الاثنين 21 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > مقالات > العلمانية كفريضة منسيّة

العلمانية كفريضة منسيّة

الاحد 15 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009
بقلم: سعيد ناشيد  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

يختزل الإسلاميون الإسلام في بُعد واحد، هو الدّين، ثمّ يقولون: نحن الإسلاميين!

يختزل السلفيون التراث في بعد واحد، هو أصول الدين، ثمّ يقولون: نحن السلفيين!

يَختزل أهل السنّة الهوية في السنّة، ويختزلها القرآنيون في القرآن، والجهاديون في الجهاد، ثم تنتهي الأمور إلى اختزال الجهاد في السيف، والأخلاق في الشرف، والفضيلة في الخوف، ويمعن الكثيرون في اختزال ممكنات النهضة في مناهضة العلمانية واستعداء العلمانيين.

في مقابل تقزيم الذات واختزال دورها في مجرّد ممانعة بالوكالة للعلمانية، يتوهم الكثيرون بأنّ العلمانية، هي بالبداهة واليقين، أعزّ ما يَطلبُه الغرب منّا ويرجوه، فهي قيمته الرّاسخة فيه، والتي لن يتردّد أو يتلكّأ في ترسيخها فينا، كُلّما أمكنه ذلك وأسعفناه، إمّا تعميماً للحداثة والتنوير أو تطويعاً للتّطرف وتطويقاً للإرهاب العالميّ، في حين أنّ العلمانية في المُجتمعات الإسلامية، صعْبٌ منالها، عصيّ إدراكها، وأنّها في المُجتمعات الغربية، راسخة جذورها قويّ بنيانها.

والحقيقة المنسيّة في حروب الأفكار، أنّ العلمانية في المُجتمعات الغربية، باتت تعاني من ضيق حادّ في التنفس، وتُكابد تراجعاً يَفوق أحياناً، ما تكابده داخل بعض المُجتمعات الإسلامية.

وإذ يتفق بعض العلمانيين مع الكثير من الإسلاميين، في القول بأنّ الإسلام له جوهر مُعادٍ للعلمانية، وأنه عامل أساسيّ من عوامل انتكاستها وانحسارها، فإنّ الحقيقة الغائبة، هي أنّ الإسلام، في أساسه الأنطولوجي، وبخلاف ما يعتقده راغبون فيه وراغبون عنه، لا يعارض العلمانية ولا يعترض على تجديد أفقها الكونيّ والإنسانيّ، طالما كان الإسلام، في أساسه الأنطولوجي، يقوم على الفصل التامّ بين مدينة الأرض ومدينة السماء.

هناك أيضاً، من يعتقدون بأنّ وضعيّة الإسلام والمسلمين في العالم، ستغدو أحسنَ حالاً وأفضل مآلاً جرّاء تدهور العلمانية في كافّة أرجاء المعمورة، ما يعني أن الهُجوم على قيم العلمانية هو معركة المُسلمين أيضاً، بل هو أمّ معاركهم، والواقع أنّ المسلمين هم أوّل ضحايا عالم تنهار فيه قيم العلمانية، إذ أنه ومع تدهور الوعي العلمانيّ وانحساره عن الحقل السياسيّ الرّاهن وعن مجال العلاقات الدّولية، لم تزدد وضعية المسلمين إلاّ سوءاً وتردّياً، وفي كافّة جبهات الحراك الاستراتيجي.

ويعتقد الكثيرون بأنّ الأصوليات الإسلامية تتفوّق على الأصوليات الغربية، في القدرة على تهديد العقلانية والعلمانية، والواقع أنّ الأصوليات الإسلامية لا تملك من القدرة على تهديد مستقبل العلمانية، أكثر ما تملكه الأصوليات الغربية، فالأصوليات الدينية الإسلامية لم تكد ترى النّور، منذ سنوات الحرب الباردة، وأجواء العدوان الاستعماري على مشاريع النهضة العربية، وعلى حركات التحرّر الوطني، حتى أمست جزءاً لا يتجزّأ من نزعة أصولية وظلامية غربية وغير تقليدية تحتويها وتتجاوزها في نفس الآن.

فالظلامية الغربية تمتلك من الإمكانيات العلمية والسياسية والفنية، ما يجعل قدرتها على تهديد قيم الحداثة والتنوير، تتجاوز قدرة الظلامية الإسلامية، والتي لا تتخطى، في معظم الأحوال، حدود تبذير الأموال، والانتحار المجّاني وإثارة الفرجة أمام الأضواء الكاشفة لوسائل الإعلام.

يمتلك الظّلاميون المَسيحيّون، في الولايات المُتّحدة الأمريكية وفي دُول الاتحاد الأوروبي، جُرأة قلّيلاً ما يَتمتّع بها الظلاميون الإسلاميون في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ فالظلاميون الغربيون، يخوضون في كافّة التفاصيل العلمية والمدنية، من العازل الطبِّي والإجهاض، إلى نظرية داروين والتجارب حول الخلايا الجذعية الجنينية، مروراً بالصّلاة في مَدارس التعليم العُمومي وانتهاءً بمشروع الدّستور الأوروبي ومُساعدات الدُّول الفقيرة، يمتلكون مِئات المحطّات الإذاعية والجامعات والمدارس والمراكز الاستشفائية والشركات العابرة للأوطان، وهي وسائل تكفي لتأمين تعديل شامل في مَجرى الحضارة المُعاصرة، من داخل الانتماء إليها، ومن دُون دَوِي يثير أضواء الفرجة والإثارة.

في حين أنّ الظلامية الإسلامية، وإن ساء ذِكْرُها وعظُم صَخَبُها، فإنّها ليست أكثر من مُقلّد، دون مفعول يستحقّ الذكر، لظلاميّات أخرى؛ ظلاميات ذات أجندة كبرى ولها رهانات بمفعول كونيّ وأفق استراتيجيّ بعيد المدى، وقدراتها الذاتية أشدّ تأثيراً على مصير الحضارة المعاصرة. ومسارها.

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

دبي - عمار العباسي
15 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 02:12

بسم الله.. تم اختزال الفارق بين تهديد الإسلاميين والمتمسكين بالمسيحية في الغرب في تهديدهما للعلمانية في التالي: رؤية غير مكتملة لتكون حقيقة علمية وهي نظرية داروين، والإجهاض الذي هو قتل نفس بسبب أن النفس هذه ليس لها صوت تصرخ به وتدافع عن حقها، وقدرات تقنية لو قارنا من خلالها العلمانية العربية والعلمانية الغربية سمجد الفارق فيهما تقنيا هو ذاته الفارق بين الإسلاميين والمسيحيين الغربيين، لذا أرى الطرح بعيد جدا عن العلمية والدقة التي من المفترض ان يتسم بها كل أنصار التنوير بشتى رؤاهم الآيدلوجية : )


الرد على التعليق

  • دمشق - عمّار ديّوب
    17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 00:33

    تكملة الرد:هذا الوجود الهش لهذا النقيض هو بالضبط ما يتيح فراغاً يملئه رجال الدين الذين يغلقون الفراغات وهي على ما يبدو ما تبقى لهم في زمن الحداثة والعقل، وبالتالي الضروري في الزمن الرديء العودة إلى المشروع النقيض وليس الوقوف عند العلمانية التي في النهاية هي جزء من كل وليس الكل كلّه. كلامي عن الليبرالية لا يعني بحال من الأحوال، الثقة بقدرتها على تجديد نفسها كمنظومة متكاملة، فرضت سيطرتها أكثر من ثلاثة قرون، بالتزامن مع الرأسمالية؛ بل أقصد أن الليبرالية كمنظومة عليها أن تعيد بناء تصوراتها بعيداً عن الرأسمالية ومقدساتها في النظام الاقتصادي الاجتماعي السياسي المدمر لثروة الطبيعة وللبشر ولكل ما يحيط بالكوكب الأرضي. وبالتالي الليبرالية التي لها مستقبل ما هي قيم الحرية والمساواة والعدالة وإيديولوجيا العقل، والعلمانية بكل تأكيد، ويكمل هذه القيم حصراً الماركسية بعد تخليص نفسها من إرث الستالينية. إذن، ليست مشكلتنا الحقيقية مع الظلامية المسيحية أو الإسلامية أو غيرها، لأنها ظلامية الفراغ، ومشكلتنا الفعلية مع النظام الذي يدمر مرتكزات الحداثة ويترك فضائاً هشاً للعقل وللفعل الغرائزي ويعمل على تسييس الدين في دائرة الظلاميات.


    الرد على التعليق

دمشق - عمّار ديّوب
17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 00:30

الصديق العزيز سعيد، يصوّر دائماً في مقالاته، ان العلمانية في الغرب سيطبق عليها آجلاً أم عاجلاً، وهي منذ الان مصوّباً عليها، وتكاد ان تتعرض للتراجع وربما للزوال بعد قليل من التقدم الاصولي، متناسيناً أن الغرب الحالي سليل ثورات متلاحقة، عدا عن التطور الصناعي والعلمي الهائل التأثير على الوعي والعلاقات والفردية. كلامنا هذا لا ينفي إمكانية التراجع عن بعض الانجازات في ميدان العلمانية أو الحريات العامة، ولكنه تراجعا لا يصل حدود التهديد بالوصول إلى ظلاميات جديدة، تشابه بدرجة ما ظلامية طالبان أو القاعدة، أو الحركات الشبيهة بها في عالمنا المتخم حتى حدود الوباء القاتل بها، لذلك لا أجد ضرورة في تسليط الضوء على قضية حقيقة وهي تراجع العلمانية، ولكنها لا تستحق اعتبارها فريضة، والحقيقة المرّة، والتي غالباً ما لا تنقد، هي أن سبب تقدم الظلاميات والأصوليات، لا يفسر بذاته بل بغياب نقيض الرأسمالية، وهنا أقصد النقيض الليبرالي والماركسي معاً، ودخول هذا النقيض إما في تأييد الليبرالية الجديدة، وهي ليبرالية بدون قيم الليبرالية الأولى، وأما الماركسي فهو لا يزال غير عاثر على طريق تقدمي يميزه


الرد على التعليق

  • المغرب - سعيد ناشيد
    17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 02:49

    أشكرك على هذا العبور الجميل. العامل الاقتصادي الذي تؤكد على أهميته في التحليل لن يصب إلا في مصلحة الأطروحة التي أدافع عنها باستمرار، فالعامل الاقتصادي اليوم، في غير مصلحة قيم الحداثة والتنوير، والتي تحتاج إلى اقتصاد إجتماعي ومقاولات مواطنة، وأنظمة تضامن فاعلة ومنتجة، ودولة للرعاية الاجتماعية، وطبقة متوسطة قوية وعريضة. الحداثة انتصرت يوم تحالف الرأسمال مع التنوير، وأما اليوم فإن كبار المضاربين والمستثمرين والمالكين العالميين ينتمون أو يدعمون الشبكات الدينية الأكثر ظلامية وغرائبية. جوهر المشكل أن الرأسمال نفسه أصبح محافظاً، وهذا جانب يمكنك أن تساهم في إغنائه انطلاقا من قناعاتك التي لا أعرف مكاني بالضبط منها لكني أحترمها. المسألة الأخيرة، أن الظلاميات تملؤ الفراغ في مستوى البديل، نعم هذا صحيح، لكنها لم تصدر عن هذا الفراغ، الفراغ لا يفسر انبثاق الظلاميات، هذا الانبثاق يجب البحث عنه في تحولات الواقع وانكساراته، لكن أيضا في تحولات الوعي ومخاوفه، وهذا ما حاولت التركيز عليه.


    الرد على التعليق

تونس - عادل دمق
17 تموز (يوليو) 2010 21:11

"في حين أنّ الظلامية الإسلامية، وإن ساء ذِكْرُها وعظُم صَخَبُها، فإنّها ليست أكثر من مُقلّد، دون مفعول يستحقّ الذكر، لظلاميّات أخرى؛ ظلاميات ذات أجندة كبرى ولها رهانات بمفعول كونيّ وأفق استراتيجيّ بعيد المدى، وقدراتها الذاتية أشدّ تأثيراً على مصير الحضارة المعاصرة. ومسارها."صدق الله:"ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت و الطاغوت و يقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا"سرة النساء ألآية 51


الرد على التعليق


سوزان ياسين (سوريا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter