الاثنين 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > أبحاث > الفلسفة والتاريخ

الفلسفة والتاريخ

السبت 21 آب (أغسطس) 2010

بقلم:

فريد العليبي  

شارك اصدقاءك هذا المقال




 تضعنا إشكالية العلاقة بين الفلسفة والتاريخ مباشرة أمام مهمّة محدّدة، تتمثّل في الوقوف على أواصر الصلة بين هذين المبحثين، فالتساؤل عن ماهية التاريخ يستدعي التعريف بهذا العلم وتدقيق مفاهيمه والنظر في طبيعة قوانينه، ومن ثمة الوقوف على عوائقه الإبستمولوجية. لقد كتب تاريخ الشعوب والحضارات والدول بطرق مختلفة، اختلط فيها غالبا العلميّ بما قبل العلميّ، وتمثل النظريات الإيديولوجية المختبئة داخل تلك القراءات مجالا رحبا للدراسة الابستمولوجية، وبالتالي رسم الحدود بين الإيديولوجيّ والعلميّ في تلك الكتابات.

 ومساءلتنا لماهية الفلسفة وإن اختلف سياقها فإنّها تستدعي أيضا الوقوف على إشكالية التعريف، فالفلسفة من حيث علاقتها بالتاريخ سوف تمكّن من النظر إلي الوجود الإنساني في دلالاته الأشدّ اتساعا، والإبانة بالتالي عن وقائع الحياة الإنسانية عبر الحقب المتعاقبة بجعلها مفهومة.

 وإذا كانت الفلسفة بالمعنى الهيجلي هي خلاصة عصرها، أو هي عصرها ملخّصا في مجال الفكر، فإنّ مهمّتها تغدو تعقل الواقع، ألا يمثّل التاريخ فلسفة متوارية عن الأنظار؟ فعندما ترسم الفلسفة لوحتها الرمادية فتضع لونا رماديا فوق لون رماديّ تكون صورة من صور الحياة قد شاخت كما يؤكّد هيجل، وبالتالي فإن ما انقضى بالمعني الكرنولوجي قد أضحى موضوعا للتأمّل الفلسفي، ومن هنا تلك الصلة الديالكتيكية بين التاريخ والفلسفة، ورهان الوصل هنا نبتغي من خلاله إبراز أواصر الصلة بين مبحثين كانا على الدوام متجاورين، متشابكين، متداخلين .

 تختص الفلسفة بالبحث في الكلّيّ، فهي نظرة شمولية للمسائل، وقد بيّن أفلاطون أن الفيلسوف يدرك الكلّ في علاقة بالعناصر المؤلّفة له، وهذا التأكيد نجده لدى فلاسفة كثيرين جاؤوا بعده، فأرسطومثلا يعرّف الفلسفة بأنّها العلم بالأسباب والعلل الأولى للأشياء، وينظر إليها الفارابي باعتبارها "العلم بالموجودات بما هي موجودة" (1) والأهمّ من هذا ربما، هو توصيفها بأنّها تختص بالمساءلة والتحليل والنقد فـ" الذين يحبون الحكمة يجب أن يكونوا متسائلين" (2)، أي إنّ الأسئلة في الفلسفة أهم من الأجوبة كما بين ذلك كارل ياسبرس، ولأنّ الفلسفة تتمرّد على المألوف والدارج والسائد فقد أتهمت دوما بالمروق ويفسّر ذلك بأنها "تتساءل عما هو حقيقيّ لا عمّا هو مقبول" (3)

 وبسبب طابعها النقدي وعدم اعترافها بأية حدود يمكن أن يتوقف عندها النقد فقد واجهت المنع والتحريم، وخضع الفلاسفة إلى الملاحقة وكم من المراسيم صدرت في منع الفلسفة، ولكنها رغم ذلك كانت تجاهر بحقائقها (4)، إنها لا تحتاج لكي تفكر في هذا الموضوع أو ذاك إلى مرسوم يبيح لها فعل ذلك، فهي ممارسة حرة، لذلك فإنّ الشعب الذي تبدأ فيه الفلسفة كما يقول هيجل هوشعب حرّ .

 نشأت الفلسفة وتطورت في اليونان ولكن لماذا حصل ذلك في هذا البلد دون غيره؟ إن ذلك يعود لتوفّر شرطين أساسين، أحدهما اقتصادي والآخر سياسي، فعلى صعيد الاقتصاد اقترنت تلك النشأة بتطوّر تقسيم العمل وسدّ الحاجات الأساسية، فاختص قسم من المجتمع بالتفكير بينما اختص قسم آخر بالعمل اليدوي، فالحاجة إلى الفلسفة هي حاجة الرغبات المشبعة كما أكد هيجل وعلى صعيد السياسة مكن اعتماد الديمقراطية في تسيير الشأن السياسي من توفر تربة صالحة لمناقشة الأفكار بقدر معين من الحرية.

 ولدى العرب نشأت الفلسفة وتطوّرت عندما كانت هناك دولة مزدهرة اقتصاديا وثقافيا، فنشأت بيت الحكمة وتطوّرت حركة الترجمة، وكان الاعتزال هو الايدولوجيا الرسمية للدولة العباسية في طورها الأول، وعندما حصل الانعطاف نحوالحنبلية مع المتوكل ضمرت الفلسفة .

 هذا فيما يخص الفلسفة أما العلم الذي يعد التاريخ من بين الأقسام المؤلفة له فهو نسق تركيبي من التعريفات والفروض والنظريات والاستنتاجات يقوم فيه العالم بالقطع مع المعرفة الحسية المباشرة، فهو عملية بناء وتركيب أي إنه تجريد للواقع إذ يتعلق الأمر هنا ببناء واقع مجرّد يتجاوز الواقع الحسّي المباشر، تكون فيه القوانين والنظريات قابلة للبرهنة بإعتماد المنهجين التجريبي والفرضي الاستنتاجي.

 ومقابل العلم فإنّ الايدولوجيا تحجب وتخفي، من حيث كونها تستعيض عن الواقع بصورة متوهّمة تقوم بديلا عنه، وتبثّ الوهم حول صدق تلك الصورة بينما هي زائفة، وبالتالي فإن الايدولوجيا لا تعكس الواقع بأمانة وإنما تزيفه. والفلسفة في نقدها للايدولوجيا قد تقع هي نفسها بين مخالبها فنقد الايدولوجيا يتم في أحيان كثيرة من موقع الايدولوجيا ذاتها، ننقد إيديولوجيا ما بدعوى إننا ضدها كايدولوجيا، والحال أننا ننطلق فقط من مواقع إيديولوجية مغايرة ونحن نفعل ذلك، وهكذا فإن ما يقابل الايدولوجيا ليس الفلسفة وإنما العلم، فالتناقض الحقيقي في مجال المعرفة هوالتناقض بين العلم الذي يحيل إلى الحقيقة والايدولوجيا التي تحيل إلى الزيف، وعندما ندرك علميا قانونا ما فإن العقل الإنساني يمر كما يقول غاستون باشلار بحالة ندم حقيقية، فكم انقضى من وقت كان فيه حبيس أوهامه السابقة .

 في الايدولوجيا يتم الانطلاق مما يتوهمه الناس عن وضعهم وأحوالهم وهوما يعبرون عنه في أشكال وعي مختلفة، الجامع بينها كونها تزيف الواقع وتحجبه، وفي الغالب يتم الانطلاق من تلك الأوهام المتخيلة وتفصيل الواقع على قدها كي تتناسب معه، فليس الواقع هنا هوما تكون تلك التصورات انعكاسا له وإنما التصورات المتوهمة هي التي يصب الواقع في قالبها فتلونه بلونها فتبدو تلك التصورات صانعة للواقع ومتحكمة به، إنه يتبعها ولا تتبعه، وبذلك تنقلب الأدوار فالايدولوجيا التي هي انعكاس وهميّ للواقع تصبح هي الأساس بينما يشغل الواقع موقع الانعكاس، يقول ماركس وأنجلس" إذا كان البشر وجميع علاقاتهم يبدون لنا في الايدولوجيا بكاملها موضوعين رأسا على عقب كما في غرفة مظلمة فإن هذه الظاهرة تنجم عن عمليات تطور حياتهم التاريخية تماما كما أن انقلاب الأشياء على الشبكية ينجم عن عملية تطور حياتهم الفيزيائية بصورة مباشرة" (5).

 وبحسب لويس ألتيسار فإن الفلسفة ليست علما وليست إيديولوجيا، إنها نظرية للممارسة العملية، ووظيفتها رسم خط الفصل بين العلمي والإيديولوجي وهي لا تهتم بالإجابة عن الأسئلة التي تخص الأصل والنهاية لأنها ليست أخلاقا ولا دينا، فتلك الأسئلة ذات طبيعة إيديولوجــــية وهي بالتالي غريبة عنها (6).

 أما التاريخ فينظر إليه وفق الفهم التقليدي باعتباره سلسلة من الأحداث التي تتراص فوق بعضها البعض، فيكون عبارة عن رواية للأخبار التي تخص تلك الأحداث، وكان ابن خلدون قد نقد هذا الفهم مستكشفا نواحي القصور فيه فالتاريخ "في ظاهره لا يزيد عن أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأول (...) وفي باطنه نظر وتحقيق" (7) ، وقبل ذلك كان فلاسفة اليونان قد اهتموا بإيجاد تاريخ عالمي للبشرية، أي بذلك المبحث الذي يختص بالنظر في المخطط الذي يتطور وفقه التاريخ، وبالتــالي يكشف عن الغائية المحركة لأحداثه، والفيلسوف غير معني هنا بالتأريخ وإنما بالتاريخ فهو يبحث عن الغائية المحركة ويصوغها في شكل أطروحة فلسفية .

 لقد أكد أفلاطون أن هناك دورة طبيعية لأنظمة الحكم، فهي تنشأ ثم تهرم وتفسد وتنحل مثل أيّ كائن حيّ فـ"كلّ ما يكون معرض للفساد، ودستور (الدولة) بدوره لن يدوم إلى الأبد بل سيدبّ فيه الانحلال" (8)، كما تحدّث أرسطو عن أنظمة الحكم المختلفة وأسباب تنوعها وما هو بسيط منها وما هو مركّب وكيف تتالي وتتعاقب (9)، ولدى العرب كان ابن رشد على وعي بهذه المسألة حيث عدد أنواع أنظمة الحكم ووقف على طبيعتها وكيفية تبدلـــها (10) إنّ ما يسمّيه الفلاسفة التاريخ العالمي للبشرية هو الذي يختص بالبحث عن المخطط الذي يتطور وفقه التاريخ، وبالتالي يكشف عن الغائية المحركة لأحداثه.

 وقد اهتم هيجل بشكل خاص بهذا المبحث الذي سمّاه التاريخ الفلسفي للعالم وهويحيل إلى التاريخ في دلالته الكلية، فالأمر هنا لا يتعلق بتاريخ مخصوص لهذا الشعب أو ذاك، وإنما بتاريخ الإنسانية قاطبة، ولأجل التعريف بهذا المبحث يرسم هيجل خطّ الفصل بينه وبين أنواع أخرى من التاريخ، وهي التاريخ الأصلي والتاريخ النظري والتاريخ النقدي، فالتاريخ الأصلي من أعلامه هيرودوت وثوكيديدز، ومجال اشتغاله رواية الأخبار وعرض الأحداث ووصف الأوضاع، فالمؤرخون هنا ـ"هم ببساطة قد نقلوا ما حدث في العالم من حولهم إلى عالم التمثل العقلي، وعلى هذا النحو نجد ظاهرة خارجية تترجم إلى تصور داخلي" (11). ويعرض هيجل للعوائق التي اعترضت هذا النوع من التاريخ ، فـ"في مثل هذا اللون من التاريخ وهوالتاريخ الأصلي لا بدّ من استبعاد الأساطير والأقاصيص الشعرية والتراث الشعبي لأنها ليست إلا صورا غامضة معتمة من فهم التاريخ، ومن ثم فهي تنتمي إلى الأمم التي لم يستيقظ وعيها تماما" (12). 

 لقد وقع هؤلاء المؤرّخون تحت تأثير الذاتية، فـ"الحاضر الحيّ في البيئة من حولهم هو المادة الفعلية التي يستخدمونها والمؤثرات التي شكلت الكاتب هي نفسها المؤثرات التي شكلت الأحداث التي تكون مادة روايته، وروح الكاتب هي نفسها روح الأحداث التي يرويها (...) أمّا التأملات النظرية فليست من اختصاصه لأنه يعيش روح موضوعه ( أو أحداثه) دون أن يتجاوزها، بل إنه حتى لو كان ينتمي مثل قيصر إلى المرتبة الرفيعة للقادة أورجال الدولة فإنّ انجاز وتحقيق أهدافه الخاصة هو الذي يكون التاريخ في نظره" (13). 

وهذا النوع من التاريخ لا نجده فقط لدى الأقدمين وإنما أيضا لدي الوسيطيين والمحدثين، والقاسم المشترك بينهم هوتلك الذاتية التي تطبع ما قدموه لنا باعتباره تاريخا.

 والتاريخ النظري "المقصود به التاريخ الذي يعرض بطريقة لا تحصر نفسها في حدود العصر الذي ترويه، بل تتجاوز روح العصر الحاضر" (14) وهو ينقسم إلى أربعة أقسام، أولها ذلك الذي يهتم فيه المؤرخ بتقديم رؤية شاملة تختزل تاريخ شعب أوتاريخ الإنسانية، والمشكل هنا أيضا هوالذاتية وهي العقبة التي يدعوهيجل إلى تخطيها " إن تاريخا من ذلك اللون الذي يتطلع لأن يغطي فترات زمنية طويلة أوأن يكون تاريخا كليا لابد في الواقع أن يمتنع عن محاولة تقديم تمثيلات فردية أو شخصية للماضي كما كان يوجد بالفعل" (15). 

والقسم الثاني هوالتاريخ البرغماتي حيث يتعلق الأمر بالبحث في التاريخ عن تعاليم أخلاقية يمكن استخلاصها بهدف توظيفها في معارك الحاضر، أما القسم الثالث فهوالتاريخ النقدي، أو ذاك الذي يقول عنه هيجل إنه يحسن تسميته تاريخ التاريخ، الذي يتركز الاهتمام فيه على نقد الروايات التاريخية، بحثا عن معقوليتها. ومرة أخرى فإن الذاتية هنا هي عقبة كأداء، مما يؤدّي إلى الانحراف ناحية الانحياز وفقدان الموضوعية، فالمشكل هنا هو" أن نجعل الماضي واقعا حيّا بأن نضع خيالات ذاتية محل المعطيات التاريخية" (16).

والقسم الرابع والأخير هو تاريخ جزئي لمجال ما مثل تاريخ الفن وتاريخ الدين وتاريخ القانون، وهو"يشكل مرحلة انتقال إلى التاريخ الفلسفي للعالم ما دام يأخذ بوجهة نظر عامة" (17)، فهو يقترب من التعبير عن روح شعب بعينه، أما النوع الثالث والأشد أهمية لديه فهوالتاريخ الفلسفي ويتعلق الأمر فيه بالكشف عن"العقل الذي يسيطر على العالم، وأن تاريخ العالم بالتالي يتمثل أمامنا بوصفه مسارا عقليا" (18).

 وكان فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ قد أفرد إلى هذه الإشكالية جانبا من حديثه، فقد أشار إلى أن التاريخ يمثل مسارا تنتظم حلقاته وفق تطور يؤدي في نهاية المطاف إلى بلوغ لحظة فاصلة، وأن الفضل يعود لهيجل وكارل ماركس في توضيح هذه الفكرة، والتعامل مع التاريخ على هذا الأساس، فالتاريخ محطات تنتهي إلى غاية، أي أنه يتخذ ظاهريا طابعا عشوائيا، ولكنه ليس كذلك في حقيقته فهو يخضع إلى النظام والترتيب .

 والهدف النهائي الذي ينتهي عنده التاريخ يتمثل في هذا النمط أو ذاك من الاجتماع البشري الذي يحقق للإنسانية الأمل والخلاص الذي تطمــــــح إليه، وبطبيعة الحال فان نمط ذلك المجتمع يختلف باختلاف المقاربات الفلسفية، فإذا كان هيجل يراه في الدولة الليبرالية الديمقراطية فإن ماركس يراه في المجتمع الشيوعي، ولكن يتعلق الأمر في كل الحالات بمجتمع توصلت فيه البشرية إلى حل المعضلات الكبرى التي كانت تعيش تحت وطأتها، وربما هنا بالذات تختبئ الايدولوجيا .

 لقد استعاد فوكاياما في كتابه نهاية التاريخ الإجابة الهيجلية وحاول بث الروح فيها من جديد بالقول إن التاريخ قد إتجه نحو غاية قصوى هي الدولة الديمقراطية الليبرالية، بل إن تلك الغاية قد تم إدراكها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وإنبجاس فجر العولمة، ففي كتاب فوكوياما احتفاء بما شهده العقد الأخير من القرن العشرين من أحداث، ويصل فيه إلى استنتاج مصحوب بمسحة وعظية قائلا "إن الديمقراطية الليبرالية تظل المطمح السياسي الواضح الوحيد في مختلف المناطق والثقافات في كوكبنا هذا " (19)، وإن ذلك يقترن بالأخذ على المستوى الاقتصادي بمبدأ السوق الحرة، وعلى المستوى السيـــاسي بمبدأ الحرية السياسية، وغير خافية هنا الملامح الإيديولوجية في هذا الكلام .

 وقد انصبّ بحث فوكوياما على إثبات أنّ هناك تاريخا عالميا كونيا منظما يسير نحوغاية، بل حدّد تلك الغاية ورسم ملامح ماهيتها، ثم زاد عن ذلك بأن أكد أن العلوم الطبيعية هي التي على أساسها يمكن أن نفسر كيف سار التاريخ في اتجاه التقدم، فهناك نموّ وتراكم بما يؤكد الغائية في التاريخ، أي أن تلك العلوم الحديثة يمكن أن تصلح للبرهنة على ما يعتمل داخل أحداث التاريخ من آليات تمنحه المعنى، باعتباره مشروعا يسير وفق خطى ثابتة نحوالهدف النهائي، فقد مكنت تلك العلوم من انتقال المجتمعات من مرحلة إلى مرحلة أخرى أشد تطورا وتقدما، بل إنها قربت الشقة بين المجتمعات المختلفة وصهرتها في بوتقة واحدة فنحت نحوالكونية متجاوزة التقوقع حول الخصوصية، وإن تلك العلوم بحسب وجهة نظره تقودنا إلى "أبواب أرض الميعاد"، ويقصد بها بطبيعة الحال الديمقراطية الليبرالية .

 ويشدد فوكوياما على أن الأمر يتعلّق هنا بأبواب أرض الميعاد لا بأرض الميعاد ذاتها، إذ يمكن ان يلج مجتمع ما مرحلة التصنيع المكثّف والمتقدّم والمتطوّر ولكنه مع ذلك لا يعرف الحرية السياسية، والعكس صحيح أيضا وهناك شواهد كثيرة من التاريخ تبيّن ذلك، وبالتالي ليس هناك تلازم ميكانيكي بين البعدين بحسب رأي فوكوياما الذي يقول إنه يقدم تفسيرا اقتصاديا للتحولات التاريخية بالاستناد إلى العلوم الطبيعية ومكاسبها .

 وهو في الوقت الذي يشارك فيه ماركس التأكيد على الجانب الاقتصادي فإنه يحرص على التباين معه من حيث النتيجة التي يصل إليها كلاهما، فبالنسبة إلى ماركس فإن التحولات الاقتصادية سوف تؤدي إلى المجتمع الشيوعي، بينما بالنسبة إلى فوكوياما فإن ذلك سيؤدي إلى المجتمع الليبرالي .

 وفضلا عن هذا فان الإنسان برأيه ليس مجرد حيوان اقتصادي، إنه يبحث عن الكرامة . وغني عن البيان أن تلك فكرة هيجلية، فالإنسان حسب هيجل لا يبحث عن سد حاجاته المادية فقط، وإنما تحركه أيضا دوافع أخرى فهو يبحث عن الاعتراف والاحترام، بل يمكنه أن يقدم حياته ثمنا للكرامة فيموت جوعا في سبيل الدفاع عن تلك الكرامة وفرض الاعتراف به .

 وهيجل نفسه وجد هذه الفكرة لدى أفلاطون، أي فكرة / مفهوم "الثيموس" التي يقول عنها فوكوياما إنها "أشبه بحسّ إنساني فطري بالعدالة " (20) وبالتالي فإنها تحرك الإنسان نحوالبحث عن الاعتراف فـ"الرغبة في نيل الاعتراف والتقدير، وما يصاحب هذه الرغبة من مشاعر الغضب والخجل والفخر، هي جوانب الشخصية الإنسانية، بالغة الأهمية في مجال الحياة السياسية، وهي عند هيجل المحرك لعملية التاريخ بأسرها" (21).

 لقد حُلّ التناقض في رأي هيجل بين العبيد والأسياد مع نشأة الدولة الديمقراطية الليبرالية، عندما أصبح الناس مواطنين متساوين في الحقوق وهو ما كان ثمرة الثورة الفرنسية، حيث أصبح الشعب مصدر القانون والسلطة، وحلّ مكان العلاقة العمودية مبدأ تنظيم العلاقة أفقيا وفق ما ينص عليه الدستور أوالعقد الاجتماعي، والدولة كمؤسسة تتسامى عن كل الأفراد، إنها الدولة الحكم والحامي ، وأضحى جميع المواطنين متساوين، يعترفون لبعضهم البعض بالكرامة والمساواة، وهذه هي اللحظة العليا التي ينتهي عندها التاريخ.

 ويستنتج فوكوياما من سقوط الاتحاد السوفيتي أن ما واجهته الليبرالية الديمقراطية من رد فعل عنيف من قبل الماركسية قد انتهي إلى رفع التحدي فالنظم الشيوعية لا توفر للمواطنين الكرامة والاحترام ، وكان ذلك سبب فشلها، ان محرك التاريخ هوالرغبة في الاعتراف ولهذا انتصرت الليبرالية على الماركسية. لقد كان الإنسان يبحث منذ القديم عن الاعتراف به وحققت له الدولة الليبرالية الديمقراطية هذا الهدف، وعند هذه اللحظة انتهى التاريخ وبلغ سقفه.

 وهكذا فإنه سواء تعلق الأمر بهيجل اوبفوكوياما فإن التاريخ الفلسفي يكشف عن تلك الغائية التي يسيرها عقل العالم أحيانا بصورة ظاهرة وأخرى بصورة متخفية بل وماكرة أيضا.

 لقد نقدت الماركسية هذا التصور المثالي للتاريخ الذي يعد هيجل أباه الشرعي فهويفسر التاريخ بالأفكار عوض تفسيرها بالشروط المادية، فالتاريخ بالنسبة إلى الماركسية يمثل كلا ترتبط العناصر المؤلفة له بروابط قوية، ضمنه يرتبط الوجود الاجتماعي بالوعي الاجتماعي، وهويخضع إلى قوانين موضوعية تتحكم به، وبالتالي فإن النظر إليه باعتباره نتاج إرادة متعالية أومن فعل فرد عظيم أومجرد مصادفة سيئة أوسعيدة أعتبر ماركسيا بمثابة وهم، وهنا يكتسب التاريخ معناه كعلم إلى الحدّ الذي يقول معه كارل ماركس إن التاريخ هو العلم الوحيد الذي أعرفه وأعترف به (22).

 كان هيجل ينظر إلى التاريخ باعتباره نتاج دوافع فكرية، وتم تغييب الطبقة الثورية باعتبارها من يصنع التاريخ، ولكن إذا كانت الطبقة كذلك فما الذي يحدد دوافعها لذلك التغيير، ولماذا يتصارع الناس فكريا؟ هذا ما حاول ماركس الإجابة عنه.

 لقد قدّم تمثّلا آخر للتاريخ الفلسفي حافظ فيه من ناحية على الأطر العامة للمشروع الهيجلي ولكنه منحه من ناحية أخرى مضمونا جديدا، معتبرا الصراع الطبقي محركا للتاريخ وهو من حيث الجوهر صراع اقتصادي غير أنه يتخذ من حيث تمظهراته أشكالا مختلفة. وعلى أي حال فإنه سواء تعلق الأمر بهيجل أوبماركس فإن الفلسفة تتدخل في التاريخ لكي تعطيه معناه الذي ربما يستحيل على المؤرخ التنبه إليه.

 وهكذا فإن هناك أواصر صلة قوية بين التاريخ والفلسفة على نحو يمكن القول معه باستحالة الفصل بينهما، فالعلاقة بينهما تلازمية، سواء من جهة تاريخ الفلسفة مثلما بادر إلى القيام به هيجل في محاضراته حول تاريخ الفلسفة التي اعتبرها ماركس "الوثيقة الحقّة لولادة تاريخ الفلسفة" (23) أو من جهة إعطاء الفلسفة للحدث التاريخي ماهيته النظرية.

 وإذا كان هناك اهتمام متزايد ببحث العلاقة بين العلوم والآداب المختلفة في اللحظة التي تذررت فيها العلوم وتنوّعت الآداب بل واستقلت بهذا المعنى أوذاك عن بعضها البعض فغنيّ عن البيان أن تلك اللحظة انبثقت مع الأزمنة الحديثة وهي متواصلة إلى حدّ الآن وستتواصل مستقبلا، حيث تظهر مجالات بحث جديدة تتطلب المزيد من التخصص، وهذا ما يصحّ على العلاقة بين الفلسفة والتاريخ، بل يمكنا الزعم أن الفلسفة من حيث خصوصيتها ووظيفتها تعطى دلالة لذلك اللقاء بين مباحث علمية وأدبية مختلفة.

 وإذا كان من مشمولات الفلسفة النظر في العلوم والآداب ومساءلتها من حيث مناهجها ومفاهيمها ونظرياتها ووشائج الصلة بينها، فإن حضورها في تناول موضوع العلاقة بين تلك العلوم والآداب يفرض ذاته لا محالة، وهي لا تفعل ذلك من موقع الشريك فقط لتلك المباحث، وإنما أيضا من موقع من يمتلك بحكم الوظيفة والخصوصية القدرة على بحث تلك العلاقة، فالفلسفة برأي لويس ألتيسار ليست مادة فقط من مواد العمل المشترك المتعدد المواد، ربما لأنها هي من ينظر في ذلك، فهي تحلق فوق تلك المواد كلها متفحصة إياها. (24)

 ولو أخذنا بهذا الرأي فإنه يظل أمامنا فحص الصلة بين الفلسفة ومباحث عديدة أخري بعين قد لا تختلف كثيرا عن تلك التي كانت حاضرة في تناول الفلاسفة لإشكالية الفلسفة والتاريخ.
 

الهوامش:

1 ـ الفارابي: كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين: تحقيق وتقديم وتعليق ألبير نصرى نادر، بيروت 1982، دار المشرق، الطبعة الرابعة، ص 81

2 ـ هيراقليطس جدل الحب والحرب، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، بيروت دون تاريخ، دار التنوير، ص 55 .

3ـ كارل ماركس ، افتتاحية العدد 179 من صحيفة كولونيا ، ضمن : حول الدين، ترجمة ياسين الحافظ، بيروت دون تاريخ، دار الطليعة، ص21 .

 4ـ أنظر على سبيل المثال مرسوم تحريم الفلسفة في الأندلس ضمن : ابن عبد الملك، الذيل والتكملة، تحقيق إحسان عباس، بيروت 1973، دار الثقافة، ص 25 .

 5 ـ ماركس / أنجلس، الايدولوجيا الألمانية، ترجمة فؤاد أيوب، دمشق، دون تاريخ، دار دمشق،ص 30

6ـ Louis Althusser. Philosophie et philosophie spontanée des savants. Maspero. Paris 1974 

7ـ ابن خلدون، المقدمة، بيروت، دون تاريخ، دار الجيل، ص ص 3ـ 4

8ـ أفلاطون، الجمهورية، ترجمة فؤاد زكريا، القاهرة1974،الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص 475 .

 9ـ أرسطو، السياسيات، نقل أوغسطين بربارة البولسي، بيروت 1957، اللجنة الدولية لترجمة الروائع الإنسانية، ص 185 .

10ـ ابن رشد، تلخيص الخطابة، تحقيق عبد الرحمان بدوي، الكويت / بيروت، دون تاريخ، وكالة المطبوعات ودار القلم، ص 68 . أنظر أيضا : ابن رشد، مختصر كتاب السياسة لأفلاطون، نقله من العبرية إلى العربية محمد شحلان، بيروت 1998، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى.

11ـ هيجل محاضرات في فلسفة التاريخ، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، بيروت 1981، دار التنوير، الطبعة الثانية، ص 64 .

12ـ المصدر نفسه، ص 64

13ـ المصدر نفسه، ص 65

14ـ المصدر نفسه، ص67 .

15ـ المصدر نفسه، ص 69 . 

16ـ المصدر نفسه، ص 71

17ـ المصدر نفسه ص 72

18 ـ المصدر نفسه، ص 73

19 ـ فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ وخاتم البشر، ترجمة حسين أحمد أمين، القاهرة 1993، مركز الأهرام للترجمة والنشر، الطبعة الأولى، ص 10

20 ـ المصدر نفسه، ص 13

21 ـ المصدر نفسه، الصفحة نفسها .

 22 ـ يقول ماركس وأنجلس : " إننا نعرف علما واحدا فقط ألا وهو علم التاريخ، ويستطيع المرء أن ينظر إلى التاريخ من طرفين وأن يقسمه إلى تاريخ الطبيعة وتاريخ البشر، وعلى كل حال فالطرفان غير منفصلين، فتاريخ الطبيعة وتاريخ البشر يشترطان بعضها بعضا ما وجد البشر، وإن تاريخ الطبيعة المسمى العلوم الطبيعية لا يعنينا هنا، لكنه لابد لنا أان ندرس تاريخ البشر، مادامت الايدولوجيا بكاملها على وجه التقريب ترتد إما إلى تفسير خاطئ للتاريخ وإما تؤدي إلى تعليقه كليا، فليست الايدولوجيا بالذات إلا مظهرا واحدا من مظاهر هذا التاريخ " ماركس أنجلس، الايدولوجيا الألمانية ، مصدر سابق، ص 22 .

23 ـ كارل ماركس،، الفرق بين فلسفة الطبيعة عند ديمقريطس وفلسفة الطبيعة عند ابيقورس ، ضمن : حول الدين، مصدر سابق، ص 11

24 ـ Louis Althusser . Philosophie et philosophie spontanée des savants. 
 
 


شارك اصدقاءك هذا المقال

هل نجني ثمار فشل (...)

أحكمت الأنظمة العربيّة غلق القماقم العتيقة، وبمجرّد تزعزع بعضها أو تلاشيها، غير مأسوف عليها، انطلقت عفاريت الهويّة والطّائفيّة والشّريعة والعقيدة وفتحت أمامنا مسرحا قياميّا شبيها برقصة أشباح الماضي مع الأحياء. كلّ هذا الرّعب الذي نراه يتمّ باسم الإسلام، رغم كلّ الحسابات والرّهانات الجيوستراتيجية، ورغم الدّور التّخريبيّ الذي لعبته بعض الدّول، ورغم تعدّد أطراف اللّعبة في كلّ بلد فتح فيه جحيم هذا الحفل (...)
الفيسبوك
تويتر