الاثنين 21 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > مقالات > العلم والدّين: هذيان إسلامي

العلم والدّين: هذيان إسلامي

الاربعاء 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009
بقلم: بشير عيسى  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

"ألِيس" سكنت جغرافيا الهذيان، لم تعد في بلاد العجائب !

ما الذي يحدث في العالم العربي والإسلاميّ، وما هذه الهستيريا ونحن في عصر ثورة الاتصالات والمعلومات وإنتاج العلوم والأفكار بسرعة لا سابق لها. نقف فقط لنؤكّد لأنفسنا وللعالم من بعدنا أنّا كنّا السبّاقين إلى العلم، وأنّ الحضارة كانت مُلك أيماننا قبل أن تسرق منّا، ولا نتوّج ذلك التأكيد إلا بالندب والبكاء وعداء الآخرين .

هل يعقل مثلاً أن يختصر عباس بن فرناس كلّ تاريخ علم الطيران وحاضره ومستقبله لنكون أمه وأباه، وفي الوقت نفسه يخطب إمامٌ (عالم) في خطبة الجمعة متسائلاً : س + ع = الصفر؟ ليقول: بالله عليكم أليس في هذا ملهاة عن ذكر الله، ويطالب هذا العالِم بدوره بإلغاء مادّة الرياضيات.

وبالعودة إلى التاريخ: ألم يكتب عمرو بن العاص إلى الخليفة عمر بن الخطاب يسأله في أمر مكتبة الإسكندرية، فيجيبه الخليفة: " إذا جاء فيها ما يخالف أمر الله فعليك بحرقها، وإن جاء فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله غنىً .." وهل لنا أن ننسى مثلاً آخر يأخذنا إلى أبي جعفر المنصور الذي طلب من ابن المقفع بعد أن قطع له أصابعه أن يقوم بأكلها بعد شيّها، حين نصّب المنصور نفسه ولياً على كتاب الله والدين الإسلامي …

ألم يحرم الخليفة القادر بالله عام 1020 م فكر المعتزلة وأباح دمهم، وهم الذين كان لهم دورٌ فكريّ وفلسفيّ لا ينسى في فترة برزت فيها أفكار ابن تيمية والغزالي في تكفير الناس، وكانت تحرق بالتزامن مع مدّ الأفكار السلفية والتكفيرية كتب فيلسوف قرطبة أمام عينيه، ليبدأ عصر وينتهي آخر … والأمثلة لا تنتهي .

لا شيء طبعاً يأتي من فراغ. في شهر رمضان الأخير يخرج العلم من عمامة رجال (أهل العلم) كما يخرج أرنب من قبعة ساحر، لتصير نومة أهل الكهف حقيقة علمية، والذبيحة التي لا يسمّى عليها فاسدة وسامّة، كما تصبح لغة القرآن الكريم لغة الكومبيوتر، وتنبثق من شاشات الفضائيات العربية برامج تنسب إلى النبيّ محمّد معجزات مخجلة يأبى المرء ذكرها من على هذا المنبر، في حين أنّ النبيّ نفسه كان يجيب إذا ما سئل بأن ليس له من معجزة سوى لغة القرآن نفسه.

في شهر رمضان الفائت سارعت محطات تلفزيونية عدّة لنقل تجربة شخص اعتنق الإسلام في العالم الغربي، وكأنّ مليار مسلم لا يكفي أمام الحلم بأسلمة العالم كله بعدما أسلمنا حتى الله .

المضحك المبكي هو في النكوص عن تقديمنا التاريخي لصورة الإسلام كدين عدالة وتسامح وقبول للآخر، فها هو القضاء المصري مؤخّراً يفاجئنا بإحدى التهم الموجّهة إلى خلية حزب الله في مصر بأنها تسعى إلى نشر التشيّع فوق الأراضي المصرية، وكأنّ الشيعية تهمة وليست مذهباً معترفاً به في الإسلام الذي ضاق على ما يبدو بأبناء جلدته رغم نموه الديموغرافي المموّل، فلا الإسلام السلطوي ولا الإسلام المعارض يقبل المختلف في جلسات مزايدة على الإسلام نفسه يشارك فيها كلا الطرفين .

يرى المفكّر الإسلامي د. محمد أركون في كتابه (نحو نقد العقل الإسلامي) أنّه: " إذا ما نظرنا إلى مجمل العبارات القرآنية في المدوّنة الرسمية النهائية، أي المصحف، لوجدنا كلمة الله واردة فيها 1697 مرة دون أن نحسب حساب الصفات التي تدلّ عليه أيضاً .. أما كلمة إسلام فعلى العكس من ذلك لم ترد في القرآن كله إلا ستّ مرات وبمعان تجريدية جداً وغير محدودة، غير أننا نلاحظ الآن أن استخدام كلمة إسلام أصبح عاماً وطاغياً سواء في الخطاب الإسلامي المعاصر أو في وسائل الإعلام العالمية، وفي كل ما يكتب عن الإسلام أصبحت هذه الكلمة تؤدي جميع الوظائف التي كانت تؤديها كلمة الله في الخطاب القرآني بصفتها فاعلاً أساسياً أولاً، إلى درجة أنها حلت محلها " . هكذا يتقدم الخطاب الإسلامي التقليدي ليحلّ محلّ الإلهيّ، حيث يغدو الله محاطاً بهالة إسلامية ولدرجة تشعرك انه لا يمكن الولوج إليه إلا عبر تلك الهالة، وعلى هذه القاعدة يتم تقسيم العالم إلى نحن و(هم)، ليصبح الجهاد ضدّ الآخر من بعدها شغلنا الشاغل في سبيل الدار الآخرة، بعد أن وضعنا نصب أعيننا زوال الدنيا وفناءها، ويصير كلّ من يفكر بالخروج عن الجماعة الإسلامية (صاحبة الحقّ) مارقاً ومرتدّاً يطبّق عليه حكم الردّة. ندعو الله ألا يتشبّه الغرب بنا فيقتل كلّ مرتدّ.

يرى ميشيل فوكو أنّ "الدين عقل مجتمع لا عقل له"، ولنا في ذلك مثال من الخطاب التقليدي للإسلام، ففي برنامج "زيارة خاصة" الذي يعرض على قناة الجزيرة، تحدث الدكتور "زغلول النجار" في حلقة عرضت مؤخراً عن الحقائق العلمية التي توصل إليها الغرب وكيف أنّها مثبتة في القرآن، وأنه قام في محاضرات عدة له بجامعات أمريكية بإطلاع العلماء على أنّ نتائج أبحاثهم موجودة في النص القرآني قبل قرون، ليقوم هؤلاء بعد ذلك بالبحث والتقصي فيصلوا إلى حقيقة ما أشار إليه "النجار"، عندها يعلن هؤلاء العلماء إسلامهم، وحين يطلب منه مقدّم البرنامج أن يذكر له بعض أسماء هؤلاء العلماء يجيبه الشيخ أنه لا يتذكّر أيّ اسم .

لماذا كل هذا التضليل والديماغوجية التي تحتوي ضمنياً عقد إحساس بالدونية تجاه الآخر، وماذا يعني مثلاً اعتناق شرطيٍّ للإسلام في معتقل متطرفي القاعدة (الذين يخشون العودة إلى بلادهم ومواجهة الاتهامات والأحكام على جرائمهم)، مع كامل احترامنا للشرطي ولمهنته، غير أنّه ليس بعالم أديان مقارن أو مفكّر أو باحث أو كاتب أو فيلسوف ولا هو حتى بالراهب، بكل بساطة أسلم الرجل، وماذا في ذلك؟ ألا تؤمن كل ديانات العالم بالله كلّ على طريقته! المفارقة أنّ الإسلام في هذا الموضوع يأخذ ولا يحبّ أن يعطي. أسلم ذلك الشرطي في معتقل متطرفي القاعدة، تعالت صيحات النصر والتكبير ربما لكسبنا كماً إضافياً إلى صفوفنا وكأننا في حالة سباق ديموغرافي مع العالم .

