البحث عن القدوة
ولم يبق للشّباب المتديّن المشحون بهذه المضامين إلاّ البحث عن القدوة التي تجسّدها في الواقع.
وتؤكّد معطيات علم النّفس، أنّ الشّباب منذ فترة المراهقة يجنح إلى البحث عن القدوة الملهمة التي تختزل مجموعة من القيم، ويحاول قصارى جهده أن يتّصف بصفاتها وينهج نهجها، وللشّباب في ذلك خيارات شتّى تعكس ثقافته وتطلّعاته ونوازعه وأشواقه.
وقد كان الشّباب المتديّن في حالة غربة لأنّ قدواته في الغالب من الشّخصيّات التّاريخيّة التي طواها الزّمن ولم يبق منها إلاّ ذكريات وعبر، ترويها كتب التّاريخ ويجهد الشّباب ذهنه ومشاعره في استحضارها والاقتداء بها، وفي نفس الوقت كان يبحث عن المعادل الموضوعي لها في الواقع، لتتأكّد صدقيّة الفكرة وراهنيّتها في سياق ثقافة عربيّة إسلاميّة مأزومة متوتّرة لا تزال تراوح مكانها في الجواب عن سؤال طرحه منذ عصر النّهضة شكيب أرسلان " لماذا تقدّم الغرب وتأخّر المسلمون؟ "
ويبقى الشّباب المتديّن باحثا عن نموذجه وقدوته ونجمه أمام فئات أخرى من الشّباب اختارت نجومها من مجالات الفنون والرّياضة و السّياسة.
هذه القدوة وجدها فئات من الشّباب التّونسي المتديّن في سنوات الألفين وما بعدها في شخصيّة سلفيّة جهاديّة باهرة، تختزل كلّ أشواق الشّاب المسلم المعاصر وتداوي جراحه الحضاريّة، وتجسّد بشكل لافت نموذج البطولة الإسلاميّة وقصص الشّرف والفتوّة والرّجولة والشّهامة والتّضحية في سبيل العقيدة، هذه المعاني والقيم التي اقتصر تجسيدها على شخصيّات التّاريخ الإسلامي الأوّل والوسيط.
إنّها شخصيّة سامر بن صالح بن عبد الله السويلم المشهور بـ: خطّاب الذي قال فيه أبو أنس الطائفي في عرض لسيرته بعنوان " وأخيرا ترجّل الفارس خطاب " نقله باختزال عن موقع مفكرة الإسلام؛ " لقد خرج علينا خطاب في زمن عزّ فيه أن نجد صورة تذكّرنا بقادة عظام سطروا التاريخ بروائع الموقف وعظائم التضحيات ".
وقد ورد اسم خطّاب في غالب وثائق البحث الابتدائي والتّحقيقات الخاصّة بموقوفي السلفيّة الجهاديّة، باعتبار أنّ الشّريط الذي يجسّد سيرته وجهاده كان أداة أساسيّة للاستقطاب وللتّعبئة والشّحن العاطفي .
ولعلّ أهمّ ما يمكن أن يكون قد لفت الانتباه لدى فئات من الشّباب التّونسي المتديّن في هذه الشّخصيّة الملهمة جانبان أساسيّان : الأوّل هو التّضحية والإيثار الثّاني هو البطولة والفتوّة 1 لقد كانت هذه الشّخصيّة ملهمة وملهبة لمشاعر الشّباب المتديّن، لأنّها تصل الماضي المجيد بالحاضر وتستأنف العصر الذّهبي"، عصر الفتح والنّصر، وترشّح الخلف ليحمل مشعل السّلف، بالإضافة لما تجسّده من قيم التّضحية بالنّفس والنّفيس والبطولة و الفتوّة التي يفتقدها هذا الشّباب الذي ينتمي إلى ثقافة مرتهنة للرّمز البطل الذي ينقذ المجموعة ويقودها إلى النّصر، لذلك لم يكن على هذا الشّباب إلاّ أن ينهجوا نهجه ويقتفوا أثره ويقتدوا بسيرته، لا فقط في الجانب العملي بل كذلك في مظهره ولباسه حيث انتشرت تسريحة شعره الطّويل مثلا وشكل لباسه لدى فئات واسعة من المغرمين به.
نموذج من الاقتداء " السلفيّة الجهادية في نسختها التّونسيّة "
إذا كانت المعطيات الدقيقة لا تسعفنا لتقدير حجم السّلفية العلميّة وتوزيعها الجغرافي والعمري والمهني في تونس، فإنّ دراسة السّلفيّة الجهاديّة تتوفّر على بعض المعطيات الأوليّة، التي يمكن سحبها على الظّاهرة السلفيّة عموما مع بعض التنسيب، وذلك لتقارب الفضاء النظري والبشري الذي يتحرك فيه كلاهما.
وتسعفنا في ذلك دراسة أعدّتها منظّمة حقوقيّة تونسيّة تعنى بالمساجين السّياسيين2 حول من أطلقت عليهم " ضحايا قانون 10 ديسمبر 2003 لـ "مكافحة الإرهاب" حيث انتقدت الجمعيّة هذا القانون 3 الذي أبدى الكثير من الحقوقيين في تونس مخاوفهم منه.
وتعرض هذه الدّراسة معطيات أولية - ولكن مهمّة في سياق شحّ المعلومات – عن 1208 سجينا ممّن يفترض أنّهم من السلفيّة الجهاديّة الذين شملهم هذا القانون
ويتوزّعون جغرافيّا بنسبة 46 % في جهات الشّمال وبنسبة 31 % في وسط البلاد و بنسبة 23% في جهات الجنوب وذلك على النّحو التّفصيلي التّالي:
% الولاية
23.63 تونس
10.77 بنزرت
08.84 مدنين
08.45 سيدي بوزيد
06.02 قبلي
05.56 المهدية
05.33 سوسة
04.98 القصرين
03.70 القيروان
03.36 نابل
02.78 صفاقس
02.20 الكاف
01.73 بن عروس
01.62 سليانة
01.62 قفصة
01.27 المنستير
01.15 تطاوين
01.15 اريانة
01.15 جندوبة
00.92 قابس
00.81 توزر
0069 باجة
00.69 مولودون بالخارج
00.34 منوبة
00.11 زغوان
كما يتوزّعون حسب الفئة العمريّة إلى :
من 19 إلى 24 سنة: ما يقارب 30 %
من 25 إلى 30 سنة: ما يقارب 48 %
من 31 إلى 37 سنة: ما يقارب 11 %
والبقيّة تتقاسمها الفئات العمريّة الأخرى
كما يحتلّ العمّال نسبة 36 % بينما يحتلّ الطّلبة والتّلاميذ نسبة 34 % والتجّار نسبة 15 % ويتوزّع البقية على مختلف المهن الأخرى.
وتؤكّد هذه المعطيات الأوّليّة أنّنا أمام ظاهرة ناشئة لها الاستعدادات الأوليّة التي تخوّل لها الاستمرار، فالشّرائح التي تمثّلها – ونعتبرها تمثيليّة للظاهرة السلفيّة عموما لتأكّد ذلك بالمعاينة المباشرة في الواقع – تمتاز بخصوصيّة معبّرة فالعمّال يشتغلون عموما في أوساط وفضاءات مفتوحة على التّواصل مع فئة الشغالين مع عسر الرّقابة ممّا ييسّر الاستقطاب والتوسّع، وكذلك الأمر بالنّسبة إلى الطّلبة والتلاميذ فضلا عمّا يتمتّع به هؤلاء عن أولائك من خبرات ووسائل ووسائط حديثة في التّواصل والاستقطاب، منها مثلا الفايسبوك الذي دخل إلى ثقافة التّونسيين وأصبح يحتلّ مكانة في تشكيل رأي عامّ.
وإذا انطلقنا ممّا ورد في أبحاث قضيّة سليمان التي شملت 30 متّهما، وأبحاث قضايا أخرى في نفس السّياق يمكن أن تعتبر نموذجا لهذا النّوع من الفئة الاجتماعيّة يمكن الوقوف عند الملاحظات التّالية : * الغالبيّة كانت وجهتها الذّهاب إلى العراق أو الشّيشان أو أفغانستان للمشاركة في ما اعتبروه جهادا عبر الجزائر وسوريا، فتمكّن البعض من تحقيق هدفه ووصل إلى العراق حيث قضى نحبه أو أسر، أمّا البعض الآخر فلم يتمكّن من السّفر وتفطّنت له المصالح الأمنيّة وحوكم بمدّة سجن قصيرة، وآخرون بقوا في الجزائر للتّدريب والتّأطير ثمّ عادوا إلى تونس لتحويل وجهة الهدف من العراق إلى تونس. ومارسوا الدّعوة لهذا الهدف ووفّروا له التّغطية الماديّة والمعنويّة وأصبحوا يحوّلون وجهة كلّ من يريد السّفر إلى العراق لأولويّة الجهاد في تونس.
ثمّ شكّلوا في 2006 ما يشبه المجموعة التّنظيميّة ذات التوجّه الدّعوي السّلفي الجهادي العسكري أطلقت على نفسها اسم " جند أسد بن الفرات " وأمّروا عليهم أميرا هو الأسعد ساسي المكنّى سمير، وكان مقيما بإيطاليا ثمّ التحق بالبوسنة إبّان العدوان الصّربي ثمّ بأفغانستان ثمّ عاد إلى الجزائر والتحق بصفوف الجماعة السّلفيّة للدّعوة والقتال ثمّ قدم إلى تونس لبناء خلايا تنظيم جهادي عسكري، وخصّصوا ما يشبه معسكرا للتّدريب بجبل طبرنق بقرمبالية، وكان العنوان العام لتلك الاستعدادات الجهاد في تونس بغاية إقامة الدّولة الإسلاميّة في مقابل النّظام القائم الذي لا يحكم وفق الشّريعة الإسلاميّة ( وقد تردّد في محاضر البحث الابتدائي والتّحقيق الإحالة على منع النّساء من ارتداء الحجاب ومنع الالتحاء )
وقد كان تحديد الأهداف مرتبكا، مثل ما أطلقوا عليه أهدافا صليبيّة ومنها بعض السفارات الأجنبيّة، وقد تفطّنت المصالح الأمنيّة في شهر ديسمبر لموقع التّدريبات حيث وقع محاصرته ممّا أدّى إلى وفاة نقيب وعون أمن و12 من أفراد التّنظيم.
وبقطع النّظر عن التّحليل السّياسي لهذه الأحداث المؤسفة، فإنّها تحيل المهتمّين بالشّأن التربوي من الأسرة إلى المدرسة والجامعة وفضاءات التّأطير الشّبابي إلى الفشل الذّريع في إحاطة فئات من شباب تونس بالرّعاية النّفسيّة والإحاطة الاجتماعيّة والتّنوير المعرفي والمتابعة لمشاغلهم واهتماماتهم، قصد وقايتهم من الحلول التي تعكس حالة اليأس والإحباط. لقد تمّ كلّ ذلك في غفلة من الجميع: المؤسّسة الأمنية، والمجتمع السّياسي، والإعلام، ومؤسّسات المجتمع المدني، والمؤسّسة التّربويّة، والنّخب، والمثقّفين، والمتابعين للشّأن العام ّ … رغم أنّ العديد من المؤشّرات كانت تشير إلى إمكان قيام ذلك مثلما تشير إلى إمكان تكرّره في المستقبل طالما لا تزال أسبابه قائمة.
ولعلّ أهمّ هذه المؤشّرات ذلك التّصميم الشّديد على التّضييق من هامش التّعبير والحوار وطرق القضايا المتعلّقة بالمسألة الدّينيّة من وجهات نظر متنوّعة ومختلفة في وسائل الإعلام وفضاءات المجتمع المدني وحلقات البحث الجامعي بعيدا عن التّوظيف السّياسي والتّعبئة والشّحن وتجريم هذا أو ذاك.
آفاق المستقبل
* لقد بيّن الواقع، أنّ كلّ السّياسات الثّقافيّة والتّعليميّة الرّسميّة وغير الرسميّة التي راهنت على التّحديث القسري بغاية إلحاق تونس بركب الدّول المتقدّمة دون فضّ المشاكل المعرفيّة والمنهجيّة التي تطرحها إشكاليّة الهويّة، قد ثبت فشلها في سلخ التّونسيّين عن انتمائهم الثّقافي والرّوحي، ولم ينفع بلبلة الضّمير التّونسي وتشويش ذهنه بحشر عناصر ثقافيّة هي جزء من تاريخ البلاد أو جغرافيّتها، باعتبارها من مقوّمات هويّته مثل المرحلة القرطاجيّة أو الامتداد المتوسّطي أو الإفريقي. وأثبت الواقع على العكس من ذلك تجذّر الانتماء للتّاريخ العربي الإسلامي وعمق الانشغال بقضايا العالم العربي والإسلامي 4 وترسّخ الرّابطة الدّينية العقدية. وفي غياب فضاءات الحوار والجدل التي تمكّن الشّباب التّونسي من تمثّل إشكاليّات هويّته تمثّلا نقديّا بعقل تحليليّ تأليفيّ ومنهج تاريخيّ ونفس حواريّ تسامحيّ، في ظلّ متابعة المجتمع – عائلة ومؤسّسات تعليميّة وإعلاميّة ونخبا وباحثين – في غياب كلّ ذلك وفي غفلة من الجميع، حتّى من المؤسّسة الأمنيّة ونخب السّلطة، تبنّى فئات من الشّباب التّونسي أقصى التّصوّرات تشدّدا وحدّيّة وترجموا تصوّراتهم تلك على مستوى الواقع من خلال سلوكات تتفاوت بين المفاصلة ومباينة المجتمع وتكفيره في الحدّ الأدنى والسّلوك العنفي المسلّح في حدّ أقصى .
*إنّ أهمّ ما نريد التّأكيد عليه في هذا المضمار، هو أنّ انخراط مجموعة من شبابنا في خيار العنف الفكري أو المسلّح في غفلة منّا، هو بمثابة اختراق للمنظومة التّربويّة والإعلاميّة والثّقافيّة والسّياسيّة التي لم تتمكّن من مواكبة المستجدّات الدوليّة والإقليمية ولم تستعدّ لرفع التحدّيات الرّاهنة.
كما إنّ من أوكد المطالب الوطنيّة حسب تقديرنا، هو ضرورة المحافظة على السّلم الأهلي والأمن الاجتماعي، وإذا كانت المعالجة الأمنيّة مطلوبة عندما يصبح أمن المجتمع ومقدّراته الحيويّة مهدّدة فإنّ الاستراتيجيا الحقيقيّة الضّامنة للأمن الدّائم هي حماية الشّباب من السّقوط في مهاوي التّطرّف والغلوّ والعنف الأعمى وذلك من خلال توفّر جملة من السّياسات و المكاسب التي نجملها في النّقاط التّالية :
* يقتضي السّلم الأهلي الخروج من وضع الاحتراب الدّاخلي الصّامت بين الدّولة وبين المجتمع والسّلطة والمعارضة والمؤسّسات الرّسميّة والجمعيّات المدنيّة المستقلّة، ممّا يمكّن من مدّ جسور الحوار والثّقة لتجاوز حالة الاحتقان السّياسي والاجتماعي والتفرّغ لمعالجة التحدّيات المطروحة على البلاد كلّ من موقعه.
* توفير هامش الحريّة الذي يمكّن من فتح حوار جدّي موسّع حول مسائل الدّين ومستجدّاته المحليّة والإقليمية والدّوليّة بقصد تنمية المعرفة الدّينيّة وتعزيز خيار الإصلاح الذي بدأه علماء تونسيّون أجلاء لا تزال أدبيّاتهم يلفّها غبار الإهمال، والعمل على تجذير المقاربة الوسطية للإسلام - التي تمثّلها المدرسة التّونسيبّة منذ ما قبل الاستقلال – واستأنفها نخبة من الجامعيين والأكاديميين من خلال المقاربة التّاريخيّة النّقديّة، ممّا يدعو إلى ترسيخها في وعي النّاشئة من خلال الحوار مع الشّباب المتديّن و تطوير الخطاب الإعلامي الدّيني ومضمون الخطب الجمعيّة لتواكب قضايا الواقع.
إنّ توفير هامش الحريّة يمكّن المجتمع بكلّ فئاته ولا سيما نخبه، من فرص الجدل والمناظرة ومراكمة المعارف وترسيخ القيم، بشكل يؤسّس ضربا من الوعي الجمعي أو الرّأي العام المفضي إلى تعاقد تلقائيّ حول قواسم مشتركة في المجال السّياسي والاجتماعي والفكري والقيمي تضمن عدم سقوط فئات المجتمع خاصّة الشّباب منهم في مهاوي الغلوّ والعنف .
فضلا عن ذلك، فإنّ هامش الحريّة يمكّن الجميع من عرض أفكارهم بشكل علني على محكّ النّقد والتّقويم واختبارها ومراجعتها وتصحيحها، لا أدلّ على ذلك من أنّ الهامش الضيّق من الجدل التّلقائي الذي وفّرته بعض الفضاءات ولا سيما الجامعة بين من يمكن أن يحسبوا على التيّار الوسطي من جهة، والتيّار السّلفي كان له تأثير ملموس على جملة من المراجعات الفرديّة والنّقد الذّاتي لدى منظوري السّلفيّة الجهاديّة بالخصوص، وبشكل محدود جدّا لدى منظوري السّلفيّة العلميّة لما يتّسمون به من حدّيّة في التصوّر والطّبع وتمّاميّة في الفكر .
* فتح حوار وطني شامل وشفّاف وديمقراطي، تشارك فيه كافّة فعاليّات الدّولة ومؤسّسات المجتمع المدني، ولاسيما الأكاديميون والنّخب، حول مشاغل الشّباب ومشاكله - خاصّة تلك المتعلّقة بالتّشغيل - لتعزيز ثقة هذا الشّباب في المجموعة الوطنيّة - دولة و هيئات مدنيّة ونخبا - لتلمّس آفاق لحلّ مشاكله.
* تعميق خيار إصلاح التّعليم بما يعزّز التّربية على القيم الإسلاميّة المستنيرة وثقافة حقوق الإنسان، وتطوير برامج البحث في مجال العلوم الإنسانيّة والحضاريّة وأصول الدّين، بما يمكّن من ترسيخ المقاربة التّاريخيّة للدّين وعلومه والمعارف التي نشأت حول النصّ المؤسّس والدّراسة العلميّة الأكاديميّة للظّواهر السّياسيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة والدّينيّة المستجدّة في البلاد، وتقديم المقاربة الموضوعيّة التي تفسّر أسبابها وتستنطق منطقها الدّاخلي وتستشرف مستقبلها وسبل التّفاعل معها.
إنّ تمكين الجميع من التّعبير عن أطروحاتهم بشكل يأمنون فيه على أنفسهم من الملاحقة أو المتابعة القانونيّة، أو كذلك التّكفير الدّيني أو السّياسي، سيمكّن المجتمع بكلّ فعاليّاته من تنشيط حراك اجتماعي يفضي إلى تقريب وجهات النّظر والتّعديل من الرّؤى وفرزها واستصفاء جملة من المشتركات.
إنّ من أوكد الضّرورات اليوم سواء في تونس أو في بقيّة دول المنطقة العربيّة هو إرساء ثقافة التّعاقد الفكري و السّياسي والقيمي . إنّ عقدا اجتماعيّا يكون ثمرة حوار فكري وجدل معرفي وتدافع سياسي لقادر على ضمان ثقافة الأمن والسّلم الدّائمين وتعميق قيمة التّحابب والتّآخي بين أبناء الوطن وتحصين المجتمع ودفع عجلة التّنمية والتّنوير وبالتّالي الانتقال بالمقيمين في تلك الرّقعة من الأرض من وضع المتساكنين population إلى وضع الشّعب peuple ومن وضع الرّعايا إلى وضع المواطنين.
وتبقى علمنة الشّأن العامّ، والمعرفة الدّينيّة على وجه الخصوص، أكبر ضمان لترسيخ لثقافة المواطنة والانتقال الحقيقي للمجتمع الدّيمقراطي الحرّ، ولا نقصد بالعلمنة فصل الدين عن الحياة، بل فصل المعرفة الدينيّة في كلّ المجالات وبشكل نهائيّ وحاسم عن ادّعاء القداسة والتّماميّة والإطلاقيّة والنّطق باسم الإرادة الإلهية، والتّنازع عليها وتوهّم المطابقة بين التمثّل البشري للنّصوص والمقصود الإلهي.
لا خوف حسب تقديرنا على المجتمع التّونسي من جرعات أكبر من حريّة التّعبير ترسّخ قيم الحوار الوطني والإصلاح وتعزّز الثّقة وحقّ الاختلاف بين التّونسيين. كما نقدّر مسؤوليّة الدّولة الأخلاقية والقانونيّة و السّياسيّة في إنجاح هذا المسعى إذا توفّرت الإرادة الجادّة والصّادقة لدى كلّ مكوّنات المجموعة الوطنيّة بشكل يجعلها قابلة للتّرجمة على مستوى الواقع.
الهوامش:
1 تجسّد سيرة خطّاب هذين الجانب في أقصى أبعادهما الرّمزيّة والواقعيّة والعاطفيّة والدّينيّة وقد ورد في مفكّرة الإسلام أنّ خطّاب الذي ولد عام 1389 هـ في مدينة عرعر شمال المملكة العربية السعودية كان يحلم كأيّ شاب سعودي بالوظيفة والرّتبة العالية ولهذا عرف بتفوقه الدراسي حتى أنه تخرج من الثانوية العامة بتخصص علمي ومعدله أكثر من 94% في النصف الثاني وكان أمله أن يدخل شركة أرامكو بمنطقة الظهران شرقي السعودية في نظام CBC وهو نظام يتيح للدارس الابتعاث إلى أمريكا وهي أمنية كل شاب في ذلك الوقت يرجو الرتبة العالية وفعلاً تحققت أمنيته ودخل في ذلك النظام التدريبي وكان يستلم راتباً شهرياً قدره 2500 ريال وجلس على مقاعد الدراسة قرابة النصف سنة وكان من أميز الطلاب في فصله ونال إعجاب معلميه وزملائه؛ ولكن بعد أحداث أفغانستان الأولى ترك الدّراسة وضحّى بحلمه والتحق بالجهاد الأفغاني عام 1408هـ بعد رمضان مباشرة وله من العمر 17 عاماً؛ حيث ترك دراسته في شركة أرامكو البترولية وانتقل بعد ذلك إلى طاجكستان لمدة سنة حيث أصيب في معركة من المعارك، وقطع أصبعان من أصابع يده اليمنى بسبب قنبلة يدوية، واضطر إلى الذهاب إلى الشيشان لعلاج يده واستقر به المقام والجهاد هناك. ويروى أنّه عندما فقد أصبعين من أصابع يده اليمنى، حين انفجرت قنبلة يدوية في يده حاول مرافقوه إقناعه بالعودة إلى بيشاور للعلاج ولكنه رفض وصمم على وضع عسل النحل على إصابته وربطها وذلك الرباط بقي ملفوفاً على يده حتّى توفّي .
وقد قضّى خطّاب: خمسة عشر عاما في جهاد متواصل، في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، في أفغانستان، وطاجيكستان، وداغستان، والشيشان. وبعد انسحاب القوات الروسية من الشيشان في خريف 1996 أصبح خطاب بطلاً قومياً في الشيشان، وقد منح هناك ميدالية الشجاعة والبسالة من قبل الحكومة الشيشانية. وقد منحوه أيضا رتبة لواء في حفل حضره شامل باسييف وسلمان رودييف قادة حرب الشيشان. كما ورد في سيرته أنّه كان يحدث أخويه قبل انخراطه في الجهاد عن تضحيات الصحابة وكيف أن في الشيشان توجد ستة قبور يقال أنها لصحابة رسول الله وما علم أن قبره سيكون إلى جانبهم ليكون شاهداً على تضحيات هؤلاء العظام وما في ذلك من أبعاد رمزيّة ومعان عاطفيّة.
والملفت أنّ خطّاب كان لديه حرص شديد على توثيق مشاهد القتال والعمليّات العسكريّة بالصّوت والصّورة والأفلام المصوّرة ويذكر أنّ لديه مكتبة بها مئات الشرائط المصورة في أفغانستان وطاجيكستان والشيشان
2 الجمعيّة الدّوليّة لمساندة السّياسيين بتونس
3 فتح هذا القانون الباب مشرعا لاعتماد التعذيب وسيلة وحيدة لتجميع أدلة الإدانة وكادت الدوائر الجنائية بالمحكمتين الابتدائية والاستئنافية بتونس العاصمة تتفرّغان للنظر في ملفات يتم فيها تجريم الفكر ومحاسبة النوايا ومؤاخذة الطلبة والتلاميذ وعموم الشباب المتدين على أدائهم الصلاة أو تناولهم بالنقاش الأوضاع في العراق وفلسطين وباقي الدول العربية والإسلامية، وأصبحت أكثر العبارات تداولا في المحاضر المحرّرة من قبل أعوان إدارة أمن الدولة … : " نشأت في عائلة متدينة وبدأت أداء الصلاة سنة (..) وكنت أتردد على مساجد ( .. ) كما أعقد اجتماعات أمام مسجد الحي وفي المقهى مع نظرائي ( فلان وفلان .. ) للحديث في مواضيع فقهية وعقائدية متنوعة .. ونتطرق بالحديث أحيانا إلى الجهاد من منظور سلفي ..! "
4 ذلك ما أثبتته دراسة رسميّة خاصّة باستشارة شبابيّة تثبت استشعار الشّباب التّونسي الانتماء الإسلامي والعربي بالدّرجة الأولى


