ينطلق كتاب رشيد بن زين "مفكّرو الإسلام الجدد" من ملاحظة أساسية وهي أن الإسلام قلما ينظر اليه اليوم باعتباره منتوجا ثقافيا. فرغم كونه محطّ اهتمام مفرط في بعض الأحيان، إلا أنّه يظلّ موضع جدال ايديولوجي ونقاش سياسيّ من غير أن يعتبر محطّ غليان فكريّ، ومن غير أن تولى الإنتاجات الفكرية للمثقفين المسلمين الجدد العناية اللازمة.
هذا بالضبط ما يرمي اليه المؤلف هنا، إنّه يحاول الوقوف عند هذا الغليان، ويسعى لتأريخ الفكر الإسلامي حديث العهد. فهو يولى اهتمامه إلى مفكّرين لم تبرز أسماؤهم إلا منذ حوالي ربع قرن. فعلى عكس ما تعوّدناه من أنّ ذهننا ينصرف توّا، عند ذكر الفكر الإسلامي الحديث، إلى رواد الإصلاح الكبار، فإنّ هذا الكتاب يتساءل عمّا يمكن أن يكون قد استجدّ في هذا المضمار بعد هؤلاء.
ذلك أنّ من بين التطوّرات التي يعرفها الإسلام اليوم ظهور أنماط جديدة من المثقفين، في مناطق متعدّدة من أرجاء المعمور، وبلغات مختلفة، بحيث يكون في استطاعتنا القول إنّ جيلا جديدا من مفكّري الإسلام أخذ يفرض نفسه على الساحة الفكرية.
تكمن الجدّة هنا في كون هؤلاء لا ينصّبون أنفسهم مدافعين جددا عن العالم الإسلاميّ في مواجهته لمستجدات الحداثة، وإنّما في كونهم يشعرون بضرورة إعادة التفكير في الإسلام ذاته. إنّ مرماهم هو إعادة فحص الأساليب والطرق والكيفيات التي تمكّن بها الإسلام من أن يبني ذاته تاريخيا، وإعادة النظر في التأويلات المتعاقبة والاستعمالات والتوظيفات التي وظفت بها رسالة القرآن وسنّة الرسول، بهدف غربلة كلّ ذلك عن طريق إعمال النقد.
يرمي هؤلاء إذن إلى أن يعرضوا مظاهر الواقع الحيّ والفعليّ للإسلام على مناهج البحث العلمي وتساؤلات العلوم الإنسانية بغية استبعاد التوظيفات الايديولوجية للإسلام، وإرساء شروط هيرمينوطيقا قرآنية جديدة.
بيد أنّ مشروعهم النقديّ هذا سرعان ما أخذ يطال المجتمع ذاته. ذلك أنّ هؤلاء المفكّرين يعتقدون أن إمكانية ارساء تلك الشروط لن تتأتّى إلا بسنّ حرية التعبير في المجتمعات الإسلامية، مع ما يواكبها من دمقرطة واحترام للحريات العامة. ومن وجهة النظر هذه، يمكن أن يعدّ هؤلاء المفكّرون الجدد إصلاحيين جددا. لهذا يعمد المؤلّف، في فصل أوّل إلى الوقوف عند الاصلاحيين الروّاد كالأفغاني وعبده ورشيد رضا، ليثبت اختلاف السياق الذي ظهر فيه هؤلاء المفكّرون الذين كانوا يحملون مشعل النهضة في مجتمعات كانت تواجه آنئذ الاستعمار الأجنبي وتحديات الحداثة.
لعلّ هذا هو ما جعل إصلاح هؤلاء يتقمص خطابا جداليا، وجعل نقدهم لا ينصبّ على الكيفية التي تكوّن بها الإسلام تاريخيا، بقدر ما يهدف إلى الإلحاح على سوء التوظيف الذي وظّف به المسلمون الإسلام.
أمّا هؤلاء المفكّرون الجدد فقد ظهروا في ظرفية مغايرة، وفي بلدان حديثة العهد بالاستقلال، لكنّها تحت سيطرة ديكتاتوريات تهاب كلّ إصلاح. كما أنّهم "حلموا" بثورات قومية واشتراكية بل وإسلامية. هذا فضلا على أنّ علاقتهم بالغرب كانت مخالفة، فهم لم يعرفوه مستعمرا غازيا، بل إنّ أغلبهم تربّى في أحضانه ودرس في جامعاته، إلا أنّهم كثيرا ما لمسوا كيف أنّ هذا الغرب نفسه كان يقف حاجزا دون كلّ مساعي التحرّر الفعليّ في العالم الإسلامي، بل إنّهم عاينوا تدخّل الغرب نفسه في بعض الأحوال لمساندة الحركات الأصولية ذاتها، قبل أن يعمل على فضحها وانتقادها فيما بعد ليعدّها ضمن "امبراطورية الشرّ".
