الثلثاء 7 شباط (فبراير) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > خارج الإطار > العين الشغوف والجلاّد محمّد الشيباني

العين الشغوف والجلاّد
محمّد الشيباني

الاثنين 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

في خطوة غير مفاجئة صدرت دعوة أزهريّة علنيّة إلى صلب المخرجة السينيمائيّة المصريّة إيناس الدغيدي وقطع يدها وقدمها( راجع تفاصيل الخبر في موقع الأوان ) لأنّها خرجت عن الملّة.

ويبدو أنّ المسألة تتجاوز ما صدر عنها باللسان إلى ماكان منها من "شذوذ" نتيجة ما تبديه الى العيان من مشاهد مصوّرة في احترام منها لموقعها باعتبارها فنّانة مبدعة أوّلا وأخيرا. وهي بهذه الصفة ليست معنيّة بالاجماع بل ينبغي أن تكون غير مبالية بمواقف أولئك الذين لا يملكون الأهليّة الموضوعيّة والتاريخية للتعاطي مع المسألة الفنيّة لأنّهم، وللأسف، لم يميّزوا بعد مقتضيات الواقع الماديّ الملموس من مستلزمات الصياغة الإبداعيّة لأمراء الكلام والفنّ عامّة وتصريفاته التي لا تستوفيها الفتاوى ولا تأتي عليها أحكام الذين أثبتت الوقائع الدمويّة والمنازع الإقصائيّة والتكفيريّة أنّ الكثير منها قد نطق عن الهوى.

فمن المؤكّد أنّ هذا الحكم ليس إلاّ صدى لملخّصات شفويّة وتقارير لأعوان تفتيش لا علاقة لهم بالكاميرا وعدساتها. ويكفي أن نستحضر أمر المصلح التونسي الطاهر الحدّاد صاحب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" الذي قيل فيه كلام مكفّر على الحساب قبل قراءة الكتاب، ونذكر كذلك فرج فودة الذي اعترف قاتله أنّه لم يقرأ أصلا صفحة واحدة ممّا كتبه، والشواهد في هذا كثيرة.

فممّا لاريب فيه أنّ الحكم الصادر في شأن الدغيدي يتجاوز مقالها وأفلامها إلى مبدإ جوهريّ يتّصل بحريّة الإبداع والتفكير وانتهاك الحرمة الجسديّة للذوات البشريّة وباحتكار تأويل النصوص الدينيّة. ومن جهة أخرى نقدّرأنّ الأجدر بمن يفكّر في قطع دابر أمثال الدغيدي من السينمائيين ألاّ يكتفي بقطع اليد التي تمسك الكاميرا والساق التي يقف عليها المخرج ( وإن كان الصلب وحده ينهض بالمهمّة)، بل يتعيّن أن يتذكّر هؤلاء الذين فاتهم أنّ السينما فعل العين بامتياز أن يقترحوا سمل العينين بالمسامير التي تحمّى للغرض، والسّمل من تقنيات التعذيب المعتمدة عند أسلافنا. لقد فاتهم أنّ العين الشغوف ( ونستعير هنا عنوان كتاب الناقد السينمائيّ التونسي ّ الهادي خليل ) - وإن قُطّعت الأوصال - ستظلّ تلتقط تفاصيل التفاصيل لتهيّئها مشاهد وألوانا تبدّد العتمة وتشوّش نقاء الصّورة وصفاء المشهد الواحد الأوحد. والعين - إن سُملت - فالرّوح سترفرف لامحالة في المنتهى. القليل من سعة الصدر، إنّ العالم أرحب.

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

- عادل لطيفي
7 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 23:15

هذه هي حال الثقافة والإبداع في البلاد العربية. المشكل أن الأوصياء على الثقافة الدينية ينكرون على غيرهم حق الخوض في مسائل الدين بدعوى عدم التمكن من الإسلام في حين لا يتورعون عن الإفتاء في السنما وفي الأدب وفي الفيزياء وفي المعلوماتية…


الرد على التعليق

تونس - مصطفى
9 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 11:17

لست أدري إلى متى يستمر هؤلاء في الاعتقاد بأنهم أوصياء على العقيدة بل وأنهم الوحيدون القادرون على فهم كنهها …لن تبزغ شمسنا ما لم نترك الدين للافراد ونساوي تماما بين الاناث والذكور وننتقل الى طرح الاسئلة الحقيقية الكفيلة بدفعنا الى الأمام


الرد على التعليق


christian raffin (فرنسا)

في مفهوم "الدّولة (...)

مفهوم وتركيب لغويّ ظهر حديثا في البلدان العربيّة وباللّغة العربيّة، وهي على الأرجح تنفرد به في اللّغة السّياسيّة المتداولة حاليّا. فصفة المدنيّة تنسب غالبا إلى المجتمع لتعني الفضاء المتوسّط بين الأسرة والدّولة، أي الجسد الاجتماعيّ المنظّم على نحو إراديّ وبمعزل عن الطّبقة السياسيّة. وتنسب إلى المواطن لتعني المواطن الذي ينهض بحقوقه وواجباته من تلقاء نفسه وبكلّ حرّيّة. ويضيفها الفيلسوف الفرنسيّ أتيان (...)
alawan on facebook
alawan on twitter