الثلثاء 7 شباط (فبراير) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > مقالات > الحرية، حالة نخبوية طارئة في الثقافة العربية

الحرية، حالة نخبوية طارئة في الثقافة العربية

السبت 25 تشرين الأول (أكتوبر) 2008
بقلم: مها حسن  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك


 
 
كانت الأمّ تسأل ابنتها وهما في المترو، وكنت أقف قربهما، إن كان العرض المسرحيّ الذي حضرته قد أعجبها، ولماّ أجابت الصغيرة بالموافقة، لم تكتف أمّها بإجابتها السطحية، بل راحت تسألها لتبرّر ردها، وتلحّ عليها بالأسئلة، بوجه مبتسم مشجّع على الجواب، لتشرح أسباب إعجابها بالعرض، وفيما إذا كان قد تطابق مع تصوّر الصغيرة له قبل المشاهدة، وبعدها، لتساعد ابنتها على التفكير، ومعرفة أسباب قبولها أو رفضها لفكرة ما أو غيرها.

كنت أتابع أحد الأفلام الكوميدية، عن حياة مدرّس يقرّر العمل فجأة في إحدى المدارس النائية عن العاصمة، واستغربت كيف كان الأستاذ يسخر من طالب عنده، إذ كلّما سأله عن سبب قبوله لفكرة ما أو رفضه لها، كان الطالب يجيب دوما " لأنّ أبي قال … "، فما كان من الأستاذ إلا أن قال له، بعد عدّة استنادات من الطالب على رأي أبيه " أنت ستكون أكبر أحمق لأنك لا تستعمل رأسك، بل تستعمل رأس أبيك فقط ". لو كان هذا المدرّس في بلادنا، لطُرد من العمل لأنه يشجّع الطلاب على التمرّد على السلطة الأبوية. بينما يعتبر، وفقا للعقلية الغربية، أنه يشجع الأطفال على التفكير والاستنتاج، لا التقليد والكسل. 

منذ أن أجريت حواري مع السيد توفيق علاّل، مؤسّس " جمعية بيان الحريات " في فرنسا، وقد ترك رأيه في الحريات الفردية صدى مستمرّا في رأسي، وهو أنّ جميع الحركات السياسية والحزبية، لم تتبنّ فكرة حريّة الفرد. منذ ذلك الوقت وأنا أتلمّس حولي، مظاهر الحريات الفردية في عالمنا العربيّ، وفي ثقافتنا المعاصرة على الأخصّ.

لا أعرف إلى أيّ حدّ تتطابق فكرة الحرية مع الديمقراطية، وإلى أيّ حدّ تختلفان، ولكني أعرف أن ّالديمقراطية تكاد تكون مطلبا سياسيا، بينما الحرية، وفق الأجندة السياسية، لا تتعدّى فكرة التحرّر من الاستعمار سابقا، والحريات السياسية، في عهد الاستقلال. أي أنّ سقف المطالبة بالحرية، لا يتعدّى الحريات الجمعية، أو الأفكار العامة عن الحرّيات، كحرية التنظيمات السياسية، وحرية الاجتماع، والتظاهر… فـ " للحرية الحمراء باب، بكل يد مضرّجة يُدقّ " ـ وإذا عرف أحدكم لماذا هي حمراء فسأكون ممتنة بأن يشرح لي سبب كون الحرية حمراء ـ بينما انحصرت المطالبات الأعلى سقفا للحرية، بالمنظمات الفكرية، غير المسيَّسة، والبيانات التي أطلقتها الحركات الفنية، أو الفنانون الأفراد.

بل ثمّة قطيعة تكاد تكون بين الحرية كمفهوم وبينها كممارسة، في الشارع السياسيّ على الأخص، والأسوأ هنا، هو أن رجالات السياسة ذاتهم، والمنادون بالحريات، لا يمارسون هذه الحريات في حياتهم الشخصية، لا في اختياراتهم، ولا في سلوكهم مع عائلاتهم، فنرى أهمّ المنظرين للحقوق، يمارس قمعا في عائلته، هو الذي يتحدّث عن حقوق المرأة في المؤتمرات والندوات والمقاهي، وما أن يدخل المنزل، حتى يعامل زوجته أو ابنته أو حتى ابنه، كما كان والده يعامل أمه وأخواته، ويمارس التصرفات ذاتها التي مارسها، من قبل، السي سيّد، والده.

 
لنتصفّح برامج الفضائيات، والتي تهدر الكثير من الأموال، فهي إماّ تنادي بالخلاعة والسطحية والتفاهة، أو الانضباط المطلق والطاعة لله والعائلة والمجتمع.
وكذلك فإن ثقافتنا تنادي دوما بالامتثال بمن سبقوا، والخضوع وتقليد الكبار، ولا تؤمن بالتميّز والاختلاف، أو بالتجارب الجديدة.


نسمع العبارات التالية في الشارع العربي : حقوق إنسان، مساواة المرأة، حريات أحزاب، حرية صحافة، قوانين طوارئ ومن الجانب الآخر نسمع، طاعة الله، العبادة، الصوم، الشرف… ولكننا نادرا ما نسمع خطابات تتحدث عن حرية الاختيار، حرية الكتابة، حرية الاعتقاد، مع أنّ الأخيرة من بنود البيان العالمي لحقوق الإنسان .
إن ثقافتنا لا تشجّع فكرة الحريات الفردية، لما ترى فيها من خطر الخروج على الجماعة، والفكر الجماعي، وكذلك القوانين والأعراف الجماعية، لا تزال تتمتع بقدسية كبيرة، تكاد تكون أعلى وأهمّ مكانة من القوانين الوضعية.
 
تخاف ثقافتنا من المخالف، وأهمّ وصف قد يطلق على المخالف، هو وصف " متمرّد "، أو " مراهق "، الأول يرتبط قليلا بالفن، كما لو أن الفنان فقط هو المتمرّد، أو أنّ التمرد سمة لصيقة بالفنان، وفق العرف الاجتماعي، أما المراهقة، فهي سمة عمرية، سرعان ما يخرج منها صاحبها، ويعود للامتثال لقواعد الجماعة، أو يدخل في حظيرة القطيع.
فإن ألقينا نظرة سريعة على أمثالنا الشعبية، نجد أنها تشجّع على الخضوع، المحاباة، التقليد، لنأخذ مثلا " حط راسك بين الروس، وقول يا قطاع الرؤوس "، أو " اللي بيجرب المجرب، بيكون عقله مخرّب ". ثقافتنا لا تؤمن بحقّ النقد، بل بالمحاباة، والنفاق، " أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على ابن الجيران " بغض النظر فيما لو كان ابن الجيران على حقّ أكثر من ابن عمي، أو أنّ ابن عمي صاحب حقّ أكثر من أخي.
أكثرنا نُعتبر أبناء أوفياء للشعار الحزبيّ " من ليس معنا، فهو ضدنا " .
 كأننا نخاف فعلا إن سمعنا رأيا مخالفا لرأينا. ولا بدّ من التنويه بين الفارق الكبير بين الاحترام والمحاباة، فإنّ انتقاد رأي الأب أو المعلم أو الشخص الأكبر في العائلة، لا يعني أبدا فقدان احترامه، ولكنّ فكرة النقد، وحرية التعبير، غير موجودة في تربيتنا وقواميسنا للعيش اليوميّ، بل هي مفردات، نستعملها في اللغة المدونة، الرسمية، في الندوات والمحاضرات… إلا أنها غير مؤهلة للممارسة اليومية، لأننا ببساطة لا نؤمن بالنقد، ولا بحرية الرأي، بل بالتقليد، واتباع خطى الأوّلين، إذ أننا حين نظهر أخطاء الغير، سوف يُظهر هذا الغير أخطاءئا، لذلك من الأفضل، الابتعاد عن النقد، حتى نظهر وكأننا لا نخطئ، فهل من أحد عاقل " ينشر غسيله الوسخ ؟ ".

بل حتى في صداقاتنا، الصداقات عندنا هي التحالفات، فكلّ صديق يجب أن يؤازر صديقه بالرأي، و" يبصم " على جميع أقواله. فأنت تحضر ندوة ما، أو لقاء مشتركا بين مجموعة مثقفين، فإن كان ثمّة صداقة تجمع بين الأطراف، فإنهم لا يختلفون كثيرا بالرأي أمام الآخر.
فأنت مثلا لا يمكنك أن تكون صديقا لـ س وع في الوقت ذاته، إن لم يكن س هذا متفقا مع ع ذاك، سوف تجد نفسك مجبرا على الاختيار، وسيقول لك أحدهما، إمّا أنا أو هو. لذلك فأنت لست حرا في صداقاتك حتى. إذ أنّ للأصدقاء شروطا عليك، أوّلها " تغطية عيوب هذا الصديق ". 


ثقافتنا لا تتحدّث عن الحرية، بل الخضوع. الخضوع للأكبر سنا، للأب، للأخ الأكبر، للعم، للجار، للأستاذ، لرئيس الحزب، …. والكل خارج النقد، عكس ما يقوله ديكارت "ما من شيء خارج النقد " .
الحرية، حرية الرأي، حرية الاختيار، هي مفردات غير مفعّلة بعد في سلوكنا وتفكيرنا اليومي، لأنها مفردات حديثة، ويبدو أنها تحتاج إلى وقت طويل، للتفاعل فيه مع الأفكار القديمة، عن الخضوع والمحاباة والتملق. يبدو أننا نحتاج لجلسات تحليل ذاتية، يومية، ولأكثر من مرة في اليوم، لنستطيع غرس هذه الأفكار الجديدة، لتصبح جزءا حيويا من طريقة تفكيرنا، بحيث نستطيع انتقاد الأب، والأخ الأكبر، ورئيس الحزب، ورئيس القبيلة، والزوج، والصديق… دون أن يؤثر هذا على درجة الاحترام، أو الحبّ، أو الاثنين معا، الذين نكنّهما للشخص القابل للنقد، وأوّلهم، نحن أنفسنا، أن يكون كل مناّ قابلا للنقد، باحترام، وبحبّ. فهل هذا ممكن الحدوث ذات يوم؟

 

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

- عماد
25 تشرين الأول (أكتوبر) 2008 07:59

فكرة الحرية من الأفكار المهمة التي يجب بحثها و دراستها و التعمق فيها , اين تبدأ الحرية و اين تنتهي؟هل هناك قيود على حرية الانسان ام انها فكرة مطاطة لا حدود لها؟كيف احل التعارض بين حريتي و حرية غيري؟و الكثير الكثير من الأسئلة التي تثار حول هذا الموضوع المهم. و انا اعتقد ان السبب الأساسي لبعد الثقافة العربية عن فكرة الحرية هو سيطرة الأفكار الدينية الخاطئة في عقول الناس ,و القناعة العمياء بأصحية افكارنا و آرائنا و الرفض التام لكل فكرة او رأي مخالف.


الرد على التعليق

- حسان أيو
29 تشرين الأول (أكتوبر) 2008 05:36

كل ما تفضلت به حقيقة مرة لنا جميعاً ،الحريات نتكلم عنا في دساتيرننا وتبقى كاديكور نجمل بها واجهاتنا البشعة ، الحريات ياعزيزي لم نعمل على أطلاقها لأننا لم نعي فعلأ أهمية أن يكون الفرد في مجتمعه حراً ، فالمجتمع الغير حر ، ينتج أكبر قمع للحريات ، فما زالت لدينا جرائم بحق الحرية ، وحتى اللذين ينادون بالحريات ، للآ سف أقولها لم تتحول إلى سلوك ، فالحرية مسؤلية ، ومسؤلية كبيرة ، نحن بحاجة إلى آليات وخطط عمل مدروسة حتى نتجاوز الثقافة البدائية الطاغية في مجتمعاتنا من السلطة ومن العادات والتقاليد البالية


الرد على التعليق

Ruston, Louisiana - أحمد نظير الأتاسي
6 كانون الأول (ديسمبر) 2009 01:46

وضعت يدك على الجرح يا أستاذة مها. الكل ينادي بالحرية ويعنون بها السياسية ولا أحد يمارس الحرية الفردية في حياته أو حياة أسرته. ولن هذا ينطبق أيضاً على شرائح واسعة من بعض المجتمعات الغربية أيضاً لأن أساس الحرية الفردية التعليم والممارسة. أما نحن فلا نرى الإثنين لا في المدرسة ولا في البيت ولا في وسائل الإعلام. وحتى الفن الروائي العربي مهووس بالسياسة ولم يستطع حتى الآن الكتابة عن الفرد ومشكلاته إلا إذا كانت جمعية كما وصفتِ. وهذا أراه السر في نجاح الأيديولوجيات القومية والدينية في مجتمعنا، فالأولى غائمة بالتعريف وتجمع الغث والسمين والثانية تقليدية بالطبيعة والإثنتين تهدفان إلى تغيير النخب السياسية فقط. والإثنتان تكرسان الثقافة التقليدية في المدارس الأولى ن باب الهوية الوطنية ورص الصفوف والثانية من طبيعتها الأبوية التي تطلب الطاعة العمياء (إذا اجتمعتم فأمّروا عليكم، وهذه ممارسة أساسية في الجماعات الإسلامية). لماذا لا نبدأ بالرواية ثم التعليم ثم مؤسسات الدولة. وأطلق هنا تحدياً لكل الروائيين العرب لكتابة رواية مغرقة في الفردية، محورها فرد وذاته ولا غير.


الرد على التعليق


christian raffin (فرنسا)

في مفهوم "الدّولة (...)

مفهوم وتركيب لغويّ ظهر حديثا في البلدان العربيّة وباللّغة العربيّة، وهي على الأرجح تنفرد به في اللّغة السّياسيّة المتداولة حاليّا. فصفة المدنيّة تنسب غالبا إلى المجتمع لتعني الفضاء المتوسّط بين الأسرة والدّولة، أي الجسد الاجتماعيّ المنظّم على نحو إراديّ وبمعزل عن الطّبقة السياسيّة. وتنسب إلى المواطن لتعني المواطن الذي ينهض بحقوقه وواجباته من تلقاء نفسه وبكلّ حرّيّة. ويضيفها الفيلسوف الفرنسيّ أتيان (...)
alawan on facebook
alawan on twitter