الجمعة 1 آب (أغسطس) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > مقالات > الدين و الدولة لدى فلاسفة العقد الاجتماعي

الدين و الدولة لدى فلاسفة العقد الاجتماعي

الثلاثاء 20 أيار (مايو) 2008

شارك اصدقاءك هذا المقال



يطرح فلاسفة العقد الاجتماعي سؤالين حاسمين ومتكاملين بخصوص الدين: سؤال الأصل وسؤال المنزلة. يحيل السؤال الأوَل على حالة الطبيعة بما هو سؤال أنثربولوجي ويحيل الثاني على الحالة المدنية بما هو السؤال السياسي بامتياز. وللإجابة عن كل من السؤالين فإنّ هؤلاء الفلاسفة (هوبس، سبينوزا، لوك غروسيوس...وصولا إلى جون جاك روسو الذي اتخذت معه النظرية التعاقدية شكلها النهائي) يستندون من جهة إلى مكتسبات العلوم الفيزيائية ويجددون من جهة ثانية القول في السياسي مقارنة بالفلسفتين القديمة والوسيطة لا سيما فيما يخص علاقة العملي بالنظري.
 
تقوم الأطروحة التعاقدية على القول بأن أصل المجتمع والدولة معا هو ضرب من الاتَفاق أو التعاهد الضمني الذي من خلاله يغادر الأفراد حال التبعثر والصراع التي تميَز وجودهم الطبيعي متنازلين عن الحريات اللامحدودة التي كانوا يتمتَعون بها في سبيل ضمان حريات وحقوق نسبية ولكن أكثر ثباتا لأنها قائمة على العقل والاقتناع المشترك. فالعقد هو تحديدا الفعل الذي من خلاله ينتقل الإنسان من حالة الطبيعة المحكومة بقانون “الرغبة في التوفير الدائم للرغبة المقبلة”(هوبز، التنين) إلى الحالة المدنية التي تقوم على التنسيق بين الحريات الخاصة والقوى الخاصة من أجل كف كل النزعات التسلَطية في الداخل ومن أجل التحصَن ضد كل الاعتداءات الخارجية المحتملة. يقطع هذا التصوَر جذريا إذن مع الرؤية الوسيطية للإنسان وللسياسة معا. فهو يضرب في العمق فكرة الدولة الدينية ومقولة الحق الإلهي التي تستند إليها. إنه استبعاد للديني من الحقل الاجتماعي والسياسي لا يقل خطورة عن استبعاد من المجال الطبيعي كان قد أنجزه العلم الفيزيائي الحديث. 

النموذج العلمي في الفلسفة السياسية

لا شك أن بوادر العلمانية قد ظهرت أوَلا في المجال العلمي الفيزيائي وتحديدا مع غاليلي. فالكنيسة كانت تحاكم العلم الكوبرنيكي وبالتحديد فكرة دوران الأرض حول الشمس انطلاقا من مرجعية لاهوتية تضع النص الديني خصما وقاضيا إزاء الخطاب العلمي. فالمبدأ المؤسَس للعلم الفيزيائي عند غاليلي هو: “الطبيعة مكتوبة بحروف رياضية” وهو يستبعد منذ البدء كل إمكان لأي تفسير لاهوتي للظواهر الطبيعية وعلاقاتها وقوانينها. بمعنى آخر لم تعد ظواهر الطبيعة (كما كان شأنها في الفلسفة الوسيطة التي كانت خليطا من العلم الأرسطي ومن الرؤى اللاهوتية) آيات ربانية تنطق بحكمة الخالق وقدرته اللامحدودة، بل هي مجرَد أجسام تحكمها جملة من القوانين والمبادئ التي يمكن صياغتها ضمن نسق رياضي تحكمه الضرورة ويميَزه التناسق الداخلي.
 
هذا النموذج العلمي الجديد الذي شكل ما يعرف بالثورة الكوبرنيكية نجد له حضورا في نصوص التعاقديين وخصوصا في بعدها الأنثربولوجي. والأمر بيَن خصوصا لدى كل من هوبس وسبينوزا الذين استفادا من فيزياء عصرهما. فالجزء النظري من كتاب التنين يقوم على فهم ميكانيكي للوجودين الطبيعي والإنساني في الآن ذاته. فالقاعدة النظرية لفهم كل ظاهرة هي بالنسبة لهوبس المادة والحركة. وهو ما يجعل علم السياسة (تخصيصا أو تخصَصا) راجعا بالنظر إلى الميكانيكا التي هي علم الطبيعة على نحو عام. أمَا سبينوزا فإنه يؤسَس رؤيته السياسية على نظرية الانفعالات (خصوصا في رسالة في السياسة) وهي المرادف المنهجي لكلمة الميتافيزيقا كما يقول أنطونيو نغري في مؤلفه الضخم الهجانة الوحشية. فالسياسة عند سبينوزا هي أقرب إلى العلوم النظرية منه إلى التطبيق.

 
ولعل أبرز مثال على حضور هذا النموذج العلمي هو التفسير الهوبسي لأصل الدين انطلاقا من تصور مادي صرف للظواهر الإنسانية بمختلف أنواعها: الإحساس هو الأصل في كل شيء، عبر الإحساس يأتي التخيل ثم تتكوَن اللغة ويقع الارتباط بين نظام الأفكار ونظام الكلمات ومنه يأتي ما نسميه العقل “الذي هو بالتالي ظاهرة مادية بحتة”. فالدين متأت من الخوف الذي هو الانفعال الأصلي لدى الإنسان. الخوف من الطبيعة التي لا يدرك في البداية قوانينها وكيفية اشتغالها. يتابع الإنسان حركة الأجسام ويربط الأثر بالعلة حتى يصل إلى أثر لا يستطيع إدراك علَته فيتخيَل كائنا لامادَيا (إلها) يتصوَره لا متحرَكا (وهو في رأي هوبس ضرب من الخلف إذ لا يتحرَك المتحرَك إلاَ بمتحرَك، ومن هنا جاء زيف فكرة الخلق من عدم) وغير جسماني.

يعدَد هوبس بذور التديَن الأربع: الاعتقاد في وجود الأرواح، عدم معرفة العلل الثواني، التقرَب إلى ما نخشاه، وأخيرا التشخيص أو التأليه. هذا هو الدين الطبيعي أو الإيمان الذي هو من كسور انفعال الخوف والذي يستغلَه بعض الناس الذين يتسلَطون على الآخرين بتطويع هذه البذور وإنمائها في النفوس للإمساك بناصية الغيب وادعاء ضرب من الاتَصال بالأرواح والملائكة لضمان الانقياد الأعمى لدى من يريدون الهيمنة عليهم. غير بعيد عن هذا المعنى يفصل سبينوزا على نحو مبدئي بين العقل الذي ينبني على الفهم والنقد والمناقشة وبين الإيمان الذي يقوم على التسليم والانقياد. ففي الفصول الأولى من رسالة في اللاهوت والسياسة يقيم سبينوزا حدا فاصلا بين الفلسفة (مجال العقل) واللاهوت (مجال الإيمان) وهي القاعدة النظرية التي سيتأسَس عليها الفصل الجذري بين الدين والسياسة. إذا كان قانون العطالة في المجال الفيزيائي هو: “يواصل الجسم حال الحركة أو السكون التي هو عليها طالما لم يجبره جسم آخر على تغييرها”، فإنه يمكن صياغته أنثربولوجيا على النحو التالي: “يواصل كل إنسان ممارسة قوَته لتلبية رغباته طالما لم تعترضه قوَة مقابلة له”. بمعنى آخر تتوقَف حرية الإنسان حيث تنتهي قوَته في نظر هوبس. من خلال هذا كلَه يبدو أنه لا دور مطلقا للدين في حالة الطبيعة حسب فلاسفة العقد الاجتماعي.

من الحق الإلهي إلى الاتََفاق البشري

ألّا يكون للدين دور في حالة الطبيعة، فهذا واضح من خلال مختلف نصوص التعاقديين. فالقانون الأوحد في هذه الحالة هو الحرية الكاملة التي لا تحدَها سوى القوَة. هل للدين إذن دور في الحالة المدنية؟ يؤكَد روسو في الفصل الأخير من الجزء الرابع من العقد الاجتماعي أنه لا دور للدين في الحالة المدنية. فالأفراد ينضمَون بعضهم إلى بعض لا تلبية لأوامر إلهية وإنما انطلاقا من حاجتهم المشتركة إلى الحماية والأمن الذين لا يمكن توفيرهما إلا ضمن المجتمع. ومن أجل حماية الأفراد بعضهم من بعض لابدَ من عقد ثان بين المجتمع وبين جهاز سياسي (الدولة) يتكفل بتلك الوظيفة ويرعى بالتالي حقوق الأفراد ومصالحهم المشتركة. بقطع النظر إذن عن التمايز بين أنواع الحكم (الملكية والأرستقراطية والديمقراطية) فإنّ الاتَفاق بين فلاسفة العقد الاجتماعي على ضرورة الدولة في حد ذاتها أمر مؤكَد.
 
يستقرئ سبينوزا منزلة الدين الاجتماعية والسياسية من خلال قراءة لائكية تاريخية للنصوص المقدسة نفسها عبر فهمها من خلال تاريخ دولة بني إسرائيل ثم من خلال تاريخ الكنيسة ليبيَن في النهاية أن الطغيان الذي يمارسه رجال الدين ليست له في الحقيقة أية مشروعية دينية. فالدين مسألة تتوجَه إلى القلب أو العاطفة في حين أن الحكم والسياسة مرتبطان بالعقل وبموازين القوى لا غير. فالفصل بين الدين والفلسفة يتبعه فصل آخر بين التديَن والمواطنة. فالنظم التيوقراطية مرفوضة جوهريا لأنها تخلط بين التدين والمواطنة أو بين المتديَن والمواطن. لذلك يؤكَد سبينوزا “من اليقيني بالنسبة إلينا أن اللاهوت لا ينبغي أن يطوَع لخدمة العقل ولا العقل لخدمة اللاهوت”. في نفس السياق يقول هوبس “الإيمان شأن داخلي صرف أي أنه لامرئي وممتنع بالتالي عن كل تشريع أو مراقبة”.
أما على مستوى المؤسسات فيرفض التعاقديون أن تكون هناك سلطتان واحدة للدين والأخرى للدنيا إذ أنهم يدركون أن الأولى ستهيمن على الثانية وتضمَها إليها لتركيز حكم تيوقراطي مستبد. فالدين كما ذكرنا يتأتى من انفعال الخوف وهو بالتالي ذو سطوة أكبر على نفوس الأفراد. لذلك فإن الوحيد الذي يملك حق تقنين بعض أوامر الدين (التي لها تأثير على الوجود الاجتماعي للأفراد) هو الحاكم. وهذا الأخير لا يملك هذا الحق بفعل تفويض إلهي أو مباركة من رجال الدين بل على قاعدة العقد الذي يربطه بأفراد المجتمع الذين فوَضوه لرعاية مصالحهم.

ويجرَد كل من هوبس وسبينوزا وروسَو الدين من كافة المضامين التي لا تتلاءم مع تصوَراتهم للدولة لإحالته إلى مجرَد قواعد أو فضائل سلوكية عامة ف“الدين المدني” حسب تعبير روسَو مختزل في الإحسان والعدل. أما سبينوزا فيِؤكَد أن حكم الله يطبَق حين يكون للعدل والإحسان إلزامية قانونية. والحكومة هي الوحيدة المؤهَلة للتصرَف في ميدان المقدسات “فالطاعة الحقيقية للَه تتمثل في ملاءمة العبادة لسلامة وأمن المجموعة السياسية”. فذلك هو السبيل الأوحد لتكريس التسامح باعتباره القاعدة الأساسية للتواجد المشترك بقطع النظر عن العقيدة التي يعتنقها كل فرد أو فئة اجتماعية. وهذا ما يؤكَده بقوَة جون لوك في رسالة في التسامح. فالتعصَب الديني يؤدي ضرورة إلى التعصب الاجتماعي، إذ لا يمكن أن نتعايش في أمن وسلام مع من نعتقد أنهم هالكون ملاعين. وبالتالي فإن من يتَبع العقائد الإيجابية وينبذ السلبية يجب السماح له بممارسة شعائره الدينية بكل حرية أما المتعصبون فلا تسامح معهم. فالتعصب يقود إلى الحروب الأهلية والخارجية (الحروب الصليبية مثلا) أي يشرَع الغزو واغتصاب الأوطان والحقوق بالسم الدعوة والهداية. إنها حروب ذات أغراض دنيوية بحتة يقع تبريرها عبر إعطائها ضربا من القداسة.

خاتمة

لقد استطاعت نظريات العقد الاجتماعي رغم نقائصها الكثيرة (تأسيس السياسة على فرضية تخيلية، عدم العودة إلى التاريخ الفعلي للمجتمعات، إبقائها على نوع من التداخل بين المجالين الديني والسياسي) أن تقوَض أطروحة الدولة القائمة على الحق الإلهي وأن تؤسَس السياسي والاجتماعي معا على حاجات الأفراد ومصالحهم وتطلَعاتهم. بصورة أخرى توصَلت هذه النظريات إلى أن ترسي فكرة العلمانية باعتبارها الشرط التأسيسي للديمقراطية ،والحفاظ لكل من الدين والدولة على مجاليهما المخصوصين (مجال الذوات والقيم الأخلاقية العامة أو الفضائل بالنسبة للأوَل ومجال التشريعات والمؤسسات الاجتماعية والسياسية بالنسبة للثانية). لذلك لا نستغرب التحليل الذي يرى في أطروحات التعاقدية من بين ما هيَأ فعليا للثورة البرجوازية الكبرى في فرنسا، ثورة 1789. وكيف لا يكون روسو منظرا فعليا للثورة الفرنسية ولقاعدتها العلمانية وهو القائل في نهاية العقد الاجتماعي: “من المهم بالنسبة للنظام أن يكون لكل مواطن دين يحثه على الإخلاص لواجباته. لكن عقائد هذا الدين لا تهم النظام ولا أفراده إلا بقدر ما تتصل بالأخلاق والواجبات التي لكل فرد تجاه الآخرين...ما يهمّ الجهاز السياسي ليس أن يكون الإنسان حسن التدين بل حسن المواطنة، إذ لا سلطة ولا قدرة ولا فائدة من معرفة مصائر الذوات في اليوم الآخر لأن ذلك كامن في دواخل تلك الذوات نفسها”. 


شارك اصدقاءك هذا المقال

هل نجني ثمار فشل (...)

أحكمت الأنظمة العربيّة غلق القماقم العتيقة، وبمجرّد تزعزع بعضها أو تلاشيها، غير مأسوف عليها، انطلقت عفاريت الهويّة والطّائفيّة والشّريعة والعقيدة وفتحت أمامنا مسرحا قياميّا شبيها برقصة أشباح الماضي مع الأحياء. كلّ هذا الرّعب الذي نراه يتمّ باسم الإسلام، رغم كلّ الحسابات والرّهانات الجيوستراتيجية، ورغم الدّور التّخريبيّ الذي لعبته بعض الدّول، ورغم تعدّد أطراف اللّعبة في كلّ بلد فتح فيه جحيم هذا الحفل (...)
الفيسبوك
تويتر