مما لا شك فيه أن إشكالية العلاقة بين الديني والسياسي صارت تفرض نفسها بقوة على ساحة الحوار الدائر اليوم، طرداً مع تقدم دور الدين في الحياة السياسية وتبلور حضور الطوائفوالملل واندفاع بعضها إلى تشريع العنف واستخدام حد السيف لفرض رؤيته الخاصة على الناس أجمعين، وربطاً أيضاً مع استمرار تغييب الحريات العامة والسياسية والدرك المؤلم الذي أوصلت مجتمعاتنا إليه أنظمة الاستبداد والفساد والقهر. و لحل هذه الإشكالية طلع علينا البعض برأي يقول بأولوية الإصلاح الديني وحاجة مجتمعاتنا إليه قبل أي إصلاح لإزاحة العقلية التقليدية المتخلفة الموجودة عند الناس التي لا تتقبل الديمقراطية والحريات السياسية. ومقصد قولهم تخصيص الجهود بداية، لمعالجة القصور في فهم حقيقة الدين وجدوى إقحامه في السياسة وتصويب الوعي المشوه بمفاهيم الإسلام عن الحرية والعدالة وعن مؤسسات المجتمع المدني في الشورى والتشريعات الفقهية.
طبعاً لا يمكن لعاقل أن ينكر أهمية الإصلاح الديني وضرورته في مجتمعات أدمنت الجمود والتقليد وصارت في أمس الحاجة إلى نشر العقلانية في طرائق التفكير وتمكين الدين من تقديم إجابات واضحة على أزمات الواقع وأسئلته الملحة وفق منطق العصر واحتياجاته، لكن يعتبر جهداً ضائعاً الاكتفاء بالدعوة إلى إصلاح ديني وغض النظر عن تردي الشروط السياسية والاجتماعية، أو اعتبار معالجة الواقع القائم والنهوض به تتأتى فقط من تصحيح ما يحمله الناس من أفكار خاطئة ومغلوطة عن الإسلام وليس أيضاً من صياغة جديدة لشروط حياتهم تخلق الفرص الضرورية لضمان حقوقهم وحاجاتهم المادية والروحية وتالياً لتطوير أفكارهم وإبداعاتهم المتنوعة.
إن علاقة الدين بالسياسة علاقة قديمة قدم الدين نفسه، فالإسلام في العقل الجمعي للمسلمين دين ودنيا، إيمان وسياسة. لكن هذه الصلة بين الديني والسياسي عرفت عبر التاريخ الحديث موجات مد وجزر، لم تتأثر بماهية فكر الناس أو درجة وعيهم فقط، بل أساسا بطبيعة الشرط التاريخي الملموس ومدى الضرورة التي استدعت حضور الدين في الحياة السياسية.
وتبعاً لاختلاف هذا الشرط عرف الإسلام السياسي حالة من النوسان بين دعاة قاربوا العلمانية في فصل الدين عن الدولة ودعاة إحياء الخلافة الإسلامية وحكم الله على الارض. أو بعبارة أخرى بين ما طرحه رواد الإصلاح الديني في مطلع القرن الماضي كالطهطاوي والأفغاني والكواكبي ومحمد عبده ورشيد رضا ودعاة الحاكمية لله ومجتمع الخلافة ونصرة الدين الإسلامي بحد السيف كسيد قطب وأبي الأعلى المودودي وغيرهم. وعاشت أفكار التبشير الدعاوية السمحة للإسلام، جنباً إلى جنب مع أفكار التحريض والحض على القتال والجهاد لبناء دولة الإسلام، وما وراء انتصار هذه وهزيمة تلك، إلا ما منحته الشروط المادية الملموسة في مرحلة تاريخية معينة كي تنتعش الأولى وتنحسر الثانية، والعكس بالعكس، مع تغير هذه الشروط وتبدلها.
من هنا فان عودة اللحمة بين السياسي والديني خلال العقدين الأخيرين بعد انحسار أو انقطاع نسبيين، أو ما سمي "الصحوة الإسلامية الحديث" ما هي إلا نتاج ظروف موضوعية مستجدة، أو لنقل بمثابة احتجاج سياسي لبس لبوساً دينياً على وضع قائم متردٍ وبائس.
فقد تحطمت الآمال المرجوة على تطور اجتماعي واقتصادي في البلدان العربية يضمن للإنسان حياة لائقة، وأصبح العيش أشبه بالجحيم إن صح التعبير فاندفع الناس في لجة بحثهم المحموم عن مستلزماتهم الأساسية إلى الدين كملاذ روحي يسكن آلامهم ويهدئ معاناتهم المريرة ويقيهم شر السقوط في مستنقع الفساد والانحلال الأخلاقي الذي ما انفك يتسع يوماً بعد يوم. وما عمّق هذا الخيار سيادة ظاهرة العولمة وما تحمله من قيم وسلوكات لا تتفق مع القيم والأخلاق الدينية، وأيضا الهزائم التي مني بها كل من الفكر القومي والشيوعي، بعجز الأول عن تجاوز حالة التجزئة العربية وفشله في التوصل إلى حل عادل ومشرّف للصراع العربي - الصهيوني، وبانطفاء بريق الثاني مع تراجع المثل الشيوعي السوفياتي والنموذج المحتذى ومن ثم سقوطه.
أصبح الدين وحيداً في الميدان ونال ثقة الناس لكونه لم يجرب حديثاً أو لم يعتمد كرؤية وحل سياسيين،فربح فرصة ذهبية للتدخل في شؤون الدنيا وتمكن من تعميم مفهومه الخاص عن الواقع ومخارج أزمته وصل عند بعض المتشددين إلى اعتباره واقعاً جاهلياً فقد هويته الإسلامية، وان سبيل الخلاص الوحيد هو العودة إلى الإسلام الصحيح ديناً وشرعاً وحكماً، معلناً الجهاد طريقاً وحيدة لإنقاذ العالم العربي والإسلامي من حال البؤس والتردي التي آل إليها.
وكان لانتصار الثورة الإسلامية الإيرانية أثر كبير في دعم هذا التوجه كما نجحت روح التضحية العالية لعناصر الأصولية الدينية ضد ظلم الأنظمة والنيل من العدوانية الصهيونية في جذب قلوب الفتية والشباب، عزز ذلك غياب مزمن للحياة الديموقراطية لعب الدور الأهم في تغذية قوى التطرف والتعصب وتأجيجها. فالمعروف أن إغلاق ساحة العمل السياسي وممارسة القهر والتمييز يوفران تربة خصبة لنمو ظواهر العنف والإرهاب. وما زاد الطين بلة، أن السلطات الشمولية السائدة لم تكتف بإحكام قبضتها على كل شيء وخنق الرأي الآخر وروح المبادرة والإبداع بل وجدت في التيارات الدينية في مرحلة من المراحل، حليفاً موضوعياً في مسار مواجهتها للقوى التقدمية فراحت تشجعها وتعمل على تقويتها.
يكشف ما سبق الأسباب الحقيقية وراء نشوء ظواهر التعصب الديني وتبلورها، وللحال يعتبر جهداً ضائعاً أن نبحث عن تلك الأسباب في العقول والأفكار بعيداً عن الوقائع والظروف الموضوعية لحياة البشر، حيث أن معرفة هذه الأسباب والعمل على معالجتها هما ما يقطع الطريق على قوى التطرف والإرهاب الديني من التوالد والتكاثر حتى لو نجح الحل الأمني في إرهاقها وتصفية وجودها التنظيمي إلى حين.
إن الحنين إلى النظام الإسلامي العتيق، والتغني بأزهى مراحله، ما هو إلا رد فعل انعكاسي على عجز الواقع عن العطاء، وعلى حال قتل روح الإنسان وسلب دوره في المجتمع، ولنفترض للحظة أن الوضع الراهن غير ما هو عليه، ونتصور سيادة أنظمة ديموقراطية عادلة تضمن حرية التعبير وحكم القانون والمؤسسات، فهل نجد أصواتا تتعالى منادية بالعودة إلى حكم الدين على الأرض والى دولة الخلافة الإسلامية؟… ولنتصور أيضا، أنظمة تستخدم، وتستوعب، كل كفاءات مواطنيها وطاقاتهم وتسعى إلى توفير حاجاتهم الأساسية مادياً وروحياً، فهل نسمع بعدئذ بمن يكفّر المجتمع ويجهّله؟…وبالتالي فالانفتاح السياسي وتأصيل الديموقراطية فكراً وسلوكاً كفيلان بإزالة مظاهر التعصب والتطرف ولتصبح عندئذ ٍظواهر العنف والإرهاب جزراً صغيرة على هامش المجتمع.
ثم لنعد قليلاً الى الوراء ونسأل، من أين يستمد أنصار التفرد بالإصلاح الديني قناعتهم بأن أسباب نهوض مجتمعاتنا تكمن فقط في حاجة الإسلام إلى " لوثر " يثوره ويصلحه من الداخل؟ وهل فعلاً يأملون خلاصاً مما نحن فيه باستحضار دعوة مصغرة إلى ثورة ثقافية على الطريقة الصينية لتخترق الحقل الديني لدينا، دون أن يتأملوا أو يرف لهم جفن بما حملته تلك "الثورة" من مآسي وآلام ومن ثم هزيمة بيّنة؟ بل ونسألهم لماذا يتغافلون، عن حسن نية أو عن سوء نية، عما توصل إليه رواد الإصلاح الديني أنفسهم وقد اكتشفوا عدم جدوى هذا الخيار ونادوا، إلى جانب ما قدموه من اجتهادات فقهية عقلانية، بأهمية الإصلاح السياسي كضرورة أساس لنجاح أي إصلاح ديني؟.
ألم يناد الطهطاوي بالحريات المدنية ويربط تقدم المجتمع بالسير وفق النهج الغربي مؤكداً: "إن لا فروق كبيرة بين الشرائع الإسلامية ومبادئ القانون التي ترتكز عليها قوانين أوروبا الحديثة"؟ وهل ننسى كيف طور محمد عبده أفكاره وأسلوبه التربوي عندما انتقل من ربط فساد الأوضاع السياسية بسبب رئيس "هو فساد تربية الحاكم والمحكوم معاً" واعتبر "إصلاح التربية الإسلامية كطريق إلى إصلاح الأوضاع السياسية "، إلى القول إن هذه الطريق مسدودة مجاهراً بتبني الإصلاح السياسي وداعياً "إلى الأخذ بأسباب الحضارة الغربية من وجهة نظر ليبرالية" ثم دفع موقفه خطوة أخرى إلى الأمام إلى اعتبار الخلل في السياسة هو أصل كل فساد، وأجاب أحد محدثيه: "فان شئت القول: أن السياسة تضطهد الفكر أو الدين أو العلم، فأنا معك من الشاهدين". بينما كان موقف رشيد رضا أكثر وضوحاً واعتبر:"الديموقراطية… والجمعيات السياسية والدينية والخيرية والعلمية… هي السبب الأول والعلة الأولى لكل ارتقاء… بها صلحت العقائد والأخلاق في أوروبا، وبها صلحت الحكومات وبها عزت وعظمت قوتها وبها فاضت ينابيع ثروتها وبها انتشر دينها بين الخافقين…".
ومع الاعتراف بأهمية الإصلاح الديني وأهمية وصله وتغذية استمراره بعد انقطاع دام عقودا، ثمة ضرورة للتذكير أيضاً بدليل تاريخي يقول إن أزهى فترات الإصلاح الديني تمت في مناخات ليبرالية نسبياً وأن أجواء الحرية الفكرية والسياسية هي التي ضمنت تفتح النقد والإبداع وسمحت للمجتهدين طرح أجرأ الاجتهادات والتفسيرات الدينية، وصلت عند بعض المصلحين إلى عرض رؤية شبه متكاملة أو لنقل بديل يقارب أن يكون شاملاً من تلك المسلمات الخاطئة، الدينية والفقهية، التي عششت في عقول المسلمين أمداً طويلاً، ولا يزال بعضها راسخاً حتى يومنا هذا.
وبالتالي يبدو غريباً أن يتذرع البعض بـ"العقلية التقليدية المتخلفة" في مجتمعاتنا ويرفعها ورقة ممانعة في وجه الإصلاح الديمقراطي، ويتناسى أنها المجتمعات ذاتها التي قبلته واحتضنته قبل عقود وهي أكثر تخلفاً من الزاويتين الاجتماعية والمعرفية! ويتناسى أيضاً أن بعض البلدان العربية ما عرفت التجدد الديني لو ما نعمت لفترات قصيرة بحريات نسبية وانتخابات وأحزاب وبرلمانات. ولعل وفرة الاجتهادات الفقهية الإسلامية وتنوعها في مصر في تلك الفترات تقطع قول كل خطيب. وربما تفيد هنا المقارنة بين مناخات اليوم وتلك المناخات السياسية التي حضنت إبداعات الطهطاوي والأفغاني والكواكبي واجتهادات محمد عبده ورشيد رضا، كما بين حدود ردود الأفعال الرافضة مثلاً لكتابي "الشعر الجاهلي" لطه حسين و "أصول الحكم" لعلي عبد الرازق وما نلمسه اليوم من اندفاعات عدوانية تجاه ما كتبه فرج فودة وما يكتبه نصر حامد أبو زيد ونوال السعداوي وغيرهم؟.
في المقابل كان انتكاس المناخ الليبرالي وسيادة "المطلق السياسي"في سدات الحكم العربية عاملاً حاسماً في قطع سلسلة الإصلاح الديني وإهمال ما كتبه مبدعوه، وأحياناً رفضهم وتكفيرهم، كما وفّر شرطاً انعكاسياً لتثبيت ركائز "المطلق الديني" دنيوياً من جديد.
فحين يصادر "السياسي" حرية الفكر ويرفض الخضوع للعقل النقدي ويستبد، ويستبعد وجود الآخر وحقوقه، من البديهي أن يطرح "الديني" نفسه وهو "المقدس" على أنه أكبر من أي نقد أو خطأ، لتغدو الأمور أشبه بمعادلة بسيطة تقول إن النجاح في تصحيح العلاقة بين المطلق الديني وبين الدنيوي النسبي والمتغير حسب الحال والأحوال، لا يتحقق إلا برفض المطلق السياسي والاستناد إلى نظام ديموقراطي يحضن موضوعياً طرائق المعرفة النسبية، ويبعث روحياً وسياسياً حقوق الإنسان وحرياته في الرأي والتعبير والاجتهاد.
فهزيمة بوادر الإصلاح الديني كانت تحصيل حاصل لسلب المجتمع حرياته وحقوقه وانتصار الدولة الشمولية بما هي تسييد الأحادية الأيديولوجية والسياسية وإلغاء التنوع الفكري والتعددية، ما يعني بالمقابل أن نصرة قواعد العمل الديموقراطي والإصلاحات السياسية هي المناخ المناسب لتفتح النقد والإبداع الفقهي وتجددهما، وهي الطريق الناجعة لإحياء حركة الإصلاح الديني وضمان تطورها بأفق مفتوح.
لا يختلف اثنان أن عوامل النهضة لمجتمعاتنا تتطلب بالضرورة عملاً إصلاحياً متكاملاً يقتضي بذل الجهود المتواصلة على الأصعدة، السياسي والاقتصادي والديني والثقافي معاً ولا يمكن أن تتقدم هذه العوامل وتتطور إلا بتضافر هذه الجهود بحيث يتعزز كل منها بنجاحات الآخر،لكن مع الاعتراف أن نجاح الإصلاح الديني يبقى محكوماً بنجاح الإصلاح السياسي الديمقراطي، فهذا الأخير هو العامل الحاسم والمقرر في حركة تطور المجتمع وفي إطلاق مكنوناته الإبداعية، خصوصاً بعدما شهد العالم ثورات سياسية وعلمية قفزت بالبشرية إلى مستوى تجاوز تلك الظروف التي لعب خلالها الإصلاح الديني دوراً ممهداً للثورات السياسية كما كانت حال الإصلاح البروتستانتي والانغليكاني في أميركا وإنكلترا، ولم تعد تالياً حركة التجديد العقلية والفكرية شرطاً ابتدائياً للنهوض السياسي والاجتماعي، والأرجح أنه ليس أمامنا من حل كي نخرج مجتمعاتنا مما هي فيه ولتجاوز حال التخلف والتردي والانحطاط الذي نعيشه على كافة المستويات، سوى العمل على تحرير الناس من كافة صنوف القهر والتسلط والوصاية وضمان احترام تعدديتهم وحقوقهم وحرياتهم، كشرط لازم لإطلاق طاقاتهم وإبداعاتهم الخلاقة ولتحرير العقول من الجمود والتقليد والعيش في الماضي والموروث الديني ولخلق حالة من التوافق والتفاعل مع الحضارة العالمية بمنجزاتها المادية والفكرية!.