واجه هؤلاء المفكّرون الجدد، في الوقت ذاته، السلطات السياسية اللاديمقراطية، كما واجهوا العلماء التقليديين المحافظين، وكذا الحركات الأصولية الناشئة. وقد حدّد ذلك طبيعة الإشكالية الفكرية التي خاضوها، مثلما حدّد علاقتهم بالحداثة ومكتسباتها. فبينما كان الأمر يتعلّق بالنسبة للإصلاحيين الروّاد بمحاولة التوفيق بين الإسلام ومكتسبات العلم الحديث، واعتناق علوم الغرب وتقنيته مع الحفاظ على أسس العقيدة والتطبيقات التشريعية التي تتمخّض عنها، فإنّ هؤلاء الجدد أدركوا الحداثة من زاوية مخالفة، فهم لا يعدّونها من قبيل ما تمّ وحصل، ولا يسلّمون، على سبيل المثال، بأنّ العقل معطى كونيّ، وإنّما ينظرون إليه كقدرة تبنى اجتماعيا، وتوجد ضمن ممارسات وخطابات متعددة. إنّ الحداثة في نظرهم انتصار العقل والعلم على التقليد والموروث. وفي قلب الحداثة هناك الفرد الذي يتمتّع بحرية الفكر والفعل والمبادرة.
إنّ ما يأخذه هؤلاء عن الحداثة هو بالأساس جانبها النقدي. فهم يدعون لفكر إسلامي حديث، أي لفكر يدعو إلى تبنّي مكتسبات العلوم الاجتماعية من لسنيات وسيميولوجيا وسوسيولوجيا وتاريخ مقارن للأديان، بهدف تطبيق كلّ ذلك في دراسة الإسلام وتأويل نصوصه، لإعادة الحياة للفكر الإسلامي بإثارة الانتباه الى المشاكل التي عمل على كبتها، والمحرّمات الفكرية التي أقامها، والحدود التي رسمها، والآفاق التي امتنع عن التطلّع إليها.
ما يجمع هؤلاء المفكّرين إذن ليس وحدة الخطاب ولا وحدة الحقول المعرفية، وإنما وحدة المنظور لكي لا نقول وحدة المنهج. نتبين ذلك بسهولة إذا قارنّا أعمال مفكّر كمحمد أركون بكتابات فاطمة المرنيسي أو نصر حامد أبي زيد، أو عبد المجيد الشرفي أو محمد الطالبي ومحمد خلف الله، أو فريد إسحاق.
غالبا ما يؤخذ على معظم هؤلاء تأثّره بمفكّري الغرب، وان كان مؤلّف هذا الكتاب ينفي عنهم ذلك ويزعم أنّ "انتقاد هؤلاء للغرب هو في مثل الصرامة التي ينتقدون بها تراثهم الإسلامي"، الا أنّه لا يحاول أن يثبت ذلك في الفصول التي عقدها لكلّ واحد منهم. وعلى أيّة حال فإنّ المؤلّف لم يحاول في الكتاب بمجمله أن يتقمّص هو كذلك الروح الانتقادية التي ادّعاها لهؤلاء، فاكتفى بعرض تعريفيّ لكلّ واحد منهم. بل اكتفى في الغالب بترديد معاني ليست غريبة عمّن يتابع هذه القضايا باللغة العربية. فكثبر من المعاني الواردة في هذا الكتاب تستمدّ قيمتها، وربما جدّتها كذلك، من اللغة التي كتبت بها. هذا فضلا عن كون هذا الكتاب قد أغفل مفكّرين ربّما كانوا يفوقون أهمّية أولئك الذين عرض لهم. ولعلّ سبب ذلك يرجع هنا كذلك للمسألة اللغوية، وإلى كونهم لم يكتبوا بغير اللغة العربية، إلا أننا نعتقد أنّ ذلك ليس سببا كافيا لعدم اعتبارهم ضمن "المفكّرين الجدد للإسلام".
jتونس - خليفة معيرش
28 حزيران (يونيو) 2010 23:01
لا ادري لماذا قفزت على هشام جعيط وهو اكثر ربما تمثيلية لهذا التوجه من ناحية اخرى يلاقي هذا التوجه صعوبة كبيرة في السند السياسي والاقتصادي الاجتماعي ومن جهة اخرى تضعف الجراة النقدية وكاني به مازال عند زمن ديكارت ودون ديدرو ونيتشة في مواجهة النص الديني
- أمير الغندور
29 حزيران (يونيو) 2010 09:56
لا أعلم لماذا يتشنج الحوار دون أدنى سبب.
المسألة ليست من مع من أو ضد من. وأتعشم ألا نظن أنفسنا في حروب وهمية ضد الإسلام أو ضد العلمانية أو ضد بعضنا بعضا.
نحن هنا لسنا في حروب يا سادة .. فما الداعي للتشنج؟؟
د عبد السلام بنعبد العالي يعرض كتابا له موضوع محدد .. ويفعل ذلك بكل موضوعية.
لماذا لا نتعلم الفصل بين مواقفنا الأيديولوجية وبين تقييماتنا الموضوعية؟؟
لماذا نعجز عن الفصل بين مواقفنا القلبية ومواقفنا العقلية؟؟
أم أننا نكتفي فقط بمطالبة دولنا بالفصل بين الدين والسياسة رغم عجز كل منا عن ممارسة ذات الفصل في أبسط ممارساته؟؟
إن التشنج للدين ضد العلمانية أو التشنج للعلمانية ضد الدين .. هو محض تشنج في نهاية المآل .. والخطورة على الدين وعلى العلمانية هي في ممارسة التشنج فيهما .. وليست في أي منهما؟؟
أستغرب لماذا نستخدم الكلمات كما لو كانت أسلحة وليست وسائل للتواصل؟
لماذا لا نبدأ من التحليل أولا قبل أن نصل إلى تكوين رأي قاطع في كل مسألة؟؟
لماذا نبدأ بالإدلاء بالرأي القاطع أولا، ثم نشرع بعد ذلك في تبرير رأينا والتمسك به والتشنج له والتحجر عنده ومحاربة كل من يناقشه أو يختلف معنا حوله كما لو كنا مالكين لحقائق مطلقة لا تقبل الجدل .. بينما نحن في الاساس نبدأ بالمصادرة على الجدل؟؟
هدئوا من روعكم يا سادة!!!
الإجابات عن الأسئلة المثارة موجودة ببساطة في المقال فأسماء هؤلاء المفكرين لها طرح إسلامي تجديدي لا تقليدي، سواء اختلفنا معهم أم لا.
-
كليفلند - حسن مشكور
29 حزيران (يونيو) 2010 20:11الأستاذ غندور، هناك مسألة ينبغي أن تنتبه إليها، العلمانية ليست ضد الدين، لأن العلمانية ليست إلحادا، العلمانية هي دعوة لفصل المدني عن الديني في المجال السياسي، فلا ينبغي أن نذكر العلمانية كأنها إلحاد. شكرا
-
- أمير الغندور
29 حزيران (يونيو) 2010 21:31
استغرب لماذا توجه كلامك هذا لي وكأني قلت ما تلمح إليه .. وأنا لم أفعل بالمرة
أنا تكلمت عن (التشنج) .. وأرجو أن نضع تحتها خط ..
التشنج للعلمانية لا العلمانية كمنهج .. والتشنج للدين لا الدين كظاهرة ..
أ مشكور .. أرجو دقة الملاحظة .. ليست هذه المرة الأولى التي تسيء فهمي فيها
التشنج لأي منهج أو مذهب هي ما أشجبه وأرفضه .. وليس المنهج ذاته
-
- حسن مشكور
30 حزيران (يونيو) 2010 14:19أستاذ أمير غندور، لا مشكلة إن لم أفهم قصدك ما عليك إلا أن تصحح لي، و إن اسأت فهمك مرتين فصحح فهمي مرتين، ما المشكلة؟ أنا فقط أشرت إلى أن العلمانية لا تعني "ضد الدين" كما كتبت و كررت أنت، العلمانية لا علاقة لها بالدين، ليست مع و لا ضد، هذا ما أردت أن أشير له، لأن كتابتك أن العلمانية ضد الدين هذا ما يقوله المتشددون نفسهم، "العلمانية إلحاد مقنع"، و هذا غير صحيح طبعا.في أمريكا كثير من رجال السياسة مؤمنون جدا، ولكنهم عمليا علمانيون. مع وافر الاحترام
-
-
دمشق - حماد عجيب
29 حزيران (يونيو) 2010 22:00السيد بنعكشة : لم اتطرق إلى ما تعتقده بل لا يهمني ذلك البتة و كل ما أردت قوله ان هؤلاء لا يمكن إدراجهم في خانة المفكرين الإسلاميين ( هل يمكن ان نسمي طبقة المفكرين الذين ظهروا في أمريكا إبان الحرب الباردة والذين إنبروا لدحض النظرية الماركسية و الماركسية اللينينية هم مفكرون ماركسيون ؟؟ ) وكل ما في الأمر انني شعرت أن ثمة محاولة للتدليس والغش بتسمية الأشياء بغير مسمياتها " مفكر إسلامي " , أما بالنسبة لإعتقادك الشخصي فأنا أظن أنك بالغ راشد و طريقة كتابتك تشي بأنك تجاوزت الثامنة عشرة ولا أظن أن أحدا ً يستطيع الإدعاء بالوصاية عليك , ولا داعي للتشنج والعصبية و أنصحك بحبة لكسوتان 10ملغ صباحا ً فقد تفي بالغرض
