة مزرعة الحيوانات أو أليس في بلاد العجائب أو هاري بوتر ما هي إلا خرافات غير معقولة، فإننا لابد أن نظنه عاجز عن التفكير والفهم أو قادم إلينا من عصور الإنسان الحجري عبر آلة الزمن – التي لا أظن أحد من القراء هنا يظنني "أخرف" عندما أتكلم عنها كما لو كانت موجودة.

- فكيف لشخص يزعم أنه مفكر أن يتعامى عن الهدف القصصي لهذه الأساطير والأعمال بل والخرافات، لصالح التركيز الحرفي على "نطق الحيوان"؟؟

- أظن أن مشكلة الفكر غير النقدي المتحيز تتمثل في أنه يعجز عن تجاوز وضعه التاريخي الحالي. فيعجز عن فهم أساطير الماضي، ويعتبرها محض خرافات، لأنه مرتبط بشكل لانقدي ولا فكاك منه بحاضره ونظره مثبت تحت أقدامه، حيث يكتفي فقط بتبني تحيزات وفرضيات أسلافه الاختياريين (مثل فولتير وسبينوزا)، دون قدرة على تجاوزهما، كما تم ذلك لدى معاصريه الحاليين (أركون)، بل وأتباع وخلفاء أسلافه الاختياريين (فوكو).


الرد على التعليق

- أمير الغندور
26 أيلول (سبتمبر) 2010 07:22

- 6
- الخلاصة:

- في النهاية أريد أن ألفت النظر إلى أن ما أقدمه أعلاه ليس دفاعا عن القرآن، وإلا اعتبرنا نص محمد النجار مجرد هجوم على القرآن، وأنا لا أفضل التفكير بهذه الطريقة لأنها تصادر على الأعمال بالبحث في نواياها.

- بل أفضل اعتبار ما قدمته أعلاه بمثابة ممارسة تنظرية في فهم وتأويل "الإسرائيليات في القرآن" بشكل مغاير لما قدمه محمد النجار في مقاله.

- كل ما أزعمه هو أن الممارسة التي أقدمها تتجاوز المشكلات التي وقع فيها محمد النجار، مثل:

- 1- الوقوع في مركزية إنغلاقية للذات القارئة للنص:
- حيث وقع محمد النجار في إسقاط فهمه الشخصي والذاتي المرتبط بسياقه التاريخي الحالي على النص القرآني. فوقع في الاختيار العلموي المعاصر الذي يناقض بين العلم والأسطورة. ويعتبر أن كل ما هو أسطورة يعتبر معاديا للعلم ومعبرا عن عقلية بدائية متخلفة، وبالتالي يصبح محض خرافة وبذلك يمثل نقيض العلم. وذلك توافقا مع الفرضيات السائدة في عصره (محمد النجار) وكأنما هذا العصر هو كل التاريخ، ولا شيء قبله أو بعده. وهي الوضعية التي تعبر عن تثاقل فكري عجز فيه الكاتب عن تجاوز فرضيات عصره وظروفه التاريخية المحددة.

- 2- العجز عن تطبيق المنهج التأويلي والفينومينولوجي:
- ولذلك عجز محمد النجار عن فهم معنى وقيمة الأساطير وإنطاق الحيوان الواردة في القرآن، ومارس عليها نزعة علموية فيلولوجية في القراءة تنزع القيمة عن الأسطورة وتختزلها إلى محض نص حرفي يعبر حصرا عن أحداث أو أمور واقعية وتاريخية لا أكثر. وهي قراءة فيلولوجية لا تصلح حتى لقراءة الأعمال الأدبية مثل "مزرعة الحيوانات لجورج أورويل ولا حتى لقراءة هاري بوتر، حيث يتوجب الإنطلاق من حد أدنى من التعامل التأويلي مع النص، والتعامل الفينومينولوجي مع الأحداث، والذي لم يتوفر في قراءة النجار. فما بالنا بإقدامه على قراءة النص القرآني. طبعا يمكن للبعض أن يحتج بأن يقول أن مسألة تطبيق منهج من عدمه هي مسألة تعسفية من اختيار الباحث وحده. لكن هذا لا يصح في حالة المفاضلة بين منهجين أحدهما أفضل وأكثر عملية من الآخر في دراسة الظاهرة. حيث إن اختار الباحث المنهج الأسوأ والأقل علمية، فهو بذلك يعد مخطئا وغير علمي، أو على الأقل سلفي.

- 3- العجز عن إجراء دراسة مقارنة:
- حصر محمد النجار كافة جهوده في دراسة الأساطير والإسرائيليات في القرآن، ولم يقم بأي دراسة مقارنة لدور الأساطير في النصوص المقدسة الأخرى، مثل التوراة والإنجيل. وإن كان فعل ذلك لكان تبين أن دور الأساطير في القرآن يختلف عنه في التوراة والإنجيل. ولتبين له أن دور الأساطير في القرآن أكثر براجماتية وينحو نحو العقلنة. وهي صفة إيجابية قلما نجدها في أي نص مقدس. وربما لإيجابية هذه النتائج المحتملة امتنع محمد النجار عن إجراء الدراسة من وجهة مقارنة. بينما ركز جهده في توضيح السبق التاريخي للتوراة الأساطير شرقية في إنتاج الإسرائيليات، وبذلك حصر المسألة في بعد ا لسبق التاريخي. وكأن للأساطير حقوق مؤلف تعطي أفضلية موهومة "للأصل" الأول الذي قام بإثباتها كما لو كان هذا الطرف قد ابتكرها من عدم وحده حق الاحتجاج بها. وهذا المنهج في التفكير يعبر عن نزعة فيلولوجية تسطيحية - مرة أخرى – تم تجاوزها في علم الجينالوجيا التي ترفض فكرة الأصل في مسألة الأساطير والتفكير وتقول بفكرة الاختلاف في التناول – حيث تصبح اليد العليا للتناول الأفضل، وليس الأسبق أو الأصلي.

- 4- عدم اختيار المنهج العلمي الملائم بل واستخدام مناهج عفا عليها الزمن وثبت خطأها:

- طبعا يمكن للبعض أن يحتج بأن يقول أن مسألة تطبيق منهج من عدمه هي مسألة تعسفية من اختيار الباحث وحده. لكن هذا لا يصح في حالة المفاضلة بين منهجين أحدهما أفضل وأكثر علمية من الآخر في دراسة الظاهرة. حيث إن اختيار الباحث المنهج الأسوأ والأقل علمية، يعد دليلا على خطأه وعدم توخيه الموضوعية، وهذا يقلل من شأن بحثه ويصمه باللاعملية أو على الأقل بالسلفية.
- هذه النقاط الأربعة تعبر عن مشكلات منهجية خطيرة اثبتنا أعلاه وجودها في مقال محمد النجار. ونتمنى لو أنه زاد من إطلاعه على المناهج العلمية الأحدث التي لفتنا إليها وزاد من وعي بالمشكلات المنهجية التي كشفناها لديه، ليصبح قادر على تجاوزها وتقدم مقالات أشد علمية في المرات القادمة.


الرد على التعليق

Ruston, Louisiana - أحمد نظير الأتاسي
26 أيلول (سبتمبر) 2010 08:03

يا أستاذ محمد، شكراً على الاحترام، لكن هل تعرف ما تعني "الأستاذ القدير" في القاموس الثقافي العربي؟ تعني أن لا أحد سيعلق على مقالاتي. وأنا أريدهم أن يعلقوا فأنا أقضي الأيام في كتابتها وأريد آراء بنّاءة تساعدني وتحثني. وتعليقي هنا ليس بالشيء الجديد وأنا أرى أني عاجز عن أشياء كثيرة فاين أنا ونعت "القدير"؟ أما إذا عنيت القدر العالي فأنا مجرد أستاذ تاريخ. سأكون شاكراً لو قلت لي رأيك بمقالتي الثالثة عن حديث "من بدل دينه". آسف للدفع. تحية.


الرد على التعليق

منوبة - عادل بن عبد الله
26 أيلول (سبتمبر) 2010 18:48

الجزء II
- لا أخفيك أنني قد استغربت كثيرا عندما رأيتك تماهي "صوريا" بين المعرفة العلموية - العلمانوية لدى النجار وبين المعرفة الصوفية " التي وصفتها بالعمى و الهروب من العالم و الاكتفاء بالبصيرة.
- ولا أظنك تجهل يا صديقي أن هذا التوصيف لا يمكن بحال تعميمه على التصوف في مراحله التاريخية المختلفة أو في مدارسه المتباينة.وهو أمر أستطيع أن آتيك عليه بألف حجّة في غير هذا الموضع الضيّق

- رغم دقّة نقدك لنجار - وهو ما أوافقك على أغلب ما جاء فيه- إلا أنني أرى أنّ على الطريق الثالث الذي تدافع عنه- وأنا معك "مبدئيّا"- أن يتفكّر أيضا في العديد من مسلّماته النظرية، بل في توجّهاته الروحانية الكبرى نفسها.فالعقل "الوضعاني" يضع العقل الديني فعلا أمام العديد من الإحراجات التي لا يكفي المنهج الفينومينولجي ولا المداخل الهرمينوطيقية ولا الكفاءات التفكيكية في إخفائها.وهو ما يقودني إلى السؤال الأهم :ما هي طبيعة الخطاب الديني وهل فعلا تستطيع أي عقلنة –أو تفكيك- أن تخرج التلقي من دائرة الايمان العفوي ؟ هل العقلنة هي حقا تقوية للايمان أم اعتراف بحدوده و ماهيته التي هي بالأساس علاقة ثقة لا تقبل التعميم و لا "التبديه" إلا بضرب من المخاتلات و البيانية مهما كانت مسمّياتها وخلفياتها النظرية؟
- لنبدأ من مفهوم الاستحالة "التاريخية و العلمية " الذي رددته على النجار عند حديثه عن غرق فرعون.
- لقد أقمت ردّك على مقايسة "خطابية" لا يمكن التسليم لك بها.
- فأن تقارن بين تسونامي والفياضات -التي عجز العلم عن التنبئ بها- وبين حدث غرق فرعون هو ضرب من المغالطة. فغرق فرعون ليس حدثا خاضعا لقوانين الطبيعة مهما فهمنا من معنى هذه القوانين .كما أنه ليس حدثا طبيعيا - أي يمكن ردّه إلى مقدّمات طبيعية - بل هو حدث "لاهوتي-تأسيسي للذاكرة الكتابية وهو ما يعني ضرورة الاحتراز من منطق المقايسة الذي قد يحجب أكثر مما يضيء.

- و لكنه رغم بعده التأسيسي هذا و أهميته التاريخية لم يجد ما يسنده من خارج "السرديات الكبرى"في نسختيها اليهودية و الإسلامية.فالفياضانات ،يا صديقي، أو تسونامي لم تشق البحر نصفين ولم يستثمرها أحد لبناء سرد تأسيسي على خلاف غرق فرعون وهو ما يجعل من التسوية بينهما ضربا من التسرّغ الذي أظنّه محتاجا إلى تأسيس أكبر .
- إنّ غياب بعض الأساطير عن القرآن- مثل صراع الملاك أو الرب مع اسحاق أو أسطورة الجبل بين يسوع والشيطان،لا يعني أنّ ما أبقاه القرآن من الأساطير الكتابية "أكثر عقلانية مما اطّرح.
- وهنا أطرح سؤالا بسيطا على الأستاذ الغندور:
- ما الفرق في مستوى العقلانية-أو اللاعقلانية-بين الولادة العذرية و سقوط آدم من الجنة و كلام الله إلى موسى وأسطورة أهل الكهف و من جهة و بين صراع الرب مع اسحاق أو أسطورة الجبل؟
- لا شكّ أن الحضور أو الغياب لا يمكن أن يكون حجة على قطيعة ما أنجزها النص القرآني مع التراث الكتابي و هو ما يعني ضرورة البحث عن هذه القطيعة في مواضع أخرى -على احتمال وجودها في هذا المستوى من البحث المقارني-
- لقد حاولت يا أمير، أن تقيم هذا الفرق بين الرؤية الكتابية والرؤية القرآنية على أساس أن القرآن قد ركّز على ما أسميته ب"منطق السرد القصصي البعيد" الذي يقابل عندك "منطق استحضار الفعل باسمه" -الذي يحكم ضمنيا المتن الأسطوري الكتابي-.ولا شكّ أن هذه الثنائية هي ثنائية مبشّرة و لكنها غير "نضيجة" بما يكفي للإجابة عن الأسئلة التي قد توجّه لها من مواقع مختلفة.


الرد على التعليق

منوبة - عادل بن عبد الله
26 أيلول (سبتمبر) 2010 18:51

الجزء III
- فما معنى منطق السرد القصصي البعيد و هل هو فعلا في علاقة تقابل أو تضاد مع منطق استحضار الفعل بإسمه؟
- وهل يمكن التسليم بهذه الثنائية دون التمهيد لها و تأسيسها على استقراء كلّي وشامل للكتاب المقدّس من جهة -مع إضافة التلمود والمدراش- و للقرآن و كتب الحديث وكتب العجيب والغريب الالتي عرفها المجال الإسلامي من جهة أخرى؟
- صديقي أمير. لا شكّ أنّ القرآن قد حافظ على"النواة" الأسطورية للعديد من القصص السابقة و لكنه أعاد بناءها وفق منطق جديد.
- ولا شكّ أيضا أنك محقّ عندما قلت بأنّ الحكايات السابقة صارت وظيفتها أساسا "دينية "أي يؤتى بها للعبرة . ولكنّ الاعتبار لا يكون إلا بما كان قابلا للحدوث -على الأقل في مستوى ابيستمي المتلقّي الأوّل و التراثي للنص القرآني.
- أما التلقي الحديث - وهو ما أهمله النجار وتابعته أنت فيه - فهو مختلف تماما حتى في بعض الدوائر الدينية.وهنا أشير إلى الأستاذ النجار الذي وظّف مقولة فولتير الشهيرة التي يتحدّث فيها عن "التدليس التقي" .فهذا المقال أيضا قد وظّف ما يمكن تسميته ب"الصمت غير التقي" أي السكوت عن القراءات "الايمانية" الحديثة للقصص القرآني وحجبها وتهميش و ذلك بغية إظهار التأويل التراثي وكأنه آخر ما بلغه العقل الديني و منتهاه.
- فلا يخفى على الأستاذ النجار وعلى الأستاذ أمير غندور أنّ محمد عبده ومن بعده محمد أحمد خلف الله قد جاءا بمقالة جديدة في التعامل مع القصص القرآني باعتبار القرآن ليس كتابا موضوعا في التاريخ و باعتبار ما يرد فيه هو من باب استثمار "المخيال الجمعي" في سبيل بناء مقالة جديدة هي الديانة الإسلامية الخاتمة لقد حاولت في هذه الملاحظات أن أفكّر في بعض القضايا التي أراها قد غابت عنك صديقي أمير . و لم أفعل ذلك إلا رغبة في توضيح معالم الطريق الثالث الذي نصبو إليه جميعا للتخلص من العقل "الفيلولوجي"و رواسبه و للانفكاك من سلطة المؤسسة الدينية التي عجزت عن بناء خطاب عقلاني -مؤمن هو أقصى ما نحتاجه في زمننا هذا . لو أردت تلخيص النقد الذي أوجّهه لمقارباتك الفينومينولوجية لقلت بأنّ عليك أن تراجع مدى المقدرة الكشفية لهذا المنهج خاصة مع عدم التمكّن الكلّي من مبدأين تأسيسيين فيه وهما

-  -مبدأ الاختزال الفينومينولوجي .la reduction phénomènologique وهو ما أنت أعلم به مني .ويمكن حصر معنى هذا القانون –كما بيّنه هوسّرل- في تلك القدرة على تجاوز كل التأويلات السابقة وإعادة توجيه التأويل صوب مناطق جديدة تساعدنا في "إعادة "بناء نظرتنا للعالم. ولا شكّ أنك في نقدك للنجار قد بقيت في" منزلة بين المنزلتين" على حد عبارة المعتزلة. فلا أنت مضيت بالتحليل الفينومينولوجي إلى غاياته القصوى و لا أنت استطعت مفارقة الدائرة التراثية بإلإعلان الصريح عن الطابع غير الحدثي للعديد من السرديات التأسيسية الكبرى
- 
-  -مبدأ "تعليق الحكم" l’epochéفأنت قد نجحت في تبيان حدود الموقف لا" الوضعاني-الطبيعاني في نسخته المتطرّفة ولكنك لم تبلغ نفس النجاح في علاقتك بالمدوّنة التراثية. ولعل هذا يظهر في محاولتك الإعراض عن تقديم موقف واضح من الطبيعة الحدثية أو التاريخية للأساطير .كما يبدو هذا الأمر أيضا في تلك المقايسة التي أقمتها بين التصوّف والعلمانوية باعتبارهما يشتركان في المقاربة الأحادية. ولا شك أن هذه الأحكام ليست بمستوى البداهة التي قد تبدو لك و أنها تحتاج إلى "نزاهة " أكبر في مواجهة الممنوع التفكير فيه و المقموع في بنية الثقافة العربية الإسلامية .أو ليست الفينومينولوجيا يا صديقي الانطلاق من الأشياء في ذاتها أو بلوغ الأشياء في ذاتها –كما نبّه إلى ذلك هوسّرل ومن بعده هايدغر-من دون خضوع إلى إكراهات الحدوس والمفاهيم الشعبية و الرؤى المهيمنة على تشكيل الثقافة ورؤية العالم من حولنا (آنظر جان غراندان ، المعرج الهرمينوطيقي للفينيومينولوجيا،ترجمة عمر مهيبل ). ولك كلّ الود و الاحترام لكاتب المقال ولكلّ قرّاء الأوان


الرد على التعليق

- محمّد النجّار
26 أيلول (سبتمبر) 2010 21:17

استوقفتني عبارة للأستاذ أمير الغندور وهو اعتباره إيّاي ضمن "اليسار المتطرّف" وهذه في الحقيقة من المؤاخذات التي أؤاخذها عليه، حيث أنّي رأيته يحاول دائما وضع كاتب المقال (معي أو آخرين)في نسق فكريّ معيّن من عنده ومن ثمّة يبدأ في إخراج الحجج المقابلة، وأؤاخذ عليه أيضا تقويل الكتّاب ما لم يتفوّهوا به وقد حدث معي مرارا من قبل كأن جعلني مثلا أقدّم الشهادات الأجنبيّة المعاصرة لبدايات الإسلام على الشهادات العربيّة، وهذا غير صحيح بل أذكر في كتابي القادم عن السيرة النبويّة أنّي لا أقدّم أيّ نصّ على الآخر، وأضع الجميع على محكّ النقد، ولا أحبّ أن أواصل في ضرب الأمثلة وإنّما رجائي هو الالتزام بطرح الكاتب لا بتأويل كلامه (رغم التطوّر الذي ألمسه في تعليقات الأستاذ الغندور الأخيرة) وحتّى لا نذهب بعيدا عن موضوعنا هنا سأقتبس بعض كلام الأستاذ الغندور: (واضح أن الخرافة التي يشير إلى استحالتها النجار هنا هي: غرق فرعون وجنده .. ويظنها "غباء) لا يا أستاذي الغندور لم أقصد هذا الأمر إطلاقا ولا أدري كيف فهمته كذلك، وهذا ما كنت أؤاخذه عليك، بل وزاد أن وافقك الأستاذ عادل بن عبد الله على ذلك.

الغباء هو أن يتبع فرعون موسى في البحر المنشقّ إلى طودين عظيمين، فبعد كلّ ما رآه من معجزات موسى وما لمسه بالتجربة في مصر وعلم أنّ "سحر" موسى أقوى من سحر السحرة الآخرين، نراه يقدم على دخول البحر ومعه جنده دون خوف ولا يفكّر في إمكانيّة أن يناله سحر موسى فيرتدّ البحر عليه فيغرق، هذا هو غباء فرعون الذي قدّمته لنا التوراة ومن بعدها القرآن، وغباء المصريّين من بعده الذين لم يفعلوا شيئا أمام خسارة بعض الحاميات التابعة لهم في كنعان واحتلال اليهود لها، وهذا كلّه غير صحيح بالطبع إلاّ في التوراة والقرآن.

أمّا أن يضرب موسى البحر فينشقّ فهذا لا يسمّى غباءً يا سيّدي بل خرافة حسب المنطق المادي ويسمّى إيمانا حسب المنطق المثالي.

أمّا عن الأساطير فمن الغريب اعتبارها خرافات بالنسبة إلى التوراة لكنّها أكثر عقلانيّة بالنسبة إلى القرآن ودليلك في ذلك هو أنّها مذكورة للعبرة وهذا أيضا تماهى معك فيه الأستاذ بن عبد الله وزاد بأن ذكّر بطرح المحدثين وكيفيّة تناولهم للقصص القرآني، وإنّي لا أوافقكما الرأي وذلك لأنّ هذه القصص مذكورة في التوراة أيضا بغرض العبرة وساقها القرآن للغرض نفسه، لكن وهذا هو المهمّ لا تعتبر الكتب المقدّسة هذه القصص خرافات رمزيّة، بل تعتبرها وقعتْ وحدثتْ فعلا، بل هي تستمدّ قوّتها التربويّة من كونها أحداثا حقيقيّة ليعتبر المعتبرون.

الغرض الرئيسيّ من مبحثي المقتضب هو أنّ القرآن يمثّل حلقة من سلسلة لاهوتيّة شرق أوسطيّة وهي تتبع بعضها بعضا فإذا انفرط العقد انفرطت جميع الحلقات رغم محاولاتنا الدائمة تبرير وعقلنة حلقة على حلقة وإبعادها عن الأخريات. لكنّها للأسف سلسلة متّصلة ببعضها بعضا.

شكرا.


الرد على التعليق

- أمير الغندور
26 أيلول (سبتمبر) 2010 21:46

- يقول لي أ عادل بن عبدالله:
- " أن تقارن بين تسونامي والفياضات -التي عجز العلم عن التنبئ بها- وبين حدث غرق فرعون هو ضرب من المغالطة. فغرق فرعون ليس حدثا خاضعا لقوانين الطبيعة مهما فهمنا من معنى هذه القوانين .
- أظن أ عادل أن المقارنة بين تسونامي وغرق فرعون ليس فيها مغالطة .. لأني إنما قصدت به التوضيح .. ولم أقصد به المماهاة التامة بين الحدثين.
- لذا فأظن أن قصدي من الحديث عن "عدم استحالة" غرق فرعون ليس فيه أي مغالطة.
- بل أظن المغالطة هي القول باستحالة حدوث هذا الأمر .. من وجهة نظر علمية وطبيعية.
- فأرجو فهم قصدي من المقارنة على أنه دحض للقول بالاستحالة العلمية والطبيعية لغرق فرعون .. وهي مقارنة مقبولة تماما وعلمية
- ولكني أوفقك على أنها تصبح غير علمية ومغالطة .. فقط لو كان المقصود بها هي المماهاة بين غرق فرعون وتسونامي.
- بينما هذا لم يحدث بالمرة في نصي أعلاه ولا حتى في قصدي.
- لذا أظن أن خلافنا يدور كما يلي:
- أنا أعمل في مجال نقد الاستحالة واستخدام المنهج التأويلي
- بينما أنت تعمل في إطار افتراض أن أقول بالمماهاة بين الأمور .. وهذا لم يحدث
- فأنا أتفق معك في مسألة التنسيب وعدم الإطلاق .. وأتمنى أن أقدر على تخفيف إطلاقية كلماتي
- أما عندما تقول:
- " فالفياضانات ، أو تسونامي لم تشق البحر نصفين ولم يستثمرها أحد لبناء سرد تأسيسي"
- فإني أرد عليك بأنك تتبنى نظرة خطية للتاريخ .. حيث تعتبر أنه يجب أن يأتي الحدث أولا ليتم استثماره بعد ذلك أسطوريا . وهذه نظرة خطية مباشرة للعلاقة بين التاريخ كحدث والأسطورة كمجرد تكريس لاحق على الحدث
- ولا أخفيك أن هذه النظرة ظنية تماما وربما غير سليمة .. لأنها بذلك تحدد موقع الأسطورة في التاريخ .. بل وتظن الأسطورة هي مجر قراءة "تهويلية" لأحداث التاريخ .. وهذه نظرة تم تجاوزها في الهيرمينويطيقا المعاصرة .. فالأسطورة تمثل "طموحات" مستقبلية أيضا .. ولا تمثل فقط "مخاوف ماضوية" ..
- بل ولا تمثل الأسطورة بالمرة مجرد استثمار لأحداث تاريخية ولا هي مجرد سرد قصصي لأحداث تاريخية وقعت بحيث نحاول التحقق من صحتها أو عدمه .. ومن ذلك التحقق الأريكيولوجي وحده نحكم على مصداقية الأسطورة من عدمه .. فأظن هذا الفهم للأسطورة قد تجاوزته الهيرمينيوطيقا (التأويلية) المعاصرة والتي تختلف عن أركيولوجيا النجار التاريخية اللاهيرمينويطيقية


الرد على التعليق

- أمير الغندور
26 أيلول (سبتمبر) 2010 21:56

- يطرح أ عادل بن عبدالله سؤال:
- "ما الفرق في مستوى العقلانية-أو اللاعقلانية-بين الولادة العذرية و سقوط آدم من الجنة و كلام الله إلى موسى وأسطورة أهل الكهف و من جهة و بين صراع الرب مع اسحاق أو أسطورة الجبل؟
- لا شكّ أن الحضور أو الغياب لا يمكن أن يكون حجة على قطيعة ما أنجزها النص القرآني مع التراث الكتابي.."
- بالفعل أعادل أظن – كما شرحت في تعليق أعلاه - أن اختلاف "المنظور" في الرواية الأسطورية بين القرآن والكتب الدينية السابقة يؤشر لما أشرت إليه أنا من وجود "قطيعة" ابيستيمولوجية في القرآن تميل إلى "تعقيل وعقلنة" الأسطورة .. وهذه مسألة معروفة وذات دلالة هامة في مجال الفهم البينوي للنصوص والقراءة الأريكيولوجية للخطابات.
- فبينما استندت أغلب النصوص المقدسة السابقة في تأسيس مصداقيتها على "منظور معاناة داخلية وشخصية" الأسطورة من الداخل يقوم به الرسول بنفسه.
- بينما اتخذ النص الإسلامي توجه مختلف جدا مقارنة بهذه النصوص السابقة عندما تبنى "منظور قصصي خارجي لا شخصي" وكأنه لأول مرة يقوم بتجاوز لمعاناة الأسطورة من الداخل .. إلى النظر إليها من الخارج لاكتساب العبرة .. وهذا توجه براجماتي تماما ..
- وأظن هذا التوجه القرآني هو جوهر فكرة الحداثة التي تقوم على "إزلة الأسطرة عن العالم" - كما لفت ماكس فيبر وآلان تورين
- وهو التوجه الذي لا نجده بالمرة في النصوص المقدسة السابقة على القرآن.
- بل وألفت إلى التمييز الجيد الذي قام به نصر حامد أبو زيد حول المعنى والمغزي لفهم توجه وقصدية النص القرآني في هذا المسألة .. فيجب فهم المغزى الذي قصد النص القرآني في إطار الممكن في السياق التاريخي الذي نزل فيه.
- فإذا فهمنا هذا المغزي (بتميزه عن المعنى) فلابد أن ندرك أن القرآن يقوم بخطوات تمهيدية في طريق يتجه في اتجاه محدد هو اتجاه عقلنة الأسطورة .. وهو توجه واضح جدا ولا يجب اختزاله في "المعنى الحرفي التاريخي" .. والذي ربما كان تأشيريا وليس حاسما ونهائيا.
- وهذه القراءة "الأسلوبية" البنيوية المقارنة التي أقوم بها هنا تستفيد من أحدث المناهج المتاحة في علم اللغة ولا تقف عن المنهج الفيلولوجي بالمرة.
- لذا فمسألة التلقي الحديث والمعاصر التي تلفت أنت نظري إليها أظنها ستقوم عندي في مسألة منهج المعالجة الممكن .. فالتلقي لا يتم بمعزل عن هذه المناهج وإلا كان محض تلقي "حرفي" ينحكم بإطاره التاريخي القاصر .. وهذا شكل آخر من أشكال الفيلولوجيا "العكسية"
- لكنها تبقى محاولة سريعة ولكني لا أظنها خاطئة بل صحيحة مبدئيا .. وإن كنت أوافقك على أنها تتطلب مزيد من التأسيس
- لكني فقط أذكرك بأني هنا لست في معرض التأسيس بل في معرض النقد والتفكيك حيث يحدث التأسيس بشكل متسرع .. وهذه مسألة حتمية في طبيعة الكتابة التفكيكية.


الرد على التعليق

- أمير الغندور
26 أيلول (سبتمبر) 2010 22:46

- أ محمد النجار يؤاخذني على مؤاخذات غريبة منها تصنيفي له في اليسار المتطرف ثم تقويلي إياه ما لا يقول .. ولكن يفاجئني في محاولته إثبات هذه المسألة مرتين:
- مرة عندما يستخدم كلماته نفسها ويحاول تأويلها لتقول غير ما تقول .. ومرة أخرى عندما يعود إلى نفس تأويلي لكلماته .. وكأنه يدحض الفكرة التي يقدمها من خطأ قراءتي له.
- وبصراحة لا أفهم فحوى هذا الدوران حول مسألة يعود هو ليثبتها على نفسه .. رغم أنها لا تمثل أي قيمة في النقد الذي وجهته إليه.
- فالنجار يعترض على تقويلي له ما يقوله حين يقول "غباء"
- وهنا لابد لي أن أستمع له .. رغم أن استخدامي لكلمة "غباء" لا قيمة له بالمرة .. لأني ركزت نقدي على المنطقين الذين استخدمها وهما الاستحالة النظرية (وليس الغباء) وكذلك الاستحالة التاريخية.
- وأظن أني فندت هذين المنطقين تماما.
- لذا يدهشني تماما أن يترك أ النجار تفنيدي المنطقين .. ويركز على استخدامي لكلمة غباء.
- وأنا أقول للنجار: لك كل ما تريد .. أحذف كلمة "غباء" .. فإن ذلك لن يغير أي شيء من تفنيدي لمنطق التفكير الذي استخدمته والذي لا يتوقف بالمرة على كلمة "غباء" والتي لم أت بها أنا أصلا بل أنت.
- العجيب بعد كل هذا أن أجد أ النجار نفسه يعود في نهاية الفقرة ويقول:
- "أمّا أن يضرب موسى البحر فينشقّ فهذا لا يسمّى غباءً يا سيّدي بل خرافة حسب المنطق المادي ويسمّى إيمانا حسب المنطق المثالي."
- وأنا أسأل أ النجار: ألم أقدم لك نقدا لمسألة تحويل الأسطورة إلى خرافة وفق المنطق المادي؟؟
- فلماذا تركت محاججة هذا المنطق .. وركزت على محاججة كلمة واحدة هي "غباء" .. رغم أنها لا تساوي شيئا في منظومة المحاججة التي قدمتها نقدا لك.
- لماذا تترك المنظومة وتركز على كلمة واحدة فيها؟؟ وكلمة لا قيمة لها .. بحيث أنها إذا حذفت لم تؤثر بالمرة.
- بل لحسم هذه المسألة دعني أسألك سؤال: ماذا تعني الخرافة في المنطق المادي؟؟ ألا تعني الغباء والبدائية والتخلف؟؟
- وإلى أي منطق أنت أقرب: المنطق المادي أم المنطق المثالي .. بتوصيف كلماتك نفسها؟؟
- ألست أقرب إلى المنطق المادي: أي المنطق الذي يعتبر الخرافة نوع من الغباء أو سمه التخلف أو سمه بدائية التفكير؟؟ أليست الخرافة بالنسبة لك نمط من التفكير غير العلمي والسلبي؟؟ أليس الغباء يندرج في ذات الإطار السلبي.
- وعندما تقول:
- "أمّا أن يضرب موسى البحر فينشقّ فهذا لا يسمّى غباءً يا سيّدي بل خرافة حسب المنطق المادي ويسمّى إيمانا حسب المنطق المثالي."
- ألست بذلك تعتبر الإيمان نوع من الخرافة .. ونوع من التفكير غير العلمي بل ونوع من الغباء؟؟
- هل أنا هنا أقولك غير ما تقول؟؟
- الغريب أني لم أركز أساسا على هذه المسائل .. بل أنت الذي تصر على إثارتها ببقاءك داخل التصنيف الثنوي بين المنطق المادي والمنطق المثالي الإيماني.
- ألم تلتفت إلى حديثي عن الطريق الثالث بين المنطقين المتصارعين:
- 1 - المنطق الذي تسميه أن بالمادي (والذي أسميه أنا اليسار المتطرف)
- 2- وبين المنطق الذي تسميه أن بالمثالي الإيماني (والذي أسميه أنا اليمين الأصولي)؟
- وأستميحك عذرا: فما الفرق بين تسميتك أنت للمنطقين وبين تسميتي أنا لهما؟؟
- ثم إن كنت تعتبر نفسك تنتمي – وفق فهمي لمقالاتك – ضمن المنطق المادي .. فلماذا تلومني على تصنيفك في جهة اليسار المتطرف؟؟
- أليس المنطق المادي هو منطق اليسار المتطرف؟؟ أم أنك لم تحسم هذا الأمر بعد في فهم للمنطق المادي وفهمك لليسار المتطرف؟؟
- هذه أسئلة إجاباتها واضحة أ نجار .. ويدهشني تماما أنك تثيرها .. فما هدفك بالضبط من إثارتها؟؟
- بصراحة أنا لا أفهم هذا المسألة .. واعذرني في هذا.
- بل يتحول عدم فهمي إلى صدمة عندما أجد أ النجار يكتب تفسيره عن "الغباء" بشكل عكسي فيقول:
- "الغباء هو أن يتبع فرعون موسى في البحر المنشقّ إلى طودين عظيمين، فبعد كلّ ما رآه من معجزات موسى وما لمسه بالتجربة في مصر وعلم أنّ "سحر" موسى أقوى من سحر السحرة الآخرين، نراه يقدم على دخول البحر ومعه جنده دون خوف ولا يفكّر في إمكانيّة أن يناله سحر موسى فيرتدّ البحر عليه فيغرق"
- فيبدو هنا أني أ النجار يصدق أسطورة أكثر من تصديق فرعون نفسه لها.
- فهنا يصف أ النجار فرعون بالغباء لأنه لم يفهم قوة موسى. وبهذا يمارس النجار نقد داخلي للأسطورة من داخلها.
- فيحسب أن المنطق الداخلي للأسطورة هو الذي يتصف بالغباء .. وليست الأسطورة نفسها هي التي تتصف بالغباء.
- وأنا أعتذر من أ النجار لو أني لم أفهم الاختلاف "الجوهري" بين الغباء "الداخلي" للأسطورة .. والغباء الخارجي فيها.
- فهذه أمور يبدو أعلى من مستوى تفكيري .. أعذرني أ النجار.
- لكن أتمنى لو يشرح هذاالفرق لي أحد أقدر على فهمه


الرد على التعليق

  • - محمّد النجّار
    26 أيلول (سبتمبر) 2010 23:55

    (ألست بذلك تعتبر الإيمان نوع من الخرافة .. ونوع من التفكير غير العلمي بل ونوع من الغباء؟؟
    - هل أنا هنا أقولك غير ما تقول؟؟)

    نعم يا أ.غندور، تقوّلني ما لم أقل، وأصرّ إلحاحا على هذا، فلا أعتبر مطلقا أنّ الإيمان هو نوع من الغباء ولا أدري كيف تبني هذه الاستنتاجات على كلامي؟ فحسب هذا المنطق نقول: سقراط كائن حيّ، الحمار كائن حيّ، إذن سقراط حمار. ونقول: الأسطورة قدّمت لنا فرعون غبيّا، الإيمان هو تصديق قصّة فرعون، إذن الإيمان يعني الغباء! فكيف بالله عليك تصل إلى هذه الإستنتاجات؟ ثمّ ما رأيك لو رأينا اسطورة يكون بطلها ذكيّا فهل يعني أنّ الإيمان بها هو الذكاء؟

    يا سيّدي ليست الأسطورة هي الغبيّة وإنّما أحد أبطالها، وإيماننا بها لا علاقة له بذكائنا وغبائنا، وبذكائها وغبائها، كما أنّي لا أعتقد بوجود أسطورة ذكيّة وأخرى غبيّة، وإنّما أسمّيها "خرافة" حسب المنطق الماديّ أي أنّها غير قابلة للحدوث، ومن يؤمن بإمكانيّة حدوثها فهو يبرّرها ميتافيزيقيّا، وهذا يتجاوز المجال الماديّ لكن وأكرّر لا علاقة له بالغباء. وهذه هي الإجابة على سؤالك: (فيحسب أن المنطق الداخلي للأسطورة هو الذي يتصف بالغباء .. وليست الأسطورة نفسها هي التي تتصف بالغباء. وأنا أعتذر من أ النجار لو أني لم أفهم الاختلاف "الجوهري" بين الغباء "الداخلي" للأسطورة .. والغباء الخارجي فيها.) وبالمناسبة لم أتحدّث عن غباء خارجيّ وهذا أيضا من ضمن استنتاجاتك.


    الرد على التعليق

- أمير الغندور
26 أيلول (سبتمبر) 2010 22:55

- يقول أ النجار: "أما عن الأساطير فمن الغريب اعتبارها خرافات بالنسبة إلى التوراة لكنّها أكثر عقلانيّة بالنسبة إلى القرآن ودليلك في ذلك هو أنّها مذكورة للعبرة"
- ودعني أوضح لك الفرق ببساطة .. أنت في مقالك الحالي تتكلم عن الخرافات .. فأطرح على نفسك نفس السؤال كما يلي:
- " أمّا عن الأساطير فمن الغريب اعتبارها خرافات بالنسبة إلى التوراة لكنّها أكثر عقلانيّة بالنسبة إلى القرآن واعتبارها "خرافات" في مقالة محمد النجار..
- هل بقى الأمر غريب عليك؟
- ثق في كلماتي التالية: نعم أ النجار .. يمكن للشيء الواحد أن يعتبر أسطورة في مكان .. بينما يعتبر أكثر "عقلانية" في مكان آخر .. بينما يعتبر محض "غباء" في مكان ثالث.
- وهذه مسألة بسيطة .. وتعتمد على طريقة التناول و"منظور" التناول .. وغير ذلك مما فصلت الدراسات اللغوية والأدبية.


الرد على التعليق

- أمير الغندور
27 أيلول (سبتمبر) 2010 00:37

- يدهشني النجار كلما اشتبكنا في حوار.
- فهو يقول:
- الغباء هو أن يتبع فرعون موسى في البحر المنشقّ إلى طودين عظيمين، فبعد كلّ ما رآه من معجزات موسى وما لمسه بالتجربة في مصر وعلم أنّ "سحر" موسى أقوى من سحر السحرة الآخرين، نراه يقدم على دخول البحر ومعه جنده دون خوف ولا يفكّر في إمكانيّة أن يناله سحر موسى فيرتدّ البحر عليه فيغرق، هذا هو غباء فرعون الذي قدّمته لنا التوراة ومن بعدها القرآن.
- هنا يتركز نقد المنطق الداخلي للأسطورة لدى النجار حول غباء فرعون .. والغريب أن النجار لا يرى أن هذا الغباء هو أمر وارد .. بل يظنه أمر غير وارد بالمرة أن يتميز شخص بالغباء .. فكأنما يرى النجار أن فرعون يستحيل أن يتميز بالغباء .. ولا أدري إلى أي علم لدني أسطوري يستند صديقنا النجار في قوله بهذه الاستحالة التي يستند إليها لوصف الأسطورة بالخرافة.
- والسؤال: هل من المستحيل أن يتبع فرعون موسى إلى داخل منطقة خطرة حتى لو أيقن أن قدراته السحرية قوية؟؟
- أظن لو أن سحر موسى يخيف فرعون لكان أجدى به من البداية أن يؤمن بموسى .. بدلا من أم يقدم أصلا على ملاحقته .. أليس هذا منطق أفضل مما يفترضه النجار؟؟
- فلو كان فرعون ليس بالغباء الذي يجعله يتجرأ على ملاحقة موسى والكفر بمعجزاته .. فلماذا لم يؤمن بقدرته أساساً من منطلق الذكاء؟؟
- ألم تسمع أو ترى أ نجار عن قائد وقع في عمره في لحظة غباء أو خطأ؟؟ هل هذا مستحيل وفقا لمنطقك المادي؟؟ أم أن بدهيات المنطق المادي تقضي بأن وعي الفرد يتبع ظروفه؟ وإن كانت ظروف فرعون تقوم على ظنه بأنه إله مع تخلف المعرفة البشرية في زمنه، ما يدفعه إلى الغباء الأكبر وهو الظن بألوهيته مع تصديق قدرته على أرضه ومواطنيه .. أليس في هذا ما يكفي من الغباء عند فرعون لتظنه يستحيل أن يتصف به كما لو كنت تصدقه أكثر مما يصدق هو نفسه؟
- لا أظن أن النجار قادر على تفسير هذه المسائل البديهية وفق منطق الغباء أو الذكاء.
- فلو كانت تلك هي الطريقة التي استند إليها أالنجار في فهم أسطورة موسى فليس أمامي سوى أن أعتذر عن أني توقعت طريقته أن تكون أرقى و"أذكى" من هذا .. وبناء على لك أتى نقدي الأول له.


الرد على التعليق

  • - محمّد النجّار
    27 أيلول (سبتمبر) 2010 01:33

    يقول أ.أمير: (والغريب أن النجار لا يرى أن هذا الغباء هو أمر وارد .. بل يظنه أمر غير وارد بالمرة أن يتميز شخص بالغباء .. فكأنما يرى النجار أن فرعون يستحيل أن يتميز بالغباء) وما زلت تقوّلني ما لم أقل! واصل يا أ.أمير صناعة الاستنتاجات الوهميّة من عندك والردّ عليها، وواصل استعمال "فكأنّما" و "أظنّه" وما شابه. أمّا عنّي فإنّي ألقي المنديل. بيد أنّي سأعود لاحقا إلى نقطة مهمّة طرحها الأستاذ عادل بن عبد الله.


    الرد على التعليق

- أمير الغندور
27 أيلول (سبتمبر) 2010 11:36

- يا أستاذ نجار .. ماذا أستفيد من تقويلك ما لا تقول؟؟
- أنا بكل صدق أريد أن أفهمك .. ولا أدخر وسعا في محاولة فهم ما تكتبه في نص مقالك وما سبقه.
- لكن لو أن لديك تصورات مختلفة عما ورد في المقال .. فالمسألة لا تقع على كاهلي أنا وحدي .. بل أنت كاتب المقال وعليك أن تمارس أيضا الجزء الخاص بك من توصيل ما تريد قوله .. دون تعمد ترك الأمور لتأويلات متضاربة.
- فأنت تكتب مقالا يخوض في مناطق محددة .. ومن الواجب عليك أن تأتي كلماتك أكثر تحديدا .. وإلا تكون قد قصرت في توصيل رسالتك وممارسة كتابتك.
- أنا لا أنفي الجزء الخاص بي في محاولة فهم ما تقول .. لكن أظن أني أمارس قدر معقول جدا من مهمة فهمي لك
- ولا أظنك تزعم أن أفكارك مصاغة في شكل شفرات داخل النص بحيث تستغلق على فهمي لها .. إلا لو كنت تتعمد الكتابة بطريقة ملغزة مثلا .. بينما أظن أن معاني كلماتك واضحة وقريبة جدا إن لم تكن متطابقة مع أغلب تفسيراتي لها.
- لكن لو أنك تقصد مثلا بكلمة مثل "الغباء" كل ما تقوله لي حتى الآن ولا أظن أنه يناسب "الفهم المشترك" عن معنى هذه الكلمة .. إذن فمن واجبك أن توضح كل هذه الاستدراكات داخل مقالك .. وإلا فإن مقالك يظل ناقصا وقاصرا عن الوضوح.
- ولا تحاول إلقاء تبعة هذه المسألة على من يقرأك وحده .. فأنت أيضا مسئول عنها .. إلا لو كنت فقط قد تنبهت لها جراء نقاشي لك حولها .. وهنا يكون عليك على الأقل أن تعترف بأن النقاش حولها هو ما أبرز وجود مشكلات لديك في توضيحها في المقال الأصلي.
- أظن أني مارست قدر معقول جدا في فهم مقالك وفق ما يستحق .. ولو أن لديك تفسيرات مختلفة سواء لكلمة "غباء" أو غيرها .. فعليك أن تبادر لتذليل هذه المشكلات.
- هل تصادفك مثل هذه المشكلة مع نصوصي مثلا أو نصوص عادل بن عبدالله؟؟ لا أظن .. لأن نصوصنا واضحة .. وأنا أحرص على توصيف الأمور بالقدر الكافي.
- لذا فأنت نفسك تفهم ما أقول جيدا .. وبل وتدرك حجم اختلافه عما تقوله أنت - وفق رؤيتك لهذه المسألة.
- فلماذا لا تقدم لنا نصوصا على هذا المستوى من الوضوح وعدم تعمد تمويه الأفكار؟؟
- وأرجوك ألا تستهل المسألة وتلجأ للتفسير المكرور بأني أتعمد تقويلك ما لا تقول .. ونسب أفكار لم تقلها لك .. ومثل ذلك مما تحسبه أنت عندي .. لأن هذه دائرة مغلقة لا نهاية لها من الاتهام والاتهام المضاد.
- ألا ترى أن الأفضل هو أن تركز في تقديم توضيحات أكثر مما فعلت في المقال حتى الآن؟؟
- ألا تظن أن الأمر كان يستحق منك إيراد بعض هذه التوضيحات في الهوامش مثلا.
- أم أنك تظن أن كتابة مقال إنما تعني إفراغ بعض الخواطر على الكمبيوتر لا أكثر دون توقع كيف يستقبلها القراء؟؟
- فإن كنت ترى أني أسأت فهم كلماتك .. فماذاتظن في بقية القراء إذن؟؟
- وهل لديك رؤية لتجاوز مشكلة الغموض هذه أو على الأقل تعددية معاني كلمات بما يجعل معانيها تختلف عن "الفهم المشترك" وتصبح خاصة بك أنت وحدك .. بحيث ترفض أي تأويل لها من آخرين.
- أليس معنى ممارسة الكتابة نفسها هو تجاوز كل الأسئلة التي طرحته عليك هنا؟؟
- ما زلنا في إطار الأسئلة وأتعشم أن نقدر على تجاوز هذه المرحلة إلى مرحلة محاولة الأجوبة.


الرد على التعليق

- أمير الغندور
27 أيلول (سبتمبر) 2010 12:04

- أليس من العجيب أن تصر أ نجار على تركيز النقاش حول كلمة "غباء" رغم أني سلمت لك بحق تأويلها كما تريد .. بل وقررت حذفها تماما من النقاش؟؟
- أي جزء في كلماتي لم يصل إليك بعد.
- أنت تركز كافة ردودك حول تأويلي - وفق رأيك - لهذه الكلمة . فمتى ستلتفت إلى ما هو أهم .. وأقصد نقد المنظومات والمنطق والأفكار .. وليس نقد الكلمات .. أقصد كلمة واحدة حتى.
- هل هدفك هو الاستنتاج أنه: طالما هناك "خطأ" في تأويل كلمة واحدة .. فإن ذلك ينسحب بالتبعة على كل النقد كما في تفاعلات "الألعاب النارية"؟؟
- أتمنى ألا نصل إلى هذه المرحلة من الحوار
- على العموم لا تنسى أني سلمت لك بحق تأويل حصري لكلمة "الغباء" .. فقط لأني أمل الحوارات غير الهادفة حول ما لا لزوم له .. وليس لأني مقتنع بما تقول.
- عد إلى تعليقاتك وستجدها جميعا تدور حول كلمة واحدة .. وأنا كنت أتعشم حوار حول منظومات وليس حول كلمات


الرد على التعليق

- محمّد النجّار
27 أيلول (سبتمبر) 2010 12:20

النقطة المهمّة التي ذكرها أ. بن عبد الله وكذلك أ.الغندور هي قوله: (القدرة على تجاوز كل التأويلات السابقة وإعادة توجيه التأويل صوب مناطق جديدة تساعدنا في "إعادة "بناء نظرتنا للعالم) وكي أخصّص المسألة فإنّي أغيّر جملة " إعادة بناء نظرتنا للعالم" إلى "إعادة بناء نظرتنا للقرآن" وهذا يدخل في باب "الطريق الثالث" الذي اشار إليه أ.الغندور، وأعترف أنّه طريق مغر وطالما جذبني إليه وذلك لتحقيق التوازن العقلي والروحي من ناحية ولتقديم معرفة دينيّة تكون نوافذها مفتوحة على الحاضر والمستقبل من ناحية أخرى. بيد أنّني وكلّما تمعّنت في الأمر انتابني شعور بالخيانة، خيانة النصّ الأصلي من حيث محاولة تحميله أكثر ممّا يحتمل وإلباسه لبوسا على غير مقاسه. وهذه بالنسبة إليّ إشكاليّة كبرى فنحن لا نتعامل مع نصّ يخضع للتراكم المعرفي ومن ثمّة يمكن تجاوزه بل نتعامل مع نصّ يتضمّن كلّ المعرفة والحقيقة المطلقة وما معرفتنا إلّا مجرّد ظلّ له وجزء منه فكيف يتجاوز الجزء الكلّ؟ وحتّى يكون كلامي بالأمثلة يقول القرآن: (تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظالمون) (البقرة، 229) ويقول: (ومن يعص الله ورسوله ويتعدّى حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين) (النساء، 14) ولنأخذ مثلا أحد حدود الله هذه وهو قطع يد السارق ونسأل كيف نصنع الجسر التأويليّ بين هذا الحدّ وبين قيمنا المعاصرة؟ إلاّ إذا قمنا بفعل الخيانة للنصّ وحشدناه بالتبريرات والمخارج التنظيريّة، وحتّى لو نجحنا وشعرنا بالإطمئنان لتأويلاتنا المعاصرة فإنّ هذا لا ينفي أنّ الجزء الثاني من الآية ينطبق علينا: (سيكون لنا عذاب مهين!)

إنّي أعتبر هذا الطريق الثالث خيانة غير مقصودة فهي حقّ يراد بها باطل من وجهة النظر القرآنيّة ولا مناص لنا من الوقوع في الثنائيّة، إمّا هذا وإمّا ذاك، فإمّا أن نكون صادقين مع النصّ بل مع أنفسنا أوّلا فلا ندخل في حالة فصام معرفيّ ونقرأ النصّ بما يريده هو لا بما نريده نحن وهو ما أراه في الأصوات المنادية بإقامة دولة إسلاميّة فهي على الأقلّ أصوات صادقة مع نفسها حتّى وإن كانت خارج متطلّبات العصر، وإمّا أن نتجاوز النصّ فكريّا وعمليّا لنضعه في مكانه كقيمة تراثيّة نعتزّ بها لكنّها غير ملائمة.

أمّا الجلوس على طرفي مقعدين يذكّرني بالمثل التونسي (لا نحبّك ولا نصبر عليك) ولا أقصد بالجلوس على مقعد واحد أن نقطع مع التراث بل بالعكس علينا الإستفادة منه لكن مع وضعه في مكانه الطبيعيّ فلا يعيش فينا بل يعيش معنا. هذه رؤيتي على عجالة لهذه المسألة التي أعتبرها محوريّة، وكنت أحبّ النقاش حولها، وأثارها الأستاذان الغندور وبن عبد الله، وأختم ثرثرتي بمقطع شعريّ لي لإضفاء بعض المؤانسة وشرب الشاي:

غيمة تطفو على الماء

وأسراب حمام تعبر الآن الخرابا

قمر يسقط في الرمل

وقطعان ذئاب تملأ الآن الهضابا

حاضر يركض في الريح

وأمس ضائع في غده

وغد منسلخ عن أمسه

من تُرى نحن وقد صرنا غيابا؟

تحيّاتي للجميع


الرد على التعليق

  • تونس - سامي الرياحي
    27 أيلول (سبتمبر) 2010 16:12

    هذا مبحث قديم جديد,هكذا بدأ الكاتب مقاله.نعم هذا المبحث قديم تناوله المستشرقون و أماطوا اللّثام على العلاقة الرّابطة بين النّصوص المقدّسة خصوصا في موضوع قصص الأنبياء.والمقال مهمّ و مفيد.غير أنّني أودّ أن أسأل الكاتب إن كان يميّز فعلا بين معنى الأسطورة من جهة و معنى الخرافة من جهة ثانيّة.فعلى ما أعلم أن هناك اختلافا بينهما.الأولى تحمل صبغة الإعتقاد و الحقيقة عند معتنقيها ,والثانيّةقصص خاليّة من أيّ من منطق وهدفها الإمتاع و التندّر و هي لا تحمل أي بعد اعتقادي.وللكاتب أن يعود إلى مقال بول ريكور بالموسوعة الكونية تحت عنوان " الأسطورة" لتبيّن الفوارق بينهما.في ٍرأي المتواضع أنّ الكاتب يتبع منهج المستشرقين القدامي المتأثّر بالنزعة التطوّريّة في تاريخ الأفكار و القائمة على رصد المقارنات بين الأنساق الفكريّة الكبرى في التاريخ.مع أن ّ الكاتب اكتفى برصد مواطن التشابه في قصص الأنبياء دون أن يبرز الوجه الآخر المتمثّل في منطق الإختلاف بينهما من خلال اختلاف مسارات القصص بين التوراة و القرآن.أضف إلى وظيفة هذه القصص الأسطوريّة في بناء قيم تتفق مع العقيدة التوحيديّة لكلا الدّيانتين.


    الرد على التعليق

    • - محمّد النجّار
      27 أيلول (سبتمبر) 2010 21:36

      الكاتب يا سيّدي الكريم حين أشار إلى أنّه مبحث قديم فقد عاد به إلى ما قبل المستشرقين أي إلى زمن نزول القرآن نفسه وكيف تلقّاه البعض من قومه.

      والكاتب حين أشار إلى أنّه مبحث جديد فلأنّه اعتمد آخر الأبحاث الأركيولوجيّة في تحقيق بعض هذه القصص الدينيّة تاريخيّا ولا يهمّه رمزيّة الشخصيّة والعبرة منها وقيمتها الأخلاقيّة والتأسيسيّة بقدر ما يهمّه تاريخيّتها.

      والكاتب يا سيّدي الكريم لا يتناول موضوع الأسطورة والخرافة والفرق بينهما لأنّه لا يتناول النصّ القصصي من دائرة هرميونطيقيّة ولا بمنهج فنومولوجيّ ولا تهمّه الفتوحات الرمزيّة ولا الاختراعات الدلاليّة، وما يهمّه هو كيف فهم بعض معاصري محمّد هذه القصص، أمّا عن زمننا الحاليّ فليس في نيّة مبحثي هذا، أن يقدّم الأبعاد العقائديّة للأسطورة، فهذا أتركه لأصحاب "الطريق الثالث" لأضافة طوابق أخرى تأويليّة على مبنى الدين العظيم، ولكن ما يهمّني هنا وكان عليه مبحثي هو اعتقاد القرآن اعتقادا جازما لا رمزيّا ولا مجازا بتاريخيّة هؤلاء الأشخاص فبحثت عنهم أركيولوجيّا وفي رواية أخرى علميّا.

      والكاتب يا سيّدي الكريم، وكما أخبرني شخصيّا، لا يتبع منهجا استشراقيّا بعينه، ويقدّم العقل المادي المبنيّ بأدلّة ملموسة وواضحة على التأويل الذاتي المبني بأدلّة نفسيّة مخفيّة. كما أنّ الكاتب قد أشار إلى بعض الاختلاف في المنطق التوراتي والقرآني، ولكنّه لا يتوقّف عنده لأنّه ليس من ضمن اهتمامه في هذا المبحث (بل هو اهتمام الأسطرولوجيّين وأبناء عمّهم التأويليّين)وإنّما وكما أشرت يبحث فقط في تاريخيّة الأبطال.

      والكاتب يا سيّدي الكريم يتمنّى لك مساءً سعيدا.


      الرد على التعليق

    • منوبة - عادل بن عبد الله
      28 أيلول (سبتمبر) 2010 19:36

      تحية للأستاذ النجار.قد يبدو رفضك للتأويلات الحديثة موقفا معرفيا-ايتيكيا سليما. فأنت تعتبر أن الذين يصرّون على التأويلات التراثية -وبالتحديد التأويلات الأولى والمهيمنة تاريخيا- هم أكثر وفاء للنص القرآني من كل محاولة "لإسقاط" تأويلات حداثية قد تنقض التأويلات التراثية أو تتجاوزها.قد يبدو "الطريق الثالث" ضمن هذا الفهم مجرد منظومة من المغالطات الباحثة عن توازنات هشة من الناحيتين الوجودية والمعرفية. وليسمح لي الأستاذ النجار أن أخالفه في هذا التصوّر. إنّ افتراض التساوي بين "الاوّلية" و"الأولويّة" هو افتراض متأسس على مبادئ ميتافيزيقية ضمنية هي نفسها التي تحكم الخطاب السلفي. فما تم فهمه في "الزمن الثقافي المرجعي" هو الفهم المعياري الذي يجب أن تحتكم إليه كل الفهوم اللاحقة.ولا يخفى عليك أنّ هذه المعيارية هي نفسها نتيجة تأويل و نتيجة فهم مخصوص لأفضلية الزمن التأسيسي و لمعنى الحقيقة و لطبيعة الزمن الانحدارية و غير ذلك من المبادئ التي ليس هذا مجال تفصيلها أو التوسّع فيها.كما لا يخفى عليك أنّ ابن رشد مثلا رآى أنّ القرآن يتوجه إلى ثلاث فئات من الناس و أنه قد جاء في ثلاثة مستويات من الخطاب التي انبنت بطريقة تفاضلية تبدأ من العوام مرورا بالمتكلّمين ووصولا إلى الحكماء أوالفلاسفة.ولا أظنّ أنّ "تأويل" النص القرآني يخرج عن هذه القسمة الثلاثية و إن كان ينطلق في بنائها من معرفة لم تكن موجودة زمن ابن رشد أو غيره من الذين دعوا إلى تجاوز المعنى الظاهر للايات . أستاذ النجار.إنّ ادعاء أنّ المفسّرين القدامى أو أصحاب السير و غيرهم هم من يمثّل المعنى الحقيقي و الوحيد للنصوص التأسيسية ،أمر لا يكن التسليم به إلا من موقع سلفي أو سلفي مضاد .و أنا أعني بالسلفية المضادة تلك الخطابات "العلمانية" التي ترفض الانفتاح على الدوائر التأويلية و التفكيكية الحديثة والتي تنحصر ضمن خلفية استشراقية وضعية سواء من جهة مقدماتها النظرية أو اختياراتها المفهومية أو إشكالياتها المركزية.و لا أخفيك أنّ هذه المقاربة تحافظ ضمنيا على العديد من مقدّمات الفكر التراثي حتى يسهل عليها نقضها و تبيان تهافتها . وفي المقابل فإنها تجد نفسها في موقع الحليف الموضوعي لدعاة هذا الفكر التراثي المعاصرين و ذلك عندما ترفض أن تتعامل مع التأويلات الحديثة إلا بما هي "خيانة" للمعاني الأصلية والحقيقية.ولا شكّ أنك تعلم أنّ الحديث عن معاني "أصلية" أو أولية هو من ضمنيات ميتافيزيقا الحضور التي تمت مراجعتها جذريا منذ اللحظة الفينومينولوجية ،مرورا بالهرمينوطيقا ووصولا إلى التفكيكية. أستاذ النجار.إنك في موقفك من التأويلات الحديثة-التي قد لا تفارق الدائرة الايمانية بالضرورة بل توسّعها- تبدو محكوما بفهم "ستاتيكي -مؤسسي للايمان و علاقته بالفكر الحديث ( ولعلك تجد في موقف المراجع الفقهية الوهابية خير مثال على ذلك) . ولكنك لو نظرت إلى الفكر الغربي الحديث -و أنت فيما فهمت تقيم في الفضاء الاوروبي- لوجدت أنّ العديد من كبار الفلاسفة المعاصرين قد استطاعوا هدم الحائط "الوهمي" بين الموضوعية و الايمان ،و بين المباحث اللاهوتية وأرقى المباحث الفلسفية( و يكفي مثل بول ريكور و بولتمان و غيرهما من كبار الفلاسفة المؤمنين). أستاذ النجار. إني قد اكون متشائما في مدى فدرة العديد من المفكرين المؤمنين على تجاوز العديد من المسلمات الايمانية و إعادة صياغتها بشجاعة حتى تكون قادرة على تجاوز الوضعية المتذبذبة المعيشة وجوديا و معرفيا . ولكني أيضا على نفس الدرجة من التشاؤم في قدرة المفكّرين "اللاأدريين" أو الملحدين على تجاوز وضعية الرهاب التي يحيونها أمام التجربة الروحانية في شكلها الديني المؤسسي. قد يكون الحلّ هو روحانية مستأنفة لا يمكن بحال أن تصدر غن موقع مفرد ،بل يجب أن تكون نتيجة لحوار بين "الأنداد" الذين تجمعهم رغبة حقيقية في العيش المشترك وقبول الآخر في اختلافه. قد يكون هذا الطرح قريبا من اليوتوبيا .و لكن ما هي الحدود الثابتة بين الواقع و جوهر الانسان باعتباره "كائنا ميتافيزيقيا" على حد تعبير هايدغر؟؟؟ ولك كل الاحترام


      الرد على التعليق

- أمير الغندور
27 أيلول (سبتمبر) 2010 21:44

- ثقافة المخاطرة من المشكلة إلى الحل
- شكرا أ نجار .. لأن تعليقك الأخير يحتوي - لأول مرة منذ زمن طويل - على فكرة إيجابية تفتح آفاق للحوار حول الحلول.
- وذلك أعتبره يمثل تغييرا جذريا عهدته في كتاباتك التي تركز حصريا على المشكلات دون أن تدلف إلى الحلول
- ولذلك لا استغرب كثيرا من أن يأتي حتى حديثك عن الحل (تأويل النص) ممزوجا بنزعة تشاؤمية مسبقة (خيانة النص)
- لكن يكفيني أنك غيرت توجهك وبدأت البحث والكتابة في مجال الحل .. وبهذا أعتبر أن "فيروس" ثقافة الحل قد انتقل إلى ذهنك أخيرا بدلا من "فيروس" ثقافة المشكلات الذي أجده متغلبا على كتاباتك – وأرجو ألا تجد في هذا التوصيف ما يسيئك.
- لكن بالفعل أظنك تحصر كتاباتك حول تصوير المشكلات في الإسلام .. دون أن تخاطر بالخوض في مغامرات الحلول.
- ولذلك أريد أن أغتنم هذه الفرصة (تعليقك الأخير) لأؤكد على هذا التحول الهام جدا لديك.
- ولا مانع عندي لو كتبت في مجال "الحل" .. حتى بكل تشاؤم العالم .. لكن يكفيني ويكفي قراءك أن تمنحهم بعض "الأمل" في حلول .. ولو صادرت عليها.
- وفي هذا الشأن مسائل أساسية وهي:
- أولا وأساسا: لو أنك اشتغلت في مجال "الحل" .. فلا تهتم كثيرا مهما أخطأت .. بل المهم أن تكون نيتك صادقة في البحث عن حل .. ولتعلم أن توجهك في طريق الحل هو وحده كاف لبدء تدشين عملية نسج وتشبيك ربما تؤدي إلى نتائج ثورية لا يمكن لأحد أن يتوقعها بالمرة .. فهذا حال كافة التحولات والاختراقات العبقرية في العالم (عدم توقع النتيجة من المقدمة واعتمادها على صدق المحاولة لا أكثر).
- لذا فطالما أنت في مجال "التفكير في حل" .. فلا أريدك أن تقلق بالمرة حول أي "مشكلات" .. مثل "خيانة النص".
- فحتى هذه المشكلة أنت تعلم أكثر مني أنها لا تحبط عملك (وفي مجال الإسلام تحديدا) .. بل يظل لك شرف المحاولة على الأقل .. وهذه مسائل محسومة إسلاميا .. وأستغرب أني لا أجد إلا قلة فقط هي التي تستخدم هذه الرخص والإمكانات التي يمكن أن نجد حتى من يدفعها إلى أقصى أقاصيها
- فانظر مثلا محاولة سعيد ناشيد في قوله بإمكان "تلحيد" الإسلام دون مشكلات خلافا لغيره من الأديان ..
- فهذه محاولة يمكن أن تثير العجب في أفهام الغربيين حول أي دين .. ولكنها تظل ممكنة إسلاميا فقط.
- أظن من المقبول تماما المخاطرة بإعادة فهم القرآن وتجاوز الفهومات والتفسيرات القديمة التي ارتبطت به والتي تمثل نصوص يمكن تجاوزها (وليس إلغاءها) مثلما تجاوز كانط ديكارت، وتجاوز هيجل كانط وهكذا.
- فما أقصده بالتجاوز هو وجود ممكنات داخلية يمكن أن تؤدي إلى تثوير النص وإعادة فهمه بكريقة جديدة تماما.
- لذا أرى أن (تشاؤمك) فيما تقوله حول:
- " خيانة النصّ الأصلي من حيث محاولة تحميله أكثر ممّا يحتمل وإلباسه لبوسا على غير مقاسه"
- أراها مجرد تبرير لعدم المحاولة .. وبهكذا موقف فأنت تصادر من البداية على أي محاولة اجتهادية جديدة .. وتنضم دون قصد إلى معسكر الأصوليين السلفيين المنغلقين.
- بل المطلوب أ نجار هو تجاوز هذا الموقف بجميع فرضياته .. وبجميع التبريرات الشكلانية التي لا تفعل سوى المصادرة المسبقة على الاجتهاد .. والتي أصبحنا نكررها كالببغاوات حتى لو لم نكن نعترف ونعتبر أنفسنا أصوليين .. ولكن عدم اعترافنا لا يعني أننا لا نخضع لنفس الموقف.
- كلامي هنا ليس مجرد تفاؤل .. بل هو موقف إيجابي من النص يبحث عن حل بدلا من الإنشغال بلعن المشكلات.
- جرب هذا الموقف وسوف تستغرب كيف بقيت حتى اليوم محصورا في إطار النظر الحصري للمشكلات.
- لأن الموقف السلبي يصادر من البداية على إمكانيات الحل ويبحث فقط عن خيارات الإلغاء والتدمير .. لا أكثر.
- لو أردت الخوض في إعادة تفسير الآيات .. سأخاطر معك وإليك ما يلي:
- هناك آية قرأنية أظنك وكثيرين يعتبرونها أخطر من كل ما ذكرت .. تقول:
- "ومن يبتغي غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين" آل عمران 85
- بعد تفكير في هذا الآية توصلت إلى ما يلي (وأنا هنا أتكلم عن ممكن تأويلي)
- أولا أخرج من ذهنك كل شيء عن عصور الجاهلية وصراعات القبائل وغير ذلك مما رسخ في أذهاننا بفعل الأفلام والمسلسلات الدينية والرمضانية.
- ركز على النص وحده.
- تصور موقف مختلف يصلح لأن تنطبق عليه هذه الآية.
- والموقف الذي أتخيله هو ما يلي:
- اليوم عيد الأم. وأمي أو مدرستي تجمعنا وهي تعلم أننا ندبر من مصروفنا نقود قليلة ليشتري كل واحد منا هدية لها في نهاية اليوم.
- وهي تلمح ذلك من أسئلتنا حول ما تحب أن تحصل عليه كهدية اليوم.
- فنجدها تقول بكل حنان الأم .. ما يلي:
- "أنا أريد أدوات مطبخ وهذا ما يسعدني".
- لكن أحد أخوتك المشاغبين يقول لها: ولكني أفكر في شراء عطر.
- ولكنها تحسم الموقف وتقول: أنا أريد أدوات مطبخ "ومن يبتغي غير ذلك هدية لي فلن يقبل منه" بل وسأعتبره من المشاغبين.
- هذا تأويل مختلف وممكن للآية .. ولا أظن هناك سلطة في الإسلام قادرة على أن تقول أنه تأويل غير ممكن.
- فقط أريد أن ألفت إلى أن هذه مسألة قمت بها بسرعة كعمل فرد واحد .. فلو ركزنا كمجموعات مفكرين في نفس الطريق فلابد أننا سننتج ما هو أكثر قوة من هذا التأويل البسيط والساذج .. ولكنه ممكن .. فقط حرر ذهنك من قيوداته وانشغاله بالمحظورات وتبريرات عدم المخاطرة بطرح حلول .. فهذا موقف يليق بالإنغلاقيين وحدهم.
- أتوقع من عادل بن عبدالله أن يصحح لي طريقتي هنا لأني أعتبره أعلم مني في هذا الصدد.


الرد على التعليق

- أمير الغندور
27 أيلول (سبتمبر) 2010 22:11

- في منهج التأويل التجديدي:
- هناك بعض التعديلات التي أجريتها في تأويل الآية السابقة لأخرج بها عن المعهود فيها والذي رسخ في أذهان أغلب الناس. بحيث أوصلنا إلى الحال التي هي عليه حاليا في تلقي النص. وذلك كما يلي:
- لاحظت أن أغلب التفسيرات الشعبية والمعهودة تنطلق من افتراض وجود صوت ونبرة محددة للقرآن وهي تتميز بسقوطها غالبا في التشبيه والتجسيم وذلك ربما بغرض تقريب نص القرآن من الأذهان. وذلك كما يلي:
- فغالبا ما يفترض قارئ القرآن ما يسميه دريدا "حضور تمركز صوتي" phonocentrism في النص القرآني. ويمثل هذا الحضور المفترض صوت أبوي رجولي قوي النبرات حاسم. وربما يفسر ذلك نجاح أصوات بعض القراءات التي تعتمد النبرات القوية .. وكذلك نجاح بعض مقرئي القرآن ذوي الأصوات القوية من أمثال الحصري وعبد الباسط مثلا في مصر. بل وكذلك كراهية قراءة المرآة للقرآن.
- لكني أجد في هذا التشبيه والتجسيم خطورة منهي عنها في جوهر الإسلام. وهذا النهي يفتح لنا آفاق إيجابية لأنه يبيح لنا أن نعيد تأويل جميع هذه المسائل.
- ولذلك أظن أنه لو كان ولابد من تمثل "حضور تمركز صوتي" فلا يوجد ما يحتم أن يكون الصوت المفترض هو صوت رجولي حاسم جهوري. بل لماذا لا يكون العكس: صوت أم حانية هادئة المشاعر، تتكلم من ثقة بأن لا شيء يهدد كيانها بالمرة ولا تتكلم إلا لتعطي وتمنح وتحنو ..
- أظن أن هذا التغيير في سمات "الصوت القرآني المفترض" هي مسألة ممكنة.
- لكن الهدف منها هو "عكس وقلب" الصوت القرآني السائد .. وذلك بغرض ممارسة التنويع والاختلاف والتوسيع .. الذي أتعشم أن يقود في النهاية إلى تجاوز التشبيه والتجسيم والذي يسيطر على قراءاتنا للقرآن .. إلى وضع أكثر اتفاقا مع الإسلام وجوهره الحقيقي .. وأكثر بعدا عن الفرضيات السائدة التجسيمية والتشبيهية والتي آن الآوان لتجاوزها.


الرد على التعليق

  • - أمير الغندور
    27 أيلول (سبتمبر) 2010 22:23

    - ألفت فقط إلى أنه من المبالغة أن أطلق على ما قمت به أنا أعلاه "تأويل"
    - فأظن أن ما أخاطر بطرحه هنا إنما هدفه هو التجديد .. كما أظنه لا "يخون" النص .. فهذا لا يعتبر بالمرة تأويلا بالمعنى الذي يخشاه أغلب الإسلاميين .. بل ولا هو حتى فيه أي تفسير جديد .. وربما ليس ما أفعله هنا إلا قيام بنفس القراءة لكن مع تغيير التمركز الصوتي المفترض في النص .. لا أكثر.
    - لكن انظر كيف تتغير كافة الفرضيات والمشاعر والإحساسات والقراءات خلال تلقي النص بمجرد إجراء تعديل طفيف على التمركز الصوتي المفترض خلف النص.
    - أظن أن التجديد الحاسم ممكن وبجهود في الإمكان .. فقط نريد من يحاول بصدق ورغبة في التعلم والحل الحقيقي .. لا أكثر


    الرد على التعليق

    • - محمّد النجّار
      28 أيلول (سبتمبر) 2010 17:13

      أشكرك أ.أمير على كلماتك التشجيعيّة وصدقك الواضح ورغبتك العارمة والجامحة للوصول إلى أرضيّة مشتركة. وهذا ممّا يسرّ ويبهج فغايتنا واحدة حتّى وإن اختلفت السبل والمناهج والدروب.

      أصدقك القول أنّي موقن تمام اليقين بقدرة اللغة العربيّة (والتي يقوم عليها القرآن) على فتح آفاق عديدة في التأويل، بل يمكننا استخراج البترول منه لو أردنا، لكن غايتي هي أن أوافق مقصد النصّ لا أن يوافق النصّ مقصدي لذلك فإنّي أعتبر التأويل المعاصر رغم أهميّته،وحتّى القديم، هو مجرّد ترقيع لثوب مليء بالخرق المنطقيّة والعلميّة وحتّى الأخلاقيّة مع احترامي للمؤمنين به، فماذا سنرقّع وماذا لا نرقّع؟ وهل الله يحتاج للبشر ليبيّنوا كتابا أرسله بنفسه ويؤكّد على أنّه مبين منذ البداية؟ ثمّ ما الغرض من التأويل؟ أليس لجعل النصّ موافقا للعقل؟ إذن فإنّنا وبطريقة غير مباشرة قدّمنا العقل فما حاجتنا إلى النبوّة إذن؟ وعلى قول ابن الراوندي: (قد ثبت عندنا وعند خصومنا أنّ العقل أعظم نعم الله سبحانه على خلقه، وأنّه هو الذي يعرف به الربّ ونعمه ومن أجله صحّ النهي والأمر والترغيب والترهيب، فإن كان الرسول يأتي مؤكّدا لما فيه من التحسين والتقبيح والإيجاب والحظر، فساقط عنّا النظر في حجّته وإجابة دعوته، إذ قد غنينا بما في العقل عنه، والإرسال على هذا الوجه خطأ، وإن كان بخلاف ما في العقل من التحسين والتقبيح والإطلاق والحظر، فحينئذ يسقط عنّا الإقرار بنبوّته)

      ولا أزعم أنّ العقل يستطيع أن يفسّر لنا كلّ الأسئلة ولكنّي بالمقابل أرفض أن أجعل الأسطورة جوابا عنها، وأخيّر اللاأدريّة على الأجوبة التي بلا أدلّة.

      شكرا لك أستاذ أمير.تحيّاتي.


      الرد على التعليق

دمشق - حمود حمود
28 أيلول (سبتمبر) 2010 10:50

مرحباً أستاذ نجار وشكراً على هذا المقال المقتضب. أظن أنه نظراً لأهمية الموضوع الذي طرحته، لا يجب أن يصاغ بهذا الشكل الاستسهالي والسريع. عندي ثلاث أسئلة: إذا كنت تعتبر أن الديانة اليهودية إحدى مصادر محمد في صياغته للقرآن، فبأي شكل كان يتم هذا؟ البعض يعتبر أن الحضور المسيحي في القرآن أقوى من اليهودي، والبعض الآخر العكس. ما رأيك أنت؟ لقد استشهدت بكتاب لكلير تيسدل " The Original Sources of the Qur’an"، وبالرغم من أهمية هذا الكتاب، إلا أنه تبقى المواضيع التي يتطرق إليها في إطار الفرضيات أو حتى المحاولات، اسمح لي أيضاً أن أسألك عن مثل هذه الكتب التي ألفت مع نهايات القرن التاسع عشر ومع بدايات العشرين. وأريد أن أقول لك شيئاً: أن أبيات الشعر التي سطرتها جميلة. شكراً.


الرد على التعليق

  • - محمّد النجّار
    28 أيلول (سبتمبر) 2010 21:01

    تحيّة أستاذ حمّود وأرجو أنّك بخير، فعلا لقد كان الموضوع مقتضبا جدّا وكنتُ واعيا بهذا الأمر، فأشرتُ إليه، ولا أخفيك سرّا أنّي تردّدت في كيفيّة صياغته وبعد تفكير رأيت أنّي أمام حلّين، فإمّا أن أتناوله من جميع جوانبه وقد يحتاج الأمر إلى عشر حلقات متواصلة وليس أقلّ من ذلك إن أردنا أن نحيط به، وإمّا أن أجعله في شكل مدخل مكثّف بلا إسهاب وتفصيل وهو ما قرّرته في الأخير، بيد أنّي مدرك لسلبيّة هذا الاقتضاب.

    (إذا كنت تعتبر أن الديانة اليهودية إحدى مصادر محمد في صياغته للقرآن، فبأي شكل كان يتم هذا؟ البعض يعتبر أن الحضور المسيحي في القرآن أقوى من اليهودي، والبعض الآخر العكس. ما رأيك أنت؟)

    أعتبر هذين السؤالين سؤالا واحدا، حيث أعتقد أنّ النبيّ كان على معرفة بالديانات المحيطة به، والقرآن حسب رأيي هو تأليف مدراشيّ أي بلغتنا الحديثة "تأليف تأويليّ" يقدّم فيه الكاتب (وربّما أكثر من كاتب) رؤيته اللاهوتيّة، فيذكر بعض القصص بصورة حرفيّة ويتدخّل في صياغة بعضها الآخر لتوافق رؤيته، وأضرب مثلا قصّة موسى و"الخضر" فهي بالأساس قصّة من القرن الثالث الميلادي بطلها يوشع بن لاوي مع إيليا، لكن النبيّ جعلها تحدث قبل ذلك التاريخ بخمسة عشر قرنا مع موسى (إن وُجد موسى فعلا) وقد ذهب بعض المستشرقين (لا أذكر الأسماء حيث أكتب من الذاكرة) إلى أنّه حدث خلط عند النبيّ مع يوشع بن نون تابع موسى لذلك غيّر في الشخصيّات، لكنّي لا أظنّه خلطا بل هو عمل مقصود وليس أوّل مرّة يغيّر فيها القرآن الشخصيّات المتباعدة زمنيّا لأنّه ضمن إطار تأليفيّ تأويليّ، كمريم بنت عمران أخت موسى وهارون، والتي يجعلها النبيّ أمّ عيسى، وغير ذلك من الأمثلة التي يطعن بها بعض المسيحيّين في أنّ النبيّ كان يخلط كثيرا، لكنّي لا أراه خلطا بل هو تأويل مقصود له أسبابه التي يضيق المقام عن تفصيلها هنا.

    وإذ نقول أنّ القرآن هو تأليف مدراشيّ فمن الطبيعيّ أن يكون مركّبا من الموروث اليهوديّ والمسيحيّ والفارسيّ و العربي وغيرهم، فهو مرآة عصره لكنّي أرى أنّ التراث اليهوديّ هو المسيطر بكثرة وهذا أمر طبيعيّ لأنّه هو الأساس لللاهوت المسيحي ومن بعده الإسلامي، كما أنّ القرآن لم يستعمل كثيرا المصادر المسيحيّة مقارنة باليهوديّة، وإن كانت موجودة كقصّة أهل الكهف (النيام السبعة-القرن الخامس الميلادي) وبعض الاقتباسات الحرفيّة من الأناجيل القانونيّة والأبوكريفيّة، لكن التراث اليهوديّ ظلّ مسيطرا بلا أدنى شكّ عندي.

    أمّا عن المستشرقين القدامى ففي الحقيقة لم أستشهد بهم وإنّما أشرت للأمانة إلى قدم هذا المبحث وأعطيت بعض الأمثلة وآخرها "هاي بار زيف" سنة 2005، وهم أناس كثيرون، وقد نجد بعض المقاربات الضعيفة بطبيعة الحال والفرضيّات، لكن أمامنا التلمود والمدراش والعهدين القديم والجديد وقد قارنت بنفسي حجم الاقتباسات القرآنيّة التي ذكرها إمّا حرفيّا وإمّا تأويليّا، ولم تكن إشارتي إلى مستشرقي القرن التاسع عشر تسليما كاملا بأعمالهم، لأنّي قمت بهذا العمل وقارنت بنفسي، وإنّما تذكير بفضل السبق رغم علمي بنوايا ومنطلقات بعضهم لكن لا يجب أن تحجب عنّي هذه الغابة شجرة المعلومة وإلاّ فسأسقط في المغالطة الشكليّة: argumentum ad hominem.

    وفي الأخير فإنّي سعيد لأنّ الأبيات أعجبتك.فشكرا لك.

    تحيّاتي.


    الرد على التعليق

- أمير الغندور
28 أيلول (سبتمبر) 2010 19:18

- أسئلة أساسية يثيرها تعليقك أ نجار عندما تقول:
- "وهل الله يحتاج للبشر ليبيّنوا كتابا أرسله بنفسه ويؤكّد على أنّه مبين منذ البداية؟ ثمّ ما الغرض من التأويل؟ أليس لجعل النصّ موافقا للعقل؟ إذن فإنّنا وبطريقة غير مباشرة قدّمنا العقل فما حاجتنا إلى النبوّة إذن؟"
- وهذه أسئلة في صميم العلاقة بين الدين والحداثة. وأظن أننا بحاجة لعدم التسرع في الإجابة عليها.
- لذلك أشكرك على طرحها. لأن مجرد الطرح يثير إمكان تقديم إجابات مغايرة. كما يفيد طرح الأسئلة في مراجعة وتأمل الإجابات المتسرعة .. بما قد يؤدي إلى تحسينها.
- ولا يخفي عليك مثلا أن التفكير يقوم على طرح أسئلة أبدية وقديمة ثم محاولة تقديم إجابات عنها. ومعروف أن أغلب الفلاسفة الكبار منذ سقراط لم يفعلوا سوى محاولة الإجابة على هذه الأسئلة الأبدية والقديمة.
- وربما الحداثة هي مجرد تقديم إجابات جديدة على نفس الأسئلة القديمة والأبدية
- لذا سأحاول تقديم إجابات جديدة، مع تحفظي على الإجابات التي قدمتها أنت بصفتها تبدو نهائية وقطعية، بينما المطلوب هو النظر النقدي فيها ورفض قطعيتها الواضحة.
- محاولتي الإجابة كما يلي:
- س: وهل الله يحتاج للبشر ليبيّنوا كتابا أرسله بنفسه ..
- ج: بالطبع ليس الله محتاج لنا للدفاع عن كتابه. لكننا نحن الذين بحاجة له. لماذا؟
- بغرض استكمال النقص الدائم في قدرات العقل على فهم العالم والوجود. لأن العقل ليس بقادر على فهم الوجود بشكل نهائي. بل هناك دوما جوهريات وأمور أساسية يعجز العقل تماما عند فهمها.
- ولذلك فإن "العقل" هو بحاجة دوما لاستكمال النقص الواضح لديه.
- ولا أخفيك أن هذا هو بالضبط ما نفعله مع أعمال العباقرة من المفكرين الغربيين. فانظر كم خسرنا من وقت حتى اكتشفنا مثل أن ما يكتبه نيتشه ليس مجرد جنون بل يعبر عن عبقرية.
- لذا فإن مثل هذا "الفهم" للأمور الخارجة عن "العقل" هو المطلوب لاستكمال النقص الأساسي في العقل.
- وهذه الإجابة التي أقدمها هنا موجودة منذ ابن رشد وتوما الأكويني وهي ما زالت موجودة وذات مصداقية لدى بول ريكور وجابريل مارسيل وكيركجارد. و لا أحسب أن هؤلاء ذوي عقول مستقيلة أو مجرد متصوفة أو متدينيين أصوليين أو حتى غير صادقين في إجاباتهم.
- س: ما الغرض من التأويل؟ أليس لجعل النصّ موافقا للعقل؟
- ج: ليس الغرض من التأويل هو "جعل النصّ موافقا للعقل" .. فالمنهج التأويلي ليس مجرد منهج براجماتي له وظيفة تنفيذية تلفيقية.
- بل التأويل (الذي أفضل وصفه بالهيرمينويطيقا لأميزه عن التأويل القديم) هو منهج غرضه استكمال الفهم. والفهم ليس مسألة تنفيذية براجماتية. بل هو مسألة تقوم على توخي الصدق في "الفهم" وليس "الفعل".
- وعندما تقول أ نجار: "إذن فإنّنا وبطريقة غير مباشرة قدّمنا العقل فما حاجتنا إلى النبوّة إذن؟"
- فإني لا أوافقك. وأذكرك بما قدمته أنا سابقا عن الطريق الثالث.
- والمسألة بسيطة. فلا العقل يلغي النبوة .. ولا النبوة تلغي العقل .. ولا العقل يلغي الوحي .. ولا الوحي يلغي العقل.
- ذلك أن التفكير بهذا المنطق الثنوي الاستبعادي قد ثبت خطأه التامس. وهذا أظنك تعرفه أكثر مني حتى في جوهر الليبرالية الغربية.
- فمن الخطأ استبعاد أحد الخيارات المتاحة أمام "الفهم" البشري بحجة تعارضه "الموهوم" مع الخيار الآخر.
- فحتى لو قبلنا وجود تعارض بين العقل والنقل .. وبين النبوة والعقل .. فهذا التعارض "سطحي وموهوم" تماما .. وقد أفاض في هذا النقطة ابن رشد منذ زمن طويل.
- ولو تأملت في طريقة تفكيرنا وتصرفنا فستجد أننا حتى أثناء ظننا بأننا نتصرف بالاعتماد الحصري على العقل، إلا إننا نعتمد أيضا على النقل. فما هي دراستنا لنصوص أفلاطون ومنطق أرسطو ونقدية كانط إن لم تكن عودة إلى النقل. بل ما هو الدستور والقانون الجنائي وقوانين الأحوال الشخصية إلا نصوص نقلية تمتد بأفكارها وتتناص مع المدونات النقلية القديمة منذ قانون حمورابي.
- بل الأدهى من هذا: ما هي اللغة إن لم تكن مجرد نقل بل وربما وحي نقله الله لأدم؟؟
- هل تظن أن اللغة عقلية بحتة؟؟ بالفعل لا. فما اللغة في مجموعها وكلماتها ونحوها وصرفها إلا قواعد عقلية نتدرب على تمثلها وحفظها في كل لحظة من حياتنا.
- إن النقل موجود وقائم في حياتنا في كل لحظة نظن فيه أننا نتصرف وفقا للعقل وحده. لكننا لا نشعر بأي ثقل لهذا النقل الذي اعتدنا أن ندمجه في العقل.
- لذا فهناك دوما إمكانية لدمج النقل في العقل دون إحداث أي تعارض
- المسألة أ نجار أننا أصبحنا نعيش في حضارة تظن أنها "عقلنت" كل شيء. لكن إذا رجعنا إلى أغلب المفكرين الغربيين الصادقين المعاصرين فستجدهم يقولون أن هذا محض "وهم".
- فالعقل البشري ما زال بحاجة للوحي. ولا أقول بحجاة النبوة. فالنبوة ختمت. وكان من الواضح أن الإسلام ختمها ليفسح المجال لعمل العقل. وهو في هذا كأنما كان يدشن مشروع للحداثة قبل أي دين آخر.
- لذا أظن أنه من الممكن استكمال هذا المشروع الحداثي الذي انقطع عندما اختل التوزان بين العقل والنقل.
- ما سبق كان عن المستوى التأسيسي في الإجابة عن الأسئلة التي طرحتها.
- أما ما يلي فهو عن المستوى البراجماتي والسياسي.
- فلا يخفى عليك أن هناك أعداد هائلة في مجتمعاتنا لديها إيمان بالنبوة والوحي. ولا يصح أن نتعامل مع هذا الإيمان من خلال ذهنية الاستبعاد والنفي أو حتى الاستخفاف. فهكذا أسلوب لا يصح حتى في إطار العلمانية الحقيقية.
- صحيح أن كثر أعداد المؤمنين بأمر ما لا يضفي مصداقية "عقلية أو منطقية" على هذا الأمر. لكن بالتأكيد يضفي عليه مصداقية "سياسية".
- وإن كانت المنظومةالليبرالية والديمقراطية في الغرب قد أصبحت قادرة على الإستجابة حتى لحقوق الشواذ من خلال عدم تسفيه خياراتهم، وهم لا يزيدون عن آلاف بسيطة. فما بالك لو تكلمنا عن حقوق المتدينين في عدم الاستخفاف بمعتقداتهم، وهم بالملايين والبلايين.
- لذا فعلى المفكر والمثقف أن ينظر في معتقدات قومه ليس بعقلية إبراهيم النبي (لأن النبوة قد ختمت)، بل بعقلية الليبرالية الديمقراطية، على الأقل.
- من هنا تأتي أهمية الطريق الثالث على المستوى السياسي والبراجماتي. لأنه يؤدي إلى تماسك المجتمع وهو الاكتشاف الذي تعلمنا إياه الليبرالية الديمقراطية.
- وهنا ألفت إلى أن هناك فرق بين الحوار الذي يقوم على حد أدنى من القبول واحترام معتقدات الناس والآخرين .. وبين الحوار الصدامي الاستفزازي الذي يقوم على "تسفيه" معتقدات الغير وكأنها محض خرافات.


الرد على التعليق

- noor alaaloui
11 تشرين الأول (أكتوبر) 2010 00:44

أستاذي محمد النجار فقط لاحظت في مقالك " النصارى " أنك ذكرت كأحد المراجع كتاب Comment Jésus est devenu Dieu للمؤلف Frédéric Lenoir أريد اقتناءه لكن أحب لو تعطيني رأيك في الكتاب قبل أن أشتريه , هل الكتاب قيم ويحترم المنهج العلمي والأكاديمي في رأيك ؟ هل أفكاره ثورية و مجددة ؟ أسألك هذا سيدي لأن ظروفي المادية الحرجة جدا لا تسمح لي بشراء كتاب لا أستفيد منه , فأخرج من قراءته مخذولا , ولثقتي فيك أسألك . فبماذا ينصحني أستاذي ؟ أنتظر جوبك بفارغ الصبر , وأشكرك مسبقا تحياتي لك


الرد على التعليق


Paul Delvaux (بلجيكا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter