الأربعاء 23 تموز (يوليو) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > مقالات > الكتابة الفلسفية والكتابة الأدبية

الكتابة الفلسفية والكتابة الأدبية

الجمعة 24 تشرين الأول (أكتوبر) 2008

شارك اصدقاءك هذا المقال



قد يبدو طرح مسألة الكتابة فيما يخصّ الفلسفة أمرا غير ذي معنى. فالفلسفة ترتبط في أذهاننا، ولعلّها ارتبطت أساسا بالحوار، وحتى عندما دُوّنت لأوّل مرة فقد دوّنت كأشعار وحوارات، وكلّنا يعلم أنّ شيخ الفلسفة لم يكتب.

من جملة الخصائص التي تميّز الفكر المعاصر، الذي يُنعت في أحد مناحيه كقلب للأفلاطونية، كون الفلسفة أصبحت تعيد النظر في مسألة الشكل، وأنها أصبحت ترى أنّ مسألة الشكل ليست مسألة شكلية. لذا فقد أخذت تعيد النظر في أسلوبها ولغتها، ومن ثمّة في كثير من موضوعاتها، وأخذت على عاتقها مسألة الكتابة.

قد يُعترض على قولنا هذا بأنّ المسألة لا تخصّ الفكر المعاصر. وأننا نستطيع أن نعود بها إلى تراثنا الفكريّ حيث نلفي من دُعي عندنا أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء، أو إلى القرن الثامن عشر الفرنسيّ حيث نجد من يدعون فلاسفة كتاّبا كبارا أمثال فولتير وروسو وديدرو، الذين مازالوا يمثلون كلاسيكيات الكتابة. وربّما لهذا السبب تحار كتب المقررات المدرسية في تصنيفهم، فلا تستطيع حشرهم بالضبط فيما يُتعارف عليه بتاريخ الأدب، ولا إدراجهم فيما سُمِّي تاريخا للفلسفة، وهي تكتفي بأن تصنّفهم ضمن تاريخ واضح غامض يدعى “تاريخ الأفكار”.

غير أنّ الأمر لا يتعلّق هنا فحسب بما ندعوه عادة أسلوب الكتابة، أي بمدى “جمالية” النصّ الفلسفيّ، والتساؤل عمّا إذا كان الفلاسفة كتّابا من الطراز الجيّد شأن ما يقال في فرنسا المعاصرة عن كتابة فوكو.

عندما نتساءل إذن عن علاقة الكتابة الفلسفية بالكتابة الأدبية فإننا لا نروم البحث عمّن يمكن أن نطلق عليهم أدباء الفلاسفة، أي عن أولئك الذين يتمكّنون من أن يُسكِنوا معانيهم لغة ترقى إلى مستوى الإبداع الأدبيّ. إلا أننا لا نهدف كذلك إلى البحث عمّن استطاع من الفلاسفة أن يزاوج بين الإنتاج الفلسفيّ والإبداع الأدبيّ شأن كامو وسارتر وباديو..
أمر آخر تستبعده هذه الإشكالية هو أن يفهم من ربط الفلسفة بالكتابة الأدبية البحث عن كتابة تمّحي فيها الحدود بين الأدب والفلسفة، وتذوب فيها هاته في ذاك.

إذا لم نكن نعني بطرح هذه المسألة لا سؤالا عن أسلوب الكتابة، ولا عن تساكن الكتابتين عند كاتب بعينه، ولا محوا للحدود بين الكتابتين، فماذا نتوخّى اذن؟

إنّ ما نهدف إليه من طرح مسألة الشكل في الفلسفة هو البحث عن اللحظات والمواقف التي غدت فيها مسألة الشكل تطرح فيها في ارتباطها بالمضمون. لعل من نبّه إلى ضرورة أخذ مسألة الكتابة هذه مأخذا فلسفيا قبل نيتشه هم الرومانسيون الألمان، الذين عاشوا ظرفية نظرية سيتحدّد فيها مفهوم الأدب ذاته، وستُطرح فيها مسألة أدبية النصّ الفلسفيّ. هذه الظرفية يُجمِلها لنا موريس بلانشو ضمن “الحوار اللامتناهي” في قوله:
“إنّ الكتّاب الرومانسيين بما هم يكتبون، يشعرون بأنّهم الفلاسفة الحقيقيون، وأنّهم ليسوا مدعوّين إلى التمكّن من الكتابة، بل إنهم مرتبطون بفعل الكتابة كمعرفة جديدة عليهم أن يتعلّموا إدراكها بأن يصيروا على وعي بها”. هذا الوعي بالكتابة هو في الوقت ذاته مقاربة لماهية الفكر والأدب، وهو ليس مجرّد محاولة لصياغة نظرية جديدة في الأدب، وإنما هو النظرية نفسها كأدب.

سيتبيّن إذن أنّ كلّ محاولات فصل الفلسفة عن الكتابة، وتأكيدها بوصفها خطابا عن حقيقة تنطق بذاتها وتتمتّع بامتيازات وتعفى من أهواء الكتابة، لا بدّ وأن تصطدم بالتشكيل النصّيّ للفلسفة. فالفلسفة تتحدّد بنتاجها الذي يتحقّق في الكتابة، وهي تخضع، مثل أيّ كتابة، للتدفّق الدّلاليّ غير المحكوم. مفاهيمها تستند إلى مجازات متوارية لا يمكن أن تُدرك خارج المجال النصّيّ المتحقّق. الكتابة الفلسفية كتابة. فهي إذن شكل وتراكيب واستعارات ولغة وتخييل. وما عملت الميتافيزيقا على تكريسه هو أن تنزِّه المفهومات عن كلّ تجسيد لغويّ، إنها ما فتئت تمارس ما يسمّيه دريدا نوعا من “الإنكار”dénégation للغتها. و“حتى عندما كتبت فضدّ الكتابة”. إلا أنّ ما تناسته هو أنّ الفكر يمرّ أيضا وربّما أساسا عبر عمل اللغة حول اللغة، وأنّ الجدالات الفلسفية هي أيضا صراعات “شكلية”، أي صراعات من أجل فرض سيادة“أنماط استدلالية بعينها، وطرق برهانية بذاتها وتقنيات خطابية وتربوية معيّنة”.


شارك اصدقاءك هذا المقال

هل نجني ثمار فشل (...)

أحكمت الأنظمة العربيّة غلق القماقم العتيقة، وبمجرّد تزعزع بعضها أو تلاشيها، غير مأسوف عليها، انطلقت عفاريت الهويّة والطّائفيّة والشّريعة والعقيدة وفتحت أمامنا مسرحا قياميّا شبيها برقصة أشباح الماضي مع الأحياء. كلّ هذا الرّعب الذي نراه يتمّ باسم الإسلام، رغم كلّ الحسابات والرّهانات الجيوستراتيجية، ورغم الدّور التّخريبيّ الذي لعبته بعض الدّول، ورغم تعدّد أطراف اللّعبة في كلّ بلد فتح فيه جحيم هذا الحفل (...)
الفيسبوك
تويتر