-
- الحسين بنعكشة
29 حزيران (يونيو) 2010 23:56كنت أظن أنك ستنصحني بالاستماع لنصائح طارق السويدان أو القرني، لأنها العلاج عندكم لكل شيء، على الأقل كنت ستكون متفقا مع مرجعيتك، أنا انصحك ببعض قطرات من الهالدول، فهي تبين الإنسان الأبيض من الأسود، و تشفيه من السكيزوفرينيا و العياذ بالله، و تكفيه شر أن يقول الشيء و ضده أمام ملايين الناس، وقانا العلم و الطب من شرور معاداة العقل
-
- عابد مغنية
30 حزيران (يونيو) 2010 23:31الأستاذ بنعكشة، أحترم رأيك و أفهم حزمك، ولكن ارى انك منفعل قليلا، و قطعي في أحكامك، التنسيب ضروري، و التنسيب لا يعني التنازل عن المبادئ،
-
-
-
طرابلس - أسامة علي
14 آب (أغسطس) 2010 02:05
اتفق مع اخي الحسين بنعكشة في قوله ( مفكرون من قيمتك أستاذ يعيشون في هذا المجتمع كالغرباء و يبرزون جهدهم في صمت ) ومن هؤلاء الذين يبرزون جهدهم في صمت المفكر الاسلامي الاستاذ أحمد القطعاني في ليبيا صاحب مجلة الأسوة الحسنة التي يقدم فيها فكره وطروحاته الراقية العميقة ، والتي لاقت صدى واسعا بين الجالية المسلمة في اوروبا وامريكا ، فحياه الله وهذه دعوة الى الالتفات لقراءة طروحاته وفكره .


الشلف - الحسين بنعكشة
27 حزيران (يونيو) 2010 22:18
الأستاذ بنعبد العلي، هذا الكتاب الذي قدمت حوله هذه القراءة جيد، و مما يشرفه أنك كتبت عنه، و لكن له حدود أيضا، و هو أنه يقدم تعريفا للغرب بمفكرين ربما لا يعرفونهم، ونحن نعرفهم، ، كما قلت أنت في أخر المقالة هو تعريفي، و أعتبر أنا من موقعي أن المفكرين العرب الذين لا يهتم بهم الغرب و الذين يعانون ضغط المجتمع أولى بالعناية من الكاتب بن الزين، مفكرون من قيمتك أستاذ يعيشون في هذا المجتمع كالغرباء و يبرزون جهدهم في صمت . أضيف أن الكتاب لم يذكر مفكرين آخرين لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ننساهم في العرب المعاصرين، جورج طرابيشي، و جلال العظم و عابد الجابري و أدونيس و سيد القمني و هشام شرابي و حسن حنفي…. لهذا الكتاب جيد للغربيين، لكنه لا يزيد شيئا لنا نحن العرب.
الرد على التعليق
دمشق - حماد عجيب
28 حزيران (يونيو) 2010 22:47
مع إحترامي للجميع , كل الأسماء التي وردت في المقال وفي تعليق بنعكشة , لا يمكن إدراجها تحت خانة " مفكر إسلامي " بل إن هؤلاء وبغض النظر عن قيمهم الفكرية والأدبية إنما نذروا أقلامهم من أجل محاربة الدين والإفتئات عليه , بطريقة او بأخرى , وبمناسبة أو دون مناسبة ولو ان التسمية تصح لوجب تصنيفهم تحت خانة " مفكر آنتي إسلامي " أو ضد إسلامي
الرد على التعليق
الشلف - الحسين بنعكشة
29 حزيران (يونيو) 2010 00:49
صحيح يا عجيب هم مفكرون "أنتي إسلام" الذي تفهمه أنت، أي ضد إسلامك أنت إسلام لا يعترف بالنقد و لا المراجعة، إسلام أسود اساء إلى الجميع، و قتل و قتل و أهان، إسلام يبرر الزواج بالأطفال و العبودية و يقطع الأيدي و يجلد العشاق، أنا ضد هذا الإسلام، و أقولها علنا، و أوالي كل من هو ضده، من جعيط إلى طه حسين.
الرد على التعليق