الاربعاء 8 شباط (فبراير) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > ملفات > الجدران اللامرئية : العنصرية ضدّ السّود(3)- حلم " لوثر كنج" و حلم (...)

الجدران اللامرئية : العنصرية ضدّ السّود(3)- حلم " لوثر كنج" و حلم العرب

الخميس 5 شباط (فبراير) 2009
بقلم: سلوى الشرفي  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

تهتمّ الدولة في بلدي بما يسمّى بمناطق الظّل، تلك المناطق التي لم تحصل على حظهّا من التنمية، فتخصّها بالإحصاءات وصناديق المعونة، غير أنها، وباستثناء اليهود، ولأسباب اقتصادية وسياسية، لم تهتمّ بعد بأقليات الظلّ.

فلا توجد في بلدي إحصاءات حول المواطن التونسيّ الأسود، والأمر في حدّ ذاته يعدّ مؤشّرا على الإنكار بالمعنى النفسيّ للكلمة، وليس على التهميش فقط. ونعرف، بالملاحظة، أنّ الإنسان الأسود في بلدنا يمثل أقلية، وأنه لم يرتقِ إلى الطبقات الاجتماعية المؤثّرة، ولا يوجد في مناصب أخذ القرار العليا، وأنّ الزواج بين اللونين يبقى مستهجنا حسب المقولة الشعبية التونسية "يا لطيف، يا لطيف، الحرّة ولدت وصيف" أي أنّ السيّدة البيضاء ارتكبت جريمة بإقامة علاقة جنسية مع عبدها وأنجبت طفلا أسود، مما يستوجب طلب اللطف من الله.

وفي بعض الدول العربية ما زال الحقوقيون يطالبون بمنع الرقّ، وفي الغالب يكون العبيد في تلك البلدان من السّود.

كما تمنع في تونس المرأة المسلمة من التزوّج بغير المسلم، ويدخل في ذلك اليهودي ّوالمسيحيّ. وفي المقابل يبدو من الطبيعي أن يتزوج الرجل التونسي بامرأة ’من أهل الكتاب" أو حتى من المشركين. ويحصل أن تفسخ خطوبة في البلدان العربية لمجرد الاختلاف حول "مهر المثل" حيث لا تقبل المساواة في المهر بين "الوضيعة" و"الشريفة".

وقد ساويت عمدا بين إقصاء الإنسان الأسود من جهة والعنصريّة الجنسية والاجتماعية والعقائدية في ثقافتنا، باعتبار أن جميع هذه الظواهر متولّدة من منظومة معرفية تقوم على نبذ الآخر بسبب جنسه ولونه ودينه وعرقه، وهو ما يفسّر وجود العنصرية ضدّ السود في الثقافة الإسلامية رغم نبذ الدين الإسلاميّ لذلك. إنّ إدانة شكل واجد من التمييز في المنظومة الإسلامية مع الإبقاء على التمييز الجنسيّ والديني والاجتماعي لا يسمح بالقطع مع هذه الظاهرة. فوحدها القطيعة المعرفية الشاملة مع المنظومة العتيقة قادرة على القطع مع هذه الظواهر مجتمعة.

فهل يمكن حصر ظاهرة وصول رجل أسود، من أصول إسلامية وإفريقية حديثة، إلى سدّة الحكم في بلد تطغى فيه ثقافة الإنسان الأبيض المسيحيّ الغربيّ، في مجرّد قرار سياسيّ مثلما يتداول في الفضاء العامّ العربيّ بخصوص تولي "مبارك حسين أوباما" رئاسة الجمهورية في الولايات المتحدة الأمريكية؟

فالظاهرة وإن كانت تحمل رسالة سياسية واضحة، إلا أنها ليست وليدة المجال السياسي فقط، بل هي نتاج المنظومة المعرفية السائدة في الغرب. كما أنها، وباستثناء قيمة المنصب الذي وصل إليه "أوباما" لا تعتبر سابقة. فقبله مسك الجنرال الأسود "كولن باول" مقود سياسة الدفاع والسياسة الخارجية لأعظم دولة في أحرج فترة. وتلته في نفس المنصب ’كوندوليزا رايس" التي كانت قبلها مستشارة رئيس الدولة. أي أنّ كلاّ من الجمهوريين والديمقراطيين لم يستنكفوا من تسليم مناصب أخذ قرار مهمّة وحساّسة إلى مواطنين أمريكيين بقطع النظر عن لونهم وعرقهم وجنسهم البيولوجيّ.

كما كان الأمين العام السابق لمنظمة الأمم المتحدة، كوفي عنان، كان أسود نيجيريا وقد سبقه إلى ذلك في اليونسكو "المختار مبو" وهو من السود الموريتانيين ويترأس السينغالي "عبدو ضيوف" منظمة الدول الفرنكوفونية.

وفي فرنسا عيّن الرئيس "ساركوزي" وزيرة إفريقية وأخرى من عائلة مسلمة ومتواضعة اجتماعيا وذات ملامح مغاربية واضحة في وزارة سيادة. وأنجبت الوزيرة رشيدة داتي طفلة "خارج الصيغ القانونية" كما يقال عندنا تلطيفا لكلمة لقيط.

بل إن رئيس الدولة الفرنسية ذاته يعتبر من المهاجرين ومن ذوي الأصول اليهودية، وقد عاش لفترة في قصر الإليزيه دون عقد زواج مع فنانة تحمل الجنسية الإيطالية رافقته في زيارات رسمية إلى دول عربية. وأصدرت الفنانة "كارلا بروني"، بعد أن أصبحت رسميا السيدة الفرنسية الأولى، ألبوما غنائيا قامت للترويج به بنفسها.

تتطابق هذه الظواهر مجتمعة مع مضمون البند الأول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ينصّ على أن الناس يولدون أحرار ومتساوين بقطع النظر عن الدين واللون والجنس واللغة… وهو البند الذي يعبّر بدقة عن مفهوم المواطنة بالمعنى الحداثي للكلمة.

إنّ مثل هذه الظواهر لا يمكن أن تحصل في مجتمعات تنصّ دساتيرها بوضوح على ضرورة أن يكون رئيس الدولة مسلما وتقصي النساء ضمنيا من حق القيادة وتسود فيها ثقافة الرعيّة ومقولات "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" و"الرجال قوّامون على النساء" "ولن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة" وأخرى تصرّ على "الكوتا" الطائفية في تعيين الرؤساء وحتى الموظفين، وغيرها حيث تتقاتل مجموعة من دين واحد بسبب اختلاف المذهب، وحيث أبدع جماعة منها بالتعليق على خبر وصول أوباما إلى الحكم بالنّبش في كتب الحديث حيث ثبت، حسب قولهم، في صحيحي البخاري ومسلم أنّ الرسول قال: "يخرّب الكعبةَ ذو السويقتيْن من الحبشة" وتساءلوا:" هل يفعلها باراك أوباما ليكون هو الحبشيّ الأسود الذي يخرج في آخر الدنيا ويهدم الكعبة؟"

في ثقافة الرعيّة هذه تقبع وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة "كوندوليزة رايس" في أسفل درجات السلّم الاجتماعي. فهي أنثى وسوداء ومسيحية. أما رشيدة داتي فهي تستطيع بالكاد أن تكون قاضية في بلدها الأصلي، وإن سمح لها القانون بتولّي منصب من مناصب القوامة فلن يسمح لها بالتوقيع على عقد زواجها مثلما حصل مع وزيرة العدل الجزائرية السابقة. هذا طبعا قبل أن تنجب رشيدة داتي "لقيطة" أما وقد فعلتها فيمكن أن تكون الآن في عداد المقتولات رجما.

غير أننا حين نعلم أنّ أوروبا التي قطعت مع المعرفة القديمة منذ أكثر من قرنين، أنتجت المحرقة اليهودية من ستة عقود، وأنّ والد الرئيس أوباما ووالدي "كوندوليزا ريس" لم يكن باستطاعتهم مجرد تناول وجبة في مطاعم البيض قبل خمسة عقود وأنّ القسّ "ماتين لوثر كينج" أشهر زعيم أسود في أمريكا اغتيل من أربعين عاما فقط لمجرّد محاولته تحقيق "رؤية بعد ظهر اليوم" حسب مقولته الشهيرة : I have a dream this afternoon.

وأنه ما زال فينا من يناضل من أجل تطبيق نظام قصاص العين بالعين ومن يجادل حول الطريقة الأفضل لتغطية جسم المرأة، يمكننا التساؤل متى يتحقق حلم الإنسان الذي يعيش في المنطقة الإسلامية بأن يكون لكلّ فرد صوت في انتخابات نزيهة.


التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

تونس - يوسف لخضر
5 شباط (فبراير) 2009 11:46

هذا تحليل يفتقد الى العلمية فأي منهج علمي يسمح باستخلاص احكام حول ثقافة ما انطلاقا من واقعة اجتماعية قد لا ترتقي الى مستوى الظاهرة احيانا وان ارتقت ففي فترة زمنية ولت وهنا اسال الاستاذة هل ان التاريخ العنصري للمجتمعات الغربية كاف وحده لوسم الثقافة الغربية بهذه السمةمثلما فعلت انت مع الثقافة الاسلامية، تحتاج الاستاذة الشرفي في نظري الى مزيد التعمق في فهم الثقافة الاسلامية حتى تسطيع ان تساهم في معركة الحرية التي ختمت بالتساؤل عنها


الرد على التعليق

تونس - طارق الطوزي
5 شباط (فبراير) 2009 14:19

ربما البعض لم يتبين من خلال تسمية السود بالجنوب التونسي " عبيد "، و لا من التصنيفات الاجتماعية لهذه الفئة الانسانية بتونس المعاصرة ما يمثل فعلا تصورا لظاهرة دونية لهؤلاء. و لا من خلال صورتهم الشخصية في الأفلام المصرية، و لا من عدم خلاصهم من عبوديتهم المقدسة في موريتانيا، و لا غير ذلك… في النهاية ألسنا نقاء كليا. ذلك الذي خول لبعضنا الآخر بصوت الرحمة خلق " جمعية الرفق بالإنسان!!! "


الرد على التعليق

تونس - الصحبي الوهايبي
5 شباط (فبراير) 2009 14:44

لن أخوض كثيرا في ما ذهبت إليه الدكتورة سلوى الشرفي وإنما أحب أن أشير إلى نقاط أثارتني 1) هل تريدين أن تجري الدولة إحصاء حول المواطنين السود في تونس? ما فائدة ذلك? ألا يمكن أن يثير ذلك نعرات لا طائل منها? أم هل تريدين أن نسجل ديانة كلّ مواطن على بطاقة هويته كما يفعل بعضهم? 2) ما معنى أن تقولي إن الرئيس الفرنسي ساركوزي من أصول يهودية. هو من أصل مجري. أما ديانته أو ديانة أسلافه فلا دخل لها في أصله. ألا ترين أنك قد عمدت من حيث تشعرين أو لا تشعرين الى التصنيف الذي تعارضين? ولو ذهبنا في ما ذهبت لصحّ أن نقول إن أكثر العرب اليوم من أصول يهودية ووثنية وهلم جرّا. 3) على ما أعلم فمختار مبو سينغالي الجنسية وليس موريتانيا. وأما كوفي عنان فغاني وليس نيجيريا.


الرد على التعليق

تونس - طارق الطوزي
5 شباط (فبراير) 2009 19:26

إن حماية المسكوت عنه لا يعني أننا عالجناه، إننا فقط نحاصره و نأجل بروزه لكي يظهر أزمة. في تونس هناك فعلا عنصرية ضدّ الكائن الانساني الموصوف بالأسود، و الأستاذة سلوى الشرفي تقدم نموذجا متميزا لقراءة بعض تمظهرات هذه العنصرية اللامرئية. و لكم أن تراجعوا اللهجة التونسية و هي تسمي الأسود بـ " الوصيف "، وهو ما ينتمي بوضوح إلى معجمية العبودية… إننا ندقق في قراءةالآخر، و نفضح جرمه الاخلاقي و الانساني، لكن متى تعلق الأمر بالذات فإننا نجنح للطهارة الملائكية بسذاجة معيبة…


الرد على التعليق


الحياة، Picasso

في مفهوم "الدّولة (...)

مفهوم وتركيب لغويّ ظهر حديثا في البلدان العربيّة وباللّغة العربيّة، وهي على الأرجح تنفرد به في اللّغة السّياسيّة المتداولة حاليّا. فصفة المدنيّة تنسب غالبا إلى المجتمع لتعني الفضاء المتوسّط بين الأسرة والدّولة، أي الجسد الاجتماعيّ المنظّم على نحو إراديّ وبمعزل عن الطّبقة السياسيّة. وتنسب إلى المواطن لتعني المواطن الذي ينهض بحقوقه وواجباته من تلقاء نفسه وبكلّ حرّيّة. ويضيفها الفيلسوف الفرنسيّ أتيان (...)
alawan on facebook
alawan on twitter