في كتابه عن نفسه يبين لنا رولان بارت كيف كان يسعى لأن ينفلت من النزعة التكوينية التوليدية le génétique من غير أن يبتعد عن التاريخ. ما يأخذه بارت على النزعة التوليدية هو خلطها الدائم بين الحقيقة والأصل. " إنها تعجن في العجين نفسه الأصل والحقيقة.. فترى في البحث عن الـétymon مرمى كل معرفة". لذا يبيّن لنا كيف كان يحتال لمراوغة فكرة الأصل فيقول " إنّه كان يسعى ألا يرى في الطبيعة إلا الثقافة، فيعمل بذلك على إقصاء الطبيعي ليحل محله التاريخي، واقتناعا منه مثل بينفينيست أنّ كل ثقافة ليست إلا لغة، فإنّه كان يرمي بالثقافة في الحركة اللامتناهية للخطابات المتراكمة وليس المتوالدة".
يوضح لنا الكاتب نفسه في ميتولوجيات هذه التفرقة بين التوالد والتراكم، بين التوليدي والتاريخي عن طريق مقارنة يعقدها بين مباراة الملاكمة ومباراة الكاتش :" فمباراة الملاكمة عبارة عن حكاية تبنى تحت مراقبة أعين المشاهد. أما في الكاتش فالمعنى يستمد من اللحظة، وليس من الدوام والاستمرار. المشاهد هنا لا يشغل باله بعملية تكوّن ونشأة، وإنما يترقب الصورة اللحظية لتجلي بعض الانفعالات. يستدعي الكاتش إذن قراءة مباشرة لمعان تتراكم دونما حاجة لربطها فيما بينها، فلا يهم المشاهد هنا مآل المعركة الذي يمكن للعقل أن يتتبعه. أما مباراة الملاكمة فهي تستدعي معرفة بالمآل وعلما بالمستقبل. بعبارة أخرى فان الكاتش حصيلة مشاهد لا يشكل أي منها دالة تتوقف على غيرها من المتغيرات: فكل لحظة تتطلب إحاطة كلية وانفعالا ينبثق في انعزاله وتفرده من غير أن يمتد ليتوّج مآلا بأكمله".
النظرة التوليدية إذن تحرص على ألا ترى المعنى إلا إن هي بنت construire حكاية تربط الأصل بالمآل كي ترى في اللحظة، ليس معنى في ذاته، بل حلقة في سلسلة مترابطة يتوالد فيها المعنى ولا يكتمل إلا عند معرفة المآل. لذا يعلق بارت:" في الملاكمة تقع المراهنة على نتيجة المعركة"، لأن الأمور هنا بخواتمها. أما في الكاتش" فلا معنى للمراهنة على النتيجة" لسبب أساسي، وهو أن المعنى لا يمثل في حركة الأصل، ولا ينتظر المآل، إنما يتجسد في غنى اللحظة. بيد أن هذا لا ينفي التراكم، ولا يستبعد التاريخ. إلا أن التاريخ هنا ليس نزعة تاريخانية، وليس حركة حاضر ينطلق من أصل لينمو في اتصال وتأثير وتأثر حتى يبلغ النهاية والغاية والمعنى. ليس التاريخ هنا سريان المعنى ونموه وتطوره في مسلسل متواصل، وإنما هو إعادة اعتبار لكثافة المعنى، وإعادة اعتبار للحظة لكي تحتفظ بثرائها من غير أن تذوب في الديمومة القاهرة.


