الخميس 17 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > مقالات > السياسة فنّ الإقناع

السياسة فنّ الإقناع

الاحد 14 حزيران (يونيو) 2009
بقلم: سعيد ناشيد  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

اَلخطابُ القادرُ على إقناع النّاس، خطابٌ لا يحتاج إلى شحذ السّيف وتأجيج العنف، لا يحتاج إلى الاستعانة بالعمامة أو القلنسوة، ولا بأزلام خنوع الناس وأنصاب خضوعهم، إنّما هو خطابٌ يراهن على ذكاء الإنسان ويرتهن له، ويعوّل على الحجّة والبرهان وليس على الطاعة والإذعان.

الخطاب القادر على الإقناع والقابل للاقتناع، لا يحتاج إلى الدعاية والتّحريض، ولا إلى الغواية والتمجيد أو الإثارة والتصعيد، لا يحتاج إلى مكبّرات الصوت أو كاتماته، ولا إلى ميلشيات الموت أو كتائبها، لا يحتاج إلى التهييج والهيجان، ولا إلى السجن والسجّان، وفوق هذا وذاك فهو خطابٌ، لا يغضب حامله كلّما أعجزه الإقناع وانفضّ من حوله الأتباع، إنّه خطاب يحتاج فقط إلى النقاش الهادئ، ويحترم العقل الحرّ وحرية الضمير، ويوقن بأنّ الحقيقة في السياسة لا يأتي بها البعض ليحمل عليها الآخرين، وإنّما هي ثمرة نقاش عموميّ وتوافق عقلانيّ.

الخطاب القادر على الإقناع لا يراهن على الإساءة والتخويف، ولا على التّرغيب والترهيب، لذلك فإنّ حاجة السياسة إلى العقل والعقلانية، هي من باب حاجتها إلى مُواطنين يتحكّمون في مشاعرهم البدائية ويحتكمون للعقل وللنفس العاقلة، من أجل تحقيق السلم المدنيّ والتوافق العقلانيّ والتدبير الجماعيّ للزّمن وللزّمان.

إنّ مُسلّمات أوقليدس، وهي حقائق علمية قائمة على التوافق والاتّفاق، انتشرت في العالم كافّة بكلّ اليسر والمرونة، ولم تنتشر بالعنف والرعونة، انتشرت حين راهنت على الاتفاق الحرّ لعقول حرّة ولبشر أحرار. ومع ذلك فبوسعنا السؤال، هل فرضيات هيكل سليمان وعُذرية مريم وخلود النفس بعد زوال الأبدان، تمتلك وسائل الإقناع من دون حاجة إلى إثارة مشاعر الخوف والرّغبة، والوعد والوعيد، والثواب والعقاب…؟ هل يملك رجال الدين القدرة على إقناع الناس من دون أن يشحنوهم بمشاعر الخوف والرّهبة والغيرة والانتقام؟

ليست الحُجج الدينية، في الحقل السياسيّ، سوى الحُجج التي يستنجد بها من لا حُجّة له، والدّليل الذي يشهره كلّ من يعوزه الدّليل، إنّها ليست، في آخر التحليل، أكثر من بيان بلا بُرهان وسجال بلا رهان، لذلك فحين يستعين خطاب السلطة، خطاب الدّولة، وخطاب المجتمع المدني والسياسة، بالحجج الدينية، فإنّ السلطة، الدّولة أو المجتمع المدنيّ، تبرهن من خلال ذلك على شيء واحد: أنّها لا تملك القدرة على الإقناع، وأنها عاجزة على الاستدلال، وحين تعجز عن ذلك، فإنها تفتح الباب على مصراعيه، أمام تضارب الأدلة وفتنة المذاهب والتأويلات التي لا نصيب لها من البرهان المقنع، سوى إثارة الفوران العاطفي والهيجان الانفعالي، والذي قد ينفع أحياناً في بناء المقاومة لكنه لا ينفع أبداً في بناء الدّولة.

إذا كانت السياسة هي قدرة الناس على أن يعيشوا مع بعضهم البعض، ويشتركوا في نفس الفضاء العموميّ من غير جدران للفصل أو غيتوهات تدفع الطوائف للتعايش من غير أن تقنعها بالاندماج، فلعلّ ما يُميز السياسة، أنّها أيضاً، ذلك الخطاب الذي يقنع ويقتنع، يدلّ ويستدلّ، لكونه خطابا يتوجّه إلى النفس العاقلة من كلّ إنسان. أليس هذا بالذات ما فهمه وقصده أبو الفلسفة السياسية، أفلاطون، حين أوكل ممارسة السياسة للنفس العاقلة؟

أمّا الخطاب الذي يعوّل على المتخيّل، والمشاعر، والانفعالات والعواطف، فإنّه، سواء فعل ذلك بدعوى الحاجة إلى استقطاب الناس باللغة التي يفهمها الناس، أو تحت طائلة مخاطبة العوامّ بلغة العوامّ، فإنّه خطابٌ ينتهي إلى اغتيال السياسة وتبديد نبلها ومُمكناتها.

السياسة هي فنّ الإقناع والاقتناع، إنّها تمرين وتمرّن دائمان على التحكّم في الغرائز البدائية وتدبير العيش المشترك، إنّها فنّ التوافق العقلانيّ حول المنفعة العامّة، بما يعنيه ذلك من قدرة الناس على التحرّر الدّائم من أيّ تمركز حول الذات، حول الذات الطائفية، حول الذات العشائرية، حول الذات المناطقية، وحول الذات الدينية، إنها التحرّر المتواصل من كلّ انتماء أو ولاء أو إيمان بحقيقة مقدّسة أو مطلقة أو متعالية، إنّها فنّ الإقناع بما يمكن أن يكون، والتوافق حول ما يجب أن يكون، في كلّ لحظة جديدة، في كلذ مرحلة جديدة، وفي كلّ يوم جديد.. وفي ذلك يكمن نبل السياسة رغم جحود الجاحدين.

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

- سوسن
14 حزيران (يونيو) 2009 10:49

ليس هناك ما هو أبسط من هذه الحكمة وأن الخطاب أو الخاطب القادر على الإقناع يحصن كل من نفسه والناس( فن الاقناع! ؟ )، المساواة تحمي دائما الخاطب وكذلك الفرد، أليس ذلك بديهي؟ لاأفهم لماذا يفضل شحذ السيف والارهاب.


الرد على التعليق

تونس - أبو الهدى
15 حزيران (يونيو) 2009 10:33

أجد في المقالات المنشورة على موقع الأوان مادة مثيرة للفكر والتأمل والحوار ولا يعني هذا الرضى بما يقال ولا أتخيل أن يتوفر في قول من الأقوال ما يحوز على التأييد والقبول ولذلك أرى على سبيل المثال في هذا القول نزعة مثالية في النظر للخطاب السياسي وهي نظرة تتجاهل المتقبل كائنا ماكان موقعه وشخصيته .فكيف يمكن أن يتحقق التوافق العقلاني حول المنفعة العامة . وكيف نفسر الدعوة لصيانة حرية الانسان في المواثيق الدولية في العادات واللغة والمعتقد .الا يمكن أن نتساءل حول محدودية خطاب يدعي الحقائق المطلقة مهما كانت طبيعة هدا الخطاب علميا كان أو فلسفيا أم دينيا . الثابت أن كل شيء في تحول دائم لا يستقر على حال وتاريخ الأفكار في هذا المقام شاهد علي التبدل الدائو


الرد على التعليق

  • المغرب - سعيد ناشيد
    15 حزيران (يونيو) 2009 14:56

    لو كانت هناك حقائق مطلقة وثابتة لما احتجنا إلى التوافق، إن العقلانية التوافقية تقوم على أساس أن الحقائق إن كانت متغيرة، فإنها محصلة توافق بين إرادات ومصالح موضوعية ومتنوعة.إن التوافق ليس فكرة مثالية وإنما هو تعبير عن حاجة الناس كافة إلى المشاركة في تدبير المصير الإنساني المشترك. مع الود.


    الرد على التعليق

الرياض - مختار المختار
18 حزيران (يونيو) 2009 20:24

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اما قبل : فلا ادري ان كان الكاتب يجد في نفسه حقدا على نماذج معينة من الناس وهو يعلم جيدا ماذا اقصد ، ام ان كاتب المقال قد تحرر من دينه الذي يدين به الى هرطقات افلاطون . وهنا اتساءل كما تساءل هو : ماذا يقصد بالخطاب الشاحذ سيفه والمرتدي قلنسوته ؟ ثم إلى ماذا يرمي في مقاله ؟ هل يريدنا ان نتخلى عن ديننا من اجل السياسة ؟ هل يعتقد ان بمفهومه ومفهوم استاذه افلاطون ان يكون هناك تعايش توافقي في ظل الانهيارات الأخلاقية في دهاليز السياسة التي تديرها الماسونية , هل يعي الكاتب ما يقول عندما تجرأ على نبي الله سليمان وعلى مريم العذراء عليهما السلام وفضل فيلسوفا عليهما وهما المؤيدان من الله هل يعتقد انه قد حاز إعجاب الأمة ؟ لا أدري لماذا يخسر الناس دينهم ودنياهم بكلام هم أحوج الناس بالابتعاد عنه . أسأل الكاتب : ماذا استفادت روما ومن دار في فلكها من هرطقات المتفلسفين . قال الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم في معرض رده على أحد السائلين بما معناه (( وهل يكب الناس على وجوههم يوم القيامة الا حصائد ألسنتهم )) لنكن أكثر تمسكاً بديننا ننجح في صناعة الخطاب السيسي الرائد كن على ثقة انك تناور في نفق مظلم ، اسال الله لك الهداية


الرد على التعليق

  • المغرب - سعيد ناشيد
    19 حزيران (يونيو) 2009 15:03

    ليس خوفا من السيف الذي تشحذه واللسان الذي تسلطه، وإنما احتراما للانسان الذي تكتم أنفاسه داخل أغوار نفسك، سأجيبك باللغة التي قد تفهمها: حين تكون لنا أدمغة لا نفكر بها أو لا نحسن التفكير بها، فذاك يعني أننا جاحدون بإحدى أعظم نعم الله علينا، وقد قيل في الحديث، بأن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده. نعمة الله ليست سيفا يشهر وقبرا يحفر وكفنا ينشر، وإنما هي عقل سليم وعيش كريم. ويمكنك أن تحاول إظهار أثر ما أنعمه عليك من عقل، إن كان لذلك أثر عليك، من خلال محاولتك لأن تعيد قراءة النص ثانية والإجابة عن السؤال التالي: إن لم تكن السياسة هي فن الاقناع بالحجة والبرهان، وإن لم تكن هي القدرة على التوافق والعيش المشترك، فما عساها تكون السياسية إذن؟؟؟


    الرد على التعليق

  • maroc - ilham
    21 حزيران (يونيو) 2009 01:33

    قبل ان تكتب ردا على مقال فكري لمفكر نعتز به بقلمه وجراته .وسلامة افكاره المتنورة انصحك بقراءة جيدة للمقال .تم فهم وتحليل مضمون المقال .وتمهل قبل ان تحكم فالحكمة تنقصك وهذا واضح من خلال ردك الذ لم يخلو من وقاحة على صاحب المقال.انا مسلمة اعتز بدبني وبمحمد خير المرسلين .لكن لم اجد في المقال هذا الذي تتهم فيه صاحبه بالهرطقة بما وصفته . لكن اتحسر لان هناك في امة الاسلام من يسيؤون للاسلام بدعوى الدفاع عنه .من يحاولون اطفاء النور لاستغلال الظلام


    الرد على التعليق

اكادير - لحسن
21 حزيران (يونيو) 2009 01:21

(( ان حرية التفلسف لا تمثل خطرا على التقوى او على سلامة الدولة ، بل ان في القضاء عليها قضاء على سلامة الدولة وعلى التقوى في ان واحد .)) اسبينوزا نعم اخي سعيد، ان الواقعة الساسية هي المستوى الذي يتكثف فيه بامتياز الرقي الانساني والعبقرية الانسانية ، حيث استطاع هذا الكائن ان يتعالى على شرطه الفيزيولوجي والبيولوجي والسيكولوجي ويختع فنا هو بمثابة ثرياف لكل المعضلات والخلافات الناتجة عن الطبيعة الانسانية الا وهو فن السياسة : فالانسان ادرك فعلا بعقله انه يستحيل عليه العيش بمجرد غرائزه واهوائه الانانية ( الميزاجية ، الايديولوجية ، الطائفية ،الدينية …الخ ) بل عليه ان يقبل راضيا بتقاسم العيش مع الاخرين .وهذا هو السبيل الوحيد لتحقيق الخير والفضيلة . اشد بقوة على يديك


الرد على التعليق

  • - مازيغ- الهواري
    25 حزيران (يونيو) 2009 15:15

    من المعلوم البين أن اسبينوزاكان مفكرا منقطع النظير، حيث واجه الفكر الديني الأكثر انغلاقا واستطاع أن يقوض اسسه بطريقة عقلانية، فما أحوجنا إلى تفكير هذا الفيلسوف لنستلهمه في معاركنا ضد الأفكار الظلامية، لكن هل من منصت؟


    الرد على التعليق

- علي بدر
23 حزيران (يونيو) 2009 15:35

رحم الله الغزالي حين قال: المقلد لايصغي أرى من جهتي أن السيد مختار المختار لا يتكلم عن حرية واختيار بل عن تقليد واتباع، وهو بذلك قد منح استقالة وصار يردد كلام غيره الجاهز مند قرون ناعتا كل من يخالفه الراي بالكفر والزندقة وهي لعبة قديمة لجأ إليها منغلقو الأذهان مند القديم ولا زالوا يتفنون في ممارستها. نعم اتفق مع صاحب المقال بأن العقل من أفضل النعم التي أنعم بها الله على الانسان، ولذلك علىهذاالأخير أن يوظف هذه النعمة وإلا سيصبح"دابة مسرورة معفية من الجبايات والخراج" وهي في كل الأحوال وضعية لا تليق بالإنسان. وحتى في الشرع الإسلامي الذي نصب السيد المختار نفسه مدافعا عنه، قد جعل العقل شرط التكليف، فمتى سقط العقل سقط التكليف وصار الإنسان متل البهيمةو بئس المصير. وأود أن أنبه السيد المختار أن الأخلاق التي يخشى عليها من الانهيار، لا تصان باللحي الطويلة والقمصان القصيرةوالنساءالمنقبة الشبيهة بأسراب الغربان، فرحم الله المتنبي الذي قال:أغاية الدين أن تحفوا شواربكم يا أمة ضحكت من جهلها الأمم بل الأخلاق تصان بالعقلانية والتربية على المواطنة واحترام حقوق الإنسان باعتباره كائنا حرا ذا كرامة.


الرد على التعليق


Paul Delvaux (بلجيكا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter