الخميس 17 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > مقالات > التفسير العلمي للأحاديث النبوية إساءة للحديث وليس تصديقا (...)

التفسير العلمي للأحاديث النبوية إساءة للحديث وليس تصديقا له

دراسة حالة

الاربعاء 5 أيار (مايو) 2010
بقلم: وائل السواح  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

في متابعة لما بدأناه من ضرورة ربط السنّة النبوية بالعقل والمنطق قبل الأخذ بها على عواهنها، نتابع هنا بدراسة حالة أخرى لحديث نبويّ يثير جدلا بين المتابعين والدارسين لأحاديث النبيّ.

روى البخاري ومسلم وغيرهما حديثا عن النبيّ بروايات مختلفة ومضمون واحد، وأكثرها شيوعا في الكتب الإسلامية، هي الرواية التالية: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : إذا سمعتم أصوات الديكة فاسألوا الله من فضله فإنّها رأت ملكا وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوّذوا بالله من الشيطان فإنّها رأت شيطانا." وصنّفه الجميع حديثا صحيحا". (راجع الجامع الصغير للسيوطى حديث رقم 4259 صحيح).

نحن هنا أمام حديث غريب لنبيّ أسّس دينا عظيما يدين به اليوم أكثر من مليار بشري. ولسوف يكون من الصعب أن نتخيّل مجلسا كان به النبيّ، فسمع نهيق حمار قريب، فشعر بالانزعاج، ثمّ استعاذ بالله وأمر أصحابه بالاستعاذة لأنّ الحمار ما نهق إلا لأنّه رأى شيطانا، وبرواية البزاز : أنّ سبب الحديث أنّ النبيّ كان في مجلس، فصاح ديك، فلعنه رجل، فأنَّبه النبيّ وقال: "إذا سمعتم أصوات الديكة فاسألوا الله من فضله فإنّها رأت ملكا". لو كنتَ في مجلس النبيّ لاستغربت قوله، فها هو رجل عظيم رزين وعاقل، كان يحكِّم بين قبائل العرب في الجاهلية فيقبل الجميع حكمه (1)، ولكنه لا يمتنع أن يقول إنّ الديك يصيح لأنه يرى الملائكة. ولكنتَ استهجنتَ أكثر ربط نهيق الحمار بصياح الديك، بهذا الشكل المفتعل. فلنتصوّر أنفسنا في مجلس يتصدّره رجل عظيم كالنبيّ، ويدور الحديث فيه عن قضايا الأمّة والدين والمجتمع، ثم ها هو ديك يصيح، فينزعج رجل من الحاضرين منه فيلعنه، فيستفزّ النبيّ الكريم، ويوبّخ الرجل مانعا إياه من لعن الديك، قائلا إنّ الديك إنّما يصيح ابتهاجا لأنّه رأى ملاكا. ولأنّ الشيء بالشيء يذكّر، يضيف النبيّ، بالمناسبة، أنّه إذا نهق الحمار فتعوّذوا بالله من الشيطان لأنّه رأى شيطانا. لماذا ينبغي أن تسعد الديكة برؤية الملائكة طوال عمرها، بينما تشقى الحمير برؤية الشياطين طوال عمرها؟

ولا تقف المسألة ههنا، إذ يزيد البعض على الحديث النبويّ حديثا آخر في تعظيم الديك هو للإمام جعفر بن محمد الباقر وهو يقول، نقلا عن جابر: " إنّ لله ديكا في الأرض ورأسه تحت العرش جناح له في المشرق جناح له في المغرب فيقول سبحان الملك القدوس، فإذا قال ذلك صاحت الديوك وأجابته. فإذا سمعت صوت الديك فليقل أحدكم سبحان ربّي الملك القدّوس". هو ذا تنويع شيعيّ على سنّة النبيّ لا تقلّ غرابة عن الأصل، على أن لا غرابة في ذلك، إذا كان القائل نفسه هو الذي طلب من الناس ألا يبحثوا ويسألوا، إذ ينقل جابر عن جعفر قوله : " يا أيها الناس اتقوا الله ولا تكثروا السؤال إنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم أنبياءهم".

ولكنّ المبالغة التي بين أيدينا لا تقتصر على المراجع الشيعية، فالألباني، وهو من ثقاة مصنّفي الحديث، يروي عن أبي هريرة أنّ الَنبيّ قال "إنّ الله أذن لي أن أحدّث عن ديك، رجلاه في الأرض، وعنقه مثنية تحت العرش، وهو يقول: سبحانك ما أعظم ربّنا فيُردّ عليه: ما يعلم ذلك من حلف بي كاذبا".

لا أعتقد أنّ النبي أو جعفرا قالا أيّا من الحديثين المنسوبين إليهما، كما أنّني لا أعتقد أنّ النبيّ قد ذمّ الحمار وامتدح الديك. ولكنّ الكثرة الكثيرة من الذين يسلِّمون بما يقوله شيوخهم دون تدقيق أو محاكمة، يعتقدون أنّ الأحاديث الثلاثة صحيحة. 
 

ومن التنويعات الأخرى على الحديث، قول "جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : إذا سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمر بالليل فتعوّذوا بالله ، فإنّهن يرين ما لا ترون ." رواه أبو داود (103 )، وأحمد (3 / 306). لدينا هنا إضافة هي الكلاب، التي ينبغي إذا سمعنا نباحها التعوّذ بالله أيضا.

وأسوأ من ذلك ما نسب إلى النبيّ من قوله "لا ينهق الحمار حتى يرى شيطانا أو يتمثّل له شيطان، فإذا كان ذلك فاذكروا الله وصلوا عليّ". فالمشكلة هنا ليست أنّ الحمار ينهق إذا رأى الشيطان ولكن أنّ الحمار لا ينهق إلا إذا رأى الشيطان. أمّا نهيق الحمار لجوع أو تعب أو مناداة للشريكة، فذلك لا يحسب الحديث له حسابا البتّة. وفي الطرف آخر، تبلغ المبالغة ‏حدّ النهي عن سبِّ الديك، "لأنّه يدعو للصلاة. فقد صحّح ابن حبان - وأخرجه أبو داود وأحمد - من حديث زيد بن خالد رفعه " لا تسبّوا الديك فإنّه يدعو إلى الصلاة". 
 

ولو كان تبرير ذلك كله أنّ علوم عصر النبي كانت محدودة، وأنّ الأحاديث مثلها مثل كلّ الأدب في ذلك الوقت وليد عصره ومحدود بمحدوديته، لما كان ثمّة مشكلة لدينا. ولكنّ معظم المسلِّمين (بتشديد اللام) لا يقنعون بذلك، بل يعيدون تفسير كلّ الحديث النبويّ على أساس من العلم الحديث، لاوين بذلك عنق العلم والحديث على حدّ سواء. فبينما كنت أبحث عن الحديث الذي بين أيدينا في المراجع وفي المواقع الإلكترونية، مرّ بي ما يربو عن 13000 ألف مادّة على الإنترنت تحاول إثبات علمية الحديث النبويّ المذكور، وملخّص هذه المحاولات هو التالي:

"إنّ قدرة البصر لدى الإنسان محدودة لا ترى ما تحت الأشعة الحمراء ولا ما فوق الأشعّة البنفسجية، بينما تقدر الديكة على رؤية الأشعّة فوق البنفسجية، ويقدر الحمار أن يرى الأشعّة تحت الحمراء. ولأنّ الشيطان خلق من نار، أي تصدر عنه الأشعّة تحت الحمراء، فإنّ الحمار يراه. أمّا الديكة فترى الأشعّة فوق البنفسجية، ولأنّ الملائكة مخلوقة من نور، أي تصدر منه الأشعة فوق البنفسجية، فإنّ الديكة تستطيع أن تراها." (2) 
 

العجيب أنّ معظم المواقع والمنتديات والمدوّنات أوردت هذه القصة أو ما يشبهها باعتبارها حقيقة علمية مطلقة، ولم يكلّف أيّ كاتب نفسه مشقّة ذكر المصدر العلميّ الذي جاء بنظريته أو بمعلومته منه. باختصار قالوا لنا: "العلم يقول إنّ الديك يرى الأشعّة تحت البنفسجية والحمار يرى الأشعّة تحت الحمراء،" فيصدّق المؤمنون البسطاء الذين تعلّموا من الإمام جعفر ألا يسألوا، لأنّ من قبلنا قد هلكوا بسبب كثرة السؤال. فلا يطرح أحد السؤال التالي : "إذا كان صحيحا أنّ الحمار يرى الأشعّة تحت الحمراء، فكيف أثبت العلم أنّ الشيطان يطلق أشعّة تحت الحمراء؟ وإذا كان الديك يرى الأشعّة فوق البنفسجية، فكيف أثبت أنّ الملائكة تطلق أشعّة فوق بنفسجية. وماذا يعني أن تكون الملائكة مخلوقة من نور؟ ألا يتأتّى النور عن النار؟

ومع ذلك، ولأنّني لست خبيرا في هذا المجال كان عليّ أن أقوم ببحث طويل للتحقّق من هذه المعلومة. وكانت النتيجة هي التالية: تستطيع الطيور والحشرات بالفعل رؤية الأشعة تحت البنفسجية، بما في ذلك النحل والفراش. ولكنّ السؤال، لماذا لا ينبغي للمؤمن أن يدعو الله إذا صاح الغراب، فهو يرى الأشعّة تحت البنفسجية أيضا، وبالتالي فهو يرى الملائكة، وقل القول نفسه بالنسبة للنحل والفراش. أمّا بالنسبة للأشعّة تحت الحمراء، فإنّ بعض الحيوانات وخاصة الزواحف تستطيع رؤيتها، بيد أنّ الحمار لم يكن قطعا من بين الحيوانات التي تراها. لذلك يحقّ لنا أن نفترض أنّ القسم المتعلّق بالحمار ورؤيته للشيطان في الشرح "العلمي" للحديث النبوي، هو استكمال تخيُّليٌّ للشقِّ الأوّل الذي لا يقوم بدوره على أساس واقعيّ.

وعودا على بدء، لا يستقيم هذا الطرح مع العقل السليم ولا مع الفهم السليم لشخصية النبيّ وقيادته التاريخية للأمّة أثناء حياته. ويبقى السؤال هو التالي: هل هذا الحديث صحيح؟ ثمّة إجابتان ممكنتان: نعم ولا. الإجابة الأولى فيها إساءة غير مقبولة لشخص النبيّ، من طرف من يدّعي محبّته وإجلاله. الإجابة الثانية هي الأقرب للحقيقة، ولكنها تفترض أن نعيد النظر كلية باعتماد الباحثين الإسلاميين على الحديث كمصدر للحقيقة التاريخية. ولعلّ في ذلك ما يشجعنا على أن نبدأ بدراسة الخطاب النبويّ على أنّه مادة أولية، كانت وليدة زمانها ومكانها، وأن نخضعها للعقل والتحليل والمنطق، ثم نحيلها إلى ظروفها الزمانية- المكانية، فلا نأخذها كقاعدة لسلوكنا اليوم، ولا نقيس عليها، ولا نقيم عليها بنى قانونية وأخلاقية واجتماعية. ولو بعث النبيّ اليوم بيننا نحن البشر، لسلك في أغلب الظنّ سلوك العقل فيما يسمع على لسانه من تراثه، علما أنّ جزءا كبيرا من هذا التراث غنيّ وحافل بالقيم الإنسانية والأخلاقية الرفيعة.

الهوامش:

 1- عندما وصل البناء بقريش إلى موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يتشرّف بوضع الحجر الأسود في مكانه، و كادوا أن يقتتلوا، فأشار عليهم أبو أمية المخزومي أن يحكّموا أوّل داخل من باب الصفا فوافقوا، وكان النبيّ أوّل الداخلين، وعندما رأوه قالوا : هذا محمد الأمين، رضينا به حكماً، فبسط النبيّ ثوبا وضع الحجر فيه، ثم طلب من ممثّلي القبائل أن يرفعوه معا إلى مكانه.

2- راجع على سبيل المثال

 http://forum.3rbdream.net/dream17/c….


التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

- خليد كدري
5 أيار (مايو) 2010 14:25

الشكر للأستاذ وائل على المقال الممتع.وأعتقد أن الذي يسئ إلى الإسلام ليس هو التفسير العلمي بل هو ’’ التبرير العلمي‘‘ الذي يمارسه مرتزقة الإعجاز البتروليون. أما التفسير العلمي بحصر المعنى و دقيقه فيخضع مثل هذه الأحاديث الميثولوجية للتشريح والنقد الموضوعي متوسلا بأدوات و مفاهيم و مناهج من تاريخ الأديان و علم الأساطير و الإناسة والتحليل النفسي… فلا أستبعد أن تكون أحاديث الديك و الحمار ’’صحيحة‘‘ بمقاييس المحدثين، و لا أستبعد أن تكون صادرة بالفعل عن متكلم عاقل حكيم. فالربط بين نهيق الحمار و ’’رؤية الشيطان‘‘تعضده الآية المشهورة من سورة لقمان.أما الديك فهو من الرموز الأسطورية ’’الشمسية‘‘ القديمة ، وقد احتفت به المثولوجيا الإغريقية (أسكليبيوس،هجسياس،زحل…) وكان مقدسا في عدد من المذاهب والنحل(الفيثاغورية مثلا) والديانات السابقة على ظهور الإسلام كالهرمسية والمجوسية واليهودية و المسيحية …فقد ورد ذكره في سفر أيوب(36:38 )من العهد القديم،وفي الأناجيل الأربعة كما في متى(75:26). لهذا فمن المرجح جدا أن العرب تداولوا مثل هذا الأساطير قبل الإسلام، وأضافوا إليها من خيالهم الجماعي.والعاقل الحكيم يعلم أن ’’مسح الطاولة‘‘ كلها غير ممكن، وأنه لا ضير في تزكية بعض ما لدى مخاطبيه من رواسب القرون…أتشوق إلى قراءتك دائما أستاذ وائل!


الرد على التعليق

- خليد كدري
5 أيار (مايو) 2010 15:33

إلى هيئة الأوان المحترمة :هذا الصباح أرسلت تعليقا أكثر من مرة لكنه أهمل ولم ينشر،مع أنني ثمنت المقال الممتاز للأستاذ وائل وأغنيته بملاحظات تسير في نفس الاتجاه .أما إذا كان تعليقي دون المستوى فإني أشكركم على عدم نشره….مع تحياتي


الرد على التعليق

لايدن - حسين
5 أيار (مايو) 2010 22:25

الأستاذ وائل : شكرا لك على مقالك ولكني أجد في نفسي تساؤلا حول المقال وذلك لأن النتيجة التي خلص اليها غير ذات صلة بالمقدمة . ورغم دعوة المقال الى تغليب العقل على النقل فأنا لا زلت أرى أنه لم يخرج عن اعتبار الموروث الديني مقدسا وكل ما علينا أن نشذبه . ولكنني أرى أن الخيار الوحيد لنا هو الخروج من عباءة المقدس وأخضاع كل الموروث للتحليل والنقد بجرأة تستطيع أن تعلن أن لا شي محرم الخوض فيه ليس بداعي تصحيح الأفكار المغلوطة لدى المؤمنين واسترضائهم ولكن بداعي كسر حواجز المسلمات والتابوهات والانطلاق نحو واقع يصنعه ويعيشه وينتقده ابناؤه .أعتقد أننا اليوم بحاجة الى مناضلين ثوريين في مجال الفكر يمتلكون الجرأة والاخلاس .شكرا مرة أخرى للكاتب الكبير.


الرد على التعليق

الكويت - محمد العلي
6 أيار (مايو) 2010 13:35

دون قصد التهكم، يمكن وضع جهاز كشف الاشعة ما فوق البنفسجية بالقرب من ديك، وجهاز آخر لكشف الاشعة ما تحت الحمراء قرب حمار، مع توفر الشروط العلمية للتأكد من الاختبار، وبعده يمكن غلق هذا الفصل من اقحام العلم على الدين!


الرد على التعليق

أزمور المغربية - خليد كدري
6 أيار (مايو) 2010 22:20

وبدوري كم يسعدني أن أحاور باحثا ومناضلا تنويريا كبيرا من عيار الأستاذ وائل . لكني لم أسجل بريدكم على الفور لأسباب قاهرة، وعندما عدت إلى المقال فيما بعد وجدت ردكم الذي يتضمن بريدكم الإلكتروني قد حذف.لا أدري لماذا؟؟؟ مهما حصل، إذا رغبتم أستاذي في مراسلتي،فإن عنواني هو: Khalid_68@live.fr


الرد على التعليق

أبوظبي / طرطوس - أحمد عزيز الحسين
7 أيار (مايو) 2010 13:27

في ظني أن هناك قراءة أخرى تصلح لاستنطاق الحديث النبوي الذي قرأه الأستاذ وائل ، وخلص منه إلى أن شخصية النبي لا يمكن أن يصدر عنها حديث كهذا لما فيه من بعد عن العقلانية ، ومفاد هذه القراءة أن الحديث النبوي نفسه أعِيْدَ إنتاجه وتشكيلُه لغايات سياسية وفكرية ومذهبية ، وأضِيْفَ إليه ما ليس فيه لتحقيق مصالح متغايرة ، وليست الإضافة التي طرأت على متنه الأصلي ، في العصور اللاحقة ، سوى محاولة لإعادة "موضعته " في سياقات جديدة ، وتكييفه لمآرب مختلفة ؛ بحيث يستجيب للمستجدات الحياتية التي طرأت على حياة المسلمين وطرائق تفكيرهم . وإذا كان من الممكن أن نحاكم الحديث السابق على أنه مناقض للعقلانية ، ولا يستقيم مع شخصية تاريخية عظيمة ساهمت في تغيير تاريخ العرب وغيرهم من خلال ما قدمته من أفكار هامة تبتعد كل البعد عن " اللاعقلانية " التي يشي بها الحديث السابق ، فإننا نستطيع أن نفسر هذا النزوع " اللاعقلاني " التي تشي به كثير من الأحاديث على أنه تجلٍ لـ" الموضعة " التي أشرت إليها ، ودليل على أن بعض الفرق الإسلامية استخدمت الحديث كسلاح أيديولوجي أو فكري أو مذهبي ، وحاولت " تبيئته " ليستقيم مع منهجها في التفكير وآليتها في الفهم ، ولو كان ذلك يتناقض مع جوهر شخصية النبي نفسه . وكنت قد أشرت ، في تعليق سابق على حديث آخر درسه الأستاذ وائل ، إلى أن المسلمين أعادوا إنتاج شخصية النبي نفسه ، وجعلوه مماثلا لما يريدون ، ولو كان ذلك يتعارض مع شخصيته الحقيقية ، وهكذا غدا لدينا ، وفق هذا الفهم ، " نبي آخر " لا تستقيم صورته اللاعقلانية التي ترسمها هذه الأحاديث مع الدور التاريخي الذي قام به ، أو مع الرسالة التغييرية التي حملها وجسدها ، وإن كانت تعد دليلا على محاولة الموضعة والتبيئة التي أشرت إليها .


الرد على التعليق

أبوظبي / طرطوس - أحمد عزيز الحسين
7 أيار (مايو) 2010 18:55

وفي ظني أن الصورة التي ترسمها الأحاديث السابقة للنبي لا تكتفي بإعادة تشكيل صورته من منظورات متباينة أو متغايرة ، بل تعيد إنتاج مفهوم الإسلام نفسه ، وتقديم صور متغايرة لها ، وبعض هذه الصور يلتقي مع العقل والمعطيات العلمية المعاصرة ، في حين ينزع بعضها الآخر نحو الخرافة والأسطرة ، ولعل الخلاف حول تفسير آيات تحريم الحجاب والخمرة ( أوتحليلها ) يعكس ذلك . وكلنا نعلم أن بعض الأئمة المتأخرين حكموا على المرأة بالبقاء في المنزل ، وجعلوها خادمة للرجل وتابعة له ، ورأوا في صوتها عورة ، واستندوا في حكمهم على أحاديث نبوية شائعة ، تتعارض مع ما نعرفه عن سير بعض النساء المعروفات في الإسلام كسكينة بنت الحسين وغيرها ، كما تتناقض مع ما نعرفه عن سير نساء النبي نفسه ، ومع ذلك لا أحد من السلفيين يقبل بأن تذكر أمامه بأن المرأة مساوية للرجل ، أو بأن لها الحق في أن تُسيِّر شؤون أسرة ، أو تحكم دولة ، أو تقود أمة ، أو تحصل على الحقوق التي يحصل عليها الرجل ؛ لأنها في رأيهم مولودة من خاصرته ، ولذا فهي قاصر ، وينبغي على الرجل أن يكون قوَّاماً عليها لعجزها على أن تعيل نفسها ، أو تستمر في الحياة دون أن تكون ظلا له ، مع أن الزمن أثبت عكس ذلك . ولذا فالنزوع اللاعقلاني في الإسلام لا يجد تجليات له في الحديث المضاف إلى النبي وحسب ، بل في مفاهيم عديدة ألصقت بالإسلام في ما بعد ، وأضيفت إليه لتجعله متساوقا مع عصره ، ومتكيفا معه ، ومستجيبا لحاجاته المستجدة .


الرد على التعليق


Paul Delvaux (بلجيكا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter