الأربعاء 23 نيسان (أبريل) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > مقالات > السياسة فنّ الإقناع

السياسة فنّ الإقناع

الأحد 14 حزيران (يونيو) 2009

بقلم:

سعيد ناشيد  

شارك اصدقاءك هذا المقال



اَلخطابُ القادرُ على إقناع النّاس، خطابٌ لا يحتاج إلى شحذ السّيف وتأجيج العنف، لا يحتاج إلى الاستعانة بالعمامة أو القلنسوة، ولا بأزلام خنوع الناس وأنصاب خضوعهم، إنّما هو خطابٌ يراهن على ذكاء الإنسان ويرتهن له، ويعوّل على الحجّة والبرهان وليس على الطاعة والإذعان.

الخطاب القادر على الإقناع والقابل للاقتناع، لا يحتاج إلى الدعاية والتّحريض، ولا إلى الغواية والتمجيد أو الإثارة والتصعيد، لا يحتاج إلى مكبّرات الصوت أو كاتماته، ولا إلى ميلشيات الموت أو كتائبها، لا يحتاج إلى التهييج والهيجان، ولا إلى السجن والسجّان، وفوق هذا وذاك فهو خطابٌ، لا يغضب حامله كلّما أعجزه الإقناع وانفضّ من حوله الأتباع، إنّه خطاب يحتاج فقط إلى النقاش الهادئ، ويحترم العقل الحرّ وحرية الضمير، ويوقن بأنّ الحقيقة في السياسة لا يأتي بها البعض ليحمل عليها الآخرين، وإنّما هي ثمرة نقاش عموميّ وتوافق عقلانيّ.

الخطاب القادر على الإقناع لا يراهن على الإساءة والتخويف، ولا على التّرغيب والترهيب، لذلك فإنّ حاجة السياسة إلى العقل والعقلانية، هي من باب حاجتها إلى مُواطنين يتحكّمون في مشاعرهم البدائية ويحتكمون للعقل وللنفس العاقلة، من أجل تحقيق السلم المدنيّ والتوافق العقلانيّ والتدبير الجماعيّ للزّمن وللزّمان.

إنّ مُسلّمات أوقليدس، وهي حقائق علمية قائمة على التوافق والاتّفاق، انتشرت في العالم كافّة بكلّ اليسر والمرونة، ولم تنتشر بالعنف والرعونة، انتشرت حين راهنت على الاتفاق الحرّ لعقول حرّة ولبشر أحرار. ومع ذلك فبوسعنا السؤال، هل فرضيات هيكل سليمان وعُذرية مريم وخلود النفس بعد زوال الأبدان، تمتلك وسائل الإقناع من دون حاجة إلى إثارة مشاعر الخوف والرّغبة، والوعد والوعيد، والثواب والعقاب...؟ هل يملك رجال الدين القدرة على إقناع الناس من دون أن يشحنوهم بمشاعر الخوف والرّهبة والغيرة والانتقام؟

ليست الحُجج الدينية، في الحقل السياسيّ، سوى الحُجج التي يستنجد بها من لا حُجّة له، والدّليل الذي يشهره كلّ من يعوزه الدّليل، إنّها ليست، في آخر التحليل، أكثر من بيان بلا بُرهان وسجال بلا رهان، لذلك فحين يستعين خطاب السلطة، خطاب الدّولة، وخطاب المجتمع المدني والسياسة، بالحجج الدينية، فإنّ السلطة، الدّولة أو المجتمع المدنيّ، تبرهن من خلال ذلك على شيء واحد: أنّها لا تملك القدرة على الإقناع، وأنها عاجزة على الاستدلال، وحين تعجز عن ذلك، فإنها تفتح الباب على مصراعيه، أمام تضارب الأدلة وفتنة المذاهب والتأويلات التي لا نصيب لها من البرهان المقنع، سوى إثارة الفوران العاطفي والهيجان الانفعالي، والذي قد ينفع أحياناً في بناء المقاومة لكنه لا ينفع أبداً في بناء الدّولة.

إذا كانت السياسة هي قدرة الناس على أن يعيشوا مع بعضهم البعض، ويشتركوا في نفس الفضاء العموميّ من غير جدران للفصل أو غيتوهات تدفع الطوائف للتعايش من غير أن تقنعها بالاندماج، فلعلّ ما يُميز السياسة، أنّها أيضاً، ذلك الخطاب الذي يقنع ويقتنع، يدلّ ويستدلّ، لكونه خطابا يتوجّه إلى النفس العاقلة من كلّ إنسان. أليس هذا بالذات ما فهمه وقصده أبو الفلسفة السياسية، أفلاطون، حين أوكل ممارسة السياسة للنفس العاقلة؟

أمّا الخطاب الذي يعوّل على المتخيّل، والمشاعر، والانفعالات والعواطف، فإنّه، سواء فعل ذلك بدعوى الحاجة إلى استقطاب الناس باللغة التي يفهمها الناس، أو تحت طائلة مخاطبة العوامّ بلغة العوامّ، فإنّه خطابٌ ينتهي إلى اغتيال السياسة وتبديد نبلها ومُمكناتها.

السياسة هي فنّ الإقناع والاقتناع، إنّها تمرين وتمرّن دائمان على التحكّم في الغرائز البدائية وتدبير العيش المشترك، إنّها فنّ التوافق العقلانيّ حول المنفعة العامّة، بما يعنيه ذلك من قدرة الناس على التحرّر الدّائم من أيّ تمركز حول الذات، حول الذات الطائفية، حول الذات العشائرية، حول الذات المناطقية، وحول الذات الدينية، إنها التحرّر المتواصل من كلّ انتماء أو ولاء أو إيمان بحقيقة مقدّسة أو مطلقة أو متعالية، إنّها فنّ الإقناع بما يمكن أن يكون، والتوافق حول ما يجب أن يكون، في كلّ لحظة جديدة، في كلذ مرحلة جديدة، وفي كلّ يوم جديد.. وفي ذلك يكمن نبل السياسة رغم جحود الجاحدين.


شارك اصدقاءك هذا المقال

لا تنسوا هنريات

كلمة الافتتاح التي ألقتها الأستاذة رجاء بن سلامة في النّدوة الفكريّة التي نظمتها جمعية الأوان يوم السبت 5 أفريل 2014، تكريما للأستاذ طرابيشي ببيت الحكمة (المجمع التونسي )، بقرطاج. سيّدي رئيس جامعة منوبة، حضرات الضّيفات والضّيوف، أساتذتي الأعزّائي، سيّداتي سادتي، شكرا لحضوركم، وقبولكم دعوتنا إلى الاحتفاء بأحد المفكّرين الملتزمين بالتّنوير في العالم العربيّ. ستكون مساهمة الأستاذ جورج طرابيشي في الترجمة (...)
الفيسبوك
تويتر