الثلاثاء 29 تموز (يوليو) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > بوابة الأوان > الغرب والبديل الإسلاموي في العالم العربي / نجيب جورج عوض

الغرب والبديل الإسلاموي في العالم العربي / نجيب جورج عوض

الأحد 8 أيار (مايو) 2011
، بقلم   

شارك اصدقاءك هذا المقال



نعم، العالم الغربي وإسرائيل لن يمانعا بعد اليوم قيام أنظمة حكم إسلاموية في العالم العربي. أعلم أن قول هذا الكلام سيجعل الكثيرين ينعتونني بقصر النظر والغرابة. لقد اعتدنا في العقود الماضية أن نسمع من الأوساط السياسية والفكرية ومراكز صنع القرار والدراسات الغربية الكثير من الكلام الذي يعبر عن مخاوف القوى الغربية من أي بديل إسلاموي سياسي يستولي على السلطة في العالم العربي لما قد يعنيه هذا، كما تمضي تلك النظرية بالقول، من هيمنة لقوى صدامية تعادي الغرب لا إيديولوجياً وسياسياً فقط بل دينياً أيضاً، إن لم يكن أولاً، وتعادي إسرائيل وتكن لها الكره وستعمل معاً على محوها من الوجود. هذا الخوف من البعبع المسمى «البديل الإسلاموي» لطالما كان عنوان الموقف الغربي التقليدي من الحراك السياسي والتركيبات السلطوية الحاكمة في الشارع العربي العام. ولطالما اعتدنا كباحثين ومغتربين يعيشون في الغرب سماع مثل هذه المخاوف تتردد على ألسنة الغربيين وتظلل تساؤلاتهم حول طبيعة الحراكات العامة والسياسية أو طبيعة قمعها في الشارع العربي، سواء السابق للحراكات الأخيرة أو الناتج عن تلك الحراكات ونجاحاتها التاريخية. ولطالما سمعنا صنّاع القرار الغربيّين يميلون للحفاظ على الستاتيكو في الدول العربية ولممالئة أنظمة القمع والفساد والهيمنة العربية وذلك تحت شعار الحرص على استقرار العالم العربي وأمن أقلياته ومراعاة التعددية الإثنية والدينية والثقافية التي تميزه وحمايتها مما يمكن أن يصيبها من اهتزاز وتشوه وإمكانية زوال إذا ما سيطرت على السلطة والحكم في العالم العربي أنظمة من نمط ولون وإيديولوجية أحادية مثل الأنظمة الإسلاموية.

ليس بعد الآن. ما عادت تلك المخاوف نظارات صحيحة لقراءة ميول العالم الغربي الحالية ومواقفه وتصوراته لما سيؤول إليه العالم العربي في ضوء الثورات الأخيرة وماهية البدائل الدولتية والسلطوية التي سينتجها. إنني أعتقد وبيقين قوي بأنّ احتمال دعم الغرب لبدائل إسلاموية في العالم العربي ليس بالأمر المستبعد إطلاقاً ولا هو بالخيار غير المقبول للعقل السياسي والاستراتيجي الغربي بعد الآن. اليوم، يبدو أن ملامح تصورات وطروحات سياسية واستراتيجية جديدة بدأت تطبع منطق تفكير القوى الغربية حول منطقة الشرق الأوسط وحول علاقة العالم بالإسلام؛ منطق تفكير يقول: لا يمكننا أن ننكر وجود الإسلام السياسي والتركيز فقط على الإسلام الديني، وكأنه من الممكن لهذا الإنكار أن ينفي البعد السياسي للإسلام ودوره في مصير العالم وأحواله. الإسلام السياسي حقيقة واقعة أقوى تأثيراً وأوسع انتشاراً من خطاب الإسلام الديني، خاصة في الغرب. فالإسلام السياسي يهدد بخطابه ومواقفه مجمتعات ودول عديدة حول العالم لا يمثل فيها الإسلام كخطاب ديني خطاباً مهيمناً أو طاغياً ولا يمثل فيها المسلمون (حتى الآن على الأقل) سوى أقليات. اليوم، يصل تأثير الإسلام السياسي إلى كل أطراف الأرض وهو يلعب دوراً في تقرير مصير العديد جداً، إن لم يكن كل، المجتمعات الغربية وذلك لعوامل عديدة أقتصادية وثقافية وأمنية باتت تربط مصير العالم الغربي بالعالم الإسلامي تحت شعارات مثل الاقتصاد المعولم (تأثير المحفظة المالية الهائلة للدول الإسلامية الخليجية على اقتصادات العالم)، تحدي الحاجة للطاقة، الحاجة إلى حوار الثقافات بدل صراع الحضارات (تأثير الجاليات الإسلامية المهاجرة على حياة المجتمعات الغربية) وأولها جميعاً الحرب على الإرهاب ومحاولة جر العالم الإسلامي للوقوف ضده لا للتعاطف مع مقترفيه لإسلاميتهم.

وصل الإسلام في تأثيره السياسي إلى عقر دار العالم الغربي وبات يتدخل بالحراكات السياسية والمدنية والدولتية في كل دول أوروبا وفي أمريكا. وما عجز المهاجرون المسلمون (خاصة الهاربون منهم أو المنفيون من بلدانهم) عن ممارسته في العالم العربي بسبب القمع والاستبداد والاضطهاد الذي تعرضوا له بسبب قناعاتهم وآرائهم الدينية-السياسية باتوا يعملون وبقوة ونشاط حثيث على محاولة ممارسته، بل والدفاع عن حقهم به، في بلدان المغترب. وبات العالم الغربي يشعر بأن كل بنيته السوسيولوجية والثقافية والمدنية والحقوقية والشرائعية، التي اعتمدها بنية تأسيسية لجمهورياته ودوله منذ القرن التاسع عشر، تتعرض لتهديد ولتفكيك عقائدي وسياسي وإيديولوجي وديني جديد يطرحه الإسلام السياسي العالمي بقوة في أرضه وقلب مجتمعاته. لا بل لقد وصل الأمر ببعض الحراكات الإسلاموية في الغرب إلى المطالبة بتأسيس مجالس شورى إسلامية تدير شؤون الإقليات المسلمة وكأنها سلطة موازية للسلطة القائمة (دولة ضمن الدولة)، وكذلك إعلان أوروبا وأمريكا «دار جهاد» لنشر الدين الإسلامي والتعويل على التزايد العددي الواضح والمتسارع للمواطنين المسلمين مما قد يجعل منهم في العقدين القادمين الغالبية الديمغرافية الساحقة ويعطيهم بالديمقراطية والحقوق المدنية الصرفة الحق بتأسيس سلطة إسلاموية الطابع والذهنية.

هذا الواقع الآنف الذكر هو اليوم الخوف الحقيقي في الغرب في علاقته بالإسلام السياسي. لم تعد مخاوف الغرب المذكورة تتعلق بدور الإسلام السياسي في الشرق الأدنى وتهديده للمصالح الاقتصادية الاستراتيجية لأوروبا وأميركا في العالم العربي أو تهديده لإسرائيل ووجودها برمته. لم تعد تلك الأمور هي المصدر الرئيس لمخاوف الغرب وقلقه الشديد من دور الإسلام السياسي، بل باتت مصادر هذا الخوف الرئيسة والأولى هي تأثير هذا الإسلام المذكور على حياة الغرب الداخلية وعلى البنية السوسيولوجية والسياسية والدولتية والأمنية لدول الغرب بحد ذاتها.

أمام هذا الواقع، من الممكن جداً أن يحاول صناع النظريات وصناع القرار في الغرب إعادة قراءة خريطة العالم الاستراتيجية وإعادة ترتيب منطقة الشرق الأوسط في إطار هذه الرؤية. هناك طرح جديد بدأ كما يبدو يحظى بالاهتمام والتفكير من قبل تلك الدوائر، وهو منطق يقول: إذا كنا لا نستطيع الوقوف في وجه الإسلام السياسي ولا لجم طموحه بعد الآن، لماذا لا نجلس معه على طاولة واحدة ونساعده على تحقيق مشروعه البديل. ولكن، لنفعل هذا في موقع يساعدنا أيضاً على إبعاد هذا الطموح عن مجتمعاتنا ومناطق وجودنا المباشرة، ولنعطه الفرصة كي يحقق طموحاته ورؤاه السلطوية في أرضه الأم: العالم العربي. منطق شبيه بهذا المنطق دفع الغرب بقيادة بريطانيا لتشجيع اليهود على تأسيس دولتهم في فلسطين، انطلاقاً من تحقيق هدف واحد، كما تخبرنا أوراق لورد بلفورد، وهو إبعاد شبح اليهود وتأثيرهم عن أوروبا. في ضوء هذا المنطق، تصبح المعادلة تشجيع بل ومساعدة الإسلام السياسي للعودة إلى أرضه الأم والعمل على تحقيق مشروعه السياسي والدولتي فيها والقبول به كبديل عن الأنظمة العربية التقليدية. وكل هذا لا من باب الثقة والشراكة والمؤازرة، بل من باب إبعاد الخطر وتحويل وجهته نحو مكان آخر.

تبين الحراكات التاريخية الأخيرة التي تغير وجه العالم العربي للأبد بأنَّ احتمال البديل الإسلاموي وحلوله كمنظومة سلطة جديدة ليس احتمالاً بعيداً عن الواقع، وأنه هو الاحتمال الأقرب للتحقق على الأرض في البلاد العربية في المرحلة الانتقالية القادمة. فالحراك الإسلاموي السياسي استطاع أن يحافظ على تأثيره على الشارع العربي وأن يطور بنية تنظيمة ويؤّمن لنفسه ذخيرة بشرية ومادية واستطالات علاقاتية واستراتيجية مع باقي الحراكات الإسلاموية في العالم برغم القمع والملاحقة والتعتيم والتصفية في العقود السابقة. وكل مراقب متبصر يمكن أن يدرك أن حماس الشباب العربي اللاديني والديمقراطي والمدني الذي صنع التغيير في العالم العربي لن يتمكن من تقديم نفسه كبديل سياسي أو سلطوي في الفترة القريبة. الأهم من هذا أنَّ الغرب لن يدعم هذا الشارع الشاب ولن يعتبره بديلاً، بل هو سيضع يده بيد البديل الإسلاموي دون سواه انسجاماً مع إحساس أوروبا وأميركا المتنامي مؤخراً بأن الطريقة الوحيدة للتخلص من تهديد الإسلام السياسي في قلب المجتمع الغربي هو تشجيع هذا الإسلام على صرف أنظاره عن الغرب ودفعه لتحقيق مشروعه السلطوي في أرضه الأم وعالمه الأصل، لا بل ومساعدته على تحقيق هذا المشروع وقبوله كبديل استراتيجي عن الأنظمة السابقة.

والسؤال هو أي إسلام سياسي سيؤيد الغرب وسيدعم في العالم العربي؟ ليس الإسلام السياسي السلفي ولا الإسلام السياسي الجهادي والعنفي طبعاً. سيدعم الغرب بدائل سلطوية إسلاموية تتبع النموذج التركي والخليجي. فالنموذج الإسلاموي التركي أثبت أنه حليف يعول عليه في إطار الحفاظ على مصالح الغرب والتوازن الاستراتيجي الذي يريده الغرب فيما يتعلق بدور وحضور التهديد الإيراني في المنطقة. وقد بات النظام الإسلامي التركي أحد سفراء ووسطاء التوفيق والتفاوض بين دول المنطقة بكافة أطيافها وتناقض مصالحها وتخالفاتها. كما أنَّ النموذج الإسلاموي الخليجي أثبت انفتاحه على الغرب وحرصه على الحفاظ على مصالح مشتركة معه. لا بل وقد رضي كل من الإسلام السياسي التركي والخليجي (القطري على أقل تقدير) بأن يتخلى عن لهجة العداء وموقف الصراع مع إسرائيل، بل والبدء بنسج علاقات معها. مثل هذا الإسلام السياسي لا يهدد مصالح الغرب الاستراتيجية في المنطقة ولا يدين بالكراهية لإسرائيل ولا يعتقد بأنه يجب إزالتها من الوجود، وإن كان يدافع عن أحقية الفلسطينيين بدولة خاصة بهم (الأمر الذي بدأت دول الغرب نفسها تدرك الأهمية الاستراتيجية لدعمه ولهذا بدأت تعبر عن إيجابيتها تجاه إعلان الفلسطينيين لدولتهم من طرف واحد وعن سلبيتها وعدم رضاها العلني والصارخ على سياسات إسرائيل). ناهيك عن حقيقة أن الإسلام السياسي السني المذكور لا يقل عداء لإيران عن أميركا والغرب وإسرائيل، وهو يمكن بهذا أن يكون خط دفاع أول في وجه مشروع تلك الأخيرة الاستراتيجي. العامل الإيراني قد يكون، مثلاً، سبباً رئيساً لقبول الغرب ببديل إسلاموي معتدل وغير عنفي في مصر لا بل وفي سوريا أيضاً، إن كان هذا يعني أنَّ سوريا ستنقلب إلى معسكر الاعتدال الاستراتيجي وتقف في موقفها في صف دول مثل تركيا ودول الخليج وتلجم تأثير الجناح العسكري والصدامي للإسلام السياسي في الغرب. وإذا كانت الأنظمة البديلة عن الأنظمة العربية المنهارة تتبع التيار الإسلاموي السياسي التركي أو الخليجي نفسه، فلن أكون مستغرباً أبداً إن نالت أنظمة تقودها جماعة الإخوان المسلمين في مصر أو سوريا أو الجماعات الإسلامية في تونس أو الجزائر أو ليبيا، وتحت أي مسمى حزبي أو تنظيمي قد تقدم نفسها به، التأييد والضوء الأخضر من الغرب، لا بل ومن إسرائيل أيضاً (لأول مرة نسمع مسؤول إسرائيلي يشكك ببقاء نظام الأسد في سوريا مؤخراً).

تخطئ الأنظمة العربية الديكتاتوية القديمة إن كانت ما زالت تعتقد أنَّ الغرب مازال يتبنى نظريتها عن مخاطر بروز بديل إسلاموي سلطوي في قلب العالم العربي، وتخطئ أكثر إن اعتقدت أن مثل هذه النظرية مازالت تضمن لها دعم الغرب ومساعدته لها على البقاء في السلطة. تتغير المنطقة العربية بشكل راديكالي وسريع يسبق بإيقاعه ومفاجآته وتبدلاته الحدثية عقول وتحليلات وتوقعات الجميع. ولكن ما لا يمكن لأحد من أتباع وأنصار الأنظمة العربية القديمة أن يتجاهله أو يتعامى عنه هذه الأيام هو تغير لهجة الغرب حيال الإسلام السياسي وتعديله للهجته السلبية تجاه إمكانية تكريس هذا الأخير كبديل على الساحة العربية الجديدة. وخلاصة الأمر أنَّ الخوف من الإسلام ودوره في قلب الغرب هو الذي يصنع اليوم سياسة الغرب الاستراتيجية حول العالم العربي، وليس الخوف من الإسلام السياسي وإمكانية سيطرته على السلطة في العالم العربي المجاور لإسرائيل. اليوم، قد يصبح طرح الإسلام السياسي كبديل سلطوي عن الأنظمة العربية المتهالكة هو أحد الحلول، إن لم يكن أهمها، الاستراتيجية التي يريد أن يجربها الغرب كي يردأ عن مجتمعاته وعقر داره طموحاً سياسياً إسلاموياً مماثلاً بدأ يتحدث عنه بل ويسعى له على أرض الواقع أولئك الإسلاميون الذين هربوا إلى الغرب يوماً لأنهم حاولوا تحقيق نفس الحلم في أرض الوطن ولم ينجحوا في ذلك.

وكلمة أخيرة للعرب غير المسلمين أو غير-الدينيين أو العلمانيين: العالم العربي عالم إسلامي شئنا أم أبينا، وفضاءات الوطنية القومية واللا-دين والعروبة التي خلقتها الأنظمة العربية القديمة في العقود الأربعة السابقة وفرضتها على مجتمعاتها فرضاً لا إقناعاً وقمعاً لا إصلاحاً بدأت تنهار مع الأنظمة التي صنعتها. على الأقليات غير المسلمة أو العلمانية أو اللادينية أو المسلمة اللا-إسلاموية على حد سواء أن تستعد فكرياً ومجتمعياً وممارسة للتعامل مع إمكانية نشوء بدائل إسلاموية في العالم العربي بدعم وقبول الغرب دون سواه وانطلاقاً من مصالح الغرب الخاصة دون غيره وسعيه لإنقاذ الذات. كيف السبيل للاستعداد لهذا؟ هذا سؤال لمقال آخر.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل البيروتية 8/5/2011


شارك اصدقاءك هذا المقال

هل نجني ثمار فشل (...)

أحكمت الأنظمة العربيّة غلق القماقم العتيقة، وبمجرّد تزعزع بعضها أو تلاشيها، غير مأسوف عليها، انطلقت عفاريت الهويّة والطّائفيّة والشّريعة والعقيدة وفتحت أمامنا مسرحا قياميّا شبيها برقصة أشباح الماضي مع الأحياء. كلّ هذا الرّعب الذي نراه يتمّ باسم الإسلام، رغم كلّ الحسابات والرّهانات الجيوستراتيجية، ورغم الدّور التّخريبيّ الذي لعبته بعض الدّول، ورغم تعدّد أطراف اللّعبة في كلّ بلد فتح فيه جحيم هذا الحفل (...)
الفيسبوك
تويتر