السبت 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > تحقيقات > اللجوء إلى السويد: سلام، أمان، رفاه.. ولكن!

اللجوء إلى السويد: سلام، أمان، رفاه.. ولكن!

الثلاثاء 15 أيار (مايو) 2007

بقلم:

منهل السراج  

شارك اصدقاءك هذا المقال



أي إنسان، شاب أم كهل أم مسنّ، متزوج، لديه أسرة وأولاد، أو أنه وحيد وأعزب. أي إنسان، مريض أو معافى، مقهور أو مسرور، كاذب أو صادق، حاقد أو متسامح، متدين أو كافر، متعصب، متطرف.. مثقف أم غير مكترث، متعلّم أو أمّي، صاحب شهادات عالية أم حامل فقط لشهادة الابتدائية.. كل هؤلاء تستقبلهم دولة السويد وتتعامل معهم جميعاً كأسنان المشط: “لاجئون” كل من دخل أراضيها وأراد أن يبقى فهو آمن. يتوجه إلى مبنى الهجرة، يسلّم جواز سفره الحقيقي أو المزوّر، أو بدون جواز سفر ولاأي وثيقة تثبت هويته. يستقبلونه، يسألونه عن اسمه وبلده، ويقبلون بأي قول يخبرهم به.

ملفه الخاص سيكون عبارة عن البيانات الشخصية التي أدلى بها، صورة شخصية يلتقطونها له، بصماته، وفقط. ثم، إن أراد السكن بمساكنهم، فله ذلك، أماكن مخصصة للاجئين، مساكن إنسانية، ربما يراها أغلب أهالي بلادنا نعمة حقيقية. يفتحون باسمه حساباً بنكياً مع بطاقة تؤهله للتعامل مع المال بشكل حضاري مثل كل أهل السويد، إذ لاأحد يحمل مالاً في حقيبته، الكل يسحب من كُوى خاصة متوفرة في كل طرقات المدينة. يضع بطاقته المصرفية والكود خاصته ويطلب ما يحتاج من مال للتسوق أولأمور أخرى. المبلغ الذي يعطى لللاجئ إلى أراضي السويد يعادل تقريباً ثلاثمائة دولار أميركي في الشهر، وهذا المبلغ للطعام واللباس، فهو مضمون في بقية أمور الحياة، أهمها الصحة. لا أحد يحار، فالحلول موجودة من أجل الحياة الآمنة دائماً.

دراسة طلب اللجوء أو مايسمونه حديثاً في دولة السويد بطلب الحماية، يحتاج وقتاً، ولأن الأوقات والأعمار ثمينة، فإن اللاجئ يدفع إلى مدرسة تعلّمه لغة البلد وثقافة البلد وتاريخ البلد.

قال أحدهم وهو من الناس الذين لجؤوا قديماً، إن فترة الستينات والسبعينات وحتى الثمانينات كانت مختلفة تماماً، كان تعامل موظف الهجرة في السويد في منتهى الرقي واللطف.
قاطعه أحد القادمين الجدد:
ـ لكن تعاملهم الآن رائع أيضاً، فقد استقبلونا بشكل حضاري..
فأجابه من صار له سنين طويلة:
ـ لا، لقد تكلموا معك من وراء زجاج غرفهم. في السابق كان المسؤول السويدي يخرج من غرفته ويجلس في البهو يصغي باحترام كبير لكل مايقوله مواطننا، وأحياناً يذرف الدموع من شدة التأثر.

وهنا استأنف المتكلم قائلاً:
ـ ... فيما يخرج مواطننا من مبنى الهجرة يغالب ضحكه متباهياً بموهبته في التمثيل، لأنه نجح في إقناع هذا السويدي البريء بحكايته.
ثم أخبرنا مثالاً يعرفه عن قرب، قال إن أمّ أحد معارفه وصلت إلى استوكهولم، فتوجهت مع ابنها إلى مبنى الهجرة طالبة اللجوء، كي تنال حصتها من المساعدة الشهرية ونصيبها من الضمان الصحي. طبعاً كان يوجد مترجم محلّف بينها وبين موظف الهجرة، وربما كان العربي الوحيد الذي يجيد اللغتين في ذلك الحين، كانوا يسمونه “مختار اللاجئين”، فهو من يملك النصح والإرشاد وتأليف الحكايات المناسب سردها أمام المسؤول السويدي، لقبول طلب القادم الجديد. لم يُرفض طلب لاجئ إلا ما ندر. همس المترجم للأم: “خالتي قولي ما تشائين المهم أن لا تسكتي حين أسألك. سألها محقق الهجرة باللغة السويدية: كيف أتيت إلى السويد؟ قال المترجم لها بالعربية: ماذا طبخت اليوم يا خالتي؟ أجابت الأم: طبخنا”يخني“، والله لم أجد كل طلباتي في السوق هنا.. راحت المرأة تثرثر مع المترجم بما تشاء، وحين بلغ عدد الكلمات الحد المناسب أوقفها المترجم والتفت إلى المحقق المنتظر، يخبره على لسان الأم:
ـ قصتنا طويلة يا ابني، خرجنا من بيتنا في بلادنا إلى حدود البلد، وهناك صادفتنا دورية وصرنا نتراكض، كل حقائبنا تركناها عند الحدود، وأنا بهذا العمر، حيل معدوم، لم أقدر أن أحمل معي أي حقيبة، تعبت يا ابني كثيراً وأنا بهذا العمر، ركضنا كثيراً، ثم دبروا لنا حميراً امتطيناها وأكملنا إلى أن خرجنا من الحدود..
استمر التحقيق على هذا المنوال، المترجم يحكي ما يشاء للمحقق والأم تثرثر ما تشاء مع المترجم.

هذه الحكايات، مثلها كثير، معظمها من الخيال، تسرد قصة الهروب من البلاد. قال: طبعاً قدوم الأم كان مكرّماً بجواز سفر نظامي وطائرة نظامية، ربما كانت على الشركة الوطنية للبلد الذي قدمت منه، لكن لم يكن ينتاب موظف الهجرة أي شك بصدق الحكاية. فقد مزقت المرأة جواز سفرها وأعطت اسماً آخر أو غيرت حرفاً في اسمها، مثل أن تبدل الخاء بالكاف. يتأثر الموظف السويدي بحكاية الأم المهانة بشدة في بلدها. يسارع في إعطاء الموافقة، وتتلقى الأم بعد أيام معدودات بطاقة الإقامة النظامية، مواطنة تستحق بعد فترة تتراوح بين الثلاث إلى خمس سنوات، الجنسية السويدية. وللمقيم حقوق لا تقل عن حامل الجنسية السويدية، مساعدة العاطل عن العمل كمثل هذه الأم تعادل ستمائة دولار، ما عدا تعويض السكن، وهذا جيد للعيش في السويد. وممارسة نشاطات عديدة.

حكايات الشباب عادة أكثر حنكة وغرابة من حكاية الأمهات أو على حد قولهم، حكايات”أكشن“.
بعد آلاف من هذه الحكايات، ومنذ عدة سنوات، اكتشف السويديون أن كثيرين كذبوا ونالوا الجنسية السويدية من غير وجه حق وذلك ليضمنوا لأنفسهم ولأولادهم مستقبلاً جيداً وإنسانياً آمناً ومطمئناً بعيدا عن بلادهم التي قد تفاجئهم بالمرض والقتل والفاقة، وفي أحسن الحالات إغلاق الآفاق أمام المستقبل.
بالتدريج تغيرت قوانين اللجوء وصارت أكثر صرامة، بل تعقدت وصارت الموافقة على طلب اللجوء، في بعض البلدان الأوروبية، شبه مستحيلة. وبسبب هذه الصعوبة في قبول طلبات اللجوء، اختلط الحابل بالنابل، فكثير من القصص التي كانت حقيقية، لم تصدق، رفض طلب أصحابها، ثم لسوء حظهم أُطلق قرار التسفير، وهذا يحدث بعد استئناف صاحب الطلب عدة مرات في محكمة عليا. قرار التسفير، ينفذه رجال البوليس، يحجزون بطاقة طائرة لمن وقع عليه قرار التسفير وعليه الإذعان والمغادرة على أول طائرة إلى بلده. وقد حدث أن هناك من قتل في بلده أو اعتقل أو اختطف واكتشف محقق الهجرة أنه أوقع ظلماً.. لكن رغم هذه الأخطاء، لم تتراجع دائرة الهجرة عن القوانين الجديدة في التشكيك في صحة أقوال اللاجئ.
ملف اللاجئ الآن يبقى تحت الدراسة والتمحيص من ستة شهور إلى ثلاث سنوات، وبعد ذلك يأتي القرار بالموافقة أو الرفض. وهو على الغالب يأتي بالرفض، ماعدا حال العراقيين الآن. يقال:”إقامة العراقي الآن بفلس". فقبول العراقي سهل جداً بالمقارنة مع الجنسيات الأخرى. بعض العراقيين حصلوا على حق الإقامة في دولة السويد خلال شهر أو شهرين من اختبار الصوت الذي يتم بطرق الكترونية تثبت أن صاحب الصوت عراقي الجنسية والمنشأ.
الأمر غير المفهوم للمراقب الحيادي هو: بما أن اللجوء إلى تلك البلاد يتم تحت قانون اللجوء السياسي الذي أتاحته هذه الدول المتحضرة لحماية المضطهَد، أي الإنسان الذي يتعرض لاضطهاد سياسي، وكما هو معروف أن المعارض لحكومته هو من يتعرض للسجن والتنكيل، لكن يبدو من خلال ما يحدث الآن، أن قبول طلبات اللجوء لا يخضع لقانون اللجوء السياسي المعروف عالمياً.

وما يدعو للاستغراب ومن خلال التمحيص في قضايا كثير من المهاجرين من بلادنا إلى تلك البلاد، والذين يسردون قصة قدومهم وقبولهم بكل أريحية، يُستشعر أن قانون اللجوء ليس من أجل السياسي المعارض لحكومته والمهدد بمصيره، بل كأن وظيفة دائرة الهجرة هي ملء أراض تعاني من قلة السكان ومن فائض المال. فهم يفضلون الأسر مع الأطفال، ذلك لأنهم سيتولون تربيتهم في مدارسهم وتنشئتهم على قوانينهم ويفرضون على الآباء أجواء البلد الحضارية وقوانينها. ويأتي بالدرجة الثانية الشباب النشيط، والذي يعد بأنه سيعمل بلا هوادة ويساهم في تطوير هذه البلاد التي أمنّت له حاضره ومستقبله، ولا يعرقل تطورها الحثيث.

يتساءل المرء: عادة الشباب المفضل لديهم هم الشباب المرح الديناميكي سريع التأقلم، وهذا الشباب، ترك بلاده لأنه متذمر من قلة فرص الحياة ومن التخلف إلخ.. لكن لم يكن يواجه خطرا حقيقيا ومباشرا، وهو في سن لم تتح له بعد فرصة معارضة حكومته أو الشغل بالسياسة، أما من يستحق أن يستفيد من قانون اللجوء فهو بالضرورة صاحب قصة حقيقية، وهو بالضرورة مهتم وراغب بإصلاح بلده والعودة إليها، وإلا لماذا ناضل وضحى بمستقبله ومستقبل عائلته، لكنهم باتأكيد أن أصحاب القرار لا يرغبون...

يستحق هذا الأمر المناقشة والدراسة مع حكومات تلك البلاد، المثقلة بالرفاه وبالبيروقراطية على أهلها وعلى المهاجرين إليها، بيروقراطية ترمي شباكاً غامضة، ربما على الجميع وفي مجالات عديدة.


شارك اصدقاءك هذا المقال

عبد الوهّاب المؤدّب :

ولد سنة 1946 واختطفته يد الموت في صبيحة اليوم، 6 نوفمبر 2014. كان كاتبا روائيّا وشاعرا وباحثا ومترجما ومقدّما لبرنامج “ثقافات الإسلام” بإذاعة فرنسا الثّقافيّة... لهذا السّبب ربّما طلب منّي أن أضع صفة “أديب” أمام اسمه، في أحد البيانات التي شاركنا في صياغتها وتوقيعها طيلة السنوات الأربع الأخيرة. أديب، أي يحسن القول والفكر ويحترم آداب المجالسة، ويحتفي بالأصدقاء والقرّاء، فيقدّم لهم “مأدبة” من الحديث (...)
الفيسبوك
تويتر