الخميس 17 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > مقالات > الدليل الكوزمولوجي لا يقول شيئا عن الإله

الدليل الكوزمولوجي لا يقول شيئا عن الإله

الخميس 2 شباط (فبراير) 2012
بقلم: رائد العبسي  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

تتعدد الأدلة التي يستخدمها المتدين لإثبات وجود اله ويمكن إرجاع هذه الأدلة إلى واحد من ثلاثة أنواع كما قسمها كانط، وهي الدليل الانتولوجي والدليل الكوزمولوجي ودليل التنظيم؛ في هذا الطرح سأتناول الدليل الكوزمولوجي باعتباره الأكثر استخداما والأكثر أهمّية في نظري على الأقلّ.

يستند الدليل الكوزمولوجي إلى مبدأ رئيسي من مبادئ العقل البشري الذي ينص على أنّ لكلّ شيء سببا أو لكل معلول علة، معظم النظريات العلمية (ان لم نقل كلها ربما باستثناء مكانيكا الكم) تستند إلى هذا المبدأ وبدونه سيصبح تفكيرنا محدودا جدا رغم، وكما سنرى لاحقا، أنّ هذا المبدأ ليس عاما كما يتصور الغالبية منا. إذن لنسلّم بأنّ لكلّ شيء سببا وهنا نتفق مع المتدين في المقدمة التي طرحها، يقول المتدين بعد ذلك أن للكون سببا (فهو شيء ولا بدّ له من سبب بناء على المقدمة) ويعلن أنّ الله هو سبب الكون، إلى الآن لا أرى أيّ خرق في المقدمة وبالتالي أتوقع (أنا الملحد أو اللاادري) أن لله سببا لذلك أبادر مباشرة بسؤال المتدين "ما سبب الله؟" أو بالصيغة الأكثر شهرة "من خلق الله؟"، مهما اختلفت صيغة السؤال لا يتغير من أين أتى الله؟، وهنا يفاجئك المؤمن بالإجابة ويقول بأنّ الله لا سبب له؟!!!؛ ألم تقل أنّ لكل شيء سببا، إذن هذا الله يحتاج هو الآخر إلى سبب وأنت بذلك تخرق المقدمة التي بنيت عليها استدلالك، إلا إذا لم يكن الله شيئا، لكن في هذه الحالة سيكون الله لا شيء، وبالتالي لا يمكن أن يكون سببا للكون (أو للوجود المادي بشكل عام)، إذ لا يمكن أن يكون اللا شيء سببا لشيء. الخلاصة أن المؤمن إمّا أن يخرق المقدمة التي بُني عليها الاستدلال أو ينفي وجود ما يريد أن يثبت وجوده دون أن يدرك ذلك.

لكن يا ترى لماذا لا يدرك المؤمن أنه ناقض المقدمة ويصرّ على أنّ استدلاله محكم ومفحم ولا يمكن الردّ عليه؟؛ أعتقد أن ذلك يرجع إلى حكم مسبق، فالمقدمة التي طرحها ليست عامة وهو نفسه يقرّ بذلك ضمنا ولنضع المقدمة بصورة واضحة، كما يتخيلها المؤمن، ستكون أن لكلّ شيء سببا عدا شيء واحد فقط، والمؤمن يفترض ضمنا أن هذا الشيء الواحد هو إلهه، لذا كان ردّه على سؤال "ما سبب الله؟" بأن ليس لله سبب؛ لكني أقول إن هذا مصادرة على المطلوب أي وضع النتائج في المقدمات، ومن الممكن أن أثبت بنفس الطريقة أن الوجود المادي لا سبب له، وبهذا يصبح نفس الدليل الذي يستخدمه المؤمنون يمكن أن يستخدمه الملحدون وهذا ما فعله ايمانويل كانط تحديدا.

 
بعض المؤمنين يقومون بقفزة بهلوانية بعيدة تماما عن التسلسل الذي بني عليه الاستدلال إذ يسألك فجأة "ماذا قبل الثلاثة"؟ طبعا اثنان. و"ماذا قبل الاثنين"؟ طبعا واحد. و"ماذا قبل الواحد"؟ طبعا صفر. وسواء أجبت بالإجابة الأخيرة أم لم تجب يقول لك بأنّ الواحد ليس قبله شيء والله هو ذلك الواحد الذي ليس قبله شيء؟!!!؛ مهلا يا هذا ما هذه القفزة البهلوانية؟ أنت هنا تضع مقدمة أخرى لم نتفق عليها بعد وفي نفس الوقت ترتكب نفس الخطأ الذي ارتكبته مسبقا أي وضع النتائج في المقدمات، سأسلّم بأنّ الواحد ليس قبله شيء، لكني لا أسلّم بأنّ الله هو ذلك الواحد فبالنسبة لي الوجود المادي هو الواحد الذي ليس قبله شيء وبالتالي أنفي وجود إلهك بنفس الدليل الذي طرحته لكن باختلاف الحكم المسبق.
سأكتفي بهذا القدر، في المرة القادمة سأناقش صورة أخرى لهذا الدليل ربما تكون أكثر تماسكا لكنها هي الأخرى تعاني نفس المشكلة.

 

كل متغير حادث ولكل حادث مٌحدث، هذه إحدى صور الدليل الكوزمولوجي وتبدو للوهلة الأولى أكثر تماسكا من الصورة التي ناقشتها في المقال السابق؛ ذكرت في المقال السابق أن مشكلة الإثبات "لكل شيء سبب" هي أنه ينطبق أيضا على الله وبالتالي يثير السؤال عن سبب وجود الله، ذلك أن الإثبات لم يقم باستثناء الله صراحة (طبعا الاستثناء يحتاج إلى مبرّر قويّ)، وسبب التماسك الظاهري للدليل الحالي (كل متغير حادث…) هو في كونه يحاول استثناء الله صراحة في المقدمات.
يستمر الإثبات بملاحظة أن الكون متغير، لذلك فهو حادث ويحتاج إلى محدث وهو الله، في هذه الحالة عند السؤال عن سبب وجود الله تكون الإجابة بأن الله ليس بمتغير وبالتالي ليس بحادث ولا يحتاج إلى محدث؛ لكن هناك ثغرة في هذا الإثبات ذلك أن المُحدث يعتريه تغير لحظة تسببه في الحادث، فمثلا لو تذكرنا مثال البيت في المقال السابق سنجد أننا نجزم أن من بنى البيت اعتراه تغير لحظة البناء. بكلمات أخرى نقول إذا لم يعتره تغيّر لما بنى البيت من الأساس، بالمثل لو لم يعتر الله تغير لما خلق الكون (أو الوجود المادي)؛ خلاصة ما سبق أن من المستحيل استثناء من قام بالفعل من الخضوع لنفس القاعدة أي أن الله كذلك متغير (لأنه قام بفعل الإحداث) وبذلك يكون هو الآخر حادثا ويحتاج إلى محدث، هذا يعني أن استثناء الله لم يتم بسبب القاعدة إنما بدافع حكم مسبق أي مصادرة على المطلوب.
مرة أخرى هذا الإثبات إمّا أن يؤدي إلى تسلسل لا نهائي وإما أن يتوقف الإثبات عند نقطة معينة بدافع دغمائي بحت، وبهذا أكون قد فنّدت هذا الاستدلال دون أن اضطر إلى محاكمة المقدمات نفسها.
 

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

kairouan - souidi refka
2 شباط (فبراير) 17:18

سيدي، يا من لا تدري ان كنت ملحدا ام لا، اعلم ان عظمة الله لا يمكن للعقل البشري استعابها مهما بلغت درجة ذكائه لذلك فالمؤمن "الذكي" يعلم جيدا حدوده في المعرفة اما تلك النظريات التي يستدل بها فواضعها انسان عقله بشري ككل البشر و بذلك فإن درجة الصواب فيها نسبية يبقى الجدال فيها محدودا فلا يمكن لنا الإستدلال بها لإثبات وجود الخالق أوعدم وجوده على خلاف الدلائل العلمية التي تتركز على الدلائل و الحجج التطبيقية لا النظرية لذلك انا ادعوك ان لا تسدل بنظريات الفلاسفة وابحث عن ادلة تطبيقية لا تقبل الجدال فيها حتى و ان إستدل بها المتدين فكما رأيت الجدال يبقى فيها مفتوحا. انا شخصيا ابهرني الإعجاز العلمي في القرآن الذي لا يمكن ان يخبر به بشر "ان هو إلا وحي يوحى" و قائله"لا ينطق عن الهوى"


الرد على التعليق

  • عمان - سالم الناصر
    5 شباط (فبراير) 21:15

    سيدي كيف علمت ان عظمة الله لا يمكن للعقل البشري استيعابها ؟ هل قال لك الله ذلك ؟ ام اختبرته بنفسك ؟


    الرد على التعليق

basra - الحسن البصري
6 شباط (فبراير) 10:33

يوما سألت جدي ,الشديد التدين ,بانه يخطر في بالي الكثير من الاسألة والتي لاأرى فيها منكم اي جواب ومنها كيف انبثق الله وكيف استولى على العرش وعرش من كان قبله ؟ وكيف خلق الله ؟ وكيف استولى على الكون ومن كان قبله ؟ أجابني بأنه تنتابه وتتردد عليه تلك الاسألة منذ كان شابا يافعا مثلي وعليه أغلق أسالتك ولا تسأل نفسك وتدخلها في المزالق الشيطانية يابني .وتعوذ من الشيطان الذي يوسوس فيك ..!!!ولعدم كفاية الادلة على الخلق والخالق لذلك أغلقت الباب عليه وهزمته في نفسي حتى أرتحت ومنذ خمسون عاما . شكرا للاستاذ رائد مع التحيات .


الرد على التعليق

Tunis - Ben amor sadok
8 شباط (فبراير) 17:27

approche intéressante qui prouve que la croyance a besoin justement d’un brin de croyance.Tout le monde croit a l’existence de l’homme,croire a dieu a besoin d’un petit plus qui n’est pas rationnel,et que al ghazali a nomme de lumieur dans le cœur..Autrement il n’y aurait pas de doute de nihiliste ou d’athees.


الرد على التعليق

ستوكهولم - سيمون جرجي
10 شباط (فبراير) 00:53

الدّليل الكوزمولوجيّ لا يقول شيئًا عن الوجود أيضًا! والأسئلة التي وُجّهت إلى المؤمن تُوجّه إلى الملحد فلا يملك لها جوابًا! كلاهما لا يستطيعان الإجابة على مثل هذا السّؤال: فلا المؤمن يمكنه أن يقدّم لك شيئًا عن علّة الله، ولا الملحد يُمكنه أن يقدّم لك شيئًا عن علّة الوجود. إذا كان الملحد يؤمن بالوجود المادّي فقط، فالمؤمن يعتقد أنّ هذا الوجود يُقابل الله، وبهذا تنتفي الأدلّة على نفي كليهما.


الرد على التعليق

- علي
10 آذار (مارس) 21:17

اولا شكري موصولا لك على هذا المقال الذي كشفت فيه مشكلة قديمةوجديدة في نفس الان ثغرة تركتها الدكارتية و حاولت الفلسفة الكانطية جاهدة اجاد حل لها دون جدوى,نظرا لان الامر يتعلق بمجال يخاطب القلب و ليس العقل لكن من جهتنا نقول سحقا ثلاث مرات للعقليات الدوغمائية والمتحجرة التي ترفض البحث في في هذه الامور الجوهرية و التي بها يمكن تاسيس ثقافة دينية قائمة على العقل وليس على التمائم والبخور والتعاويذ,


الرد على التعليق


Paul Delvaux (بلجيكا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter