الجمعة 22 آب (أغسطس) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > بوابة الأوان > الخيزرانة التي لا تنكسر أبداً / بقلم محمود الزيباوي

الخيزرانة التي لا تنكسر أبداً / بقلم محمود الزيباوي

السبت 29 تشرين الأول (أكتوبر) 2011
، بقلم   

شارك اصدقاءك هذا المقال



لمناسبة مرور مئة عام على وفاة المطرب يوسف المنيلاوي، تحيي “مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية” نتاج “كاروزو الشرق”، وتقدّم أعماله المسجلة شبه الكاملة في عشر اسطوانات، كما تنشر بالتعاون مع “دار الساقي” كتاباً بالعربية يتناول عصره وفنه، وكتيّباً بالإنكليزية والفرنسية.

 

في رواية نجيب محفوظ الشهيرة، “خان الخليلي”، يتردد الموظف أحمد عاكف على “قهوة الزهرة” صباح الجمعة حيث يلتقي شلة من الأصحاب ويتحاور معهم. في أحد تلك اللقاءات، تجتمع الحلقة بينما “كان الراديو يذيع بين الأسطوانات”، ويدور الحديث حول الغناء. كان بطل الرواية “مغرماً بالغناء”، “إلا أنه يفضل القديم وما يتبع طريقته”، وقد “سمع اسطوانات منيرة وعبد الحي والمنيلاوي”، وعندما سُئل رأيه بالغناء، عاد وقال: “الغناء القديم هو الذي يأسر نفوسنا بغير عناء”، ورأى أن أم كلثوم وعبد الوهاب “عظيمان في ما يرددان من وحي القديم، تافهان في ما عداه”. ينبري احد الأصحاب ويقول: “أم كلثوم عظيمة ولو نادت ربان يا فجل”، فيجيبه أحمد عاكف: “أما صوتها فلا خلاف عليه، ولكن حديثنا عن الغناء من الناحية الفنية”. يتواصل الكلام حول القديم والجديد، ويقول صاحب آخر: أجمل ما تسمع الأذن سي عبده إذا غنّى يا ليل، وعلي محمود إذا أذّن الفجر، وأم كلثوم في إمتى الهوى. وما عدا هؤلاء فحشيس مغشوش بتراب“. فيعلّق أحمد عاكف:”إن الإعجاب بالحديث من الغناء أو بالموسيقى الإفرنجية وحي من تقليد المحكومين للحاكمين كما يقول ابن خلدون".

تدور أحداث “خان الخليلي” بين عام 1941 وعام 1943، ونجد في هذا الحوار تعبيرا عن تحوّل فن الغناء العربي في تلك الحقبة من “القديم” إلى “الجديد”، وتعلّق البعض بفنّ الماضي و“ما يتبع طريقته”، ويمثل هذا الأسلوب هنا “منيرة وعبد الحي والمنيلاوي”، أي منيرة المهدية وعبد الحي حلمي ويوسف المنيلاوي، وهم من أشهر أعلام الغناء القديم. في حديث أجرته مجلة “الكواكب” معه في عام 1953، عاد الملحن العظيم محمد القصبجي إلى ذلك الزمان الغابر، وقال: “السميعة كانوا سميعة في كل شيء، فقد كانوا يصغون وينتشون ويطربون، وإذا كنا نرى اليوم سميعة من حفلات أم كلثوم وغيرها فثق أنهم سميعة أصلا من بقايا زمان، يستهويهم الغناء ويطربهم جمال الشدو. ولا يسعني أن أقول في هذه المناسبة إن غناء زمان كان مبنيا على الطرب وحده، فلا يعتمد على الموسيقى كغناء هذا الزمان، فقد كان اعتماد المطرب أو المطربة على صوته، دون أن يستعين في ذلك بالموسيقى والآلات الأوروبية الكثيرة، التي دخلت إلى نظام تختنا الشرقي. كان الملحن، أيام زمان، يلحن الدور الواحد لتؤديه المطربة لمدّة سبع سنوات بلا انقطاع، وكان السميعة يستمعون إليه في كل مرة، كأنه لحن جديد وأغنية جديدة”.

رأى القصبجي في هذا الحديث أن أبرز مطربي ذاك الزمن كان يوسف المنيلاوي، “وكان يضطر بسبب قلّة الأفراح، التي تُعتبر الفرصة الوحيدة للمغني، إلى الغناء تبرعا كل ليلة ثلثاء من كل أسبوع في حضرة (إي مقام) الست فاطمة النبوية بدرب سعادة ببال الخلق، خوفا على صوته من أن يصاب بالصدأ. وكان الشيخ يوسف المنيلاوي محسوبا على هذه الشيخة المباركة، وكانت الجماهير تذهب في هذه الليلة إلى هناك، لسماعه، وهو ينشد على الذكر دور”بافتكارك ايه يفيدك“، ودور”الله يصون دولة حسنك“. وكان السمّيعة يجبرونه على الغناء حتى صلاة الفجر، ثم يذهبون لتناول طعام الإفطار من الفول المدمس الشهي المشهور به حي سيدنا الحسين. وكان صوت الشيخ يوسف من الأصوات النادرة المثال فكان يشبه الخيزرانة، لا ينكسر أبداً”.

 

 

مدرسة النهضة

 

لا نعرف الكثير عن هذا المطرب الذي بلغ أوج الشهرة في زمنه، وبقي اسمه حياً حتى مطلع الأربعينات، كما يشهد نجيب محفوظ في “خان الخليلي”. ما وصلنا من أخباره لا يتعدى بعض الشذرات التي سجلها كلٌّ من كامل الخلعي في كتاب “الموسيقي الشرقي” في مطلع القرن العشرين، وقسطندي رزق في “الموسيقى الشرقية والغناء العربي”، في الثلاثينات. هو يوسف خفاجي المنيلاوي، وُلد بين عام 1843 وعام 1850 بمنيل الروضة في القاهرة، وهو من أسرة ريفية. تعلّم في الأزهر، وأحبّ الإنشاد الديني، ثم انتقل إلى الغناء الدنيوي، و“اندمج في سلك المطربين” بحسب تعبير قسطندي رزق. برع في هذا الفن، وسافر إلى اسطنبول عام 1877 ضمن وفد فني أرسله الخديوي إسماعيل، وغنّى أمام السلطان عبد الحميد الثاني، وعاد إلى القاهرة حيث ذاع صيته. كان من أول المطربين المصريين الذين سُجّلت أغانيهم على اسطوانات في مطلع القرن العشرين، أي في السنوات الأخيرة من عمره، وقد رحل عن هذه الدنيا في السادس من تموز 1911، تاركاً مجموعة من التسجيلات تشهد للمنزلة الرفيعة التي بلغها في عالم الطرب.

لمناسبة مرور مئة عام على وفاة المنيلاوي، تعيد “مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية” اكتشاف هذا العلم المنسي، وتنشر أعماله المسجلة شبه الكاملة في عشر اسطوانات بعدما جرى ترقيمها وإعدادها بأفضل الوسائل التقنية. يرافق هذه الاسطوانات كتاب من ثلاثمئة صفحة بالعربية نشرته “دار الساقي”، وكتيّب بالإنكليزية والفرنسية. تتميّز هذه الإصدارات الثلاثة بجودتها العلمية في الدرجة الأولى، وهي الأولى من نوعها في هذا المعنى، وخروجها إلى النور اليوم إنجاز حضاري يليق بمقام المنيلاوي. بقي هذا الإسم حيا في مطلع الأربعينات، غير أن فنه سرعان ما طواه النسيان، ويمكن القول إن فن تلك الحقبة بات كله من الماضي، أما محبّو هذا النوع من الطرب اليوم فقلة قليلة تعشقه وترى أن ما يخرج عنه “حشيس مغشوش بتراب”، على ما كتب نجيب محفوظ. عام 1963، استعادت السينما المصرية قصة الحب التي جمعت بين عبده الحامولى، رائد الغناء الراقي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وألمظ، إحدى أشهر مطربات ذلك الزمن، غير أن الأغاني والألحان الأصلية الخاصة بهذين العَلَمين غابتا عن الفيلم بشكل تام، وجرى استبدالها بألحان “حديثة” وضعها محمد عبد الوهاب وبليغ حمدي وكمال الطويل ومحمد الموجي، وأدّاها بطلا الفيلم عادل مأمون ووردة الجزائرية، مما يدلّ على تحوّل الذائقة الغنائية في الستينات وابتعادها بشكل جذري عن الأساليب التي راجت في الماضي. صُوِّر الخديوي إسماعيل في هذا الفيلم مسخاً بشكل كاريكاتوري، مع العلم أنه كان راعي هذه النهضة الغنائية التي أطلق عليها بعض البحّاثة اسم “المدرسة الخديوية”. وتأتي أسطوانات المنيلاوي العشر والكتاب الخاص به اليوم ليعيدا اكتشاف هذا العالم المنسي.

تشكل مقدمة الكتاب مدخلاً للولوج في عالم الطرب القديم. حفظت ذاكرة هذا الطرب “آلافاً من الاسطوانات وراءها بضع مئات أو على الأقل عدّة عشرات من الملحنين والمطربين والعازفين، لم يعد يسمعها أحد أو حتّى يعلم بوجودها فضلاً عن معرفة ما حوته من تسجيلات، سوى حفنة قليلة من جامعي التسجيلات وقلّة لا يكاد عددها يزيد على بضع عشرات من الباحثين الجامعيين والهواة. وما حوته تلك الاسطوانات لا يُسمَع ولا يؤدّى ولا يُفحَص ولا يُدرَس ولا يُحفّظ حتى مجرّد الحفظ بمعنى التلف والضياع، بل أنّ جانبا منه قد ضاع فعلاً والبقيّة الباقية مهدّدة بالمصير نفسه من دون أن ينتبه أحد إلى هذا الأمر الخطر أو يدرك حجم الكارثة التي ينطوي عليها وعمق أبعادها”. يمثّل نتاج المنيلاوي العيّنة الأولى من هذه الأسطوانات، وهي تعود إلى شركتين. سجّل مطربنا أولاً في عام 1905 مجموعة من أعماله لصالح شركة “سمع الملوك” التي أُنشِئت خصيصاً له، ومعظم هذه التسجيلات غير صالح بسبب رداءتها التقنية. ثم سجّل لصالح شركة “غراموفون” البريطانية مجموعة أخرى من الأعمال على امتداد أربع سنوات بين 1907 و1910، وتعتبر هذه التسجيلات خلاصة تجربته. تعيد “مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية” اليوم طبع نتاج “غراموفون” بأفضل تقنية ممكنة على تسع اسطوانات بحسب ترتيبها الزمني، وتقدم منتخبات من “سماع الملوك” على الأسطوانة العاشرة.

حمل الكتاب توقيع ثلاثة من البحّاثة في ميدان “مطربي عصر النهضة العربية”، هم الفرنسي المستعرب فريديريك لاغرانج، والمصري محسن صُوَّه والتونسي مصطفى السعيد. يتناول القسم الأول “عصر النهضة” وتطوّره في عشرين باباً، ويعالج القسم الثاني “فنّ المنيلاوي” في سبعة أبواب تليها عشرة نماذج تحليلية لأعماله، كما يحوي الكتاب ملاحق تضم النصوص الكاملة لما سجله المطرب، وقائمة بتسجيلاته. يبهر هذا العمل بمتانته الأكاديمية في الدرجة الأولى، غير أن هذه الأكاديمية الصارمة تلقي على بعض النصوص طابعاً جافاً في بعض الأحيان، كما في النماذج التحليلية التي احتلت ثمانين صفحة من الكتاب.

 

 

المتعة والدّعة

 

لُقِّب يوسف المنيلاوي قديما بـ“كاروزو الشرق”، ووصفه أحد المستمعين المعاصرين بـ“الرجل السعيد أبداً”، فأغلب ما يستشعره المستمع من غنائه “هو مشاعر المرح والمتعة والدّعة، فالغناء عنده طقس لا يُعبّر عن قلق وجودي عارم، بل هو طقس احتفالي يمارسه المطرب مستمتعاً بغنائه قبل أن يستمتع به سامعوه”. بلغ اعتداد المطرب بفنه “أنّه لم يكن يقبل بأقلّ من مئة جنيه” أجراً عن السهرة الواحدة، “تُضاف إليها مئة ثانية إذا طُلب منه أن يُغنّي دور البلبل وقال لي”. السؤال اليوم: هل يساهم هذا الإصدار في إحياء هذا الغناء بشكل واسع ليخرجه من هذه الحلقة الصغيرة التي تقتصر على بعض جامعي التسجيلات وبعض الباحثين الجامعيين والهواة؟ لا نملك سوى أن نحيي هذا الجهد، متمنّين أن يكون هذا الإصدار باكورة سلسلة من الإصدارات تعنى بإماطة اللثام عن تراث غنائي عريق لا يزال في معظمه مهملاً ومجهولاً.

 

عن ملحق النهار الثقافي 23/10/2011


شارك اصدقاءك هذا المقال

هل نجني ثمار فشل (...)

أحكمت الأنظمة العربيّة غلق القماقم العتيقة، وبمجرّد تزعزع بعضها أو تلاشيها، غير مأسوف عليها، انطلقت عفاريت الهويّة والطّائفيّة والشّريعة والعقيدة وفتحت أمامنا مسرحا قياميّا شبيها برقصة أشباح الماضي مع الأحياء. كلّ هذا الرّعب الذي نراه يتمّ باسم الإسلام، رغم كلّ الحسابات والرّهانات الجيوستراتيجية، ورغم الدّور التّخريبيّ الذي لعبته بعض الدّول، ورغم تعدّد أطراف اللّعبة في كلّ بلد فتح فيه جحيم هذا الحفل (...)
الفيسبوك
تويتر