السبت 4 شباط (فبراير) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > أبحاث > الخلفيّة الثقافيّة للشخصيّة المحمديّة

الخلفيّة الثقافيّة للشخصيّة المحمديّة

الاربعاء 7 كانون الثاني (يناير) 2009
بقلم: نبيل فياض  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

لا يختلف اثنان في أنّ محمداً، نبيّ الإسلام، أحد أهمّ الشخصيّات تأثيراً في عالمنا المعاصر، رغم مضيّ أكثر من ألف وأربعمائة عام على وفاته. ورغم أنّ مؤسّسي حركات كبرى، مثل كارل ماركس ويسوع-المسيح وكونفوشيوس وبوذا، على سبيل المثال لا الحصر (نفترض هنا أنّ الشخصيّات المشار إليها آنفاً حقيقية لا ميثولوجيّة)، ضعُف تأثيرهم مع الثورة الثقافيّة التي بدأت مع سبينوزا وربما قبله مع مايستر إيكهارت، أو حتى تهاوى، فإنّ النبي محمداً يعرف من النفوذ والتأثير في أرجاء العالم كافةّ ما لم يعرفه شخص قبله. هذا كلّه جذب المثقفين والباحثين إلى التساؤل عن سرّ " الظاهرة المحمديّة ". من هو محمد الثقافيّ؟ ولماذا لم يخفت بريقه أو يتقلّص تأثيره رغم الزمان؟

إذا بدأنا بالسؤال الثاني، يمكننا القول، بتبسيط شديد، إنّه كلّما أوغل شعب في الميثولوجيا ابتعد عن العقلانيّة؛ وكلّما فشل شعب أفقيّاً ارتدّ عموديّاً. ولأنّنا هنا لا نناقش أسباب تعاظم تأثير الظاهرة المحمديّة، فالموضوع يحتاج إلى فريق باحثين، نجد من المفيد حصر بحثنا في السؤال الأوّل: من كان محمد الثقافيّ؟
من مراجعة معظم من كتبوا في هذا الإطار في الغرب، نكتشف دون عناء أنّ هنالك خطّين أساسيين في مقاربة المسألة استشراقيّاً: خطّ ادّعى أنّ محمّداً تأثّر ثقافيّاً للغاية ببيئته اليهوديّة، وخطّ قال إنّه كان امتداداً للحركة النصرانيّة التي بدأت مع ظهور المسيحيّة، وانتهت مع ظهور الإسلام. والخطّان يحشدان كمّاً من الشواهد لا حصر له، كبراهين داعمة لما يزعمون.

نبدأ أوّلاً بمن زعموا أنّ محمداً كان وريث الحركة النصرانيّة التي ضاعت آثارها بعيد ظهوره. في اعتقادنا أنّ الألماني شويبس، في كتابه الهامّ حول عقائد النصارى وتاريخهم، والذي أفرد فيه فصلاً هاماً للأبيونيين، هو أوّل من أشار إلى نصرانيّة الإسلام المعرفيّة. وردّد صداه دون إشارة للمصدر، الباحث السوريّ درة الحداد في عمله القرآن دعوة نصرانيّة، ثم الباحث اللبناني أبو موسى الحريري في "قسّ ونبيّ". وكان آخر من أشار وإن بمواربة إلى نصرانيّة الإسلام، الباحث السوري الألماني، كريستوف لوكسنبورغ، في عمله، القراءة السريانية الآراميّة للقرآن، الذي ما يزال يحدث أصداء مدوّية في عالم الاستشراق الألمانيّ بخاصة، والأوروبي عموماً، رغم أنّ لوكسنبورغ قام فقط بشيء من التطوير النوعيّ الكبير على ما طرحه الباحث غونتر لولينغ قبله. لهذا التيار الثقافي غير الضعيف نقاط ضعف ونقاط قوّة. وسنبدأ بنقاط القوّة:

أولاً: ثمّة مقولة اعتمدها أبو موسى الحريري في كتابه، أضاف إليها برأينا مقولات من الحداد وشويبس ( أنكر أمامنا ذلك )، مفادها أنّه حين مات ورقة بن نوفل، وهو قسّ النصارى في مكة زمن النبيّ محمّد " فتر الوحي "؛ بمعنى أنّ ورقة هو جبريل محمد غير المعترف به؛ بل يبالغ السيّد الحريري حين يستنتج من اقتصار محمد على زوجة واحدة أثناء اقترانه بخديجة، من أنّ الزواج الأوّل لنبيّ الإسلام كان نصرانيّاً؛ خاصّة أنّ ورقة كان ابن عمّّ خديجة، الذي ربّما قام هو ذاته بعقد القران.
 
ثانياً: أين اختفى النصارى، ولماذا اختفوا فقط حين ظهرت الدعوة المحمديّة؟ لقد أثبتنا في كتابنا الضخم" النصارى" أنّ هؤلاء امتلكوا عاصمتين، الأولى جنوب أنطاكية شرق اللاذقيّة، اسمها بويريا ( هل يمكن أن نربط بين نصارى ونصيريين، الاسم القديم للعلويين؟ )، والثانية بيلا، وهي بلدة الفحل الأردنيّة حالياً. وربّما هاجر النصارى المحاطون بالأعداء المسيحيين من الشمال واليهود من الغرب باتجاه الجنوب وأسّسوا هناك تجمعات سكانيّة أفضت إلى نشوء الإسلام.
ثالثاً: إذا كان ورقة بن نوفل قسّ النصارى في مكّة، فهذا يعني أنّه كان ثمة رعيّة مسيحيّة في المنطقة، كان الرجل قسّها؛ ولأنّ التاريخ يكتب غالباً لصالح المنتصرين، ربّما يكون النبيّ محمّد أتلف مصادره المعرفيّة، نصرانيّة كانت أم غير نصرانيّة، كي يبرهن على أصالة دعوته.

بالمقابل، ثمّة نقاط سلبيّة لا حصر لها، تدحض بالكامل مقولة نصرانيّة الإسلام:
أوّلاً: لقد أثبتنا بالدليل القاطع في كتابنا" النصارى"، أنّ هذه الطائفة كانت أرثوذكسيّة مسيحيّاً بالمعنى الكامل للكلمة. هذا يعني أنّ النصارى، بعكس المسلمين، كانوا يؤمنون بالمسيح على أنّه إله، مولود غير مخلوق، مساو للآب في الجوهر.
ثانياً: لا توجد على الإطلاق أيّة وثيقة مباشرة من النصارى، وكلّ ما بين أيدينا من نصوص تتعلّق بالنصارى اليوم، إنما هو قادم من أعمال منتقديهم، خاصّة آباء الكنيسة، الذين احتفظوا لنا، عبر ردودهم على النصارى، بشيء من آداب هؤلاء وعقائدهم؛ والحديث عن تاريخ عقائديّ متكامل للنصارى أبعد ما يكون عن الواقع.
ثالثاً: لا مناص من الاعتراف أن لا خيط رفيعاً يمكن أن يفصل بين النصارى ومن يفترض أنهم انشقّوا عنهم، أي الأبيونيون؛ وإذا كان لدينا ما يشير إلى أن الأبيونيين كانوا، في شقّهم المتطرّف، يعتبرون المسيح نبيّاً ويأخذون موقفاً سلبيّاً من بولس الرسول، فالأبيونيون غير واضحي المعالم، كما أنّ معلوماتنا عنهم غير مباشرة، تماماً كالنصارى.
رابعاً: إنّ مصطلح نصارى، الشائع بين المسلمين حاليّاً كنوع من التسمية للمسيحيين، يتضمّن من الغرابة الكثير؛ فإذا كان اليهود يتمسّكون بالتسمية كنوع من رفضهم لأن يكون يسوع النصارى هو المسيح اليهوديّ المنتظر، فالمسلمون، في تناقض ذاتي لا لبس فيه، يؤمنون دون غموض بيسوع كمسيح، ويطلقون بالمقابل على أتباعه نصارى.
خامساً: لا يعقل، إن كان النبيّ محمّد نصرانيّاً حقيقياً، أن لا يميّز بين مريم أمّ المسيح، المذكورة فقط في العهد الجديد، ومريم أخت هارون وابنة عمران، المذكورة فقط في العهد القديم.

 الخطّ الثاني اعتبر أنّ الإسلام أحد التيّارات اليهوديّة، لكنه اعتمد اللغة العربيّة وسيلة للتعبير عن الذات. وإذا كنا في أعمال كثيرة نتبنّى بعض أطروحات هذا الخطّ، فإنّ لمعتنقي هذه الرؤيا نقاط ضعفهم ونقاط قوّتهم أيضاً، وإن كانوا، برأينا، يقفون على أرض أصلب كثيراً من أتباع التيّار الأول. ونبدأ هنا بنقاط القوّة:
أوّلاً: إنّ ما بين أيدينا من نصوص يهوديّة، خاصّة إذا ما اعتمدنا الأغاداه غير التوراتيّة أساساً ( يقول غنسبرغ في جملة رائعة مفيدة: نظر محمد إلى التوراة بعيون الأغاداه )، يشير بما لا يقبل الشك إلى نوع من التطابق بين النصوص الدينيّة الإسلاميّة، وما يقابلها من نصوص دينيّة يهوديّة.
ثانياً: لقد أشرنا في كتابنا " نصان يهوديّان حول بدايات الإسلام "، إلى أنّ العلاقة الإسلاميّة – اليهوديّة في بدايات الإسلام، لم تكن غير وديّة، إلى درجة أن بعضاً من نصوص أغاديّة هامة تنظر إلى عمر بن الخطاب باعتباره المسيح اليهودي المنتظر أو على الأقل إيلياهو النبيّ.
ثالثاً: من مطالعات كثيرة في نصوص التراث الإسلاميّ، نجد حديثاً متواتراً عن زيارات للنبي محمد إلى بيت المدراس، أو بيت ها مدراش.
رابعاً: في القرآن ذاته إشارات إلى نوع من تسريب اليهود لنصوص مقدسة عندهم للمسلمين بطريقة أو بأخرى.

نقاط الضعف عند أتباع هذا التيار أقلّ من غيرها، لكنها واضحة:
أوّلاً
: لا نمتلك أبداً تصوّراً واضح المعالم لشكل اليهوديّة الذي كان سائداً زمن النبيّ محمّد؛ وكلّ البحوث التي قاربت الموضوع أقرب إلى الحدس منها للحقيقة.
ثانياً: إذا كان محمّد وريث يهوديّة تلموديّة، كيف يمكن أن نفسّر هذا الموقف القرآنيّ المبالغ في تقديسه لشخص المسيح وأمّه، وهما الموسومان بأقذع التهم في التلمود وبعض الأغاداه المدراشيّة؟
ثالثاً: إذا كان النبيّ محمّد مطّلعاً بعمق على النتاج الأغادي اليهوديّ، كيف يمكن أن نفسّر أيضاً حديثه عن تزامن بين موسى والسامريّة، وهي الطائفة التي نشأت بعد اليهوديّة، التي " يفترض" أنّ نبيّها موسى، بزمن طويل؟

ثمّة خطّ ثالث حاول بمساعدة المصادر الأساسيّة، إثبات أنّ محمّداً أخذ من اليهوديّة والمسيحيّة على حدّ سواء. ومن أفضل من وثّق ذلك بالمصادر، الباحث الألمانيّ، هاينريش شباير، في كتابه الشهير، الحكايا الكتابيّة في القرآن، الذي ترجمناه إلى اللغة العربيّة مع إضافات لا حصر لها، ونشرنا منه أقساماً ثلاثة.
إنّ مراجعة دقيقة لما كتبه الألمان حول المصادر التأسيسية للديانة الإسلاميّة، يثبت أمرين لا شكّ فيهما: أنّ النبيّ محمّداً كان ذا ثقافة واسعة، بمعنى إطلاعه الكبير على ثقافات عالمه، وأنّ ثمّة ثقافة عامّة كانت شائعة في منطقة الشرق الأوسط، من فارس شرقاً إلى مصر غرباً، ومن اليونان شمالاً إلى اليمن جنوباً؛ فالحدود الجغرافيّة أو اللغوية أو الدينيّة لم تكن في يوم حاجزاً يحول بين المرء وانتهاله المعرفة.

لقد أثبتت بحوث الدّين المقارن أنّ التوراة، خاصّة الأسفار الأولى، بقسمها الأغادي-الميثولوجي، أنّ التراث الأغادي-الميثولوجي العبراني مستمدّ، بشكل أو بآخر، عن مثيله في بلاد ما بين النهرين وغيرها. الاختلاف الأساس هو في شكل الإله: في اليهوديّة ثمّة انتقال تدريجيّ من تعدّدية الآلهة إلى الوحدانيّة الإلهيّة، مروراً بمفهوم انتقاليّ هامّ، هو الإيمان بإله قوميّ واحد، دون إنكار الآلهة الأخرى، للأقوام غير اليهوديّة. هذا يعني، أنّ ثمّة استمراريّة لا لبس فيها من ميثولوجيات بلاد ما بين النهرين وما قبل، حتى القرآن وتفاسيره، مروراً بالأساطير اليهوديّة المسيحيّة والأديان التي سادت يوماً ثم بادت، كالميثرويّة.
 
بدايات الاستشراق:
 

إنّ البحوث الغربيّة التي استهدفت دراسة صدر الإسلام، والتي هي مُمثّلة أوّلاً في تلك الأعمال التي أسّست لما جاء بعدها، والتي سطّرها كلٌّ من المفكّرين: آ. شبرنغر A. Sprenger، ف. موير W. Muir، هـ. لامنس H. Lammens، هـ. غريمه H. Grimme، ت. نولدكه Th. Nöldeke، ف. بول F. Buhl، ف. شفالي F. Schwally، وغيرهم، ابتغت بشكل رئيس وصف حياة محمّد. فقد انتصر الاعتقاد بالقيمة التاريخية لأدب التقليد ، أي أحاديث النبيّ أو أفعاله، حتى منتصف القرن التاسع عشر. لكن بعد ذلك بدأت مرحلة تعامل نقديّ مع أقسام مفردة من التقليد، لتبدأ في النهاية نقدية منظّمة لأدب التقليد ككلّ، والتي استهلّتها أعمال غولدتسيهر الرياديّة. وهكذا، صار واضحاً للعيان انعكاس الصراعات الدوغمائية، الدينية، وحتى السياسية على كلّ التقليد ما بعد القرآنيّ.

ينطبق هذا عموماً على تناول الحكايا من العهد القديم التي لها ما يوازيها في القرآن أيضاً. فمنذ أن نشر ابراهام غايغر عمله الهامّ، «ماذا أخذ محمّد من اليهودية»، الذي ترجمناه إلى العربيّة دون أن ننشره، بدا جلياً، الكمّ الضخم من المتوازيات بين التراث اليهوديّ والقرآن. لقد أشار غايغر بحقّ، «إلى أنّ موضع بحثه معروف ومدرك منذ زمن طويل، أي، أنّ في القرآن أشياء كثيرة متوازية مع مثيلاتها في التراث اليهوديّ، وهي مثيلات كانت معروفة للجميع في زمن محمّد»(1). وهكذا، فقد تأهّب غايغر للبرهان على أنّ مواضع كثيرة في القرآن لها ما يقابلها في التراث اليهوديّ.

يوضّح غايغر موقف محمّد من اليهودية أساساً، ويشير بمساعدة موادّ المصادر، إلى ما هو متواز بين القرآن واليهودية من أفكار ومفاهيم وعقائد وآراء وحكايا. وتحتلّ حكايا العهد القديم التي لها ما يماثلها في القرآن الجزء الأكبر من الكتاب. لكنّ الأدب ما بعد القرآنيّ لم يؤخذ بعين الاعتبار كثيراً، ليس لأنّ غايغر اعتبر تفاسير القرآن غير ذات قيمة مؤكّدة، بل لأنّ مصادر هذا الأدب العربية لم تكن متوفّرة بكثرة أيام غايغر كما هي الحال عليه الآن. عام 1902، ظهرت في لايبتسغ على يد م. ف. كاوفمان طبعة غير مجتزأة من هذا العمل. وقد أشار شفالي بحق إلى ضرورة أن تحتفي الأجيال القادمة ببحوث غايغر ثاقبة البصر هذه. والحقيقة أنّ عمل غايغر كان، في زمنه، إغناء لعلوم الإسلاميات وحفزاً لعلوم الدين المقارن. وحتى الآن لا يمكن اعتبار نوعية البحوث المصادرية النقدية لمواد القرآن المذكورة في ذلك الكتاب من طراز عفى عليه الزمن. وعام 2006، أعيد الاعتبار لغايغر من جديد في ألمانيا، وصدرت طبعة جديدة لكتابه الهامّ بمقدّمة لا تخلو من روعة.

على خطى غايغر أراد هارتفيش هيرشفيلد Hartwig Hirschfeld أن يمشي. فقد حاول في أعمال ثلاثة(2) له أن يكمل بحوث غايغر ويتجاوزها. ولهيرشفليد الفضل في إلقاء الضوء على تفاصيل كثيرة. لكنّ هيرشفيلد، لم يبذل جهداً كبيراً، لإكمال الوظيفة، التي بدأها غايغر بشكل ملفت، وذلك لتوضيح صورة محمد عن الشخوص الكتابية(3)، والكشف عن أصولها. من ناحية أخرى، فإنّ هذا الكاتب، للأسف، نظر إلى القرآن، بعيون يهودية.

أمّا عمل شابيرو Schapiro، «العناصر الهاغادية في القسم الروائي من القرآن Die haggadischen Elemente im erzühlenden Teil des Koran»(4) والذي لم يتضمّن سوى دراسة عن سورة يوسف، فهو يتناول إلى جانب ما ذكره القرآن عن قصّة يوسف، ما ورد عنها في التقليد المحمّديّ اللاحق، لكن من منظور الهاغاداه اليهودية. مع ذلك، فالعرض المحمّديّ لقصّة يوسف، يقدّم ناقصاً هنا.
إلى جانب أعمال هؤلاء الباحثين اليهود، نجد أيضاً هنالك مفكّرين مسيحيين مثل فايل Weil، شبرنغر، موير، نولدكه، لامنس، غريمه، تور اندراي Tor Andrae، فنسنك Wensinck، سنوك هورغروني Snock Hurgronje وغيرهم، ساهموا بدراسات في سبيل توضيح العلاقة بين قصص العهد القديم والقرآن.
لقد حاول غريمّه، على سبيل المثال، خاصة في الفصل الثاني (5) من كتابه «محمّد»، أن يقدّم مذهب الإسلام الأوّلي، وفق النصّ القرآنيّ التقليديّ. لكنّه لم يتكلّم إلا بشكل مختصر( 6) عن قصص الأنبياء في هذا الكتاب المقدّس. كما لم يستفد من المادة القرآنية الضخمة ليقدّم على نحو وافٍ تطوّر تصوّرات الشخوص والقصص الكتابية الذي عاشه محمّد في مسار الحقبتين المكية والمدنية.

بعودة إلى الباحثين من أصل يهوديّ، يمكن القول، إنّ يوسف هورفيتس Josef Horovitz، الذي ترجمنا له نصّه الهامّ حول الإسراء والمعراج، هو أوّل من ابتعد بحزم عن الأسلوب القديم في تفسير القرآن، وافتتح بذلك طريقاً جديدة. لقد حمل العمل التأسيسيّ لهذا الباحث، والذي افتقده العلم قبل الأوان، عنوان: «بحوث قرآنية(7) Koranische Untersuchungen(8)». يتناول هورفيتس في القسم الأوّل من كتابه هذا قصص العقاب، حكايا الرسل، وعلم النبوة في القرآن. لكن هذا المفكّر، على عكس معظم الذين سبقوه، لم يكتف بعرض تصوّرات أحادية الرؤيا، بل تعقّب تطوّر كلّ تصوّر منذ بداية ظهوره في مكة، وصولاً إلى الشكل الذي أخذه في المدينة. يتناول القسم الثاني من كتاب هورفيتس أسماء العلم في القرآن: هويتها وأشكال وجودها في بلاد العرب قبل الإسلام. وحيثما كان، نجده يأخذ الشعر العربيّ القديم بعين الاعتبار على نطاق واسع. وهكذا يُثْبت هورفيتس أنّ تصوّرات عديدة، والتي اعتُقِد حتى ذلك الوقت أنها ترجع إلى تأثيرات غريبة، إنّما هي بضاعة عربية. لم يهمل هورفيتس أيضاً الأقسام الإسكاتولوجية والحِكَمية. وبالنسبة له، لم يكن عمله مجرّد بحث مفرد منعزل. فقد أراد أن يدشّن به بداية لسلسلة أعمال تتناول ما في القرآن من حكايا من العهد القديم، من الحكم، الإسكاتولوجيا والليتورجيا.
 
تلميذ هوروفيتس الأهمّ، هو الباحث هاينريش شباير، صاحب كتاب Die biblischen Erzälungen im Qoran . في هذا الكتاب الضخم ( 505 ص )، يتقصّى شباير، بدأب يحسد عليه، أصل كلّ آية في القرآن الكريم، إن في الكتاب المقدس العبرانيّ أو الأدب الذي استلهم منه، أو في العهد الجديد ونصوص آباء الكنيسة. وأحياناً، وإن بشكل نادر، يتجاوز شباير إلى نصوص أقدم، ليظهر أن أصل الجميع هو ميثولوجيا ما بين النهرين، التي تقف حدودنا الكرنولوجيّة عندها. وإذا ما أردنا مقارنة شباير بغايغر أو هوروفيتس، يمكن القول إنّ الأخيرين كانا أكثر عموميّة من الأحدث؛ بمعنى أن شباير حاول أن يختصّ فقط بالنصّ القرآنيّ، في حين توسّع غايغر وهوروفيتس إلى مواضيع كثيرة. مع ذلك، فإنّ عمل شباير، برأينا، هو الأقرب لروح العصر من ناحية دقّته التخصصية. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار صعوبة البحث زمن شباير ( الطبعة الأولى كانت عام 1931 )، فإنّ هذا الجهد التنقيبي بحثاً عن موازيات للقرآن الكريم في أكثر من عشر لغات، لا يمكن غير أن نتوقف أمامه بإجلال شديد. إنّ المطلوب اليوم من الباحثين، خاصة مع الانتشار غير المسبوق للأرشفة الحاسوبيّة، هو إكمال ما بدأه شباير على خطّين: خطّ يتجاوز النصوص اليهوديّة والمسيحيّة وما شابه، إلى الأدب الميثولوجي إن الزرادشتي-البارسي، الذي لا شك أنه أعطى الكثير للديانة اليهودية وما خرج من رحمها، أو إلى ميثولوجيات ما بين النهرين، التي أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنها أصل كثير من القصص اليهودية وغير اليهودية المعروفة اليوم للغاية، دون إشارة للأصل؛ وخط يتقصّى أصول ميثولوجيات كتب التفسير أو التاريخ أو حتى الأدب الإسلاميّة، التي تبدو في معظمها مستمدة عن الأغاداه-الميثولوجيا اليهودية وغيرها.

لقد كانت لنا محاولات بسيطة في الاتّجاه الثاني، أي تقصّي أصول بعض الميثولوجيات الإسلاميّة الشهيرة. من تلك المحاولات ما أوردناه في كتابنا "مدخل إلى مشروع الدين المقارن" ( طبعة دارالأولى، 2003 )، من أنّ ميثة عذاب القبر يهوديّة الأصل بالمطلق؛ واستدللنا على ذلك من مصادر داخل- إسلاميّة، ومن الأغاداه اليهوديّة. كذلك فقد حاولنا أن نثبت، بمساعدة النصوص الميثولوجيّة اليهوديّة ( سفر سلم يعقوب ) والمسيحيّة ( أسفار أخنوخ ) الأبوكريفيّة أنّ معظم ما ورد في قصة الإسراء والمعراج من تفاصيل، إنما هو مأخوذ عن مثيلاته اليهوديّة المسيحيّة، وربما غيرها. وقد رشّحت لنا الباحثة الصديقة باتريشيا كرونه أحد أهم الباحثين اليهود في حقل الأغاداه لإكمال المشروع، وهو الأستاذ حاييم ملكوفسكي؛ لكن ظروفاً سياسيّة، للأسف، تحول بيننا وبين إكمال هذا الحلم.


 

 
الهوامش:

(1) S. 1
(2) هذه الأعمال هي:
Jüdische Elemente im Koran, Berlin, 1878;
Beitrنge zur Erklنrung des Koran, leipzig, 1886;
New Researches into the Conposition aud Exegesis of the Koran, London, 1901.
(3) كلمة «كتابية» هي دائماً نسبة إلى الكتاب المقدّس.
(4) Heft I, Leipzig, 1907.
(5) Einleitung in den Koran, System der koranischen Theologie, Münster, 1895.
(6) S. 79 - 98.
(7) إن البحث الذي يحمل عنوان «أسماء العَلَم اليهودية والاشتقاقات في القرآن:
Jewish Proper Names and Derivatives in the Koran», Hebrew Union College Annual, 1925, p. 145 ff
والذي يعالج في معظمه ما يعالجه «بحوث قرآنية»، لا يُسْتشهد به في هذا العمل إلا حين لا توجد مادة غيره، وذلك في موضوعة الكلمات الغريبة.
(8) Berlin und Leipzig, 1926.



التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

- البصري
7 كانون الثاني (يناير) 2009 07:11

دراسة جيدة ومعمقة للموضوع نتمنى التوسع فيها , قدر الامكان ,مااحوجنا لمثل تلك الدراسات . اليوم بالذات , اليوم حصلت على كتاب لمؤلفه الاستاذ خليل عبد الكريم , صدر من دار ميريت للنشر والتوزيع , الكتاب يبحث الحقبة منذ زواج محمد بن عبد الله بالسيدة خديجة حتى واقعة غار حراء المتوارية في الظل .اكرر تقديري للاستاذ نبيل فياض .


الرد على التعليق

- حنان ز
9 كانون الثاني (يناير) 2009 01:37

شكراً لتعبكم. نرجو فقط الدخول في التفاصيل


الرد على التعليق

تونس - عبد الحكيم
16 شباط (فبراير) 2009 18:52

أريد ان اسال الاستاذ نبيل ماذا تقول التورات في من زنى وهو محصن بما انه مطلعا عليها جملة وتفصيلا


الرد على التعليق

  • القدس - محمد
    12 شباط (فبراير) 2010 23:58

    سيدي العزيز راجع الكتاب المقدس العهد القديم سفر التثنية وهو باللغة العربية ففيه الاجابة على سؤالك. وبالمناسبة فان العهد القديم هو التوراة مترجمة للعربية.


    الرد على التعليق

ابوظبي - الياس يازجي
14 نيسان (أبريل) 2009 16:46

الى الاخ عند الحكيم التورات قالت لا تزتي اما المسيح فقال

متى5 :27 (قد سمعتم انه قيل للقدماء لا تزن)

متى5 :28 (واما انا فاقول لكم ان كل من ينظر الى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه)

متى5 :29 (فان كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها وألقها عنك.لانه خير لك ان يهلك احد اعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم)

متى5 :30 (وان كانت يدك اليمنى تعثرك فاقطعها والقها عنك.لانه خير لك ان يهلك احد اعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم)

متى5 :31 (وقيل من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق)

متى5 :32 (واما انا فاقول لكم ان من طلق امرأته الا لعلّة الزنى يجعلها تزني.ومن يتزوج مطلقة فانه يزني)


الرد على التعليق

فانكوفر - كمال ياملكي
10 حزيران (يونيو) 2009 12:28

ليس من باب أعجابي وأحترامي الكبير للأستاذ نبيل فياض, ولكن لكثرة ما قرأت له في هذه المواضيع التي وجدت فيها عمقا وموضوعيه قل لباحث عربي أو غير عربي أن يكونه, فهو في رأي يكتب بتجرد وأمانه علميه قل نظيرها في عالمنا. لا يسعني هنا سوى أن أشكره مع التقدير لمجهوده هذا ولسواها من المواضيع, فنحن بأمس الحاجه لمعرفة تاريخ منطقتنا المشوه الذي يعتمد أساساً على قال فلان لعلان وقال علان لفلان


الرد على التعليق

  • بغداد - احمد
    17 أيار (مايو) 2011 23:48

    عندي مجموعة اسئلة للاستاذ نبيل فياض : كيف يفسر هذا الكاتب(الفذ) القدرة التحقيقية والتحليلية التي وجدت عند محمد(ص)(على تقدير عدم نبوته) وانسجامها مع طبيعة عصره تلك القدرة التي جعلت منه محققا فكريا من طراز فريد بحيث حاكم الكتب السابقة والموروثات الماضية محاكمة موضوعية في ابعادها العقدية والتاريخية والتشريعية والاجتماعية …الخ فقبل بعضها ورفض البعض الاخر وزاد هنا وانقص هناك وجاء بجديد بين هذا وذاك؟ وهو مع هذا ببساطة الرجل البدوي الامي الذي لم يحدثنا التاريخ قط عن انه -ص- دخل معهدا علميا ولا جالس اهل علم ولا كان في بيئته الجدباء اثر لمعلم من معالم العلم؟؟!!! وهل يمكن بمنطق الموضوعية ان يتحول هذا الرجل ذو الثقافة المنخفة جدا الى ميزان تحقيقي يحاكم موروثات دينية غارقة في القدم قدم بني البشر وبالتالي يؤسس منظومة معرفية وتشريعية فريدة من نوعها حتى بنظر من لايؤمن بربانيتها؟؟ مع ان تقيم عمله الكاشف عند تقيم قومه له -ص- لايعدو الا(ان هو الا افك افتراه واعانه عليه قوم اخرون) في اشارة تقيمية واضحة لمستوى ثقافته العادية التي لم يروه معها قادرا على الانفراد بهذا العمل؟؟ ومع هذا يقول نبيل فياض في بعض مقالاته مامؤداه: ان النبي محمد-ص- كان شخصية ثقافية استثنائية!! اننا اليوم نخلع على اناس قاموا بالمزواجة بين مدرستين فكريتين على مستوى الفلسفة او الاجتماع او الاقتصاد او …الخ اقول نخلع عليهم القابا طنانة واوصافا رنانة رغم عملهم المحدود نسبيا, فما عسانا نخلع من لقب على رجل صحراوي النشأة بدوي الانتماء وهو قد حاكم اديان وافكارا ضاربة الجذور في العمق الزمني؟؟ وهل يمكن للاستاذ الفاضل ان يحدد لنا الفترة الزمنية المعقولة والتي كانت كافية لان يلم -ص- بهذا الخزين الهائل من المعلومات الكمية والكيفية والتي كان قومه طيلتها (نايمين على ودانهم)؟ وكم عددها بالايام والشهور والسنين؟وهل كانت هذه الفترة تنسجم مع وضع النبي الاعظم-ص- الموضوعية والذاتية وهو الذي ينكر امام الملأ من قومه وبثقة مطلقة اي اطلاع له على اي كتاب يمكن ان يكون مصدر استقائه فلم ينبس منهم احد ببنت شفه ولا عارضه مكذبا كل ذلك بخوعا لكلامه وتصديقا بمقاله( ماكنت تتلو من قبله من كتاب ولاتخطه بيمينك اذا لارتاب المبطلون)؟ وهل كان هذا التعلم يحتاج معلما بل معلمين-اكبر من عصرهم ومقوماته- ام ان الامر لايتوقف على التعلم من ذي علم؟وعلى الاول هل اصاب قومه العمى والطرش وهم اعرف الناس به فلم يلتفتوا الى هذا المعلم-الفلتة- الذي كان النبي الاكرم-ص- يستقي منه معلوماته حتى نسبوا ذلك الى حداد قن اعجمي لايعرف من لغة العرب لونا ولاطعما ولارائحة فاجابهم القران الكريم بما يخجلهم من انفسهم(لسان الذي يلحدون اليه اعجمي وهذا لسان عربي مبين)؟؟!! نرجو النشر من باب حرية الفكر


    الرد على التعليق


Zeng Chuanxing (الصين)

في مفهوم "الدّولة (...)

مفهوم وتركيب لغويّ ظهر حديثا في البلدان العربيّة وباللّغة العربيّة، وهي على الأرجح تنفرد به في اللّغة السّياسيّة المتداولة حاليّا. فصفة المدنيّة تنسب غالبا إلى المجتمع لتعني الفضاء المتوسّط بين الأسرة والدّولة، أي الجسد الاجتماعيّ المنظّم على نحو إراديّ وبمعزل عن الطّبقة السياسيّة. وتنسب إلى المواطن لتعني المواطن الذي ينهض بحقوقه وواجباته من تلقاء نفسه وبكلّ حرّيّة. ويضيفها الفيلسوف الفرنسيّ أتيان (...)
alawan on facebook
alawan on twitter