أما كان حرياً بوسائل الإعلام التي تدعي الحرية والمهنية وهي تنقل أخبار من اعتنقوا الدين الجديد أن تسأل مثلاً عن الأسباب التي دفعت الشيخ الستيني "عباس عبد النور"، وهو آخر علماء أسرته في مدينة دمنهور على مدى 600 عاماً، إلى تأليف كتابه (محنتي مع الله والقرآن)، وآخرين كثر غيره ممّن لا يجرؤون على ذكر اسمهم الحقيقي، حتى تكون وسائل الإعلام تلك منصفة في نقلها للرأي والرأي الآخر ، أم انه الخوف والتعتيم وطمس وتكفير أي تساؤل يمكن أن يفضي إلى حوار جِدّي بعيداً عن الإرهاب الفكري والتكرار المريض واجترار فقه القرون السابقة، ما جعلنا في قمة الدول المستغنى عنها بالمفهوم الحضاري، وذلك بعد أن أعدنا إحياء محاكم التفتيش لتكون القاضي والجلاد والشاهد على موت حرية الفكر والضمير في هذه ( الأمة ) .

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

بغداد العراق - ابو مودة
18 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 16:09

اليوم في الالفية الثالثة تزداد الامتين العربية والاسلامية تخلفا وغباء ونتيجة لتسلط رجال الدين وفتاواهم السخيفة والتافهه زاد كره العالم للاسلام الدموي وطور ارهابيو الاسلام من قدراتهم الدموية بقتل البشر في كل ارض ومكان اكثر بكثير مما قام به السلف البائس … لذا نتبرأنحن من ولدنا بالفطرةعلى هذا الدين الدموي ونرفض فتاوى الارهابين العرب والمسلمين


الرد على التعليق

دمشق - انس
18 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 16:45

مقال رائع يعبر عن واقع الحال و التخلف الذي تعيشه مجتمعاتنا في ظل ثورة العلم و التكنولوجيا و للاسف لازلنا نعيش في الاوهام و التخيلات التي مرت عليها الازمان و الدهور


الرد على التعليق

قفصة -تونس - رامز بوزيان النصري
19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 14:51

شكرا جزيلا للسيد بشير عيسى على مقاله الذي وضع الاصبع على المرض مرض التطرف و الانغلاق و النكوصية المرضية التي تلوي عنق الحقائق ناظرة الى المستقبل بعين الماضي مسلطة على واقع الالفية الثالثة بتطورها و تعقدها و ثوراتها الاتصاليةو التقنية و العلمية فتاوى خرقاء لمجموعة من محترفي الديماغوجيا الاعلاموية و كل ذلك بمباركة من الحركات السلفية و رعاتها من الانظمة المتخلفة و كل الذين لهم مصلحة في ان تظل الشعوب العربية متخلفة خاضعة…وشكرا لموقع الاوان على ما يبذله من جهدتنويري بعيدا عن الشعارتية و الغوغائية


الرد على التعليق

دبي - عمار العباسي
21 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 22:28

بسم الله.. أتمنى من دعاة التنوير الآخذين بالعلم اليقيني لاسيما ونحن في الألفية الثالثة أن يأتوا بمصدر يثبت ما ينسب لعمر من مقولة مذكورة في الموضوع، هذه المقولة التي كتبت بعد 600 سنة من وفاة عمر، وبدون سند يثبتها لحياة عمر كيف لها أن تذكر في مقال يكتب في الألفية الثالثة يقصد منه معارضة الدين الأكثر توسعا اليوم!.


الرد على التعليق

  • قفصة -تونس - رامز بوزيان النصري
    21 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 23:38

    لا ادري هل انكم واعون لما تقولون ام انكم غير واعين …الاثباتات يا هذا يجب ان تشمل كل شيئ بدء مما ينسب الى ممثل الدين الجديد وصولا الى الصحب و تابعي الصحب ثم من اتصل بهم من خدم و موالي….كيف الاثبات برايك


    الرد على التعليق

    • دبي - عمار العباسي
      23 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 19:02

      بسم الله.. الأخ رامز.. العلم درجات، ظني وقطعي، ثم علم اليقين القطعي، يعلوه عين اليقين.. عندما يأتيني شخص ليصف لي مدينة تسمى روما، أنا هنا أمام علم ظني، لكن عندما يأتيني ألف شخص غير مرتبطين ببعض فهنا أصبح العلم لدي علم يقين، وعندما أزور روما وأشاهدها أكون بلغت عين اليقين.. إن ديننا نقله الآلاف عن الآلاف.. وقد كتبت نصوصه منذ مطلعه. واليوم ملايين الكتب عنه، لا يمكن لعقل أن يصدق أن أصل هذا الأمر كذبة!، لكن قد يكون بعض ما اتصل به من بعض المرويات كذب.. كما أدعي شخصيا أن المقولة المنسوبة لعمر هنا غير صحيحة لأنها دونت بعد وفاة عمر بـ 600 سنة.


      الرد على التعليق

Vientiane - صفاء المسعودي
23 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 12:48

لا شك ان الادب الاسلامي فيه الكثير من الاحاديث والرويات تحض على العلم وتعلمه، ولكن اي علم ذلك الذي يدعو الاسلام المسلمين لتعلمه؟ هو ذلك العلم الذي يدخل خشية الله في قلوب متلقيه، فيكونوا مصداقاً للآية "إنما يخشى الله من عباده العلماء". لهذا السبب لم ولن نرى اي مسلم يبدع في علم ما إلا اذا تخلى عن "تعاليم الكنيسة" التي تتحكم بعقول المسلمين، وتحرر من الخوف من الاطلاع على علوم "الكفار".


الرد على التعليق

سلمية سوريا - محمد عيسى
24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 13:05

المقالة بقدر ما هي واقعية بقدر ما تفيض مرارة وأسى من واقع لم يعد واقعألكن في النهاية التاريخ لا يكتبه إلا الأقوياء ولا يمكن في أي دراسة تاريخية لاسيما فترات الإنهيار والهزيمة فصل القضايا الأساسية عن بعضها البعض من اقتصاد وسياسة ودين ومجتمع…..


الرد على التعليق

damas - fido
14 شباط (فبراير) 2010 00:25

كيف تدعو العلمانية الى التسامح وعدم التعصب وهذا المقال يخالف هذا الإتجاه ثم م قال أن الإسلام ضد العلم والتطور , إن الكثير من الأيات والأحاديث تدعو إلى التفكر في هذا الكون وترفع شأن العلماء(هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون).ثم إذا أخطأ أحد الخطباء لجهله بحقيقة الدين فهو لا يمثل إلا نفسه .ثم إن ميشيل فوكو يتكلم عن دين حارب العلماء وأحرق بعضهمقبل عصر النهضة وليس عن دين كرم العلماء وجعل مهم ورثة للأنبياء.ثم إن تاريخ العلمانية مليء بالدم وسفح الدماء كما حدث في الثورات المعروفة


الرد على التعليق

الأردن - eyado
23 آذار (مارس) 2010 22:39

سلمت يُمناك على هذه المقالة الرائعة , بحثت جدا ً عن تعقيبات لمقالتك و لم أجد سوى أنها قد أوضحت 90 % من النقاط التي لو بحثنا في أصولها لوجدنا أسباب فشل المجتمع العربي


الرد على التعليق


سوزان ياسين (سوريا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter