الثلثاء 7 شباط (فبراير) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > مقالات > العقل والحرّية والتنمية في مواجهة الخطاب السلفيّ

العقل والحرّية والتنمية في مواجهة الخطاب السلفيّ

الخميس 13 آذار (مارس) 2008
بقلم: نبيل علي صالح  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

يعيش العرب والمسلمون في عصرنا الراهن أوضاعا مصيرية صعبة لا يحسدون عليها، وهذا ما يظهر لنا عند التأمل والتدقيق في أرقام وإحصائيات ومؤشرات ضعف عملية التنمية البشرية في العالم العربي استناداً إلى معظم -إن لم يكن كل- مؤشرات هذه العملية.

والجزء الظاهر من هذه المشكلة يتمثل في تعميم سياسة الظلم والتفقير العام، واتباع سبيل اللاتكافؤ واللامساواة، لكنّ الفقر في الحقيقة ليس سوى جزء من المشكلة. فإلى جانبه هناك مؤشرات كثيرة على:

- ضعف مستوى الرعاية الصحية.

- قلة فرص التعليم الجيد.

- تغييب شبه كامل لسياسات الأمان أو الضمان الاجتماعي..

- الحرمان واللامساواة في القدرات والفرص والعمل. وهو أكثر استشراء من فقر الدخل أو اللامساواة الاقتصادية، إذ تشير الإحصاءات إلى أنّ نسبة الحرمان –المثبتة بألوان متعددة من المعايير التنموية الإنسانية الأساسية- تبلغ حوالي 32.4 % من إجمالي السكان في عالمنا العربي الراهن[1].

ولا شك في أنّ هذه الصورة الإجمالية للدول العربية تخفي التفاوت الكبير بين أوضاعها وتقدمها نحو تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية الثالثة[2].

وهكذا، فإنّ التنمية الشاملة هي المفتاح الحقيقي للحصول على القوة والسلطة، وأساس هذه القوة –التي تكمن فيها مصائر الشعوب والأمم والحضارات كما أثبتت مختلف التجارب الإنسانية- حرية الفرد والمجتمعات القائمة على مبدأ تداول السلطة سلمياً وزمنياً، ومشاركة الناس في القرار والحكم والتحكم العملي بمصائرها المستقبلية بما يضمن سلامتها ودورها الفاعل وإبداعها الحضاري.. وبالتالي للوصول إلى مستقبل مثمر ومنتج يمكن أن يكون بانتظار العرب خلال العقود القليلة المقبلة.. ولذلك فإنه من دون الشروع في اتخاذ خطوات واثقة في طريق التنمية (وبناء صرح الحرية الكبير) فإنه من المؤكد أنّ مستقبل العرب لن يكون أفضل من حاضرهم.

ولكن كيف يمكن للتنمية الشاملة أن تنطلق في عالمنا العربي والإسلامي في ظل وجود عاملين ضاغطين للغاية:

الأول: داخلي، وهو سيطرة خطابين وواقعين مأزومين، خطاب السلطة الرسمية المستبدة القامعة لكل ما ومن يؤثر على امتيازاتها وسلطانها وهيمنتها وطغيانها، وخطاب تعبوي شعبوي (ثقافوي) ديني سلفي متشدد، يستعدي العالم ضده، هاجسه الأساسي والجوهري تقسيم هذا العالم إلى فسطاطين، وتكفير (وربما الحكم بالموت) باقي الملل والمذاهب والحركات التي تعارضه في معتقده الديني أو رأيه السياسي أو الفكري.

والثاني: خارجي، ويتمثل في جملة التحديات المصيرية التي تحيط بعالمنا حالياً. وهي من الضخامة والهول ما لا يستطيع أحد أن يقف في وجهها تماماً كالسيل الجارف، ولا بد له من الانفتاح عليها والتكيف معها، على عكس ما نعمل عليه نحن العرب والمسلمون حيث نواجه تلك المتغيرات الكبيرة بأدوات قديمة ووسائل شبه بدائية نعيد من خلالها إنتاج الهزيمة والأزمات على النحو الأسوأ والأفدح. لأننا غالباً لا نحسن إدارة مشاكلنا، وسوس خلافاتنا بعقلية مدنية تداولية متوازنة.

إننا نعتقد أن جذر العطالة فيما هو واقع حالياً -في كل هذه المساحة الكبيرة من العجز والإحباط والتردي والتفكك المسيطرة في عالمنا العربي والإسلامي- يعود إلى النمط الثقافي المهيمن، وأعني به مرجعيات المعنى وأنماط الرؤية السائدة المنتجة للفكر والثقافة التي تخطط لحياة الناس والمجتمعات.

فالفكر عندنا له قوالبه ومسبقاته وقواعده وأحكامه واستراتيجياته، ولكنه فكر يولِّد مزيداً من العجز والخواء والجهل والتسلط والاستبداد. لأننا أساساً نتعامل مع الفكر والتفكير –الذي كان من المفترض أن نمارس عبره علاقة إيجابية خصبة، منتجة وفعالة، مثمرة ومتطورة، مع الذات ومع الآخر- بصورة متحجرة ومنغلقة أحادية وحتمية وخيالية وفردوسية، نادراً ما تجد فيها شيئاً حياً من الواقع.

وواقع (بل وفكر) هو على تلك الصورة غير المنتجة، بل المتآكلة، سينتج كوارث وأزمات متتالية. ولا يكفي أن نقول، إن الأقدار هي السبب الدائم والمصدر الحقيقي لتلك الكوارث، كما يصور أصحاب ورموز تلك المرجعيات السلفية.. بل هي أزمات من إنتاجنا، صنعناها بعقولنا ومقولاتنا وتصنيفاتنا ومرجعياتنا المهيمنة على واقعنا الثقافي منذ قرون عديدة، والتي لا تزال تتحكم في الخطابات ليس لتبدع وتنتج وتطور وتحسن، ولكن لكي تعيق وتلغم وتضع العراقيل[3] في وجه أي فكر أو معرفة أو مشروع حضاري إنساني مدني يعلي من شأن الإنسان فرداً ومحوراً أساسياً للكون والحياة.

طبعاً نحن عندما ننقد التراث والخطاب السلفي بفكره ودعاته، ونظهر عجزه عن العيش المنتج والفعال في العصر الحديث، وعدم قدرته على بناء معرفة مستقبلية حقيقية نافعة للإنسان والحياة، إن ذلك لا ينبغي أن يحجم تفكيرنا النقدي عن الوجه الآخر للداعية التراثي السلفي، وهو المثقف الحداثي العربي الذي بقي يتعاطى وينتج مفاهيم الحداثة والتطور والحرية والاستنارة والتقدم من موقع المتلقي والمتأثر ومن دون أن يطورها ويبتكر صيغاً جديدة تتعدى محيطه الجغرافي. لأنه أساساً لم يشتغل في المعرفة الحديثة من موقع الخلق والابتكار، وإنما من موقع المبشر والمخلص والمروج والمقلد. الأمر الذي جعله (أي المثقف الحداثي العربي) متعبداً لنصوص الحداثة من غير طول تفكير، ومؤلهاً لأفكارها وهويتها من دون تجربة ومعاناة وتأمل.

وهذا النقد –حقيقةً- لا ينطبق على مجموع مثقفينا ومفكرينا الحداثيين، حيث أن فيهم المبدع المطور والمنتج في شتى ميادين وحقول المعرفة والثقافة والفنون. ولكن هذه الفئة قليلة وضعيفة وغير مؤثرة حتى الآن، على عكس الكثرة الغالبة من أولئك الوعاظ عبدة النصوص والأوثان الفكرية الذين يسيطرون على الفضاء والهواء والسلطة التي باتت مضطرة في الآونة أن تقربهم منها وتفتح مجالات العمل (والإنتاج!) أمامهم ليمارسوا من خلال ذلك أفظع فنون التضليل والتزييف والشعوذة الثقافية والتعمية الأيديولوجية والتهويل الديني.

بناءً عليه فإن المشكلة تحددت، وهي في الأساس ثقافية معرفية، ولكن تجلياتها الواقعية يمكن إجمالها في الآتي:

· مجتمعات عربية وإسلامية ممزقة، وتعيش صراعاً وتدافعاً مريراً حول الحكم والسيادة، لا تقترب فيه أبداً من تحكيم لغة الحوار، ومنطق التراضي والتدافع السلمي.

· فشل ذريع للسلطات السياسية الرسمية الحاكمة في إدارة قضايا الوطن المحلية (تحقيق التنمية الشاملة، توفير الحريات، القضاء على الفقر والبطالة.. الخ)، إضافة إلى فشلها في قضايا الوطن الخارجية مثل قضية فلسطين.

· وجود بون شاسع وانقطاع واسع بين حاكم غير شرعي (فرض نفسه بالقوة والقهر، واعتبر أن السلطة حق طبيعي له ولذريته وحاشيته) وبين محكوم مستضعف (مطارد وملاحق وعاجز عن تحقيق الحد الأدنى من متطلبات وجوده الإنساني الطبيعي)، فقد الثقة في نظمه وأجهزته الحاكمة، لأنها لم تقم لخياره وزناً، وتجاوزت حدود العدل في الحكم.

· خوف تلك القيادات الدائم من شعوبها، مما يجعلها تتحسب للثورات في كل وقت.. أو بتعبير معاوية نفسه: "فإن نكثناهم نكثوا بنا، ثم لا ندري أتكون لنا الدائرة أم علينا".. أي سيادة ثقافة الخوف والخوف المتبادل.

· سيادة العلاقات النفاقية والتملقية –إذا صح التعبير- بين الحاكم والمحكوم، وإظهار كل منهما للآخر غير ما يبطن، نظراً لانسداد أبواب التعاون الحر، وانعدام التناصح النزيه.

ولعلنا لا نغالي كثيراً عندما نؤكد على أن مشهد الخوف والإحباط واليأس والظلم والاستضعاف هو من المشاهد الأكثر حضوراً وتأثيراً على حركة الإنسان العربي الذي مارست بحقه الدولة العربية الحديثة أفظع أنواع القسوة والعنف الموزع مادياً ورمزياً على معظم امتدادات وكتل هذه الأمة البشرية والطبيعية.. بحيث باتت منافذ التغيير شبه معدومة في ظل هيمنة وسيطرة تلك النخب التابعة والعاجزة كل العجز عن إدارة شؤونه.

ويبدو لنا هنا أن تعميق ثقافة الخوف والرعب والقلق السلبي –الممتدة أفقياً وعمودياً في جسم الأمة منذ بداية أزمة الخلافة والحكم الإسلامي الأول- كان من الأهداف الرئيسية التي كانت تسعى دول الاستقلال الأولى (الوريثة الشرعية لأنظمة القمع والطغيان التاريخية) –وكل النظم السياسية (سلطات الهزيمة) التي جاءت بعدها، والتي ارتكزت سياساتها جميعاً على ثلاثية: القمع والإفقار والتجهيل- إلى تحقيقها بالقوة على أرض الواقع المعاش.. فكانت النتيجة النهائية لكل تلك المقدمات المأزومة أن نظمنا السياسية المتلاحقة لم تتفرغ لشيء كما تفرغت للتحكم بموارد الأمة، ونهبها بالكامل، والسيطرة على مفاصل السلطة والثروة والقوة والمعرفة في كل مواقعها، محتكرين بذلك كل الرأسمال المادي والمعنوي المتبقي لأفراد المجتمع والأمة.. فكان أن وقع الإفقار المقصود على الشعب.

لأن الفقير لا يجرأ دائماً على رفع رأسه (أصلاً هو لا يستطيع فعل ذلك)، كما أن الجائع لا يعرف السياسة، ولا وقت عنده للحديث والاستماع للسياسة والسياسيين، حيث أنه مشغول كلياً بتحصيل لقمة العيش وكفاف اليوم (اللهم أعطنا خبزنا كفاف يومنا).. وهكذا يبدأ هذا الفقير الجائع والمحروم –مع مرور الأيام- بفقدان إنسانيته، ونسيان ذاته وفاعليته الوجودية، ويُختصر إلى جملة من الغرائز والمكبوتات، بما يؤدي لاحقاً إلى تدمير القيم السامية والأخلاق الحميدة والمثل العليا التي طالما تفاخر بها، واعتز بانتمائه إليها.. وهكذا كانت النتيجة أيضاً أن وصلنا إلى حافة الهاوية على كل المستويات والأصعدة الأخلاقية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وفي ظل هذا الوضع لا يمكن للفرد المصاب بالوهن النفسي والضعف الذاتي العضوي تحقيق الاستشفاء الذاتي لوحده, بل إنه بحاجة ماسة لمن يأخذ بيده قبل كل شيء, وبالمثل لا يمكن لبلادنا النهوض بدون مساعدة عاجلة وسريعة من الحضارات الأخرى.

إننا نعتقد أن شعوبنا العربية والإسلامية تواقة للإصلاح والتغيير بالدرجة التي قد تفرض عليها أن تغض النظر عن مصدر التغيير وآلياته وأساليبه.. ويبدو أن انعدام التغيير الداخلي وفقدان الثقة بالنظم والحكومات القائمة في العالمين العربي والإسلامي –وكذلك أن كل مبادرات الإصلاح الداخلية (إن وجدت أصلاً) تتم وتبنى في غرف مظلمة وقوالب جامدة بعيداً عن هموم الناس وتطلعاتهم وإرادتهم- هو الذي يدفع تلك الشعوب باتجاه قبول التغيير الخارجي حتى لو جاء بيد عمرو (الغرب وأمريكا).

والواضح أمامنا –في هذا الاتجاه- أن هناك حقيقتين يعايشهما الناس في مجتمعاتنا، وقد انتقلت تأثيراتهما إلى البلدان الأخرى:

الأولى: وصول حال العرب والمسلمين إلى هذه الدرجة المتدنية من الانحطاط والتخلف بمختلف مجالاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وو..الخ، نتيجة السياسات الفوقية الظالمة التي طبقتها النخب السياسية والاقتصادية العربية والإسلامية الفاسدة عبر العقود الأربعة الماضية، والتي كانت تحظى –حتى عهد قريب- برضى المصالح والسياسات الدولية المتفصلة مع نظيرتها المحلية.

الثانية: نمو حركات العنف والتدمير الدينية السلفية في مناخ الترهل والفساد والاستبداد السياسي والتخلف الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه اجتماعنا السياسي والديني، والناتج أساساً عن هيمنة ثقافة عربية وإسلامية نصية متعصبة تؤمن بالعنف كخيار أوحد للوصول إلى مصالحها وغاياتها[4]، وتضفي طابع القدسية على فكرها ومنظومتها المعرفية، وتلغي أي حلول وسط مع أي كان، كان من أبرز إنجازاتها سابقاً قتل وتدمير معظم أفكار ورموز الخير والسلام والعدالة في تاريخنا الإسلامي.. حيث أنه -وبعد عصر الرسول(ص)- تعمقت ثقافة العصبية والقبلية، وترسخت أنماط تقليدية عصبوية في طبيعة الحكم السياسي كالحكم الوراثي، وخلافة الحق الإلهي المقدس.. أي تحول الإسلام –على أيدي زعامات الانحراف والجور- إلى ملك سلطوي عضوض.

ولاشك أن ضغط هاتين الحقيقتين سيدفع العالم العربي والدولي كله نحو تبني خيارات ثقافية واقتصادية واجتماعية وسياسية محلية وعالمية يمكن أن تضع حداً لاستشراء مظاهر العنف والفوضى، ونمو الإرهاب والجريمة الدولية والتطرف الفكري والعملي في المشهد المعاصر.. من أجل تحقيق مجتمع:

- تسوده قيم الحوار والعقل والعدل.

- يحترم فيه الإنسان من حيث أنه خليفة الله في الأرض.

- مجتمع يتحمل الناس فيه بعضهم البعض، وتسوده وجهات نظر متعددة ومختلفة.

- مجتمع يشعر فيه الإنسان عملياً بأنه سيد نفسه، ولا فرق بينه وبين قيادته إلا بتوزيع الأدوار وتعدد الآراء واختلاف المسؤوليات وتنافس الأفكار والاتجاهات المعرفية.

- مجتمع يتبنى النقد والمحاسبة الذاتية الحضارية عنواناً لحركته وتطوره.

ونحن نعتقد أن إنجاز تلك القيم الرائعة لن يتحقق إلا بعد مواجهة أفكار ورموز وقليات التخلف والاستبداد (القابضة بقوة الحديد والنار على عروش السلطة والسياسة والاقتصاد في عالمنا العربي والإسلامي) وإقامة حكم تعددي وديمقراطي صالح وعادل منتخب مباشرة من قبل الشعب، وبإرادة هذا الشعب الحرة.. بعيداً عن سيطرة مظاهر وثقافة التطرف والتزمت وإلغاء الآخر من خلال بناء مجتمع معرفي، وتوسيع المشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية أمام كل أفراد المجتمع.

طبعاً هذه كلها توصيفات للمطلوب من أجل الخروج من المأزق، ولكن مناخ وفضاء تلك التطلعات والأهداف الكبرى، وإطارها وقاعدتها الأساسية تكمن في ضرورة تغيير طبيعة المعنى المعرفي لمهمتنا الوجودية بما فيها تغيير كثير من أدواتنا وعدتنا المفاهيمية المعرفية المسيطرة حالياً. بما يؤدي إلى تغيير الطريقة والوجهة السائدة حالياً التي أثبت الزمن والتاريخ والممارسة العملية عقمها وفشلها مما جعلنا نعيش على الهامش الدولي والوجودي[5].

ويجب أن يكون واضحاً للجميع هنا أن النقد الذي نمارسه ليس جلداً للذات أو تجريحاً للنفس –كما نؤكد دائماً- بمقدار ما هو محاولة جدية فاعلة للوقوف المتأمل أمام المشكلة كما هي على الأرض، لكي يتوفر لدينا عنصري الوعي والقدرة على اجتراح الحلول، وبناء القدرات وفتح مغاليق الفكر والواقع. خصوصاً بعد أن أتخمتنا مشاريع التنمية والتحديث العربية والإسلامية -من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار- بنضالاتها الفاشلة ودفاعاتها العقيمة التي ألحقت بنا العديد من الضرر والخسائر أكثر بكثير مما تسببت به للخصوم والأعداء.

إن أحوج ما تطلبه أوطاننا وبلداننا –في مواجهة متغيرات وتحديات العالم كله، وقد أصبح المتغير هو الثابت الوحيد فيه- هو العمل على إدارة هوياتنا وأفكارنا وثرواتنا وعلاقاتنا بالعالم بابتكار الجديد من الصيغ والمهام أو الطرق والوسائل والسبل[6]. أما ثقافة التطرف والعنف والتعصب والكره والخوف والعداء والصدام والقتل والانشداد إلى الوراء وعبادة الأسماء والأفكار، فمآلها عربياً أو عالمياً تفخيخ العلاقات بين البشر، والانتقال من مأزق إلى سواه، ومن صدمة إلى أخرى، ومن خسارة إلى خسارة أكثر فداحة.

[1] فمازال الناتج الإجمالي لبلداننا يتراوح نموه بين 0.5 -1 % منذ عقدين بينما تتراوح نسبة النمو الطبيعي للسكان بين 2.5 – 2.6 % سنوياً، مما يعني أنّ الدخل الحقيقي للفرد العربي قد انخفض في هذه الفترة بنسبة 40 %، يضاف إلى ذلك أنّ 60 % من المواطنين العرب يقعون ضمن الفئة العمرية تحت 35 عاماً، ويمثل الأطفال تحت سنة 15 عاما نسبة 40 % من تعداد السكان. إضافة إلى أنّ عدد المواطنين العرب الذين يعيشون تحت خط الفقر يتراوح ما بين 65 و 73 مليون نسمة، كما يقاسي حوالي عشرة ملايين عربي من سوء التغذية، وتصل نسبة الأمية إلى نحو 25 % ونسبة البطالة إلى 20 %، في حين أنّ الحكومات العربية قد أنفقت، خلال العقود الثلاثة الماضية، ما يقرب من 1800 مليار دولار على شراء الأسلحة بذريعة حماية الأمن الوطني والقومي. وفي الوقت نفسه تناقص تمويل التعليم تدريجياً منذ عام 1995، إذ انخفض الإنفاق على التعليم للفرد في الدول العربية، نسبة إلى الدول الصناعية، من 20 % عام 1980 إلى 10 % في منتصف التسعينيات.

ورغم الحديث عن ديمقراطية التعليم وإلزاميته فإنّ الأعداد المطلقة للأميين تتكاثر في العالم العربي، فقد ارتفع عدد الأميين العرب من 58 مليوناً عام 1982 إلى 61 مليوناً عام 1990، وإلى حوالي 70 مليون عام 2000 بما يشمل 40.4 % من جملة الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و 64 سنة. فإذا علمنا أنّ هذه الفئة العمرية هي نفسها من ضمن العناصر البشرية التي تخدم التنمية العربية، لاتضحت الحالة الحرجة لنوعية القوى العاملة التي تمارس النشاط الاقتصادي في العالم العربي. إذ تتسم العمالة العربية -عموماً- بانخفاض مستوى المهارة، نتيجة اتسام سياسات التعليم والتدريب في الدول العربية بأنها غير فعالة وغير قادرة على خلق العمالة الماهرة، القادرة على التجديد والارتفاع بمستوى الإنتاجية والجودة.

كما أنّ ظاهرة البطالة تعتبر من التحديات الكبرى التي ستواجه العالم العربي في السنوات القليلة القادمة، إذ تزايد حجم القوى العاملة سنوياً بمعدل 2.511 مليون خلال تسعينيات القرن الماضي، وقد ترتفع الزيادة خلال العقد الحالي إلى 3.350 مليون سنوياً، وبالتالي فثمة حاجة إلى ما يزيد عن مليونين ونصف مليون فرصة عمل مطلوب توفيرها سنوياً. وتكمن خطورة البطالة في ارتباطها بعدالة توزيع الدخل، ومحاربة الفقر، وحرمان العامل من تلبية احتياجاته الأساسية، وممارسة حق العمل الذي لم يترسخ حق الاعتراف به حتى الآن.

ومما يضاعف المشكلات العربية أنّ عدد السكان سيتضاعف خلال الثلاثين سنة المقبلة، وسيصبح سنة 2050 حوالي 645 مليوناً، ما يعني أنّ معدل النمو السكاني في المنطقة العربية سيكون أعلى من معدل النمو الاقتصادي. والسكان في سن العمل (15 - 59) سيصل عددهم سنة 2025 إلى حوالي 285 مليوناً، ومن المتوقع أن يصل حجم القوى العاملة العربية إلى 125 مليوناً في سنة 2010. مع العلم أنّ عدد المهاجرين، من أصحاب الكفاءات والاختصاصات المهمة، إلى الخارج يقدر بملايين عدة من الفنيين وحملة الشهادات العليا، وهم القوى الأساسية الضرورية لأية نهضة حقيقية (قدرت خسارة العرب بسبب هجرة العقول العربية بـ 1.57 مليار دولار سنويا).

وفي الواقع تواجه الدول العربية تحديات إنمائية في تحقيق أهداف الألفية: فهناك نحو 10 ملايين طفل خارج المدارس، وعدم المساواة بين الجنسين ما زال قائماً، حيث تبلغ نسبة الأمية لدى النساء نحو 50 %، وتحتل النساء نحو 5 % فقط من المجالس التشريعية العربية. وعلى المستوى العربي، فإنّ متوسط مؤشر التنمية الإنسانية، البالغ0.651 هو أقل من المتوسط العالمي البالغ 0.729 بحسب تقرير التنمية الإنسانية الصادر عن الأمم المتحدة في العام 2004، كما أنّ المؤشر للمنطقة العربية هو أقل من مؤشر البلدان النامية البالغ 0.663.

 

[2] المفارقة الأكبر هنا أن العرب والمسلمين يمتلكون طاقات وموارد وثروات وإمكانات طبيعية وبشرية وجغرافية (مادية ورمزية) كبيرة، ولكنهم في الوقت نفسه يعيشون شبه متطفلين على موائد الآخرين، أي أن هناك فجوة بين ما يملكونه وما يصنعونه أو ينتجونه. وهذا إن دل على أمر ما، فهو يدل على أننا لا نحسن تشغيل مواهبنا العقلية والعملية المتوافرة عندنا، الأمر الذي يظهر في واقعنا من خلال انتشار مظاهر الفقر والتخلف والجهل الواسع.

[3] والمثال الحي الراهن على ذلك هو الداعية التراثي والأصولي السلفي الذي يملأ شاشات الفضائيات العربية والإسلامية طولاً وعرضاً بأحاديثه ومواعظه، فتراه يوزع شهادات التدين وحسن السلوك على هذا، وفتاوى التكفير والقتل ضد ذاك. ويدعي امتلاك مفاتيح الجنة والنار والحقيقة والهداية والسعادة لإنقاذ الأمة الإسلامية والبشرية جمعاء من براثن الكفر والفسق والفساد. وفي سبيل تحقيق ذلك يستدعي رموز هذا الخط كل ما هو حق أو باطل (شرعي أو غير شرعي) من التراث أو من العصر الذي يعيشون فيه..الأمر الذي حول الإسلام من دين إنساني متسامح، إلى مجرد خطاب ثقافي حزبي مخيف يلاحق الناس، ويزرع الرعب بينهم كمحاكم التفتيش سابقاً.

والمحصلة لذلك كله مزيد من التقوقع على الذات القديمة، ومزيد من البعد عن العصر والتوجه نحو الماضي-الحلم البعيد، ومزيد من الكسل والتحجر والتقليد الأعمى.. وبعدها ماذا هناك، إنه الفشل الحضاري المتجسد في العجز الفاضح عن نقد وتطوير العلوم القديمة، أو عن الانخراط في اكتشاف وافتتاح فروع علومية جديدة.

[4] علينا ألا ننسى أن الأصولية الدينية التي نشأت في عالمنا العربي، وتعاظم دورها خلال العقدين الماضيين، انطلقت بقوة بعد أن تم إحلال منظومة الأفكار التقليدية، حول التقدم والنهوض، والتي يعتبر الدين الرافد الأساسي لها، بأخرى أكثر مدنية وحداثة، وذلك من دون خدش للقيم الأصيلة في الثقافة العربية. وهنا جدير بنا أن ندرك اختلاف إجراء الحداثة في العالم الإسلامي في العديد من وجهاته. على عكس أوروبا حيث بدا إجراءً قومياً تماماً، بدأت الحداثة في المجتمعات الإسلامية كنتيجة مباشرة للمواجهات الاستعمارية مع أوروبا. بدلاً من الابتكار، بدت التجربة الإسلامية تقليدية في محاولة لبلوغ ما توصّل إليه الغرب. وقد انقسمت الدول الإسلامية إلى تيارين في الحقبة اللاحقة للاستعمار بطريقة غير سلمية: النخبة التي تلقّت ثقافة غربية وتشرّبت القيم العلمانية والكثير من القيم الأساسية التي لم تملكها من قبل. وتحكم بالكثير من الأنظمة مجموعة من الشيوخ المسنّين في حين لا تتعدّى غالبية شعوبهم الثلاثين من العمر. ومنذ حقبة الاستقلال الشكلي، فُرض غالبية التبدّل السياسي على المجتمع بشكل متسارع وليس تدريجيًا من خلال إجراء فوقي من التطور الاجتماعي والمفاوضات الديمقراطية.

 

[5] طبعاً هذا سيكون كارثة حقيقية إذا ما اقتنعنا بأن هذا التهميش ليس ناتجاً بالضرورة عن الآخر (العدو الذي يتربص بنا الدوائر!!) بمقدار ما هو ناتج عن عدم تشغيل عقولنا واستثمار مواردنا العقلية والمادية. فالذي يفشل عليه أن يجلس ليتأمل ويفكر ملياً في أسباب فشله، وأن عليه واجب تغيير وسائل وطرق تفكيره وسياسته في إدارة النفس والواقع ليكون تعامله مع الأحداث منتجاً ومؤثراً.

[6] د.علي حرب، مسألة التغيير بين المأزق والمخرج، مجلة التسامح، العدد:5 لعام 2004م، ص: 233.

التعليق على هذا المقال


christian raffin (فرنسا)

في مفهوم "الدّولة (...)

مفهوم وتركيب لغويّ ظهر حديثا في البلدان العربيّة وباللّغة العربيّة، وهي على الأرجح تنفرد به في اللّغة السّياسيّة المتداولة حاليّا. فصفة المدنيّة تنسب غالبا إلى المجتمع لتعني الفضاء المتوسّط بين الأسرة والدّولة، أي الجسد الاجتماعيّ المنظّم على نحو إراديّ وبمعزل عن الطّبقة السياسيّة. وتنسب إلى المواطن لتعني المواطن الذي ينهض بحقوقه وواجباته من تلقاء نفسه وبكلّ حرّيّة. ويضيفها الفيلسوف الفرنسيّ أتيان (...)
alawan on facebook
alawan on twitter