الاثنين 22 كانون الأول (ديسمبر) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > إصدارات وقراءات > “الغابة النرويجية” للياباني هاروكي موراكامي

“الغابة النرويجية” للياباني هاروكي موراكامي

بين قطع الجذور ونقد تغريب اليابان

السبت 30 أيار (مايو) 2009

بقلم:

علي العائد  

شارك اصدقاءك هذا المقال



قد يعرف بعض القراء العرب من الروائيين اليابانيين ميشيما وكواباتا وتانيزاكي، وربما كنزابورو أوي، حامل نوبل 1994، لكنّ اكتشاف هاروكي موراكامي يأتي متأخّراً فهو (الابن الضالّ)، ليس فقط في اليابان، كخارج عن خصوصية أدباء المجتمع الياباني، بل وفي اللغات الأخرى التي ترجم إليها أدبه، حتى بلغت 38 لغة بينها العربية. وربّما تقف روايته (الغابة النرويجية) كأوضح تعبير عن الضلال الذي اختاره كسمة مميزة لأدبه، فرواياته، عموماً، ملأى بشخصيات تدمن الحياة الهامشية، ضمن روتين يومي هو مزيج من السحر السريالي والواقعية الفجة، التي تذهب في المفارقة حدّ العبث والبحث في أسئلة كبرى عن الهوية، لكن دون مباشرة، الأمر الذي يعطي أدبه مسحة بوليسية في تقديم الحبكة، دون أن يكون في المشهد شرطي، أو محامٍ، أو مجرم.

في (الغابة النرويجية) يقدم موراكامي اليابان بطريقة تجعل كل الأشياء بسيطة، من الموسيقا، إلى الصداقة، إلى الحبّ والموت، حتى يبدو أن كل موقف، وكل كلمة، في الرواية، واضحاً بشكل صارخ، ما يجعل الكتابة عن الرواية تتخذ صعوبتها من هذه الملاحظة. لا يمكنك أن تخمن ماذا يريد الكاتب في روايته هذه، أو ما لا يريد، فهي رواية تتمتع بعنصر الحكاية الجميلة، والسرد السلس الذي لا يتكلف الوصف المطول، ومع ذلك يقدم الروائي صورة واضحة لشخصياته، فيوظف الحوار، والكلام المنقول، والسرد، لإيصال فكرته بأسلوب لا يتوسل عناصر الإثارة الشكلية في الروايات البوليسية، أو الجنسية، أو نماذج روايات المصادفات. مع أن الرواية تحفل بكل هذه العناصر. هو ببساطة يقدم حيوات لأبطال يشبهوننا بطريقة ما.

الغابة النرويجية، وهو اسم لأغنية شهيرة لفرقة “بيتلز” (الخنافس)، عنوان يحيل منذ الوهلة الأولى إلى طقس شمال أوروبا القارس، ويدل على موضوع الرواية الذي تجنب الكاتب أن يفضحه. تقول ناوكو أحد أبطال الرواية “هذه الأغنية تجعلني أشعر بحزن جارف. لا أعرف. يتراءى لي أنني أتجول في غابة عميقة. وأنا وحدي في ظلمة باردة، لا أحد يأتي لإنقاذي. لهذا لا تعزفها رايكو أبداً ما لم أطلبها منها”.

وسيجد القارئ أن الرواية تكاد تخلو من أيّ شيء ياباني، سوى المكان والأبطال، لكن جميع شخوص الغابة النرويجية يشعرون ببرد ما يأتيهم من حالة التغريب التي يعيشها المجتمع الياباني منذ دخوله العاصف في آلة الإنتاج الكونية، فانعكس ما حققه في المجال المادي الصناعي على مجتمع اليابان، بروداً عاطفياً، وخواء روحياً، جعل من الموسيقا التي يسمعها، والطعام الذي يأكله، وأنوع العلاقات بين البشر، كذلك أنواع المشروبات، بل حتى طرق الانتحار، وأنماط المصحات النفسية (التي كانت في ما مضى معسكرات لفرسان الساموراي).. كلها اتخذت لبوساً غربياً طاغياً، وكأن اليابان بلد يولد الآن، وهو بحاجة أن يستعير، أو يستبدل، مكونات مادية وروحية من المجتمعات الغربية الرأسمالية. أعتقد، ولعلّي مخطئ، أن الكاتب أراد أن يقول هذه الفكرة بحرفها، لكنه ترك للقارئ أن يجدها، بعد أن ترك له أكثر من مفتاح يدل عليها. لكن ما عرف عن موراكامي من شغفه بالتبشير لانقطاع اليابان عن تقاليدها، ووضع المجتمع الياباني في سفينة العالمية مرة واحدة، بعد أن حجزت مكانها في سفينة الاقتصاد العالمي، كل ذلك يجعل من مقولة الهجائية لطريقة الحياة الغربية مستبعدة، فهو يبشر ولا ينتقد، ولا أدل على ذلك من فوز موراكامي بجائزة الحرية الفردية “الإسرائيلية”، وتسلمه إياها من الرئيس “الإسرائيلي” في العام الماضي، نقول هذا دون خشية اتهامنا بأدلجة الفنّ، فهذه الجائزة بحيثياتها هي ترجمة موازية للطرح الذي يقدمه موراكامي في الغابة النرويجية، حول الهوية الوطنية المائعة، التي تستعير لليابان كل ما غير ياباني من خلال حياة مجموعة من الطلاب يعانون كل أنواع الاغتراب في محيطهم الجامعي وحياتهم العائلية، حتى أن رفع العلم الياباني والاستماع إلى النشيد الوطني كل صباح يثير سخرية الطلاب، ويسمون الطالب الذي يلبس لباساً واحداً في كل يوم ويلتزم بأداء تمارينه الصباحي قبل تحية العلم، يسمونه (جندي العاصفة) أو النازي. تلك من أوضح الإشارات على الطريقة التي يقدم بها موراكامي فلسفته الروائية. وهي مما يلفت إليه كفنان، إضافة إلى مهارته العالية في تقديم أفكار كبيرة بشكل مبسط، ولعل في هذا درساً كبيراً في الرواية، فليس بالضرورة أن تقدم فكرة خيرة حتى تكون كاتباً كبيراً، فهنالك من يقدم القبح، أو الشر، بطريقة محترفة تجعل من عمله شيئاً جميلاً، لكن دون أن تختلط المفاهيم، فالقبح والشر هوَ هوَ، وأما الجمال فلا تخطئه الفطرة، أو الوعي.

وفي متن الرواية، نجد قصة الشاب تورو واتانابي الذي يعود بذاكرته إلى حياته الجامعية، بعد عشرين سنة، حين تحط به الطائرة في مطار هامبورغ، فيسمع أغنية الغابة النرويجية ليستعيد ما أمكنه تفاصيل تلك الحياة التي بدأها وهو ابن سبعة عشر عاماً. واتانابي يدرس الدراما في جامعة طوكيو، ويعيش في مهجع مشترك في السكن الجامعي مع (جندي العاصفة). وعلى خلفية تاريخية واجتماعية تحاول تضخيم منمنمات العاصمة طوكيو في أواخر ستينيات القرن العشرين، أيام ثورة الطلاب، إلى الأحلام المشوهة بعد هيروشيما وناغازاكي، ثم الدخول في زمن العالم الاستهلاكي، ومن ماضي اليابان الاستعماري، إلى عوارض العولمة الفالتة من عقال العقل.

في الغابة النرويجية، مزيج من إحالات على أمكنة ورموز وأيقونات ثقافية متعددة، من ستيفن كينغ، إلى سكوت فيتزجيرالد، ومن ديكارت إلى بيكاسو، إلى إلفيس بريسلي، انطلاقاً من البيتلز، بأغانيها (ميتشل – إنسان اللامكان – جوليا – الغابة النرويجية – الأمس – شيء ما)، وإلى هنري مانسيني (حبيب القلب). وفي الرواية والأدب والفكر، جون أبدايك، بلزاك، دانتي، جوزيف كونراد، ديكنز، وتوماس مان. وفي الموسيقى الكلاسيكية، نجد باخ، و موزارت. ومن السينما همفري بوغرت، و داستن هوفمان.

لا توجد فائدة للقارئ من سرد أحداث الرواية، لكننا نشير إلى التناص بين حدث زيارة واتانابي لصديقته التي تعيش في مصحّ، بعد معاناتها من انتحار أختها وصديقها السابق، حيث يرد تعليق من ناوكو على اصطحاب واتانابي لرواية (الجبل السحري) في رحلته لزيارتها، فأولاً يقع المصح في منطقة جبلية بعيدة عن العمران، يصل إليها قاصدها بركوب قطارات وباصات عديدة، ثم إن رواية توماس مان تتحدث عن مصح شبيه بهذا المصح بطريقة ما، حتى يمكن القول إن واتانابي يريد التعريض بحالة صديقته في إقامتها في مثل هذا المصح، مع أنه هو نفسه يشكو مما تشكو منه لولا أنه يعي ما يفعل، ويتمتع بنوع من اللياقة النفسية التي جعلته بعيداً نوعاً ما عما أصاب صديقته. وفي هذه الإشارة تأكيد على أن ما يحصل هناك، في أوروبا، يحصل هنا كذلك، وكحقيقة واقعة، أو كنوع من ناتج ثابت لمعادلة التغريب التي دخلت في حياة الشرق والغرب معاً.

لكن الحالة لاتصل بواتانابي سوى إلى نوع من فقدان الاتجاه حين يصله خبر انتحار ناوكو في المصح، ولو أنه كان يتوقع ذلك. ليستعيد قول ناوكو “لقد تعلمت شيئاً واحداً من موت كيزوكي، وأعتقد أنني جعلته جزءاً من نفسي على شكل فلسفة:”يوجد الموت لا بوصفه نقيض الحياة، بل بوصفه جزءاً منها".

الكتاب: الغابة النرويجية (رواية).

الكاتب: هاروكي موراكامي.

المترجم: سعيد الغانمي.

الناشر: المركز الثقافي العربي بيروت 2008.


شارك اصدقاءك هذا المقال

الذّكورات المنبوذة :

أبو سعديّة رجل أسود يظهر وعلى وجهه قناع من جلد وعلى رأسه طويل، ويرتدي أسمالا ويعلّق على جسده علبا فارغة وعظاما وأجراسا ويرقص وهو يدقّ طبلا . من منّا لا يعرفه إمّا عيانا أو خبرا؟ لا أدري هل رأيته في إحدى ساحات القيروان وأنا طفلة صغيرة، أم رأيته في التّلفاز. لكنّني سمعت عنه الكثير، وكان ولا يزال مضرب الأمثال، وعاد إلى ذاكرتي عندما شاهدت في يناير 2013 بفضاء “التياترو” بتونس عملا مسرحيّا يقدّم قصّته (...)
الفيسبوك
تويتر