الخميس 17 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > مقالات > الإسلاميون والديمقراطية ومعضلة الإصلاح الذاتي

الإسلاميون والديمقراطية ومعضلة الإصلاح الذاتي

الخميس 25 حزيران (يونيو) 2009
بقلم: رستم محمود  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

هناك ديالكتيك عربيّ كلاسيكيّ يراهن أحد طرفيه على أنّ الطبقة السياسية من الإسلاميين وبدرجة أقلّ من القوميين، تقارب الديمقراطية بمنطق "صوت واحد لمواطن واحد، لكن لمرّة واحدة". هذا المنطق يفسّر رغبة الإسلاميين ودعواتهم للديمقراطية، كموقف سياسويّ براغماتيّ، يرى في الديمقراطية جسرا نحو السلطة، لا إيمانا بكونها أداة لحلّ كلّ التناقضات البشرية. وطرف آخر يقارب تلك المسالة بطريقة أكثر إيجابية، حيث يرى أنّ التفاعل السياسيّ للتيّارات الإسلامية واندماجه في الحياة العامّة، سيدفعها إلى المزيد من الواقعية في الممارسة السياسية، والى المزيد من هجر الأيدلوجية، أي إلى المزيد من إصلاح بنيتها الذاتية.

تجاوزا لذلك نرى أنّ الأحقّ بالتساؤل هو: هل خفّفت المشاركة الديمقراطية النسبية للتيارات السياسية الدينية – والحديث يدور عن نماذج من منطقتنا فحسب –من غلواء مناهجها وسياستها وبرامجها الأيدلوجية، وقرّبها من الاعتدال والواقعية والموضوعية السياسية؟ وذلك باعتبار أنّ الاندماج السياسي سيشكّل آخر تجربة نحو الإصلاح المأمول.

نميل إلى الإجابة بالنفي مع تحفّظ، وهو تحفّظ يستتر بمنطق أنّ هذه التجارب تخصّ منطقتنا فحسب، وبينها تشابه ظرفيّ بنيويّ، نراه تعليلا لذلك النفي. ولا بأس من ذكر بعض النماذج السياسية للاستدلال والتثبّت من سبب نفينا ثمّ تعليل ذلك الذي يبدو غريبا للوهلة الأولى .

بعض التجارب

أوّلا : في المغرب، وبعد صراع فكريّ وتنظيميّ طويل، انشقّ حزب العدالة والتنمية عن حركة الشباب الإسلاميّ الراديكالية، إذ قارب بإيجابية إشارة الملك الحسن الثاني لفتح الحياة السياسية العامة من أجل انتقال مريح للعرش العلوي المغربيّ لأولاده من بعده، فاختار هذا الحزب المنشقّ أن يكون طرفا مشاركا في الحياة السياسية. وقد تمثّل أوّل مرّة عام 1997 في البرلمان، وعمل على إصلاح قوانين الأحوال الشخصية بروح الحزب المدني المحافظ، أي دون أجندة دينية واضحة ومباشرة. رغم أنّ قانون الأحوال الشخصية ذاك لا يستند إلى الشريعة الإسلامية بشكل حصريّ. وقد كان يملك كتلة برلمانية هائلة في دورة عام 1997، تلك الكتلة التي فقدت ثلث مقاعدها فيما بعد في دورة عام 2002، إلى أن وصل الحال بها عام 2007 إلى الحصول على 46 مقعدا فحسب، وهو نصف ما كانت قد استحوذت عليه من مقاعد قبل عشر سنوات. لأنّ مواقفه السياسية المنفتحة أثّرت تأثيرا بالغا على شعبيته، " شعبويته " فاضطرّ إلى إعادة حساباته الإصلاحية بعد ذلك .

ثانيا : حركة مجتمع السلم في الجزائر، مثال آخر على اختيار الانخراط في العملية السياسية وترك الجانب الأيدلوجي العنفي، إذ انجذبت لمشروع الرئيس بوتفليقة للمصالحة الوطنية الشاملة، وعبور مأساة التسعينات، ومارست لغة نقدية تجاه التنظيم الأب، جبهة الإنقاذ، وممارساته المتطرّفة، وصعّدت من ذلك المنهج الواقعيّ السياسيّ عقب انتصارها الأوّل في انتخابات عام 1997 حينما حصلت على 71 مقعدا، لكن يبدو أنّ ذلك لم يرق لقاعدتها الشعبوية. فلم تحصل عام 2003 إلا على 38 مقعدا.

ثالثا: تجربة حركة الإخوان المسلمين في كلّ من سورية ومصر. فالأولى بعدما آثرت تبنّي منهج مدنيّ، بعيد عن طروحات الدولة الدينية الإسلامية، عقب دمجها في بنية إعلان دمشق المعارض، وذلك كتواطؤ إيجابي منها مع باقي الطيف "العلماني"، حقّّقت انتصارا تاريخيا بالاعتراف بها كشريك سياسي من قبل تلك القوى السياسية السورية. لكن ما أن رأت أنّ الموازين الشعبية تميل لصالح النظام السوريّ عقب حرب غزّة الأخيرة، حتى عادت إلى طرح رؤيتها الهوياتية \الثقافية \الدينية، مقتربة من الأيدلوجية بعيدا عن السياسية المدنية التي كان يؤمّل أن لا تعدل عنها. ومن جهة أخرى كان الإخوان المصريون قد قاربوا منهجا واقعيا في انتخابات عام 2005 حينما حصلوا على 88 نائبا، هم ربع أعضاء البرلمان المصري. حيث لم يطرحوا شعار "الإسلام هو الحل" وتحالفوا مع بعض القوى العلمانية سياسيا في بعض المناطق، منهم قبطيّ في الإسكندرية. لكنّ هزيمتهم في الانتخابات البلدية الأخيرة، أعادتهم إلى تبنّي شعارات أيدلوجية سياسيوية، مثل المطالبة بإلغاء كامب ديفيد، أو تأيد خليّة حزب الله .. الخ .

إذن، ما هو معاش ومرئيّ وموضوعيّ، يخالف المنطق الذي يجب أن يكون عليه الحال، فاندماج تلك التيارات ومعايشتها المادية، لا تؤدي مباشرة إلى تبنيها لسياسة مدنية، وإن حدث ذلك، فإنّه يعني خسارة قواعدهم الشعبية، أي ترك تلك القواعد لفائدة تيارات وتنظيمات أيدلوجية أخرى، تشبه التنظيم في حالته الأولى قبل تغيّره. بحيث أنّ الديمقراطية لن تؤدّي إلى الإصلاح .

لذلك نرى ثلاثة براهين موضوعية نابعة من طبيعة منطقتنا:

أولا : لا تتوفّر شرعية للأنظمة السياسية التي تحصل هذه التنظيمات الإسلامية في ظلها على مشاركة نسبية، أو أنّ الجانب اللاشرعي غالب عليها. أي أنّ صدق المنح هو نسبيّ ووقتي حسب حاجيات النظام السياسية بحدّ ذاته، وتحديدا حاجياته الأمنية. وهو شأن لا يدفع تلك التنظيمات إلى التضحية بقواعدها الشعبية في سبيل شيء زائل وغير موثوق مما تأخذه من حصّة في الشأن العامّ. فما مارسته الأردوغانية السياسية – نسبة لرجب طيب أردوغان – من تطوير وتحديث في حياة الطيف المحافظ من الإسلاميين الأتراك، كان سيكون بمثابة الكارثة عليهم – على النخبة المحدثة– ما لم يترافق مع وصولهم لقمّة الهرم السياسي في البلاد. ففي أيّ بلد شرق أوسطيّ، يمكن للإسلاميين المحافظين أن يصلوا لسدّة الحكم، أو حتى للمشاركة في حكم خاضع للدستور، لا للظلّ الأمني، في حال تبنيهم للتحديث في نمط نشاطهم السياسي. فالحكم طالما هو غريب وبعيد عنهم، سيدفعهم لمزيد التمسك بالشارع. وهي القسمة التي تعاند التحديث بأيّ شكل، لأنّ الأداة تكون بيد الدولة، والكتلة البشرية التاريخية بيد الإسلاميين.

ثانيا : انبثاق الحركات الإسلامية العربية من مجتمعات، أقلّ ما يقال عنها، كونها نكوصية في آخر نصف قرن من تاريخها. أي أنّ المعضلة تتجاوز كونها معضلة إسلاميين فحسب، إلى كونها مشكلة اجتماعية بنيوية يشكّل الإسلاميون أحد تشكيلاتها وصورها. فلو أخذنا تركيا كجملة مقارنة مرة أخرى، لوجدنا أنّ الطبقة التي ساهمت بقوّة في صعود تيار أردوغان وموات تيار الأب نجم الدين أربكان، كانت طبقة التجار والصناعيين الجدد في تركيا، تلك التي صعدت بعيد الانفتاح الاقتصادي التركي زمان الرئيس الراحل تروكوت أوزال، منذ نهاية الثمانينات من القرن المنصرم. تلك الطبقة التي كوّنت ثراءها المعقول من وراء دولة المؤسسات وعقلية السوق وحماية الدولة، ظلت محافظة في رؤيتها الاجتماعية " إسلامية " لكنها أيضا بقيت ابنة مؤسسات الدولة الدستورية، وهو جمع نتج عنه التحديث الأردوغاني. كيف لنا تصوّر شيء مشابه لو قارنّا ذلك مع مصر. حيث عنى الانفتاح خلق الفراعنة الجدد، وفساد القطاع الإداري وانتشار المحسوبية، أي موت الطبقة الوسطى وانهيار طبقة المؤسسات .

ثالثا: فرط أقلمة الإسلاميين في منطقتنا، أي أنّ اندماجهم في لعبة سياسية إقليمية عابرة للدولة، يحول بينهم وبين التعمّق السياسي لشؤون دولهم، وبذا بينهم وبين تطوير مؤسساتهم الذاتية. وهو شأن ترضى به الدول الإقليمية بذاتها، كونه يبعد عن ساحتهم خطر التركيز الإسلامي على شؤونهم الداخلية المختلّة، ومن طرف آخر يستجيب لغرائز الإسلاميين بحدّ ذاتهم، لأنّه يفرض عليهم خطابا شعبويا وثقافيا وهوياتيا حيث يمهرون، ويبعدهم عن التركيز على الهمّ اليومي المعاش، أي يقرّبهم من منطق: "هذه هي المشكلة" ولا يطلب منهم موقفا : " لكن ما هو الحل " حيث السؤال السياسي الأصعب. وعلى الطرفين تقف المراكز السياسية الدولية الراغبة في استخدام الإسلاميين في التوازنات الإقليمية .

إصلاح الإسلاميين بات مسألة ما فوق سياسية، بات معضلة .

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

جدة - امين
5 آب (أغسطس) 2009 09:55

قبل ان ابدأ اود أن أؤكد أنني من أنصار الدولة المدنية .. وأحب السلام وأعشق الحرية .. لكني أعتب عليك لعدم انصافك لجماعة الإخوان المسلمين وجبهة الإنقاذ الجزائرية .. فالأولى لم تخسر الإنتخابات المحلية ولكنها مُنعت من المشاركة .. وأنت تعلم أنها لو شاركت بالفعل لاكتسحت الانتخابات .. والثانية فازت في الانتخابات ولكن النظام انقلب عليها .. هذا هو الحق وتلك هي الحقيقة التي ينبغي علينا أن نعترف بها وأن لا نخجل من ذكرها .. فالمشكلة ليست في الإسلاميين ولكنها في قلة وعي الشارع العربي .. فعلينا أن نكون صادقين وعادلين وموضوعيين فيما نقول أو نكتب .. ولا يمنعنا هذا الصدق من أن نبين ونوضح مخاطر وصول الإسلاميين للحكم .. ويكون ذلك أيضا بصدق وعدالة وموضوعية .. إن مثل هذه التحليلات التي تتناول الإسلاميين بشكل غير عادل وبعيد عن الحقيقة لا يخدم دعوتنا للحرية والمساواه .. لكنه على العكس يزيد من تعاطف الشارع مع الإسلاميين .. فالشارع يراهم مظلومين ومضطهدين من الحكومات الفاسدة ومن المثقفين الغير منصفين .


الرد على التعليق

الخرطوم السودان - طارق محمد محمد خير عنتر
23 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011 17:30

لا للإسلاميين المتآمرين المستبدين و لا للغرب و الديمقراطية الليبرالية و لا لليسار الشيوعي و الإشتراكي. من يعتقد أن الإسلاميين ليسوا علمانيين فهو إما مخادع أو مخدوع. الإسلاميون يكذبوا عندما يدعوا أن أهدافهم شريفة و نبيلة. هم في جميع الدول يسلكوا سياسة الغاية تبرر الوسيلة بالرغم من أن حقيقة غاياتهم هي الإنفراد و الإقصاء و الترهيب و المخادعة و العنف و كتم الحريات. هؤلاء جميعا غربا وشرقا نماذج فاسدة و مستبدة و متحالفة مع بعضها البعض في الخفاء و تتشارك في أهداف إحتكار الثروة و السلطة و محاربة الوطنيين و القيم الإنسانية الشريفة. لا يجوز بأي حال السماح للإسلاميين و لأي تنظيم ديني أو مذهبي أو عرقي أو قبلي بتشكيل حزب سياسي لأن في ذلك إقصاء للغير و مشروعية فاسدة للتمييز و الإنحياز للبعض علي حساب عامة الشعب وهذا ليس ديمقراطي أو عادل أو آمن. الإسلاميون يحتكروا الإيمان المخلص و يدعوا حصانة إلاهية و يسلكوا مسالك عصابات المافيا والجمعيات الماسونية في التنظيم و التمويل و في هدم البناء الوطني و القومي و الثقافي المتنوع و المنفتح و المتسامح. إنهم يجيزوا التحالف مع الغرباء الأجانب ضد أبناء الوطن.


الرد على التعليق


Paul Delvaux (بلجيكا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter