الأربعاء 20 آب (أغسطس) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > تحقيقات > الترجمة الشفوية في السويد: العلّة في العتالين!

الترجمة الشفوية في السويد: العلّة في العتالين!

الخميس 20 أيلول (سبتمبر) 2007

بقلم:

منهل السراج  

شارك اصدقاءك هذا المقال



تحدثت إلى صديق عن قلة اطلاع الغربيين على ثقافتنا ومحدودية فهمهم لنا وتفسيراتهم التي تكاد تتطابق عنا وعن أوضاعنا، فأجابني مختصراً القضية كلها بجملة واحدة وجدتها حكمة حقيقية:
ـ العلّة في العتالين.

لعل المترجمين الشفويين، هم أهم هؤلاء الحمّالين.
من المعروف أن الترجمة الشفوية لا تقل أهمية عن الترجمة الكتابية، ذلك أنها عمل محدود بالوقت وبطرفين ينتظران فهم بعضيهما لتأدية الشأنين. من هذا المنطلق ربما، يحتاج هذا العمل إلى خبرة قوية باللغتين وقبلها، إلى ذكاء وثقافة وسرعة بديهة. ولكن، كم هو عدد الذين يعملون في هذا الحقل ويتمتعون بمثل تلك الكفاءات ؟

في الآونة الأخيرة وبسبب كثافة الهجرة إلى السويد، صارت قضية الترجمة الشفوية والمترجمين، أزمة حقيقية والشاغل الأكبر للمسؤولين ووسائل الإعلام هناك. فالمترجمون الشفويون العاملون كموظفين ثابتين في مؤسسات مثل دائرة الهجرة التي تحتاجهم بكثرة، نجحوا في امتحان الترجمة ونالوا الوظيفة بشكل رئيسي، بسبب قلة عدد المتقدمين وشدة الحاجة إليهم. إلا أن خبرتهم، على محدوديتها، تبقى أقل سوءاً من أداء مَن يعملون ضمن مكاتب خاصة ويُستدعون للقيام بالترجمة في مسائل مؤقتة، من نوع تيسير التواصل بين طبيب ومريض مثلا. ولا نبالغ إذا قلنا إن وضع الترجمة الشفوية من العربية إلى السويدية وبالعكس، في أردأ حال، وربما كانت سبباً أساسياً في سوء الصورة المكرّسة والشائعة عن المهاجرين.

فرغم أن أغلب السويديين يتحدثون الإنكليزية وبإتقان، إلا أنهم ولكي لا يتحملوا مسؤولية احتمال وجود أي ضعف في فهم الإنكليزية، من جانبهم أو من الجانب المقابل، يصرّون على أن يتحدث كلّ بلغته الأصلية على أن يقوم المترجم الشفوي بالنقل.

هذا ويبذل معظم المترجمين جهدا للتعرّف على اللغة الجديدة، غير آبهين بتقوية لغتهم الأصلية، فهم يعتبرون أنهم يجيدون لغتهم الأم/ العربية مثلاً، بما يكفي. لكن، ما يحدث هو أن العامية العربية التي أتوا بها ظلت كما هي، أو ضاع منها الكثير، وهي قد لا تتجاوز في الأساس لغة الصف التاسع في البلاد. معظم المترجمين المتواجدين في السويد، والذين ينقلون من العربية إلى السويدية وبالعكس، لايتقنون العربية، إلا كلاماً يومياً ضيقاً، وهم لم يقرؤوا ربما كتاباً بالعربية، باستثناء كتب مدرسية هزيلة يقوم الطالب في آخر العام برميها وبتنظيف رأسه من معلوماتها.

كنت مستعدة للتحدث بالإنكليزية مع طبيبة ابني. إلا أنها آثرت أن تحضر مترجمة. وكنت قد بدأت بتعلم بعض الكلمات بالسويدية، لكنها لم تكن بالطبع كافية للقاء طويل. باشرت أتحدث بالعربية بسرعة وتلقائية، فهناك من يحمل همّ توصيل فكرتي بلغة قوية، لغة صار لصاحبتها مراس أكثر من خمسة عشر عاماً. ولكن..

معظم ما قلته، لم تقله كما قلته. وبعض ما كنت أقوله، كان ينقل بمعنى آخر تماماً. كلمة زعل مثلاً، ترجمتها: صراخ. لم أعلق. اكتفيت بإعادة الجملة عليها كي تترجمها بشكل صحيح. لكنها لم تأبه. دققت في كلام الطبيبة لألتقط بعض الكلمات وأتأكد من صحة ماتقول المترجمة، إذ شعرت أن الجمل التي تنقل عن لسان الطبيبة شديدة الضعف علمياً تصل حد السذاجة أحياناً ولا يمكنها أن تكون لغة طبيبة تعمل في مدينة استوكهولم.

كان لقاء طويلاً ومليئاً بالأخطاء والالتباسات، وقد راعيت أن أصمت أمام هذه الأخطاء لأني جديدة و“لست بالقصر إلا البارحة العصر”. إلى أن التقطت جملة من الطبيبة، قالتها بوضوح شديد: تتزايد حدوث هذه الحالات في العشرين عاماً الأخيرة. التفتت المترجمة إلي قائلة بثقة: لم تحدث هذه الأمراض منذ عشرين عاماً. فوجئت، المعلومة بمنتهى الأهمية، أعدت ترجمة المترجمة بالإنكليزية للطبيبة لأتأكد من صحة ما سمعت ومن خطأ ما وصلني، وتبين أن ما سمعته أنا، حيث أن قاموسي لا يزيد 500 كلمة سويدية، كان أكثر دقة من قاموس المترجمة التي تعمل عبر مكاتب الترجمة منذ سنين في استوكهولم. وتراءى لي القادمون الجدد والظلم الذي يقع عليهم عبر هذه المواهب الضعيفة، وكم يحدث بالآن نفسه سوء فهم والتباس وإشكال بين العربي والغربي. لم أستطع أن أصمت. أخبرت الطبيبة عن خطأ المعلومة التي نقلت إلي، ويا ليتني لم أفعل، لأن المترجمة ذات الصوت الجهوري انهالت علي بالصراخ، لدرجة شعرت أن كثيراً من الحنين إلى البلد قد تبدد. اكفهر وجهها:
ـ إذا كنت تعرفين اللغة لماذا تطلبين الترجمة؟

لم تترك لي مجالاً كي أجيب، نظرت في وجه الطبيبة فوجدته جامدا كوجه السويديين في العادة. اكتفت الطبيبة بالانتقال إلى وراء مكتبها. ربما فكرت أنه أكثر أماناً، أو أنها فكرت ربما تحتاج هاتفها للاستنجاد بأحد. نعم، المترجمة العنيفة أخافت الطبيبة وأخافتني، وفضلنا الطبيبة وأنا، أن ننهي اللقاء هنا. أعطتني ورقة مكتوبة لموعد قادم مع مترجم جديد. ولكن.. لم يكن اللقاء الثاني مع المترجم الجديد أفضل حالاً.

قلت للمترجم، هل تفضل أن أتحدث باللغة العربية الفصيحة؟ فقد افترضت أن اللغة العامية وبسبب اختلافها من بلد عربي إلى آخر، ربما تسبب سوء فهم، خصوصاً أن المترجمة السابقة ادعت أن سبب المشكلة كان اختلاف اللهجات، ضحك المترجم مستهزئا من سؤالي: تكلمي كما تحبين وبأي لهجة. قالها بلهجة المتمكن من عربيته ومن سويديته. قلت لنفسي: عظيم أستطيع أن أتحدث على سجيتي.

وكانت معركة أخرى. قالت الطبيبة: الحلق، ترجمها: الفم، وحين قالت كلمة أمعاء، ترجمها أخونا: بطن. هذا عدا عن شروده وترجمته لربع الكلام فقط. فقدت صبري أيضاً. معركة أخرى، لكنها أقل وطأة بما أني والطبيبة اختبرنا المترجمين وعرفنا أن علينا عدم استفزازهم، والاكتفاء بالاتفاق على تغيير المترجم إلى ثالث في اللقاء القادم.

التجربة الثالثة، كانت فريدة من نوعها، إذ قرر المكتب الذي خجل كثيراً من المركز الصحي ومن الطبيبة التي أنبته على سوء مترجميه، إرسال مترجمة جديدة، مطلعة حسب ظنه على مصطلحات الطب أكثر من غيرها. كنت والطبيبة على حذر من التجربة الثالثة، واتفقنا أن نتعامل بالبريد الالكتروني، إن حصل شك بفهم قضية ما.

المترجمة كانت شديدة الثقة بنفسها، لدرجة أنها لم تقم بالترجمة، كانت تتولى شرح كلام الطبيبة لي وشرح كلامي للطبيبة. أقول خمس كلمات تقول ثلاثين كلمة. تقول الطبيبة ثلاثين كلمة، فتقول المترجمة تسعين كلمة. واستمر اللقاء استعراضا من المترجمة لمعلوماتها في الطب وتجربتها الخاصة في الأمومة. وحين سألت الطبيبة عن طرق العلاج، نسيت المترجمة دورها تماماً وامتلأت حماساً وراحت تجيبني عن سؤالي من خلال معلوماتها الخاصة. للحق، كانت معلومات لطيفة، لشعبيتها.

لأول مرة أرصد امتعاضاً على وجه سويدي أشقر، هم الذين لايبدون الامتعاض إلا “للشديد القوي”. غضبت الطبيبة السويدية، وسحبت ورقة دوام المترجمة، وقعتها لها وصرفتها بتصميم نهائي.
هذه الحالات ليست سيئة بالمقارنة بما كان يحدث بالماضي، حين كان عدد المترجمين قليلا جداً وكان هؤلاء يتولون الترجمة والشرح وحتى التصرف بمصير القادم الجديد، راسمين الصورة التي تروقهم للعربي عن السويدي، والعكس بالعكس.

قالت لي إحدى المترجمات بافتخار: حين أترجم، أتصرف بالترجمة. قالتها وكأنها تبدع إبداعاً على إبداع.
سألتها: لماذا تتصرفين بالترجمة، ودورك هو أن تنقلي بدقة..
قاطعتني: ذلك لأن منهج السويديين في الحديث يختلف عن منهجنا. هم مباشرون جداً، مما يؤذي شعور مواطننا.
كانت هذه المترجمة معتمدة في المحاكم، وتترجم في قضايا الجرائم والسرقات التي تكثر بين المهاجرين، فتقوم بتخفيف لهجة المحقق حسب طريقتها واعتقادها. تقول: لأن مواطننا، المتهم بالسرقة، يشعر أن المحقق عنصري.
وهكذا بسبب هذه الوسائط تظلَم بلادنا وتعتم صورتنا.

فليسرع كل قادم إلى تعلم لغة البلد، ولينفد بجلده ويحمل حمله على ظهره، بدل أن يسلمه للحمّال فيتلفه أو يأخذه إلى عنوان آخر. 


شارك اصدقاءك هذا المقال

هل نجني ثمار فشل (...)

أحكمت الأنظمة العربيّة غلق القماقم العتيقة، وبمجرّد تزعزع بعضها أو تلاشيها، غير مأسوف عليها، انطلقت عفاريت الهويّة والطّائفيّة والشّريعة والعقيدة وفتحت أمامنا مسرحا قياميّا شبيها برقصة أشباح الماضي مع الأحياء. كلّ هذا الرّعب الذي نراه يتمّ باسم الإسلام، رغم كلّ الحسابات والرّهانات الجيوستراتيجية، ورغم الدّور التّخريبيّ الذي لعبته بعض الدّول، ورغم تعدّد أطراف اللّعبة في كلّ بلد فتح فيه جحيم هذا الحفل (...)
الفيسبوك
تويتر