صدرت مؤخّرا (عن دار نشر "كلمات عابرة"، تونس، 2009) الطّبعة الأولى من يوميّات فتحي بالحاج يحيى في السّجن.. مليئة بالمشاهد الحيّة والمعرفة الممتعة، متخفّفة من كلّ القوالب الفكريّة العابسة..
"الحبس كذّاب.. والحيّ يروّح" عبارتان دارجتان على لسان التّونسيّين، تستعملان في سياق الطّمأنة والتّعزية عندما يحكم على أحدهم بالسّجن: "السّجن كذّاب"، ربّما تعني أنّ السّنين الطّويلة تمرّ سريعا، أو ربّما تعني أنّ السّجن غير السّجن… و"الحيّ يروّح" تعني بالتّأكيد أنّ السّجين مادام حيّا لا بدّ أن يعود ويطلق سراحه.. وربّما تعني أنّ قيمة الحياة فوق كلّ اعتبار.. يقال في تونس أيضا : "الحبس للرّجال"، ولكن هذه العبارة الأخيرة لا يمكن ان تروق لفتحي بالحاج يحيى..
نورد من هذه المذكّرات تصدير المؤلّف، والتّقديم الموجز الذي كتبه الممثّل والمخرج والكاتب المسرحيّ التّونسيّ توفيق الجبالي..
(الأوان)
تمهيد
أوّل صلتي بالكتابة نشأت في السّجن. ملاحظات وأسئلة على هوامش بعض الكتب.
طرائف كنت أخاف عليها من الضياع. أحداث ووقائع ما إن تلج الورق حتّى يفقد فيها الهزل أثره كلّما اقترب من دائرة الوجع، وتضيع فيها علامات الوجع كلّما لبست ثوب العبثية.
ضاعت كلّها بعد خروجي من السّجن، أو لعلّها لا تزال مقبورة حيث أودعتها، ومكانها ضاع في ذاكرتي.
سُئلت يوما عن سرّ افتقادنا في تونس إلى أدب السّجون، وأنا لا أحبّ هذه التّسمية. أجبت بأعذار شتّى إذ ليست لي أسباب وتفسيرات مقنعة. قلّة منّا كتبوا أو تحدّثوا: محمّد معالي، أحمد بن عثمان الردّاوي، جلبار نقّاش، محمد الشريف الفرجاني، حمّة الهمّامي، نور الدين بن خضر، زينب الشّارني… وربّما آخرون ولكنّهم ليسوا كُثُرًا.
لماذا لم نكتب؟ كقولك لماذا ليس لنا فريق قوميّ في الهوكي على العشب؟ فهذا السؤال هو من نوع الأسئلة التي تحتمل جميع الأجوبة فلا تخرج من أيّها بتفسير واحد مقنع.
يوم تُوفِّي نور الدين بن خضر، حدث شيء ما في عقارب الزّمن. أمر يتجاوز شخصه. جليلة بكّار قالت إنّ مسرحيّة "خمسون" وراءها موت نور الدّين بن خضر وأحمد بن عثمان. كأنّ الصّحاب بدؤوا يتساءلون عن المعنى من وجودهم وهم الذين قضّوا العمر في تأسيس معنى.
أربعينية نور الدين بفضاء التياترو تركت أثرا في النّفوس، وفلما توثيقيّا كلّه أشجان وشهادات لرفاق درب طويل عن تاريخ أريد له أن يكون خارج التاريخ الرّسمي للبلاد وداخل المغيّب من ذاكرتنا الجماعيّة.
اليسار التّونسي حكاية أجيال متعاقبة: أحلى ما فيها عناد على رفع التّحدّي، ورفض أن يُختزل الوطن في الشّخص الواحد، وحلم بصناعة غد أفضل، ومُرُّها أنّها ولّدت انكسارات وبعض يأس… وآفاقا لبسها الإبهام بقدر ما لبست "آفاقنا" أحلاما… وإيمانا…وعطاء.
ليس لأنّ الثّمن كان باهظا، فلا شيء يغلى على حلم يؤمن فيه الفرد بقدرته على البقاء واقفا، وإن استحال الوقوف، في زمننا، ضربا من الجنون… أو العبثية.
الصّورة التي نقلتُها ستظلّ أُحادية الجانب… بالضّرورة. ينقصها الكثير، وتنقصها خاصّة صفحة لها أكثر من معنى، وأبلغ من قراءة، وهي صفحة رفيقاتي السّجينات اللاّتي انخرطن بمثل انخراطنا في الحلم، ودفعن أكثر منّا في بعض تفاصيل من حياتهنّ، كما تدفع المرأة يوميّا أشياء، قد تبدو للرّجل تفاصيل في مجتمع ذكوريّ.
أجيال بنات دخلن سجن النّساء بمنّوبة في الزّمن البورقيبي. كان الزّعيم يريد المرأة أن تقتحم معترك الحياة، فإذا ببعض "بناته" يدخلنها من أبواب لم تكن مدرجة في مجال الرّؤية الحداثيّة المبتورة في حرياتها.
دليلة بن عثمان، عائشة بلعابد، سيمون للّوش، روضة الغربي، عائشة قلّوز، دليلة محفوظ، بهيجة الدّريدي، ساسية الرّويسي، زينب الشّارني، آمال بن عبا، سعاد التريكي، وغيرهنّ… هنّ الأقدر على رواية ما حدث في ذاك المكان.
اليوم تجاوز الخمسين جلّ من حكيت عنهم، ولا زال الكثير منهم يحاول ويجهد. وقد لا نُصيب ثمرًا في ما تبقّى لنا أن نعيش.
إلاّ أنّ اليوم لأغلبنا أولاد وبنات، والبلد كلّه بنات وأولاد، هم أطفالنا وإن لم يكونوا من صلبنا، فمن باب أولى وأحرى أن يستمرّ الحلم، لأنّه:
"لولا أطفالنا لما كان لنا أن نحلم لأطفالنا بمستقبل أفضل".(1)
ألفريد جاليناك"، مسرحية "هذا ما جرى لـ"نورا" بعد أن غادرت زوجها".
تقديم
العزيز فتحي
لقد ذبحتني أيها الصّديق المستبسل في عدم اللّجوء إلى "التْرَبْرِيبْ" ومنه إلى "تنقيط الرّاء فيه" للتعبير عن نفاد صبرك ومعاناتك مع الكتبة الوقتيين الذين هم عن "أصدقائهم ساهون ".
… باختصار خفيف ولست أختلق أعذارا من نوع "إني مُشَتَّتٌ بين 60 ألف هذا وذاك " بل إنّ عذري الوحيد، مادام الأمر يتعلق بتأخير المقدّمة، هو أن حدسي الذي يقودني في الغالب رغم أنفي إلى مسالك لا أعلم أغوارها، لم يوفّر لي هذه المرّة الاطمئنان الكافي لكي أجرؤ على حشر "أنايا" في ما لا منفذ لي فيه… كيف لا وشبابيك السّجن وأبوابه كلها موصدة في وجه اللّي "يسوى واللي ما يسواش"… ومع ذلك وبالرّغم عنه وحتى أُبَيِّض ملفي الملوّث من أصله أنقل لك هذه المسودة مبعثرة كما هي كنت أقدمت عليها منذ أسابيع، انظر إن كان فيها شيء مما يستحقّ التعاطف فأكون شاكرا لو دللتني عليه :
"… استدرجني "الرقيق" فتحي بن الحاج يحي، لكي أقرأ ورقاته عن السجن وكان السّجن رهيبا أحيانا وممتعا أحيانا أخرى حتى إني تمنّيت أن لو أتيح لي مرافقته ورفقاته ومقاسمتهم تلك الأوقات الاستثنائية لا وبل كدت أحسده عليها لما اشتملت عليه من متعة وحميمية ونشاط ذهني.
ولكني تراجعت بعد ذلك عن هذه الشّهوة المازوشية لا سيما وأنّ المطلوب قد يكون شعارا فقط "الضّحك قبل الحريّة أحيانا" كما ورد في مذكراته، وحيث إني أرفض هذه الموهبة الربّانية التي ألصقها بي عموم المواطنين من ذوي النّطفة المشابهة، فقد عدلت عن تخيّل ذاتي المتواضعة التي "تعاني من جميع "فوبيات العالم" أن أحصر نفسي أنا "العبد الرقيق" في السّجن على رفاهته وحقوق إنسانه، فإني أعتذر لصديقي فتحي عن الحضور وتوفير أدنى درجات الفكاهة المستحبّة ولو كانت سوداء حالكة، أو حتى كالحة (الفكاهة الكالحة فكاهة نحذقها نحن من دون سائر البشر لمضمونها الكبتي والحرماني إن كان من المال أو من الجنس) وهذه ثابتة وطنية تفوق كل توقّعات ما يمكن أن يسفر عنه الانفتاح السّجني (الإصلاحي) الخ الخ الخ .
يتبع ..
توفيق الجبالي



تونس - الصادق بن مهني
30 نيسان (أبريل) 2009 11:43
إلى فتحي بلحاج يحيى بمناسبة صدور كتابه : "الحبس كذّاب والحيّ يروّح" ورقات من دفاتر اليسار في الزمــن البورقيبــي
اِشتهيت أن لا يكون كتابك الأوّل عن السّجن : فأنا على قناعة قديمة بأنّك كاتب. كاتب كاتب، لا مجرّد شاهد كتب. كاتب تلازمه الكلمة و تشدّه الفكرة وينقاد إلى الإبداع رغم عنائه. كاتب يمكن أن يكتب عن نفسه وذاته وعن الآخرين وعن أيّ شيء أو حدث، عن الأفراح وعن الأتراح، وحتّى… عن لا شيء.
لقد سبق أن قرأت لك عام 1980 ونحن بجناح H من المغفور له حبس 9 أفريل –قصيدة نثريّة كتبتها للمنشّط الثقافي والإعلامي فرج شوشان بعد أن شاهدنا له حوارا تلفزيا مع نزار قبّاني… ونهارها، أو ليلتها- أنت تعلم أنّ النّهار والليل في الزمن السّجنيّ كثيرا ما يستويان- يومها أدركت أنّك كاتب كاتب.
وخلال السنوات الأخيرة قرأت لك مقالات نشرت بعضها هنا وهنالك أو خصصتني، مع بعض آخرين، بأن أطلعتني عليها وإن لم تنشر، فازددت اقتناعا بأنّك كاتب-كاتب، بل ومبدع يقدر على الجمع بين طرافة الفكرة وشذى العبارة ورشاقة الهيكل.
وددت لو نشرت أوّلا عن مواضيع كشمس الغروب التي اقتحمتها بسيّارتك ونحن جذلون بعمل أنجزناه وبحر أنعم علينا. أو كالشرطيّ الذي جادلنا ذات فجر عن عبثية الوجود وعن الموت والنّضال وأشياء كثيرة لمجرّد أنّه اِقتنع أنّنا أناس من طينة أخرى وصحّ عنده أنّك إنّما اخترقت حواجزه لا تجاهلا ولا تحدّيا ولا هروبا بل لأنّ سعيك وراء فكرة أفقدك رؤية الأشياء أمامك. أو عن بعض حبيباتك، الكثر. أو عن اللحظة التي التقيت فيها بـ"داداك ديجة" وثبت لديك أنّ "المنزل الجربيّ" الذي ندخله بعد طول طواف في "الجوادّي" (المسالك الترابية) هو فعلا منزل أجدادك ومسقط رأس أبيك.. أو عن الشمس التي اكتوينا بها في أطراف مدنين والبئر الأحمر وسيدي مخلوف ذات صائفة اِستثنائية القيظ ونحن نعاين فقر أســر الأرياف وننسج من خيوط العنكبوت برامج تنمية لها. أو عن الجليل عبد الحفيظ الشابيّ الذي شغّلني وقبل أن تنضمّوا إليّ، أنت ولفيف من الرفاق الخارجين لتوّهم من الديجور، هم أيضا، في زمن عزّ فيه من يشغّلنا. أو عن الضّحك : ضحك نور الدّين بن خضر، في نومه وفي يقظته، ونوادر أبيك. أو عن باريس ما قبل… وما بعد… ولكنّ للكتابة مكرها. وللإبداع، ولا شكّ، حكمته.
قرأت كتابك ليلة توقيعك لنسخه الأولى… وبشغف. رغم أنّني كنت قرأت أغلبه مخطوطا.
ورغم أن كتابك يفوح حبسا، ومعاناة، وعذابا، فإنّني وجدت فيه كثيرا ممّا كنت أشتهي أن تكتب فيه … وجدت عاطفة. ووجدت هندا. وإنصاف الوالدين ؛ والوفاء الذي أعرفه فيك ؛ وحبّا خالصا وعنيفا ومستمرّا عشته بين ما عشته وتعيشه من قصص حبّ وعلاقات عشق لا تنتهي ؛ وتقديسك التعدَّدَ والتنوّع.. في كلّ شيء. ووجدت شيئا من المرح الذي يغلب على روحك والهزل الذي تتقنه. كما وجدتُك تنحو، من حين لآخر، نحو الجدل والحجاج والتفلسف…
كتابك، يا فتحي، أكّد لي أنّك كاتب-كاتب. وأنّك على أيّ حال كاتب ولو بلا ورقات يسار، ودون أن تكون مررت على سراط النّضال والعناد.
لكنّني، يا فتحي، وجدتك-في بعض ثنايا كتابك- تكبح جماحك وتحدّ من اندفاعك وتغالب حياءك فيغلبك… ومن ذلك أنّني رأيتك تكاد تبرّر ما لا يمكن ولا يجب تبريره، وتجد الأعذار لمن لا تعوزهم الأعذار ولا يحتاجون أعذارك بل ولا يستأهلونها.
كما أنّني أحسست أحيانا أنّك، لحيائك، حبّرت بعض الأمور على نحو قد ينقاد معه بعض القراء إلى متاهة تخيّل لهم أنّ ما عشته- ما عشناه كان نزهة أو "خرجة سافاري" مخطّطة مسبقا ومحسوبة العواقب… صحيح أنّ عنادك عِنادَنا وشاعريتنا الصّرفة قد سهّلا لنا عبور الدّيجور بأقلّ الخسائر… لكنّ الدّيجور كان وما يزال بآثاره التي لا تندمل ديجورا، كما كانت الجراح جراحا غائرة وبعضها لم ولن يندمل، وكانت العذابات عذابات ليس لنا نحن فحسب، أو حتّى أوّلا، بل لأهلنا وللأحبّة جميعا ولجيل كامل.
أمّا الظلم فكان جورا كثيف الطبقات متراصّها، جورا لا يبرّر ولا يفسّر ولا يغتفر.. جورا تعدّى أثره ضحاياه المباشرين وشلّ بعسفه وظلمائه أفئدة وأحلام أجيال كاملة ومقدّرات البلد.
فتحي ! يعجبني سموّ روحك، وجلدُكَ، وأخلاقك السّمحة، وتبرّعك بصكّ الغفران لمن لم يطلبوه، وإمالتك بصرك نحو المُشرِق والوضّاءِ والورديّ… لكن ألا ترى معي أنّ الدّم يحتاج هو أيضا لونَه ؟ وأنّ ما مَرَّ من العمر عصفًا وعسفا وما انطبع في الصّميم مُكَبِّلا للآتي يستأهل هو أيضا أن نصفه بدقّة ونذكره بتفصيل أمين، وأن يُعلن فاعلوه، أو ورثة فاعليه، أنّه كان أوعى من هفوة، وأقسى من محْنة عابرة، وأوسع من خيار فاعل أوحد، وأظلم من حقــد لا إراديّ، وأغلظ من ضربات عصا خزعبلات خريف عمر ؟
رفيقي، أخي، صديقي !
وجدتَ كثيرا منك في ما كتبتَ… ولكنّي حرتُ أحيانا أمام ما لن أسّميه – كما فعلت أنت- ضعفَ ذاكرة بل توقَا إلى النّسيان والتّجاوز. كما غضبت أحيانا وكلّما خُيّلَ إليّ أنّك تتعمّد ما قد يبدو جَلْدًا للذّات أو تقزيما لمعاناتها ولتَوْقِها وأنّك بقدر ما تتسامح معهم وتتساهل بقدر ما تتناسى شيئا من تفاصيل بعض من تَحَدِّينَا واندفاعنا ولو كان متهوّرا وبعضٍ من أفعالنا التي هي بطولات حقيقية وإن كانت بلا مستقبل… كما أحزنني أن تدفعك شدّة تواضعك حتّى لأن "تصغّر" الأحرف التي خطّ بها عنوان الكتاب واسمك على الغلاف.
رفيقي، أخي، صديقي : فتحي !
أكتفي، بهذا تحيّة على طريقتنا، مع تأكيدي أنّني لو كَتَبْتُ عمّا كَتَبْتَ عنه سألوم نفسي، دون شكّ، عن مثل ما لمتك عنه. وأنا آمل أن لا أعاتبك ذات يوم (قريب) لأنّك لم تعاود. بل إنّني على يقين أنّك ستعاود. فأنت كاتب-كاتب. ولست مجرّد مدوّن شهادة.
الصّادق بن مهنّي 27 أفريل 2009
الرد على التعليق