في كل قراءة لحدث ما تحضر أشياء، وأخرى تغيب. وفي الحضور، كما الغياب، يمكن العثور دائما، على ديناميات خاصة بالانتخاب والإقصاء، أي المعلن والمسكوت عنه. وهي عملية مزدوجة تمتاز بالتصميم والمراوغة، خاصة إذا ارتبط الحدث بالسياسة، وأصبحت تجلياته الأيديولوجية جزءا من علاقات القوّة.
وهذا أمر يصدق على القراءات المحتملة للانتفاضة الأولى (1987-1993) كما على أحداث أخرى كثيرة. فالانتفاضة الأولى لا تشكو ندرة الكتب، والدراسات، والندوات، التي تناولتها بالدرس والتحليل، لكن أغلبها يتماهى مع، ويندرج في، تقنيات السردية البطولية، التي أصبحت بحكم التكرار، والكسل العقلي، والانضباط الذاتي، جزءا من تقاليد التفكير في المسألة الفلسطينية
فمن النادر، مثلا، أن تتمكن دلالات سلبية من تحريض منتجي السردية البطولية على إعادة النظر في علاقتهم بالواقع. وإذا حدث وأسفر الواقع عن وجه يتسم بالبشاعة (كما هو الحال في الوقت الحاضر) يبدو الأمر وكأنه ضربة قدر مباغتة، أو محصلة لمؤامرة لم تكف عن ملاحقة الفلسطينيين منذ زمن بعيد. هذا، إذا تغاضينا، بطبيعة الحال، عن وصم كل محاولة للخروج على التقليد البطولي بالانهزامية، وجلد الذات، وصب الماء في طاحونة العدو..الخ.
لذلك، لم تنل ظواهر سلبية أفرزتها الانتفاضة الأولى ما تستحق من اهتمام كان كفيلا، لو توفر، بتجنيب الفلسطينيين بعض ما ألحقته بهم الانتفاضة الثانية. من تلك الظواهر: انهيار النظام التعليمي في الضفة الغربية وقطاع غزة، في السنوات الأخيرة للانتفاضة، وانهيار آليات الضبط والسيطرة التي مارستها القيادة الموّحدة في السنوات الأولى، وبروز عصابات مسلحة في الحواري والأحياء، وسيادة النـزعة المحافظة، التي توجها صعود الأصولية في السياق نفسه بالأدوات الأيديولوجية، وبلاغة العنف.
أضرت الظواهر المعنية فرادى ومجتمعة بالفلسطينيين في حينها، ورغم أن السردية البطولية تجاهلت وجودها، أو قللت من شأنها، إلا أنها لم تذبل في الواقع، بل مارست حضورها الشبحي ونفوذها في ثنايا المجتمع والسياسة بأشكال مختلفة، حتى دنت اللحظة المواتية مع اندلاع الانتفاضة الثانية، التي نجحت في تجريدها من طباعها الشعبي، وتحويلها إلى ظاهرة مسلحة، تحكمها قوّة دفع ذاتية، ومصالح خاصة، في فترة قياسية من الزمن.
2
كيف بدأت الانتفاضة الأولى، ومم تشكلت رافعتها الاجتماعية، ومتى وهنت وبدأت في الانحدار؟
تحاول الفرنسية ليتسيا بوكاي، الباحثة في علم الاجتماع، في كتاب نشرته مطبعة جامعة برنستون، في الولايات المتحدة، بعنوان: "أن تكبر كفلسطيني: الاحتلالالإسرائيلي وجيل الانتفاضة"، أن تعثر على إجابات محتملة لأسئلة كهذه، من خلال ما يُعرف في علم الاجتماع بالوثيقة الاجتماعية، أي السير الشخصية لفاعلين اجتماعيين، وحجم التأثير المتبادل بين فعاليتهم السياسية من ناحية، وخصوصية الظروف الاجتماعية، التي تمثل حاضنة طبيعية للأفراد والجماعات.
أما "وثيقتها الاجتماعية" فتتمثل في سيرة ثلاثة شبّان نشأوا في أحد المخيمات، وشاركوا في الانتفاضة الأولى، ثم انخرطوا في أجهزة الأمن الفلسطينية بعد إنشاء السلطة، وشنوا هجمات مسلحة على الإسرائيليين بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، وانتهى الأمر باثنين منهم في السجون الإسرائيلية، وبمصرع الثالث على يد الإسرائيليين.
يشكّل هؤلاء عيّنة ذات خصائص تقبل التعميم، بهذا القدر أو ذاك، على أعداد يصعب حصرها من المشاركين في الانتفاضة الأولى، أو ما سيعرف لاحقا باسم جيل الانتفاضة، الذي تحمّل العبء الأكبر في الكفاح ضد الاحتلال، ودفع القسط الأكبر من التضحيات، بحكم أن أفراده كانوا حاملي شعلة المقاومة ووقودها. ومع ذلك، كانوا الحاضنة التي نمت فيها ظواهر تجاهلت السردية البطولية جديتها وحجم ما انطوت عليه من مخاطر.
استمدت الانتفاضة الأولى، كما ترى بوكاي، زخمها من تحالف شبّان المخيمات، والشرائح العمالية الفقيرة، مع الإنتلجنسيا، والطبقة الوسطى. وقد نشأ التحالف بين تلك الجماعات لأسباب مختلفة:
بدأ شبّان المخيمات والفئات العمالية الفقيرة في البحث عن أفق جديد، بينما تزايد دور ونفوذ الجامعات الفلسطينية، التي تحوّلت إلى حاضنة للوطنية الفلسطينية، بمختلف تجلياتها الأيديولوجية، وشعرت الطبقة الوسطى بثقل الاحتلال، الذي أثقلها بالضرائب، وأنكر عليها حق الممارسة السياسية.
وقد نجمت السمة الشعبية العامة للانتفاضة عن القاعدة الاجتماعية العريضة، التي وفرها هذا التحالف، الذي كان قادرا بدوره على رفد الحركة الشعبية بقيادات من الإنتلجنسيا والمناضلين المحترفين، علاوة على إسهامه في رسم السياسات والبرامج الكفيلة بتنسيق الجهد، واستثمار مصادر القوّة، وتحديد الأولويات. واستمر الوضع على هذا النحو حتى حرب الخليج الأولى في العام 1991، التي توقف عندها المؤشر البياني الصاعد للانتفاضة، وبدأ في الهبوط.
ففي ذلك الوقت، استغل الإسرائيليون ظروف ما قبل، وأثناء، وبعد الحرب، في تنفيذ سياسة تستهدف كسر إرادة المجتمع الفلسطيني، وتهشيم قواه، من خلال سياسة الإغلاق التي امتدت أحيانا لأشهر متتالية، وفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة، وملاحقة قيادة الانتفاضة بالتصفية، والاعتقال، والإبعاد، علاوة على استـنزاف الطبقة الوسطى، وإرغامها على دفع الضرائب، تحت طائلة المصادرة، وفتح المحلات والمؤسسات التجارية بالقوة.
ومن جانب آخر، تزامنت تلك التطوّرات مع نجاح منظمة التحرير، وجهات أخرى في الخارج، في بلورة آليات لتقديم أموال الدعم لمنظمات وأفراد. وقد أسهمت تلك الأموال، التي تدفقت بشكل كثيف، وغير مسبوق، في وضع اللبنات الأولى لتكوينات ستتحول في وقت لاحق إلى ميلشيات، وفي تقليص القاعدة الاجتماعية للانتفاضة. وهي أشياء أسهمت، ضمن أمور أخرى، في إضعاف آليات التحكم والسيطرة لدى القيادة المحلية، وفي دفع فئات بعينها نحو العمل المسلّح.
المهم، أن بوكاي لا تتوقف كثيرا عند مفصل مطلع التسعينات، باعتباره اللحظة الأهم لا في سيرة الانتفاضة الأولى وحسب، بل وربما في مسيرة الفلسطينيين على مدار عقود لاحقة، أيضا. وقد اطلعتُ عن كثب على أحداث تلك الفترة، ويمكن القول في هذا الصدد إن قيادة منظمة التحرير، التي لم تدرك في البداية حجم وأهمية الانتفاضة، حاولت عن طريق الدعم المالي الحيلولة دون استقلالية القيادة المحلية من ناحية، والحيلولة دون نجاح أطراف خارجية في السيطرة عليها من ناحية ثانية.
والواقع أن الفصول الأهم، وبقدر ما يتعلّق الأمر بالفلسطينيين، عشية وخلال وبعد حرب الخليج الأولى لم تُكتب بعد. ففي ذلك الوقت، اعتبرت أطراف خليجية وامتداداتها الإقليمية المختلفة أن موقف منظمة التحرير تجاه الاحتلال العراقي للكويت، يمثل طعنة في الظهر، وحاولت أن ترد الصاع بطريقتين مختلفتين:
أوقفت أموال المساعدات للمنظمة، وشرعت في جهد غير مسبوق لدعم من رأت فيهم خصومها السياسيين والأيديولوجيين، أي الأصولية الإسلامية، وقد كانت لهذا الأمر، وما زالت، نتائج بعيدة المدى لن تزول آثارها في وقت قريب، لكن جانبا منها يفسر صعود الأصولية في السنوات الأخيرة للانتفاضة الأولى، وتمتعها بموارد مالية هائلة، وما تلىأو ذلك من تفاصيل معروفة.
مهما يكن من أمر، ترى بوكاي أن وهن الطبقة الوسطى، وضعف القيادة المحلية، بفعل عمليات التصفية والاعتقال والإبعاد، ناهيك عن تحفظ ما تبقى منها تجاه مأسسة المقاومة، وظاهرة الميليشيات، وضع شباب المخيمات، والفئات العمالية الفقيرة، في حالة صدام مع الطبقة الوسطى والإنتلجنسيا، ومنحهم قدرا أكبر من الاستقلالية، التي تحوّلت مع غياب الخبرة والوعي السياسيين إلى عنف نحو الداخل، أي ضد المجتمع الفلسطيني نفسه، وتحت تسميات من نوع محاربة العملاء، أو فرض الانضباط.
وفي هذه الفترة بالذات، فقدت العائلات والنخب السياسية التقليدية، التي تحكمت حتى وقت قريب بالعمل السياسي، وقامت بدور الوسيط بين المجتمع والاحتلال، أو بينه وبين أطراف خارجية، موقعها الممتاز، وقدرتها على التأثير، لكنها حاولت تعويض فقدان الامتيازات والنفوذ، بالاستفادة من الحكّام الجدد للشارع، أي شبّان المخيمات والفئات العمالية الفقيرة، وتوظيفهم في خدمتها، من خلال الرشوة المادية والمعنوية.
وقد شعر هؤلاء بالفوز، ففي مجتمع تقليدي تحكمه التمايزات الطبقية والتوترات العائلية، ويعاني فيه اللاجئون بشكل خاص من إحساس دائم بالمهانة، لم يكن صعود شباب المخيمات والفئات العمالية الفقيرة إلى الواجهة، وإحساسهم بالقوّة وبالنفوذ الاجتماعيين بالأمر الهين. وهذا هو السياق الذي نشأت في ظله جماعات مسلحة تبرر وجودها بمكافحة الاحتلال، لكن سلوكها لا يختلف كثيرا عن سلوك العصابات، خاصة وقد بسطت نفوذها على مناطق معيّنة، وانخرطت في صراع على النفوذ مع جماعات مشابهة، وتوّلدت لديها مصالح محلية لا تتجاوز في معظم الأحيان حدود الحي، أو المخيم، أو المدينة.
3
وإذا عدنا إلى سيرة الشبّان الثلاثة، التي تشكّل "الوثيقة الاجتماعية" سنجد الكثير من تفاصيل العلاقة المتبادلة بين الفاعلين وحاضنتهم الاجتماعية. فقد انخرطوا في الانتفاضة، بمخاطرة حقيقية، وشعروا بالفوز، وبالمكانة المرموقة، خاصة وأن أبناء العائلات التقليدية في المدينة توددوا إليهم، وطلبوا حمايتهم، كما تعوّدوا الحصول على المال دون جهد يُذكر، ولم يتمكنوا من اكتساب مهنة تؤهلهم للانخراط في سوق العمل، أو تكوين أسر وإعالتها بطريقة طبيعية.
بعدما نشأ نظام السلطة الفلسطينية، انخرط الشبان الثلاثة في أجهزة الأمن، دون قدرة على الانضباط، ودون قبول بحياة الكفاف، التي يوفرها الراتب الشهري، لذا اشتغلوا في تجارة الأسلحة، والسيارات المسروقة للحصول على المال، وظلت سنوات الانتفاضة بمثابة الزمن الذهبي، الذي مكنهم من امتلاك وسائل القوّة، وتحقيق الذات. وما أن اندلعت الانتفاضة الثانية حتى كانوا في طليعة الصفوف.
وبالقدر نفسه، ينطوي التكوين الأخلاقي للفاعلين على أهمية استثنائية، إذ يمكن بواسطته النفاذ إلى بعض خصائص الميل إلى المحافظة، الذي وسم المجتمع الفلسطيني في السنوات الأخيرة للانتفاضة الأولى، وتحوّل إلى سمة سائدة في سنوات لاحقة.
كان العمل الأوّل للشبان الثلاثة بعيد اندلاع الانتفاضة الثانية إحراق متجر للكحول في المدينة، رغم أن اثنين منهم يتعاطيان الكحول. وما يبدو تناقضا على السطح، لا يبدو كذلك في العمق. فعندما بدأت الانتفاضة الأولى كان المجتمع الفلسطيني مرتعا لأيديولوجيات يسارية، وكانت الإنتلجنسيا منفتحة، والطبقة الوسطى متسامحة بشكل عام، حتى في أوساط المخيمات والفئات العمالية الفقيرة، كانت العصرنة، أي الابتعاد بهذا القدر أو ذاك، عن الخصائص التقليدية للعائلة والمجتمع، تبدو من طبائع الأمور، لكن المجابهة مع الاحتلال أطلقت ديناميات خاصة، بدأت بطريقة رمزية في البداية، واكتسبت قوّة دفع ذاتية مع مرور الوقت، ثم تحوّلت إلى سياسة إكراه في وقت لاحق.
فقد شعر الجميع بضرورة الالتزام بضوابط أخلاقية، لتحصين المجتمع ضد محاولات الاختراق الإسرائيلية، وتعزيز قدرته على الصمود. وفي هذا الصدد كانت جماعات اليسار، وجماعات تنتمي إلى حركة فتح، في طليعة الداعين إلى الالتزام بتلك الضوابط، التي فسرها شباب المخيمات بمحاربة الكحول، وبالتقليل من مظاهر الزينة لدى النساء تعبيرا عن التضامن مع الانتفاضة.
وسرعان ما ظهر الحجاب، ثم أرغمت الطبقة الوسطى بالقوة على الانضباط، عندما تصدى شبّان لنساء يخرجن بلا غطاء للرأس بالحجارة والاهانات، وعندما صعدت الأصولية إلى الواجهة باعتبارها الأكثر التزاما بالانضباط، وحارسه الأمين، بالقوة إذا استدعى الأمر، وغالبا ما يستدعي. وعندما ارتد عنف الانتفاضة إلى الداخل في سنوات ما بعد حرب الخليج، أصبح فرض الانضباط جزءا من تجليات وعلاقات القوّة، إلى حد حظرت معه أكثر أشكال الترويح عن النفس براءة مثل الذهاب إلى شاطئ البحر (في غزة).
ورغم أن بوكاي تناولت ظاهرة الجيل الأصغر سنا، الذي نشأ في ظل الانتفاضة، وتحوّل إلى وقود للانتفاضة الثانية، وخرج من صفوفه معظم الانتحاريين، إلا أنها لم تتوقف أمام العلاقة بين انهيار النظام التعليمي، وحقيقة أن هذا الجيل يكاد يكون أميا في كثير من الحالات.
وفي حين أن تحليلها لمدى ما يتسم به هذا الجيل من عزلة، ومن إحساس باليأس، ومن اهتمام ضئيل بالأيديولوجيا، وميل إلى العدمية، يصف جانبا من الحقيقة الاجتماعية، إلا إعادة تحليل الظاهرة استنادا إلى انهيار نظام التعليم على امتداد معظم سنوات الانتفاضة الأولى، ولأسباب خارجة عن إرادة الفلسطينيين، يسهم في تفسير ضعف الروح الوطنية التقليدية التي وسمت أجيالا سابقة، وفي جهل حقائق أساسية تتعلّق حتى بالمجتمع الفلسطيني نفسه.
علاوة على ذلك، كان من الممكن ربط الصلة بين الانتفاضتين الأولى والثانية من خلال تحليل نظام السلطة الفلسطينية، لكن بوكاي فشلت في إقامة صلة كهذه. فقد تحوّل نظام السلطة، بفضل تعدد الأجهزة الأمنية، إلى ما يشبه الميليشيا في حد ذاته، وأسهم في تعميق الإحساس بالاغتراب لدى فئات واسعة أبرزها المخيمات والفئات العمالية الفقيرة، التي لم تهبط إلى القاع بفضل إحياء العائلات والنخب والبنى التقليدية وحسب، بل هبطت أيضا بفضل عجز السلطة، أو عدم اهتمامها، ببلورة برامج تسهم في رفع مستواها الاقتصادي، وتحسين ظروفها الاجتماعية. وربما يصح القول إن النظام تعامل مع شبّان المخيمات، والفئات العمالية الفقيرة، بنفس طريقة العائلات والنخب التقليدية في زمن الانتفاضة الأولى، مع فارق وحيد، أي بالرشوة المادية، ولكن بلا مكافآت رمزية.
أخيرا، تجدر الإشارة إلى أن كتاب بوكاي صدر بالفرنسية في العام 2002 بعنوان "جيل الانتفاضة"، ونشرت دار قدمس للنشر ترجمته العربية في العام الماضي بعنوان لا يفتقر إلى دلالات "الفلسطيني التائه: الانتفاضة تأكل أبناءها"، أما النسخة المعتمدة في هذه المراجعة فهي الطبعة الثانية للترجمة الإنكليزية الصادرة في أواخر العام الماضي (2006).


