الاربعاء 8 شباط (فبراير) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > أبحاث > الليبرالية والدين

الليبرالية والدين

بين التنازع والاحتواء

الاربعاء 1 أيلول (سبتمبر) 2010
بقلم: محمد المزوغي  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

1- مبادئ الليبرالية

 رغم تعدّد معانيها ورغم التطورات اللاحقة التي طرأت على تصوّراتها، فإنّه يمكن إرجاع الليبرالية إلى الفكرة المحورية التالية : أنّ الإنسانية بلغت سنّ الرشد، وقادرة بمفردها على تسيير شؤونها دون وصاية خارجية. إنّ النظام السياسيّ الذي ينتهج نهج الليبرالية هو نظام متفائل بقدرة الاجتماع البشري على تحقيق أسباب التقدّم عن طريق الحوار وتصحيح أخطائه بالتجارب المتعاقبة. الليبرالية ترتكز أساسا على مبدإ الحرية الفردية واحترام حرية الآخرين؛ إنّها التسامح المتبادل والشامل على شرط ألاّ يكون خاضعا لأيّ ريبيّة أو لامبالاة، لأنّ «الليبرالية لها معتقد، ومعتقدها هو التقدّم، واقتناعها هو أنّ الحرية في ذاتها هي خير وتَطمح إلى الخير، وأنّ الحقيقة تنبع من الحوار، وأنّ تَحسّنا لامتناهيا هو حركة طبيعية للإنسانية (1)».

هكذا يُعرّف كاتب فرنسيّ من القرن التاسع عشر مفهوم الليبرالية، وهو مفكّر عاصر بروز تلك النزعة التي أخذت تجتاح أوروبا وأمريكا الشمالية (2). قال إنّ الليبرالية ليست فقط منظومة سياسية بل هي نظرة شاملة للعالم تُميّز حتى الأفراد. يمكننا مثلا أن نُشخّص على مستوى الأفراد مزاجا ليبراليا، روحا ليبرالية وطبعا ليبراليا : «المزاج الليبرالي هو استعداد تلقائي للّطف، للسّخاء، للإنصاف؛ ويمكن أن يكون مجبولا أو مكتسبا. الروح الليبراليّة تنطوي بالضرورة على قدر معيّن من التربية والتعليم؛ روح كهذه هي منفتحة متوازنة سيّدة نفسها، وتعترف لحُجج الآخرين بنفس الحقوق التي تنسبها إلى نفسها. الطبع الليبرالي هو نتاج خليط المزاج والروح؛ إنه يطبّق الليبرالية في الممارسة العمليّة؛ يترجم إلى أفعال، إيحاءات المشاعر وأوامر العقل. "لا تفعل للآخرين ما لا تودّ أن يفعله الآخرون لك" هذه هي قاعدة سلوكه (3)». إذن الليبرالي الحقّ، الليبرالي المنسجم [مع مبادئه] هو الذي يُؤمّن الحرية حتى لخصومه (4)». على المستوى العمومي فإنّ مجتمعا ما يسمّى ليبراليا، حينما يحظر على نفسه أيّ نوع من الاحتياطات الوقائية التي تعمل على الحدّ من حرية الاختيار، وفي المجال الحقوقي فهي تكتفي بالضروري من العقوبات، دون مبالغة أو عنف. ولذلك فإنّ تخفيف قوانين العقوبات يسير دوما بالتوازي مع تقدّم النظام الليبرالي(5). وحسب الكاتب يمكن أن نطبّق هذه الصفة ـ رغم مفارقتها ـ حتى على الأديان. فعلا، إن دينا ما يُعتبر ليبراليا حينما لا يكفّر الآخرين، وأكثر ليبرالية حينما يَعمد، في داخله، على تهذيب الضمائر وتقويمها وتمتينها بدل استعبادها أو تهييجها. الدولة تكون ليبرالية عندما تحترم النشاطات الفردية والجماعية للمواطنين، دون أن تتخلّى عن صلاحياتها المشروعة، لأنّ الدولة «تطلب هي أيضا حريتها الذاتية (6)». إن دولة ما، حتى وإن كانت تعتمد نظام الحكم الجمهوريّ، يمكنها أن تغدو دولة لا ليبرالية «إذا لم تقدر على ضمان حرية المواطنين، أو إذا كانت الأقليات فيها مضطهدة أو حتى مُعرقَلة في حرّيتها المشروعة (7)».

المستويات العامة التي تتمظهر فيها بجدّ فضائل الليبرالية على جميع الأنظمة السابقة، هي المستوى الأخلاقي، والاقتصادي والسياسي. على المستوى الأخلاقي الليبرالية مرتبطة عضويا بحرية التفكير والتي هي أوّل الحريات وأسماها. ولن يكون الإنسان حرّا بأيّ حال من الأحوال، وفي أيّ مجال عمليّ، إن لم يكن كائنا مفكّرا ذا وعي مستقلّ. إذن حرية التفكير ولا شيء غيرها، هي الحاضنة الأولى للحريات الأخرى: «الحرية الدينية، حرية التعليم وحرية الصحافة تُشتَقّ مباشرة من حرية التفكير (8)». على الصعيد الاقتصادي، الليبرالية هي الاعتراف بحرية العمل، وكلّ الحريات المصاحبة «بما فيها حرية الملكية التي هي امتداد شرعيّ لشخصية الإنسان (9)». أخيرا، على المستوى السياسي، الليبرالية هي قبل كل شيء «البحث عن ضمانات للحرية»، ذلك لأن النظام الليبرالي لا يسمح بأن تُنتهك حرية أي فرد من أفراده لحساب المجموعة، حيث إن فكرة العقد الاجتماعي مُتصوّرة بصيغة مغايرة لتلك المتعارف عليها. الليبرالية تتمثل العقد الاجتماعي «كرابطة للجميع من أجل ضمان حرية كل [فرد] (10)». هذه الحرية لا تؤدي بالضرورة إلى الاعتباطية أو التسيّب، ولا تسمح بالتعدّي على حقوق الآخرين. الحرية، في النظام الليبرالي، هي تلك الصفة التي «تختص بكائنات عقلانية، قادرة على السيطرة على ذاتها وحكم نفسها بنفسها، وبالتحديد ولأجل الحفاظ عليها فإنها تتطلّب قوانين ضد الرخصة والاعتباط والتعسّفات من أيّ نوع كانت، بما فيها تعسّفات الدولة (11)». الهمّ الوحيد للنظام الليبرالي، هو إقامة طوق لحماية حقوق الفرد، وتأمين حرية المواطنين دون تمييز، ودون انتهاك لحرمتهم الشخصية. 

بنجامين كونستان، أحد رموز الفكر الليبرالي الفرنسي في القرن التاسع عشر، يؤكّد أنّ «المواطنين يملكون حقوقا شخصية مستقلّة عن كلّ سلطة اجتماعية أو سياسية، وأيّ سلطة تخرق هذه القوانين تغدو غير شرعية (12)». حقوق المواطنين تتمثل، حسب كونستان، في«الحرية الفردية، الحرية الدينية، حرية الرأي، حيث تتضمن حرية الدعاية لها، التمتع بالملكية، الضمانات ضدّ أيّ تعسّف. ليس هناك من سلطة تستطيع أن تنتهك هذه الحقوق، دون تمزيق لقبها الخاص (13)».

  2- الأديان ضدّ الحرية والديمقراطية والعلمانية:

 المفكّر التنويري الحديث الذي يعيش في العالم العربي لا يشكّ طرفة عين في معقولية المبادئ المؤسسة للمنظومة الليبرالية. فهو يعتبرها مكاسب إنسانية جديرة بالاحترام، ولا يمكن التراجع عنها إلى حالة سابقة، بل يجب تقويتها وتدعيمها؛ أو إن وجب الأمر تقويمها وإصلاحها واستكمالها، لا التخلي عنها أو نبذها بالكامل. فالنظام الليبرالي، من حيث المبدأ، يُوفّر الأسس الشرعية الضامنة للحريات الفردية، ويحفظ حرية التعبد، دون أن يفرض على المجتمع هيمنة دين محدد، أو يلزم الأفراد بتأدية طقوسه وشعائره بالقوة أو بالضغط على ضمائرهم بشتى الوسائل. هذه مكتسبات إنسانية لا جدال فيها، مَن يجادل فيها هم في وقتنا الحاضر الإسلاميون، ورهط من اليمينيين في الغرب، كما فعل أسلافهم، من الرجعية الأوروبية في القرن التاسع عشر، المناهضون للثورة الفرنسية والموالون للكنيسة وللأرستقراطية الملكية.

فعلا، ما الشيء الذي يجمع بين من يدعو لتحرير الإنسان مِن ربقة الوصاية الدينية اللاهوتية، ومَن يُحاول تكريسها؟ ما الشيء الذي يجمع بين من يتشبّث باستقلالية التفكير، بحرية النقد والحوار العقلاني وبين من يرسم حدودا، ويُنصّب محظورات، ويضع سلطات غير قابلة للنقد؟ الدين في سياسة الليبرالية هو عمليا لا شيء : إنه مجرّد خيار شخصي، ويبقى كذلك بحيث إنه لا ينبغي إطلاقا أن يجتاح الساحة العامة، أو يُسوّي اختلافات المجموعة ويُشرّط تحركاتها وتشريعاتها المدنية. الدولة الليبرالية دولة بلا دين، لا من جهة أنها ملحدة، بل لأنها تحفظ حقوق كل الأديان وترعاها دون تمييز أو إعلاء من شأن واحدة على أخرى. ليس هناك في دساتير الدولة الليبرالية بُند يُحدّد حرفيا دين الدّولة، أو يُجبر المواطنين على تبنّي دين بعينه والالتزام بتعاليمه وتطبيق شرائعه حتى وإن كان دين الأغلبية.

لكن الأنظمة الليبرالية ليست مبدئيا ضدّ الدين بما هو كذلك، وحتى اختيار نهج العلمانية لا يعني القضاء على الدين أو محوه كليا من الضمير الشعبي. انظر إلى الليبراليين العرب المحدثين، لا أحد منهم ناهض الدين بما هو دين، ولا واحد منهم نقد الدين الإسلامي في ذاته أو دعا إلى فسخه من الذاكرة الجماعية (وهذا هو المأخذ الذي يأخذه عليهم اليساريون، يعني عدم حسمهم نهائيا مع المنظومة الدينية). كل ما في الأمر هو أنهم ينادون بإصلاحات تدريجية، وتحديثات للمنظومة الفقهية، أي لمنظومة التشريعات القديمة، كي تتلاءم مع العصر وتحترم حرية الأشخاص. وليس من المستغرب أن نجد في تاريخ أعلام الليبرالية أسماء رجال ناهضوا الإلحاد جهارا، وربما ناصبوا الملحدين العداء. الليبرالي الفرنسي كونستان يصف حالته بعد أن اطّلع على الكتاب الذي يُعتبر محصّل الإلحاد في القرن الثامن عشر، أي "نظام الطبيعة" للفيلسوف الملحد تيري دولباخ، قائلا: « غالبا ما انتابني شعور بالرعب والتعجّب من قراءتي ذاك الكتاب الشهير "نظام الطبيعة". هذه الضراوة لشيخ أوصِدت أمامه كل أبواب المستقبل، هذا التعطّش اللامفهوم للتدمير، هذه الحماسة ضدّ فكرة رقيقة ومعزّية، تبدو لي هذيانا عجيبا(14)». الدين في اللحظة الراهنة، ـ بعد انقضاء زوبعة المفكرين الأحرار ـ حسب زعم كونستان «هو واقع لا يمكن الشك في حقيقته (15)». إنّ بذرة الدين، كما يقول، مُودَعَة في داخلية الإنسان، في قلبه، ولا يمكن لأيّ قوّة أن تمحوها أو تقتلعها. لكنّ هذا القول ـ يتدارك، كونستان ـ لا يعني إضفاء مصدر إنساني على هذه الهبة السماوية، أي حصرها في بوتقة الذاتية(16). ومن منظوره المُعلن، كمسيحي بروتستانتي، فهو يرى أن « الموجود اللامتناهي أودع هذه البذرة في قلوبنا، لكي يهيّئنا إلى الحقائق التي ينبغي علينا أن نعلمها … كلّما رسخ اقتناعنا بأن الدين أوحي إلينا بطُرق فوطبيعية، كلّما ازداد واجبنا بالاقتناع من أننا نكتسب الملكات الكافية لتقبّل تلك التواصلات الرائعة. إن هذه الملكة هي التي نسميها الشعور الديني (17)». الليبرالي كونستان، يعمّق الهوة التي تُبعد بينه وبين المفكرين الأحرار الذين اعتبروا -في فترة غير بعيدة عنه- الأديان مفلسة نظريا وفاسدة أخلاقيا لأنّها تنشر الجهل والخرافة وتولّد الحروب والعداوات، ولا تساهم بالتالي في تربية الجنس البشري وتهذيب طبائعه(18). لكنّ الليبرالي كونستان يعارض هذا الرأي، ويعطي كمثال مضاد نبذة من تاريخ العرب قبل مجيء الإسلام وبعده. الإنسان العربيّ قبل الإسلام، أي في عصر "الجاهلية"، كما يقول المسلمون، «هو صعلوك بلا رحمة، قاتل دون ضمير، العربي لم يكن إلاّ حيوانا مفترسا». وكأني بكونستان يستنسخ أقوال الإسلاميين القدماء والمحدثين لتبيين جدّة الإسلام وتفوّقه على العصر الذي سبقه. «العرب، قبل محمد ـ يواصل كونستان ـ يعتبرون النسوة متاعا. يتصرّفون معهنّ كإماء. يئدون بناتهم أحياء. فظهر النبي، وقرنان من البطولة، ومن السخاء، والإخلاص؛ قرنان متساويان، على أكثر من مستوى، مع أجمل عصور الإغريق والرومان، تاركان في حوليات العالم أثرا مُشعّا (19)». على الإسلاميين الذين يُكفرون المنظومة والليبرالية جملة وتفصيلا ويحقدون على العلمانية، أن يحفظوا هذه الأقوال الصادرة عن أحد أكثر المنظرين السياسيين موالاة لتلك المنظومة في القرن التاسع عشر.

إذن، الليبراليون عموما لا يعارضون الدين كمعتقد، ولا يسعون إلى اقتلاعه من الوعي العامي أو القطع النهائي معه وانتهاج نهج الإلحاد، بل هم مستعدّون لتزكيته والإعلاء من شأنه والدفاع عنه بشراسة. هم يعارضون فقط تدخّل الدين في الدولة؛ أي المزج بين التشريع الدنيوي والمعتقد الديني. ومع ذلك فإن المتديّنين لا يرضون حتى بهذا؛ لا يرضون بأن يُحصر الدين في المجال الشخصي، ولذلك فقد شنّوا على الليبراليين، منذ القرن التاسع عشر، حملة جمعت بين الطعن والثلب والتهكم والتكفير، كما يحدث الآن في عالمنا العربي. المفكّرون الكاثوليك في القرن التاسع عشر ناهضوا الفكر الليبرالي لنفس الأسباب التي يناهضه من أجلها الإسلاميون المحدثون، أي لما يتضمّنه، حسب زعمهم، من استقلالية العقل تجاه الوحي، وإرادة الفصل بين النظام الطبيعي (naturel) والنظام الفوطبيعي (surnaturel)، ومن حيث إعطاء حقوق الأوّل في أن يتكوّن ويتطوّر ويتحرّك دون الأخذ بعين الاعتبار للثاني (20). ومهما كانت إمكانية وجود هذا النظام الفوطبيعي، أي الوحي، فإنّ الليبراليين يرون أن مسألة الدين الوضعي بما أنها مسألة شخصية لا ينبغي أن تحكم سياسة الدولة وتدير مؤسّساتها المدنية. فالدولة الليبرالية، في الوقت الذي تؤمّن فيه حريّة التعبّد لكل مواطنيها دون تمييز، يمكنها، بل ينبغي عليها أن تمارس واجباتها في مجال التربية الاجتماعية والتشريع المدني على أساس محايد، أو بالأحرى على أساس موحّد، وهكذا فهي تضع حلولا لإشكالية الحياة الاجتماعية والإدارة العمومية خارج أي عنصر متعال.

هذا الأمر لا يمكن إلاّ أن يسبّب الذعر في قلوب المتدينين ويولّد السّخط لدى السلط الدينية بوجه عام، مهما كانت صفة الديانة المعمول بها. فعلا، كيف يمكن، حسب زعم النقاد الكاثوليك (وحتى الإسلاميين المعاصرين)، لدين متجذر منذ قرون في الوعي الشعبي أن يَتنحّى عن الوجود، أن يَغدو مجرّد ذكرى ماض سحيق فقدَ مفعوله بالكامل؟

المنظومة الليبرالية كنسق حياة سياسية واجتماعية لا يتعلق فيها العنصر المدني الاجتماعي إلاّ بالنظام الإنساني، بحيث أنّ خصومها اعتبروها منذ بدايتها في تضارب تام مع الدين ومع نظامه العقائدي ـ التشريعي القائم والمهيمن على الوعي الشعبي لمدة قرون (21). وعلى هذا الأساس فإن الليبراليين الكاثوليك ـ وهذا الحكم يسري على معتنقي أيّ ديانة ـ هم تناقض في الكلمة (contradictio in terminis)، هم خلف منطقي وذلك بشهادة خصومهم الكاثوليك الأرثوذكس أنفسهم. إنهم يجدون أنفسهم بين قرني مفارقة حادة : إما تقبّل الحرية الفردية كاملة وتامة، وبالتالي الانضمام عن جدارة للمعسكر الليبرالي واعتبار الدين شأنا خاصا غير ملزم في تنظيم شؤون المجموعة، أو الالتزام بتعاليم الدين الوضعي والانضواء تحت راية الكنيسة ورفض الحرية الفردية.

 المفكرون المؤمنون المنسجمون مع معتقدهم يعترفون بالفرقة بين الفكر الليبرالي والمعتقد الديني، لأن الليبرالية، هي النفي لكلّ اعتماد على الإله وعلى سلطة أولئك الذين يتكلمون باسمه من إكليروس وفقهاء في تسيير شؤون الدولة. إنّها القطيعة الكاملة مع النظام الذي وضعه الله وأراده المسيح كما يعترف أحد الكتاب الكاثوليك (22)، وهو يتحدث بلغة متطابقة حتى في العبارات لتلك المستخدمة إلى يومنا هذا من طرف التيارات الإسلامية الحديثة. بالنسبة للمسيحي، الله هو سيّد المجتمعات والأفراد، والحكّام كما المحكومون، يخضعون للقانون الأخلاقي والطبيعي الذي وضعته الإرادة الإلهية. إنه كلام يستطيع أن يتفوّه به أي مؤمن وفي أي زمان، وأظنّ أنه لا يمكن للأمر إلاّ أن يكون كذلك، وعلى مدى التاريخ. فلنفتح فقط أي صفحة من كتب سيد قطب أو أبي الأعلى المودودي أو الخميني أو حسن الترابي أو القرضاوي، فسنرى أن هذا الخطاب مستديم وراسخ عند جميع المنظرين واللاهوتييين المسلمين والمسيحيين. أبو الأعلى المودودي يقول «إذا كان الله هو الخالق السيد الحاكم للإنسان وللكون الذي يعيش فيه، فليس من المعقول أن تقتصر أحكامه وتشريعاته على حياة الفرد الخاصة، وتنتهي سلطته عندما تبدأ علاقة الفرد مع غيره في الحياة الاجتماعية (23)». أما سيد قطب فهو يرى أن العالم كلّه يعيش في جاهلية بسبب ما أسماه «الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية .. وهي الحاكمية (24)». الجرم الأكبر الذي اقترفته الإنسانية المحدثة يكمن في نزعها سلطة الله وإعطاء الإنسان الحق في «وضع التصورات والقيم ، والشرائع والقوانين، والأنظمة والأوضاع، بمعزل عن منهج الله للحياة ، وفيما لم يأذن به الله». المنهج الإسلامي، حسب سيد قطب، يتفرّد عن المناهج الأخرى من حيث أنه يجمع بين الديني والدنيوي، بين العقيدة والشريعة. ولذلك فإن جميع مجتمعات الأرض هي جاهلة وخصوصا تلك التي تقيم « أنظمة وشرائع، المرجع فيها لغير الله وشريعته. سواء استمدت هذه الأنظمة والشرائع من المعابد والكهنة والسدنة والسحرة والشيوخ، أو استمدّتها من هيئات مدنية "علمانية" تملك سلطة التشريع دون الرجوع إلى شريعة الله .. أي أن لها الحاكمية العليا باسم (الشعب) أو باسم (الحزب) أو باسم كائن من كان .. ذلك أن الحاكمية العليا لا تكون إلا لله سبحانه، ولا تزاول إلا بالطريقة التي بَلَّغها عنه رسله (25)». 

نحن هنا أمام خيار محدّد ومصيري : إما الإله أو الإنسان ولا ثالث بينهما. فلو حذفنا، لا أقول مقولة الوجود الإلهي، بل تدخّل الإله في التاريخ، ورفضنا مبدئيا فكرة الوحي (والاعتقادات المصاحبة : النبوّة، الكتب المقدسة، الشرائع السماوية) لهوى كل البنيان الديني الوضعي على نفسه ولانتصب الإنسان بمفرده وأنيطت به هو وحده المسؤولية في إدارة شؤون حياته وتقرير مصيره كما يرغب وكما يُمليه عليه العقل وقوانين الاجتماع الإنساني.

هذه هرطقة واضحة عند المسيحيين، كفر صارخ بالنسبة للإسلاميين، لأن أُولي الأمر ـ كما يكتب المفكر المسيحي الذي أنا بصدده ـ هم تحت إمرة الله، كما رعيّتهم أيضا، وبالتالي فإن القانون الطبيعي له قواعد تربط الأمراء برعيّتهم ولا يُسمح للأوّلين بأن يُعطوا أوامر جائرة، كما لا يُسمح للثانين بأن يَعصوا الأوامر العادلة. ولكلّ أن يحدس بأن فيصل التفرقة بين الجائر والعادل هو الله، أو كتاب الله : التوراة عند اليهود، الإنجيل بالنسبة للمسيحيين والقرآن عند المسلمين.

إن الفصل بين الحكم الزمني والحكم الديني، أي استقلالية السياسة عن الشريعة، هو الشرط المؤسّس لكلّ مجتمع ليبرالي، لكن هذا الفصل، كما هو مرفوض عند الإسلاميين بجميع مشاربهم (يحبّذونه كما قلت في الخارج وليس في الداخل، أي في دار الحرب وليس في دار الإسلام)، هو مرفوض عند الكاثوليك، حتى وإن أذعنوا نسبيا، منذ بضعة عقود، إلى الأمر الواقع.

الكاتب الكاثوليكي يرى أن العقل ذاته قادر على البرهنة على أن الأمير، ليس كشخص فقط، بل كحاكم أيضا، هو خاضع (assujettit) للإله وللأوامر التي يأمره بها عن طريق صوت الطبيعة التي هي صنعة الله، ولذلك فإنّ أيّ فصل بين العمل السياسي وتعاليم الكنيسة مرفوض. الليبراليون يرون على العكس من ذلك أن الحاكم الزمني لا يجب عليه أن يخضع إلاّ لقانون الطبيعة في أعماله كحاكم، وبما هو كذلك فإنه غير مُجبر على اتّباع القانون الإلهي أو الفوطبيعي، نظرا إلى أن السلطة المدنية، بما أنها مؤسسة إنسانية بحت، فهي مفصولة كليا عن أي نظام فوطبيعي ومستقلة عنه. الدولة هي مجال العقل والطبيعة، الكنيسة لها مجال الإيمان والنعمة. ليس هناك من حاكم ملزم في أعماله بصفته كحاكم، أن يأخذ بعين الاعتبار الوحي؛ يمكنه أن يُشرّع ليس فقط دون أن يكون بصره متعلقا بالقوانين الفوطبيعية، التي قررها الله، بل أيضا ضد تلك القوانين، والتي حتى وإن كانت تلزم الحاكم كشخص، لا يمكن أن تلزمه إطلاقا بصفته حاكما.

إن هذا الرأي، في نظر الكاتب المسيحي، هو غاية في التخلف، قبل أن يكون في منتهى الهرطقة. فعلا، كيف نعترف بأن الله، صانع القانون الطبيعي وفي نفس الوقت القانون المضاف للقانون الطبيعي، لم يشأ أن يكون هذا الأخير مُلزما للملوك والشعوب، مثلما تلزمهم قوانين الطبيعة؟ كيف يمكن لله أن لا يُجبر الأمير بواجب ألاّ يأمر رعيّته إلاّ بما يتماشى مع القانون المسيحي، ولا ينهاهم إلاّ عمّا ينهاهم ذلك القانون؟ النتيجة هي أن الأبواب موصدة أمام الليبراليين الكاثوليك، والحوار مع الليبراليين العلمانيين هو عمليا ونظريا مستحيل.

إذن النظرية الليبرالية القائلة بأن الأمم غير ملزمة مثل الأفراد، بالاعتقاد الجازم في صحة الدين الوضعي (المسيحي في حال كاتبنا، الإسلامي في حال المسلمين والقوميين)، وأن شعوبا مندمجة في مؤسسة عريقة منذ ولادتهم يمكنهم، بعد مئات السنين، التنازل عن التعميد الشامل، حذف كل عنصر فوطبيعي، تقبّل الأجيال القادمة عملية نزع المسيحية، القانون الاجتماعي، وتقبّل هذه الأمور ليس فقط كضرورة، بل كتقدم حقيقي للعصر الحديث. هذه النظرية يَقف أمامها، حسب الكاتب، الحس الديني السليم (الخالق الذي أبدع هذا الإنسان ما أراد أن يكون الاجتماع البشري مستقلا عنه) والتراث الثابت المقرّر. (هذا الكلام، مرة أخرى، يمكن أن يصادق عليه أي مسلم معاصر إذا عوّضنا المسيحية بالإسلام، والكنيسة بالأمّة، والقانون بالشريعة).

أوغسطينوس في رسالة إلى أحد أعيان الروم استشهد بالكتاب المقدّس لكي يبيّن أن لا حاكم إلاّ لله «طوبى لشعب الرّبُّ إلههم (مزامير، 144، 15). هذا هو الرجاء الذي يجب علينا أن نحققه لصالحنا ولصالح المجموعة التي نحن مواطنوها (26)». وفي موضع آخر يحذر أولئك الذين يرغبون في التحرّر من أسر الشريعة، بأنه يجب عليهم طاعة أولي الأمر، أي الملوك، بما هم ملوك في خدمة الله، إذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر (bona iubeant, mala brohibeant) في مملكاتهم، ليس فقط بشأن الاجتماع الإنساني بل أيضا في ما يخص الدين الإلهي (27)». في مملكة يحكمها أمير مؤمن يطبّق أوامر الله لا يمكن التذرّع بحرية الإرادة أو الضمير الشخصي للتملّص من قوانين الشريعة، ومن يفعل ذلك فهو كمن يتذرّع بتلك الحرية لتحقيق رغباته الإجرامية. «عبثا تقول : سأعتمد على حرية الإرادة (libero arbitrio). لماذا لا تطالب بنفس الرخصة في القتل، والاغتصاب وكلّ أنواع الجرائم التي يتمّ مَنْعها بقوانين زاجرة نافعة؟» ثم يقول بأن الأمير محكوم بإرادة الله سواء كإنسان أو كحاكم. كإنسان عليه عبادة الله وطاعته، وكحاكم عليه أن يسَنّ قوانين دينية وينشرها بالقوة اللازمة. وفي "مدينة الله" يخلص أوغسطينوس إلى الحكم التالي وهو أننا « نسمي سعداء الأباطرة المسيحيين، إذا وضعوا قوّتهم في خدمة السموّ الإلهي بتوسيع مُلكه ونشر عبادته (28)».

ليس هناك من إسلامي قديم أو حديث لا يوافق على أقوال أوغسطينوس بشأن أسس الحكم الرشيد، حيث يتمازج الواجب الديني مع الحكم الدنيويّ، ويَطغَى الأول على الثاني إلى حد الامّحاء. ليس هناك قانون لله وقانون للإنسان، فالكلّ لله، والإنسان ليس إلاّ منفذا لأوامره.

أين نضع حرية الضمير إذن؟ ما هي وضعيّة الديانات الأخرى في مملكة يكون فيها الدين لله؟ المؤمنون جميعهم، في بدايتهم وهم قلة، لا ينشدون إلاّ التسامح والحقّ في الاختلاف "لكم دينكم ولي دين" حسب المأثور الإسلامي. لكن هذا في فترة الضعف وقلة العَدد، كما حدث مثلا في المسيحية المبكرة، حيث إن ترتوليانس يعترف بأن الطبيعة والقوانين مَنَحتْ بالتساوي كل إنسان القدرة على اتّباع صوت ضميره، وبأنه لا يمكن أن نُكره أيّ أحد على عمل يتضارب مع قناعته. لكنه لا يُعمّم هذا القانون لكي يرفع أي تبرير عن الاضطهاد الديني من أيّ جهة أتى. فالمسيحية، بالنسبة إليه، لها الحق في الحرية الكاملة الشاملة لأنها الدين الحق والقداسة الكاملة (29). هنا يكمن الفارق بين المنظومة الدينية، وبين أيّ نظام إنساني : فالأولى تدّعي الاكتمال منذ البداية، وتدّعي الحيازة على الحقيقة المطلقة، أما الثانية، على عكس من ذلك، تعتبر نفسها منظومة إنسانية، بحيث تعترف بالخطأ وبإمكانية تجاوزه وتفتح مجالا لإمكانية التقدّم، والرقيّ نحو الأفضل. إن هذا التعصّب الأعمى المنجرّ عن وهم امتلاك الحقيقة، هو الذي ولّد في الأديان النقمة على كل من عارضها أو انتقدها، ولذلك فهي لم تجد بدّا من إقصائه وتهميشه أو المطالبة بإنزاله أقسى أنواع العقوبات الجسدية. السلطات الدينية إذا لم تكن لها اليد الطولى في الممارسة المباشرة لتلك العقوبات (وهو أمر لم تقبله كليا)، فهي تجيز لنفسها اللجوء إلى الحاكم المدني لترهيب المخالفين «بحيث إنه غالبا ما يكون الناس مدفوعين للبحث عن الدواء الناجع لأرواحهم، حينما يرهبون العذاب الذي يتوعّد أجسادهم (30)»، كما يقول أحد رجال الاكليروس المسيحي.

فكما أن المسلمين جعلوا من تقنيتهم في تربية المجتمع هي التعذيب المقنن والمنظّم من طرف الحاكم بالشريعة، كذلك فإن الكنيسة، مارست دائما حقها في التعذيب. كلاهما، يزعمان بأنّ العذاب في هذه الدنيا غايته الردع، ومرماه هو تطهير النفوس من أدران الكفر، حتى تصل ربّها دون شائبة، وهكذا تتّقي عذابا أشدّ يوم القيامة. البابا ليون العاشر، في مرسوم ضدّ زعيم الإصلاح "انهض يا ربّ (Exurge Domine)" اصدره سنة 1520 أدان فيه قولة للوثر تبدو في بساطتها القولة الأكثر إنسانية ورأفة في العالم، وتنصّ على أن:" حرق الهراطقة هو ضدّ إرادة الروح القدس (Haereticos comburi est contra voluntatem Spiritus)". لكن في نظر السلطة الكنسية العليا الاعتراف بهذه يعني شجب تاريخ كامل من أعمال الكنيسة وتدنيس لذاكرة رجال محاكم التفتيش، بل وإدانتهم في الماضي والحاضر. 

المسلمون لا يتوانون هم أيضا عن حرق المرتدّين، وهو حدّ ليس بغائب عن الشريعة الإسلامية (استعمله، حسب الروايات القديمة، أبو بكر وخالد بن الوليد وعلي بن أبي طالب). الكاتب المسيحي الذي دوّن المقال عن الليبرالية، وبعد مرور أربعة قرون على تلك الإدانة البابوية، يقول بشيء من الامتعاض، شارحا هذه الطريقة البشعة في الانتقام من البشرية: « فلنُفهَم جيدا. من هذا البُند المُدان، لا نريد أن نستخلص أن الكنيسة تملك مباشرة حقّ السيف، أي الحق في إصدار الحكم بإعدام [يقول إعدام وليس حرق] الهراطقة: النص أعلاه لا يفرض هذا التأويل (31)». نحن هنا أمام عماء تاريخي مذهل. من الذي أدان جردانو برونو وحكم عليه بالحرق ونفذه فيه؟ من الذي سجن غاليلي وعذّبه إذن؟ إنّ ما يشغل هذا الكاتب ليس الفعل في حدّ ذاته (الحرق، أو الاعدام كما يقول)، ما يشغله هو إبعاد التنفيذ عن الكنيسة، وتركه في يد السلطة المدنية، حتى وإن كان ذلك الحكم بشعا ومناهضا لكرامة الإنسان. إذا كان النص لا يفرض بالضرورة هذا التأويل، فماذا يفرض بالتحديد؟ يفرض شيئا عجيبا حقا. إليكم الإجابة: « يمكننا ويجب علينا أن نستنتج أن حكم الإعدام ضدّ جُرم الهرطقة [بلغة المسلمين، الردّة أو الكفر] ليست دائما وضرورة غير مبرّرة، وأن ظروفا معينة، تحتّم، لصلاح الحالة الروحية والأخلاقية، أن تعمل الدولة عملا حكيما وصالحا، بمعاقبة الهرطقة العمومية [إشهار الردة أو الكفر] (32)». المسلمون لا يجب عليهم أن يسعدوا لهذا الكلام، أي أن يُرجعوه ضد المسيحيين لإظهارهم وكأنهم محتكرو التعصب، لأن تاريخهم مسطّر بالدماء، وتشريعاتهم ضدّ ما يسمى بالكفار والمرتدين، السارية والمطبّقة إلى يومنا هذا، هي أكبر زاجر لهم لكي لا يسعدوا بشيء. المسلمون حسموا القضية في حديث متّفق عليه : «من بدّل دينه فاقتلوه». أبو بكر قتل أهل الردّة وسباهم ونكّل بهم، لا لأنهم أنكروا الدين أو حاربوه، بل فقط لأنهم امتنعوا عن تسديد الضرائب. ابن تيمية كتب كتابا كاملا لكي يبرهن، بصريح عباراته على أنّ « قتل المنافق جائز من غير استتابة (33)». وأن دم أيّ واحد في الدولة ليس معصوما بظاهر إيمانه «وإن أنكر ذلك القول، وتبرّأ منه، وأظهر الإسلام». الأدلة والقرائن من السيرة مفحمة لمن هو في ريب من أمره وابن تيمية يعرضها في عرائها هكذا: «ويدلّ على ذلك أن النبيّ أهدر يوم فتح مكة دم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ودم مِقيَس بن حبابة، ودم عبد الله بن خطل، وكانوا مرتدّين ولم يستتبهم … فعُلم أن قتل المرتدّ جائز، وأنه لا يُستتاب (34)». القتل بالنسبة لشيخ الإسلام هو القانون العامّ في الدولة الإسلامية، ضدّ كل من ارتدّ أو تزندق أو كفر، وهو يعرض الأحداث والوقائع التي تبرهن على أنّ تلك الإجراءات هي من صلب تراث الإسلام. وهذا ما حكاه عن عليّ بن أبي طالب: «أتى عليّ برجل قد تنصّر، فاستتابه، فأبى أن يتوب فقتله». يعني هكذا بكل راحة بال، قتل حاكم مسلم رجلا كان مسلما ثم تحوّل إلى المسيحية، دون أيّ تعليل أو تفسير معقول. والأدهى هو الآتي: «وأتى برهط يُصلّون القبلة وهم زنادقة، وقد قامت عليهم بذلك الشهود العدول، فجحدوا، وقالوا ليس لنا دين إلاّ الإسلام، فقتلهم ولم يستتبهم (35)». وفي رواية أخرى لم يكتف بجزّ رؤوسهم بل حرقهم بالنار «وعند الطبراني في الأوسط من طريق سويد بن غفلة ‏"‏أن عليا بلغه أنّ قوما ارتدّوا عن الإسلام فبعث إليهم فأطعمهم ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا، فحفر حفيرة ثم أتى بهم فضرب أعناقهم ورماهم فيها ثم ألقى عليهم الحطب فاحرقهم ثم قال‏:‏ صدق الله ورسوله"‏». إن قاعدة عليّ، حسب ما حكاها عنه المسلمون هي هذه: «إني إذا رأيت أمرا منكرا أوقدت ناري ودعوت قنبرا [أي دعا مساعده المسمّى قنبر]». ولا ينجو من أحكام القتل هذه أي أحد: لا الذمّيّ ولا المرأة ولا العبد ولا حتى أسير الحرب. يقول ابن تيمية مرة أخرى «وقد ثبت ثبوتا لا يمكن دفعه أن النبيّ وخلفاءه الراشدين كانوا يقتلون كثيرا من الأسرى من غير عرض الإسلام عليهم وإن كانوا ناقضين للعهد(36)». الأبواب موصدة أمام الجميع، والسيف نازل على رقبة كل من سوّلت له نفسه نقد الإسلام أو نبيّه أو تبديل دينه أو الكفر بالأديان: «المرتدّ الطاعن لا يجب قبول توبته، بل يجوز قتله وإن جاء تائبا وإن تاب (37)». ولا تُعفى حتى المرأة من هذه الأحكام القاسية والدليل على ذلك أنّ النبيّ، دائما حسب ما استقاه ابن تيمية من السيرة، «أمر بقتل النسوة اللاتي كنّ يؤذينه بألسنتهم بالهجاء، مع أمانه لعامّة أهل البلد، ولم يستتب واحدة منهنّ حين قتل من قتل … وهؤلاء النسوة قُتِلن من غير أن يُقاتلن ولم يُستَتبْن، فعُلم أن قتل من فعل مثل فعلهنّ جائز قتله بدون استتابة، فإن صدور ذلك عن مسلمة أو معاهدة أعظم من صدوره عن حربية [يعني امرأة مشاركة في الحرب] (38)».

بالنسبة لسيّد قطب ليس من الضروري إطلاقا اللجوء إلى القانون أو تلمّس أسباب معقولة لتبرير حركة الزحف الإسلامي. فالدين الحق، يعني الإسلام، الذي ينبغي بل يجب أن ينتشر في الأرض ويسودها بالقوّة «ليس في حاجة إلى مبررات أدبية». لماذا؟ لأن الإسلام «له أكثر من المبررات التي حملتها النصوص القرآنية "فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة. ومن يقاتل في سبيل الله فيُقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما (النساء، 74)"». إلى آخره من الآيات المحرّضة على القتل. 

 

 3- الاختراق والاحتواء:

لقد ظهرت في القرن التاسع عشر ـ على إثر انتشار الفكر الليبرالي وما صاحبه من حرية فردية وإرهاصات علمانية ـ تحركات من طرف مجموعات مسيحية لاختراق الليبرالية واحتوائها. البعض منهم أراد أن يلتهم حتى مبادئ الثورة الفرنسية باعتبارها ناتجة عن تعاليم المسيح ذاته (39). وهناك في العالم العربي فصيلة من الإسلاميين الذين يحاولون هم بدورهم افتكاك الإنجازات الليبرالية التحررية وإرجاعها إلى تعاليم الدين، أو التوفيق بينها وبين العقيدة الإسلامية. فالديمقراطية والحرية الدينية هي من جوهر الإسلام، والغرب الليبرالي لم يأت، في مجال الحريات العامة والحكم الرشيد بشيء جديد يُعتدّ به. إرناست رينان، الذي لا يخفي نزعته العلمانية وحتى المناهضة للإكليروس، ارتطم هو نفسه بنزعة من هذا القبيل كانت قد استفحلت في فرنسا منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر. ولقد شدّت انتباهه تلك المفارقة التي بموجبها ينتصب أخطر مناهضي الحريّة وأكثرهم حقدا عليها مدافعين عنها (40). فعلا، «إن الأحزاب الرجعية ـ يقول رينان ـ التي تعتقد بأنها مسلوبة حق حينما اكتسبت الإنسانية حقوقها وكسرت العصا التي أرادت بها عرقلتها، تأتي أخيرا للانتصاب كمضطهَدة، والمطالبة لها بفوائد الحرية التي حاربتها بشدّة، حينما كانت مضادة لها (41)». هذا تناقض وفي نفس الوقت، بالنسبة لرينان، خطوة كبيرة لأنّ التيار التحرري الحديث استطاع أن ينتزع من أعداء الحرية اعترافا بفائدتها، وبصلاحيتها حتى لقضاء مصالحهم. لكنه شيء مربك إذا علمنا أن الأشياء وصلت إلى هذا الحدّ، أي إلى حدّ أن مصلحة أعداء التقدّم جعلتهم ينادون بالمبادئ التي خلعتهم، ويطالبون بالذهاب بها إلى مداها الأقصى (42). لا ينبغي أن نعوّل على هذه الليبرالية المفروضة ظرفيا، لكن هذا التحوّل إن دل على شيء فإنما يدلّ على أنّ هناك رضًى برؤية هذه الحقوق الإنسانية مُعلنة ومثارة من طرف أولئك الذين صادروها في البداية.

ومع ذلك فإن هذه الانقلابات المستمرة، الشرعنة للزجر والمنع والتحريم ثم التراجع عنها، هذا التحول من أعداء للحرّية إلى مبشّرين بها يُحتّم علينا عدم تصديقهم. ولا هم، في حقيقة الأمر، جدّيون في مؤلفاتهم الزاخرة بالدعاية لأنّ التاريخ، بكلّ ثقله، ينتصب أمامهم ليُكذّبهم. المؤسسات الدينية القائمة لا يمكنها أن تتخلص من ماضيها، فنَفي أيّ شيء من تراثها يعني الموت.

الفكر الليبرالي الحر هو في الطرف النقيض للمجال الذي يُموقع فيه الدين نفسه، لأن مجال هذا الأخير، كما يقول رينان "تعيس ومشوّش" إذا قسناه بمعايير العقل البشري. فالحقيقة بالنسبة للفيلسوف هي كسب مكتمل نسبيا وحراك متواصل، لا يُحتّم التوقف النهائي، ولا التخلي عن كل شيء، يعني عن الماضي، دون أن يكون عبدا لذاك الماضي. هذا الماضي لا ينبغي أن نُلغيه أو نُبطله بل يجب «أن نعرف كيف نفسّره بالمعنى الجديد، وإظهار وجه الحقيقة الذي يحمله والذي أسيء تحديده (43)». فاستخدام أنظمة متعددة، وتجاوز الحلول القديمة بتفعيل مناهج أخرى، لا يُضعف أبدا من قدرة الفيلسوف بل يُقوّيه، لكن بالنسبة للأرثودوكسية الدينية هذه المنهجية ممنوعة. والسبب الرئيسي في ذلك أن كل دين يموقع نفسه منذ البداية في نقطة الاكتمال وبالتالي يمتنع عن أي محاولة للتقدّم أو المراجعة أو التنسيب، ومع مرور الزمن يتصلّب في مقولات ساكنة لا ينبغي إلا الامتثال لها دون مناقشة. التاريخ يشهد بذلك، والماضي هو الحائط الذي لا يمكن أن يتجاوزه أي دين، وفي كل مرة حاول فيها اللحاق بركب التقدم فهو مُرغم على نكران ذاته وتاريخه وتراثه. رينان يقول بأن الأرثوذكس، على هذا الأساس، ليس لديهم الحقّ في التكلم عن الحرية، وإذا تحدثوا عنها، فليس لديهم من خيار إلاّ أن يكونوا كذابين أو هراطقة (44).

أهل الأديان جميعهم يرفضون البنود المؤسسة للمنظومة الليبرالية، وفي مقدمتها: السيادة الشعبية، التسامح والانفتاح تجاه الأديان الأخرى، حرية التفكير الغير محدودة، بما فيها حرية التعبير والصحافة.

 بالنسبة للسيادة الشعبية، فهم إن اعترفوا بها عن مضض، يضيّقون من صلاحياتها ويجعلونها تابعة لنظام عقدي معين. رينان يقول بأن الكُتّاب الكاثوليك، دون تمييز، حتى أولئك الذين بدوا أكثر ليبرالية، وكل اللاهوتيين والفلاسفة المسيحيين الذين يَدُورون في فلك الكنيسة، مُجمَعين على إدانة البند الأساسي في النظام الليبرالي أي السيادة المطلقة للشعب وحقه في حكم نفسه بنفسه. العقد الاجتماعي لروسو، رغم كل نقائصه من الجانب الافتراضي والتاريخي، يبقى دائما بالنسبة إليهم كتابا هرطقيا، ولكن بالنسبة لليبراليين يبقى رمزا للفكر الحرّ. الحق الإلهي هو في أعينهم قضيّة غير قابلة للمساومة، بل هي بند إيمان مدعّم بالكتاب المقدس. وبما أن تأويلهم ليس بلطيف على المعاني المضادة ـ كما يقول رينان ـ فإن النصوص مجودة بوفرة. (سفر الأمثال، 8 ـ 15، رسالة بطرس، 2 ـ 13، بولس رومية 13 ـ 1 ـ 7).

لقد أصبحت موضة متفشية منذ زمان، يقول رينان، القول بأن الإنجيل يحتوي على مبادئ الحرية السياسية، والسيادة الشعبية، مثلما يزعم الإسلاميون الآن. لكن، يعترض رينان، نحن سنكون، دون شك، في حرج كبير إذا ثبت وجود أي مقطع يحتوي على بذرة النظام السياسي المعمول به من طرف الأنظمة الحديثة (45). إن الاحترام للإنجيل وللكتب المقدسة، لا ينبغي أن يذهب بالمرء إلى العثور عما لا يوجد فيها. الفكرة المولّدة للإنجيل، كما يرى رينان وكثير من المفكرين الغربيين، هي فكرة أخلاقية دينية غايتها التنبيه على كيفية اكتمال وتطهير داخلية الإنسان: «دون شكّ ـ يواصل رينان ـ إن احترام الإنسانية الذي ينبع من هذه التعاليم يجب أن يقود إلى أفكار قيّمة في السياسة، وبالفعل تستحق اعترافا للمسيحية، لكن دون مبالغة أو إجحاف. هذه النتيجة "السعيدة" يجب أن تُستخرج على وجه الاستتباع البعيد. فالمقطع السياسي الوحيد الذي يمكننا الاستشهاد به من الإنجيل هو كلمة لامبالاة عالية "اعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله"».

هذه القولة اليتيمة التي أصبحت الآن سلاحا حادّا في أيدي المتعصبين المسيحيين تُستعمل ضد الأديان الأخرى، للبرهنة على أن المسيحية وحدها هي الحاملة منذ البداية لبذرة العلمانية، ولفكرة فصل الدين عن الدولة، بدت لرينان مجرّد لامبالاة دون أي استتباع عملي جدي. المسلمون، من جهتهم، يستعملون هذه القولة اليتيمة بنفس الحدّة وبنفس الطلاقة اللاتاريخية لكي يثبتوا أن تعاليم الدين المسيحي فاسدة، وبأن الدين الإسلامي أفضل منه لأنه الوحيد الذي جعل قيصر وما لقيصر لله وحده. لكن هذه القولة اليتيمة، إن كانت بالفعل من جوهر المسيحية، فإن المسيحيين هم تعساء لأنهم بقوا لمدة ألفي سنة ولم يفعّلوا المبدأ الذي نص عليه كتابهم المقدّس، أي الفصل التامّ بين السياسة والدين. في حقيقة الأمر هنا تكمن الخدعة، إنها محاولة أخرى من تلك المحاولات التي برع فيها أهل الأديان، أي اختراق إرث الحداثة واحتوائه. فالمتدينون حينما تفطّنوا إلى أن الرّكب سائر في طريقه دون أن يبالي بهم أخذوا يهرولون وراءه ويلهثون للحيازة على مكان ما.

هل أفكار الحرية والسيادة الشعبية نبعت أصلا من المسيحية أو من أيّ دين آخر؟ هل شعارات الثورة الفرنسية جاءت من تعاليم المسيح؟ تاريخيا لا يمكن للجواب إلاّ أن يكون بالسلب. فعلا، ألم تعمل كل القوى الدينية، منذ ردح طويل، على خنق كل الحركات التي أدّت إلى تحرير الإنسان الحديث؟ ألم يكن الكتّاب الكاثوليك هم الأشد مناهضة لكلّ نزعة ليبرالية؟ التاريخ يبيّن أن المسؤول عن هذا التحرر والمساهم الأوحد فيه هي الروح الحديثة، التي تخلّصت، في الغرب، ليس من المسيحية فقط، بل من النظام الفوطبيعي ومن خرافات كل الأديان. لقد تعاملت الأرثوذوكسية الدينية مع تلك الروح التحررية ومع رجالها بازدواجية ومكر: «في البداية لعنتهم، وبعدها حينما رأت أنه من المحال كبح التيار، وأن البشرية ستواصل في شق طريقها، غير عابئة بتركها إلى الوراء، أخذت تجري وراءها، تُسرع حثيثا، تدّعي بأنها هي وحدها التي فعلت كل شيء، ولذلك تستحق الاعتراف لها بالجميل (46)».

 أما مفهوم التسامح كقاعدة أساسية للتعايش السلمي في كل مجتمع ليبرالي ديمقراطي، فهو غائب عن الأديان لأسباب جوهرية. فعلا، لا يمكن لأي دين أو منظومة عقائدية، يزعم أصحابها أنها منزّلة من السماء، أن تتمسك بهذا المبدأ وترتكز عليه في تعاملها مع الآخرين. القرآن يقول: لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا؛ لا إكراه في الدين؛ لكم دينكم ولي دين، وفي نفس الوقت نجد آيات تقول: إن الدين عند الله الإسلام؛ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين، إلى آخره من الآيات والأحاديث. إذا جمعنا الأطروحة والنقيض فإن الكفة تبدو مرجحة أكثر للنقيض، أعني للتعصب وليس للتسامح والانفتاح. أما الدين الذي يرى أصحابه أنه الأكثر انفتاحا والأقل تعصبا، والداعي إلى محبة العدوّ حتى، فإنه لا يخلو هو أيضا من التناقضات الصارخة.

هناك قانون عام، يدعمه الواقع العيني والأحداث الماضية، وهو أن الأديان التوحيدية، لم تكن في يوم ما متسامحة، ولن تكون كذلك أبدا، والمتدينون، حينما يكونون صادقين مع أنفسهم، يُقرّون بذلك صراحة. لكنهم غارقون في ازدواجية قاتلة، واحدة داخلية، والأخرى خارجية، حسب رينان. لا تطلبوا من أي ملّة هذا التسامح الداخلي، الذي هو ليس بالريبية في بنود الدين، وإنما الفعل النقدي عليها، فهو مدان ومرفوض كعمل خبيث، سيئ، ومستحيل. فعلا، في اللحظة التي يقتنع فيها أهل هذه الملة بأنها هي الحقيقة المطلقة والوحيدة، فإنه من الصعب جدا، هذا إن لم يكن من المحال أن يعترفوا بنظام ديني آخر يزعم هو أيضا امتلاك الحقيقة عن جدارة. « كل تعاليم مطلقة هي في جوهرها، ومن حيث المبدأ، لامتسامحة (47)».

ولذلك فليس من الإجحاف القول بأن كل أرثوذكسية دينية هي خالية بتاتا من الحيادية الفلسفية، تلك الحيادية التي تجعلها منفتحة على التعاليم والأفكار المخالفة أو المغايرة، دون اتخاذ موقف رافض ما قبليا. هذا التسامح هو، حسب رينان، الشرط الأساسي للتسامح الخارجي الذي يجعل ممكنا الحفاوة بين المتنازعين، والذي، في ميدان السياسة، يمنح للواحد وللآخر نفس الحقوق. إن منطق الأرثوذكسية الدينية مخالف لهذا النهج، لأن منطلقه يقوم على مسلّمة متعسفة وخطيرة، وهي أن الدين يحتكر في ذاته الحقيقة الإلهية المطلقة، هو الفطرة الساكنة في جبلّة الإنسان، كما يزعم المسلمون. ولا يستطيع أحدهم أن يرفض الحقيقة إلاّ وهو جاهل جهلا مطبقا أو متعمّد وعن سوء نية، ولا يقدر أي شخص أن ينسلخ من فطرته، إلاّ وهو ناكر للطبيعة أو سائر ضدها. الموقف من هذين الشخصين هو، في أحسن الأحوال تجاهلهما، بشيء من الازدراء، كما جاء في رسالة بولس إلى تيطس (3 ـ 10) «وصاحب الهرطقة اقطع العلاقة به بعد إنذاره أولا وثانيا. عالما أن مثل هذا هو منحرف يمضي في الخطيئة وقد حكم على نفسه بنفسه!». المؤمن المنشق عن الجماعة يقول يسوع المسيح يجب أن يُنظر إليه "كالوَثَنِي وجَابِي الضرائب (متى، 18 ـ 17)". أما إذا أراد المؤمنون أن يسيروا على معيار حقيقتهم الإلهية المطلقة، وتطبيق تعاليمها فلا مفرّ لهم من الإدانة، أو التطهير عن طريق الحرق. إن محاكم التفتيش التي لاحقت الهراطقة في كل ركن من أوروبا وحرّقتهم بالنار، لم تخرج عن تعاليم الإنجيل. لقد أسست مشروعيتها الإلهية على قولة للمسيح: «إن كان أحد لا يَثبُتُ فيَّ يُطرح خارجا كالغصن فيَجفّ؛ ثمّ تُجمع الأغصان الجافة، وتُطرح في النار فتحترق "يوحنا، 15، 6"». وفي ترجمة أخرى «من لا يثبتْ فيَّ يُلقَ كالغصن إلى الخارج فيَيْبس فيَجمعون الأغصان ويُلقونها في النار فتَشتَعل (48)». افعلوا كل ما بوسعكم لكي تُخرجوا هذه القولة من معناها الحرفي إلى أيّ معنى رمزي مجازي، فإنكم لا تستطيعون أن تُطهِّروها من بُعدها التعصبي. فهي، حتى وإن اعتُبرت مجرّد أمثولة، تبقى دائما عنيفة ومخلّة بالرحمة التي يعتقد أتباع هذا الدين أنه جاء بها من دون الأديان الأخرى.

وأرى أن الإنجيليين الذين يوزعون كتبهم على المسلمين لكسبهم إلى دينهم على أساس أنه دين الرحمة والعطف والمحبة والغفران، بخلاف الإسلام الذي هو دين العنف والسيف، ليس لهم أي مخرج أمام هذه الأقوال المبثوثة في الأناجيل والتي شرّعت لكل أشكال الإقصاء والتكفير. لا يستطيعون أن يُعزوا البشرية، على أساس قولة المسيح أعلاه، إلاّ بالإمعان في إذلالهم وإحباط أعمالهم وإتلاف مجهوداتهم بالكامل. في تأويلهم لهذا المقطع كتب رهط من العلماء المسيحيين، وكلّهم دكاترة راسخون في علم التأويل: «يحاول الكثيرون أن يعملوا الصلاح وأن يكونوا أمناء وأن يصنعوا ما هو صواب. إلاّ أن الربّ يسوع يؤكّد أن الطريق الوحيد للحياة الصالحة الحقّ هو الالتصاق به مثل التصاق الغصن بالكرمة. فبعيدا عنه وبدونه تصبح جهودنا ضائعة (49)». نحن هنا أمام تأويل بروتستانتي لقولة المسيح من إنجيل يوحنا: الإصحاح 15، الآية 6، وكما هو معلوم فإن الإنجيليين يكنّون أشدّ العداوة لملّة الكاثوليك لكن في هذه النقطة، تختفي الفروقات وتصمت العداوة، وجميعهم يعودون لنفس المنبع لكي ينضووا تحت شعار واحد: (Extra Ecclesiam nulla salus) يعني "خارج الكنيسة لا يوجد خلاص"، ولكلّ أن يُلبس اسم الكنيسة اللقب الذي يريده (كاثوليكية، بروتستانتية، أرثوذكسية، إنجيلية…).

المسلمون، في هذه النقطة، لا يختلفون قيد أنملة عن المعتقد المسيحي. فبالنسبة إليهم خارج الإسلام لا يوجد خلاص البتة. أهل الأديان جميعهم، والفلاسفة القدماء والمحدثون أعمالهم محبطة حتى وإن تصرفوا بأخلاقية. ابن تيمية تهجّم على المتديّنين في جميع الملل، ورفع عنهم صفة التقوى، بل وقَذَفَهم بالكُفر حتى وإن كانوا مجتهدين، كما يقول «في العلم والزهد والعبادة(50)». شرط الإنسانية التقيّة، بالنسبة إليه، يقتصر فقط على الإيمان بما «جاء به محمد». وحتى لو بَلغ الرجل في الزهد والعبادة والعلم ما بلغ «ولم يؤمن بجميع ما جاء به محمد فليس بمؤمن، ولا وليّ لله تعالى كالأحبار والرهبان من علماء اليهود والنصارى وعبادهم، وكذلك المنتسبين إلى العلم والعبادة من المشركين، مشركي العرب والترك والهند وغيرهم ممن كان من حكماء الهند والترك وله علم أو زهد وعبادة في دينه وليس مؤمن بجميع ما جاء به محمد فهو كافر عدوّ الله، وإن ظنّ طائفة أنه ولي لله، كما كان حكماء الفرس من المجوس كفارا مجوسا، وكذلك حكماء يونان، مثل أرسطو وأمثاله كانوا مشركين يعبدون الأصنام والكواكب (51)». إن علوم الفلاسفة وتنسّك عبّاد أهل الأديان الأخرى، هي في نظر العلامة ابن تيمية، ليست إلاّ هلوسات الشياطين، جميعهم أولياء الشيطان وليسوا بأولياء الرحمان «ولهذا تنزّلت عليهم الشياطين واقترنت بهم فصاروا من أولياء الشيطان لا من أولياء الرحمان(52)». هذا هو منطق المتديّنين الذي لم يتغيّر على مرّ العصور. لقد جمع سيّد قطب كل البشرية في سلّة واحدة، بجميع أديانها وطقوسها وعاداتها وتقاليدها وفنونها وإبداعاتها، وحكم عليها بالجاهلية، يعني بالكفر، مستثنيا فقط "المسلمين": «المجتمع الجاهلي هو كلّ مجتمع غير المجتمع المسلم (53)».

أنا لا أدري كيف يدّعي المؤمنون أن دينهم أفضل من الأديان الأخرى، وعلى أي أساس؟ وبأي حق؟ نحن نعجب من كيفية تعمّد هؤلاء الأتقياء، براحة ضمير يُحسدون عليها، إحباط أعمال البشرية مهما كان صنفها ومهما كانت درجة أخلاقيتها وصلاحها، فقط لأنهم لا يؤمنون بالمسيح أو بمحمد أو بموسى. أليست هذه بالحرب الشاملة على البشرية جمعاء؟ أليست هي إعداما لكل من حاول شق طريقه بحرية واتباع نهج العقل والحس الإنساني السليم؟ أرى أنها صالحة قولة رينان بأنه من الإجحاف تعذيب المؤمنين على هذه النقطة، ومحاولة اقتلاعهم اعترافا غير قادرين على تقديمه: «اطلبوا منهم أن يتخلوا عن الأرثوذكسية، لكن لا تطلبوا منهم، وهم ثابتون في أرثوذكسيتهم، أن يتحمّلوا الكفر. المسألة هنا بالنسبة إليهم هي مسألة وجود أو عدم وجود (54)».

يمكننا أن نتصوّر، وحال التعصب الداخلي على هذه الشاكلة، كيف سيكون موقف الأرثوذكسية الدينية أمام المفكر الحرّ الذي يتموقع خارج (أو ضدّ) أي تعاليم دينية. التاريخ يشهد بأن الأديان جميعها أظهرت أبشع ما عندها من صور التعصّب والاضطهاد، ولم تدّخر أي جهد في ملاحقتهم ومحاربتهم بالحديد والنار. وهذا راجع إلى الحقد الدفين ضد كل من يشكك في تلك المسلمات الإيمانية، أو يعمل على نقدها وتدميرها. لا أحد، بالتالي، من أصحاب الدين أخذ الحرية على محمل الجدّ «فهُم في قرارة أنفسهم، يقول رينان، يسخرون منها، ومع ذلك لا يتوانون من الإشادة بها لكي ينالوا إعجاب العامة (55)». الأديان على أية حال تتنفس بصعوبة في أجواء الحرية التي توفرها المنظومة الليبرالية، كما يقول بنديتو كروتشي (Croce)، لأنها في حين "اعترافها" بحق الأديان المخالفة في الوجود والتمتع بنفس الحقوق في الدعوة والتبشير، وبحق من لا يؤمن بها في معارضتها ونقدها فإنها تختنق وتفقد من حيويتها (56).

إن الازدواجية التي تلفّ موقف أهل الأديان من الحرية، تضرب هي أيضا موقفهم من العقل والعقلانية. فالعقلانية المنفتحة هي، حسب رينان، خاصية الليبرالية الفلسفية (le libéralisme philosophique)، ورجال الدين «يتكلّمون في بعض الأحيان باحترام عن العقل؛ لكن في العمق، هم يسخرون منه ويُناصبونه أشد العداء (57)».

محاكم التفتيش يمكنها، حتى في غياب الإنجيل، أن تعود إلى آباء الكنيسة، وخصوصا إلى أوغسطينوس، الذي أبدى تصلّبا ضد فرقة الدوناتيين ليس له مثيلا. وقد توجّه له بيتوليانوس أحد زعماء تلك الفرقة بهذه العبارات: «كيف؟ هل إن خدمة الله تفرض عليكم أن تقتلونا بأيديكم! إنكم تُخطؤون، وتخطؤون يا خبثاء. الله ليس له كهنة جلاّدين (non habet Deus carnifices sacerdotes)». القديس أوغسطينوس من جهته يردّ: «لماذا، بواسطة القوة الراسخة، لا يجوز للإنسان التقي أن يُلاحق الكافر، والإنسان العادلُ الجائرَ؟ … الشيء الوحيد الذي يجب الفحص فيه هو هل عن حق أو باطل أنت انفصلتَ عن الجماعة. لأنه إذا وجدنا أنك انفصلت عن كفر، فلا تعجبنّ إن لم يتوان الاكليروس عن معاقبتك، في هذه الحالة، أنت لا تٌضطهد من طرفنا، بل كما هو مكتوب، من أعمالك أنت (58)». ثم ضد تذمر الدوناتيين من ملاحقة الإمبراطور لهم، ومن محاكمتهم وتعذيبهم يقول مرة أخرى: « أين هو الظّلم في العذاب المنزّل عليهم عقابا عن خطاياهم وبأمر من السلطة، أولئك الذين يحذرهم الله بالحكم الحاضر والعذاب للوقاية من الخلود في النار؟ فليُبرهنوا أولا أنهم لا هم هراطقة ولا أصحاب فتنة، ثم إثرها فليشتكوا من أنهم عوقبوا دون حق».

ربما قد يقول أحدهم، بأن هذه الانتقادات انتقت الأحداث والنصوص وركزت فقط على الجانب المظلم من السيرورة التاريخية المعقدة للدين. فهناك بالمثل مناطق مشرقة، يجب تثمينها، كما يرى الآن بعض الإسلاميين المنفتحين للمصالحة بين الماضي والحداثة، بحيث إنه من الممكن طيّ الصفحة عن الحقائق المرّة. ولكن واقع الحال يبيّن أن هذا السبيل هو أكثر السبل تناقضا وعدم انسجام. يمكننا أن نتصوّر، يقول رينان، وجود الأرثوذكسيين، أن نتصوّر الكافرين، ولكن الكاثوليكي (وأضيف الإسلامي) الليبرالي، فهذا محال. وأرى في الأخير أن قانون رينان ينطبق على جميع المحاولات التي يعمد إليها أصحاب ليبرالية آخر لحظة، وهو أن حقيقة الأديان يجب البحث عنها في نصوصها المؤسسة، وفي تراثها الأوّل «وليس في أذهانٍ هي، في نفس الوقت، ضعيفة وخفيفة، لأولئك الذين شوّهوها وليّنوها، دون أن يُصيّروها أكثر قبولا (59)». 

 إن الهجمة الحديثة ضد العلمانية والمحاولات المتكررة للإطاحة ببعض مكتسبات الليبرالية والتي بدأت تشهد تصاعدا قويا ومؤازرة من طرف الكنائس والسلطات الدينية، لهو دليل واضح على أن خلاص المجتمع المدني وتمتين الوعي بالحرية، سواء في الغرب أو في الشرق، لا يأتي من أي دين، ولا تساهم فيه أي عقيدة، وبالتالي ليس هناك من سبيل للمصالحة بين الطموحات التحررية للإنسان وبين الوعي الاغترابي الزائف الذي يولده الدين ويبثه بكامل ترسانته الأسطورية. إن الدين ليس هو بمُحرّر للشعوب، ولا مُخلّصها من أغلال الجهل والتعصّب والاستغلال، بل هو الأفيون المُخدّر الذي يُهدّد بقاءها.

الهوامش:

1 ـ A. NEFFTZER, art. Libéralisme, in M. BLOCK, Dictionnaire général de la politique, Paris, Librairie Académique Didier, 1884 (2° ed. T. 2), p. 189.

2 ـ وقد اعترف الكاتب في بداية مقاله قائلا بأن: «الكلمة [كلمة ليبرالية] حديثة وتقريبا معاصرة (Le mot est moderne et presque contemporain)».

3 ـ نيفتسر، الليبرالية، ضمن م. بلوك، القاموس العام للسياسة، المرجع أعلاه (م. أ)، نفس الصفحة (ن . ص). وقد أعيد نشر هذا المقال في كتاب يضمّ أعماله، بعنوان:

Œuvres de A. Nefftzer, par Mme Heim-Nefftzer, Paris, Librairie du Temps 1886, pp. 113-136.

4 ـ A. NEFFTZER, art. Libéralisme, in M. BLOCK, Dictionnaire général de la politique, Ibid, p. 189. « Le vrai libéral, le libéral conséquent, est celui qui réclame la liberté même pour ses adversaires ».

5 ـ نيفتسر، نفس المرجع (ن. م). ص، 189.

6 ـ نيفتسر، ن. م، ن. ص.

7 ـ نيفتسر، ن. م، ن. ص.

8 ـ ن. م، ن. ص.

9 ـ ن. م، ن. ص.

10 ـ ن. م، ن. ص.

11 ـ ن. م، ن. ص.

12 ـ B. CONSTANT, Principes de politique, in Œuvres, Paris, La Pléiade 1957, p. 1075.

13 ـ B. CONSTANT, Principes de politique, in Œuvres, Ibidem : « Les citoyens possèdent des droits individuels indépendants de toute autorité sociale ou politique, et toute autorité qui viole ces droits devient illégitime. Les droits des citoyens sont la liberté individuelle, la liberté religieuse, la liberté d’opinion, dans laquelle est comprise sa publicité, la jouissance de la propriété, la garantie contre tout arbitraire. Aucune autorité ne peut porter atteinte à ces droits, sans déchirer son propre titre ».

14 ـ B. CONSTANT, De la religion considérée dans sa source, ses formes et ses développements, in Œuvres, Ibid. p. 1370. « Je me suis souvent senti frappé de terreur et d’étonnement en lisant le fameux Système de la nature. Ce long acharnement d’un vieillard à fermer devant lui tout avenir, cette inexplicable soif de la destruction, cet enthousiasme contre une idée douce et consolante me paraissaient un bizarre délire ».

15 ـ Ibid, … « Le moment est favorable pour juger la religion comme un fait dont on ne saurait contester la réalité ».

16 ـ كونستان، في الدين … م. أ، ن. ص، 1371. ملاحظة أسفل الصفحة.

17 ـ كونستان، ن. م، ن. ص.

18 ـ المفكرون الأحرار في القرن الثامن عشر كانوا غالبا ما يستشهدون بقولة لوكريس التي يدين فيها بصراحة الأديان كمصدر للأعمال البشعة والجرائم القبيحة (scelerosa atque empia facta) T. LUCREZIO, La natura delle cose, BUR, Milano 1998 (10). I, v. 83.

19 ـ كونستان، في الدين … ن. م، ص، 1373. ملاحظة في أسفل الصفحة.

20 ـ G. DE PASCAL, art Libéralisme, in Dictionnaire Apologétique de la Foi Catholique, T. II, Paris, Gabriel Beauchesne éditeur, MCMXXIV, col. 1823. « Le libéralisme, en tant qu’il implique l’indépendance de la raison à l’égard de la Révélation et – je ne dirais pas, la distinction, ce qui est la vérité – mais la séparation de l’ordre naturel et de l’ordre surnaturel, revendiquant pour celui-là le droit de se constituer, de se développer, d’agir, sans tenir compte de celui-ci ».

21 ـ حسب تعريف الكاتب الكاثوليكي، دي باسكال، الذي استشهدت بمقاله أعلاه. حيث جاء فيه بأن الليبرالية هي «نسق حياة سياسية واجتماعية، بموجبها يكون العنصر المدني الإجتماعي خاصا فقط بالنظام الإنساني ويمكن ـ البعض أكثر جرأة يذهبون حتى إلى قول، يجب ـ أن يوضع ويفعل دون أية علاقة اعتماد اجبارية تجاه النظام الفوطبيعي»

« un système de vie politique et social, d’après lequel l’élément civil et social ne relevant que de l’ordre humain et peut – certains plus osés iraient jusqu’à dire, doit – se poser et agir sans aucune relation obligatoire de dépendance envers l’ordre surnaturel ». Ibid, col. 1823.

22 ـ دي باسكال، الليبرالية، م، أ، عم، 1832.

« [Le libéralisme] consiste dans la négation plus ou moins accentuée de la dépendance de l’homme envers Dieu et envers ceux qui participent à son autorité souveraine : c’est la rupture complète avec l’ordre voulu et établi par Dieu ».

23 ـ أبو الأعلى المودودي، الإسلام والمدنية الحديثة، ص، 12.

24 ـ سيد قطب، معالم في الطريق، دار الشروق، [د. ت]، ص، 8.

25 ـ سيد قطب، معالم في الطريق، ص، 90. التكفير يُطال أيضا أهل الأديان الأخرى، جميعهم، من البوذيين والهندوسين، إلى اليهود والنصارى. ن. م، ن. ص.

26 ـ أوغسطينوس إلى ماسيدونيوم، الرسالة 155. ذكره دي باسكال، ن. م، عم. 1834.

27 ـ AUGUSTINUS, Contra Cresconium III, LI, 57 “Deo serviunt in quantum reges sunt, si in suo regno bona iubeant, mala prohibeant, non solum quae pertinent ad humanam societatem, verum etiam quae ad divinam religionem.”. cit, in G. DE PASCAL, op. cit, col. 1835.

28 ـ AUGUSTINUS, De Civitate Dei, V, XXIV, cit., in De PASCAL, col. 1835.

29 ـ دي باسكال، الليبرالية، ن. م، عم، 1836.

30 ـ دي باسكال، ن. م، ن. ص.

31 ـ ن. م، ن. ص.

32 ـ ن. م، ن. ص.

33 ـ ابن تيمية، الصارم المسلول على شاتم الرسول، دار الكتب العلمية، بيروت [د. ت]، ص، 354.

34 ـ ابن تيمية، الصارم المسلول، م. س، ص، 322. وفي موضع آخر يكتب: «والدليل على أن المسلم يُقتل من غير استتابة وإن أظهر التوبة بعد أخذه، كما هو مذهب الجمهور قوله سبحانه "إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعدّ لهم عذابا مُهينا" (الأحزاب، 58). وقد تقدّم أن هذا يقتضي قتله، ويقتضي تحتّم قتله، وإن تاب بعد الأخذ، لأن سبحانه ذكر الذين يؤذون الله ورسوله، والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات؛ فإذا كانت عقوبة أولئك لا تسقط إذا تابوا بعد الأخذ، فعقوبة هؤلاء أولى وأحرى؛ لأن عقوبة كليهما على الأذى الذي قاله بلسانه، لا على مجرّد كفر هو باق عليه». ن. م، ص، 337.

35 ـ ابن تيمية، الصارم المسلول، ن. م، ص، 360.

36 ـ ابن تيمية، ن. م، ص، 335.

37 ـ ابن تيمية، ن. م، ص، 340.

38 ـ ابن تيمية، ن. م، ص، 341.

39 ـ J. B. BUCHEZ & P. – C. ROUX, Histoire parlementaire de la révolution française, Paris, Paulin, Librairie MDCCCXXXIV, T. I, p. 1. « La révolution française est la conséquence dernière et la plus avancée de la civilisation moderne, et la civilisation moderne est sortie tout entière de l’Évangile. C’est un fait irrécusable, si l’on consulte l’histoire, et particulièrement celle de notre pays… C’est encore un fait incontestable, si l’on examine et si l’on compare à la doctrine de Jésus, tous les principes que la révolution inscrivit sur ses drapeaux et dans ses Codes ».

40 ـ E. RENAN, Du libéralisme clérical, in « La liberté de penser. Revue philosophique et littéraire », Paris, Joubert, Libraire-éditeur, 1848, T. 1, pp. 510-531.

41 ـ E. RENAN, Du libéralisme clérical, in Ibid, p. 510.

42 ـ Ibidem. « C’est un grand pas quand les choses ont été amenées à ce point que l’intérêt des ennemis du progrès soit d’en appeler aux principes qui les ont détrônés, et d’exiger qu’on les pousse à leur dernière conséquences. Ce n’est pas qu’il faille beaucoup conter sur ce libéralisme de circonstance ; mais les principes au moins ont été avoués, et il y a contentement à voir ces droits sacrés proclamés et invoqués par ceux qui les avaient d’abord confisqués à leur profit ».

43 ـ Ibid, p. 512.

44 ـ Ibid, p. 513. « Les orthodoxes n’ont pas le droit de parler de liberté, et que, s’ils en parlent, ils n’ont d’autres alternative que d’être des menteurs ou des hérétiques ».

45 ـ رينان، الليبرالية الاكليريكالية، ن. م، ص، 514.

46 ـ رينان، ن. م، ص، 515.

47 ـ رينان، ن. م، ص، 422. « Toute doctrine absolu est, par son essence même, intolérante »

48 ـ الترجمة الأولى واردة في: التفسير التطبيقي للعهد الجديد، نٌقل عن الترجمة الانجليزية. الناشر تيندال هاوس، المملكة المتحدة 1988. الترجمة الثانية واردة في: الكتاب المقدس، دار الشروق، بيروت 2000. (ط. 6). وقد رجعت للنص اليوناني واللاتيني من طبعة حققها نيستله:

Novum Testamentum Graece et Latinae, curavit Eberhard Nestle, Stuttgart 1930 (10).

49 ـ التفسير التطبيقي للعهد الجديد، ن. م، صص، 366 ـ 367.

50 ـ ابن تيمية الحراني، الفرقان بين أولياء الرحمان وأولياء الشيطان، ضمن: مجموعة التوحيد، المكتبة العصرية، بيروت ـ صيدا، 2004، ص، 308.

51 ـ ابن تيمية، الفرقان …، ن. م، ن. ص.

52 ـ ابن تيمية، ن. م، ص، 309.

53 ـ سيد قطب، معالم في الطريق، ن. م، ص، 88.

54 ـ E. RENAN, Ibid, p. 523. «il ne faut pas exiger d’eux ce qu’ils ne peuvent donner. Demandez-leur de renoncer à l’orthodoxie, à la bonne heure ; mais ne leur demandez pas, en restant orthodoxes, de supporter l’hétérodoxie. Il s’agit là pour eux d’être ou de ne pas être ».

55 ـ رينان، الليبرالية الاكليريكية، ن. م، ص، 525.

56 ـ بندتو كروتشي، التاريخ كفكر وعمل، نابولي 2002، ص، 246. «الليبرالية، باعترافها بحق المعتقدات الأخرى في أن تفرض نفسها وتدافع عن نفسها، تعترف بحقها هي أيضا في مصارعة تلك المعتقدات بالطرق التي تراها أكثر مناسبة، إما بالنقد المباشر والمجادلة أو بتَركِها تنقد نفسها وتنحلّ من ذاتها في مجالات الحرية التي حوّلتها إليها، والتي تتنفّس فيها بصعوبة».

57 ـ رينان، الليبرالية الاكليريكية، ن. م، ص، 525.

58 ـ AUGUSTINUS, Contra litteras Petiliani donatistae, II, 19. 42.

59 ـ رينان، الليبرالية، ن. م، ص، 530.

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

دمشق - عمّار ديّوب
1 أيلول (سبتمبر) 2010 01:36

مع الدكتور محمد المزوغي، لا يمكن للحوار إلا أن يكون ثميناُ سواء في المنهج او في المعلومات، وهذا المقال دليل جديد على عمق رؤية وإخلاصه لليبرالية، رغم أن الرجل ليس بليبرالي، وهذه وللحق صفة نادرة، ان يعترف بما للمعرفة من قيمة حتى لو تبنى معرفة أخرى، او فكر آخر، لو أن الاسلاميين اكثر عمقاً لربما كان هناك حوار جاد آخر، المشكلة أنهم لا يعرفون سوى التكفير، ولذلك ياتي الفكر حاداً وحازماً، وبحث المزوغي من هذا الصنف الذي لا يهادن ولا يساوم، تعليقي محدد بالاشادة بالمقال وليس من اجل النقد. فشكراً محمد المزوغي عل هذا النص الثمين.


الرد على التعليق

- أمير الغندور
1 أيلول (سبتمبر) 2010 13:05

- مرحبا أ مزوغي أرجو ألا يضايقك تعليقي على مقالك ..
- هناك أمور المفترض أنك بحكم إطلاعك الواسع تعرفها جيدا .. لكنك رغم ذلك تمررها دون أدنى إشارة أو تحفظ وكأنه لم يتم الرد ودحضها ولم يتم تناولها بشكل مختلف تماما في تاريخ الفكر.
- أنا أفهم أن ضرورات وإكراهات الكتابة لقراء تظن أنهم غير مطلعين على هذه المسائل ..
- لكن بصراحة لا أفهم "عدم تفاؤلك" بأنه ربما هناك بين من يقرأونك من هم مطلعون بالفعل .. لدرجة أنهم يعتبرون كثير مما ورد في مقالك هو نوع من الخطابة التي على أقل تقدير تسيء الظن بهم وبقدراتهم العقلية.
- وأتسأل: أين تقع ممارسة كتابية خطابية كالتي تبدو في مقالك (من توقع تدني الآفق الفكري للقراء) .. مع ما تقوله أنت نفسك في مقالك عن كون الليبرالية "نظام متفائل بقدرة الاجتماع البشري" ..
- ذلك أن ممارستك الكتابية نفسها هنا في المقال ومخاطبتك للقراء وكأنهم أدنى من حد المتوسط الفكري هي بحد ذاتها تقع ضمن "نظام متشائم" يسيء الظن بقدرات القراء الفكرية والإطلاعية.
- بصراحة هذا لغز لا أجد له تفسيرا. وأتمنى لو تساعدني على فهمه.
- فمثلا .. يكتب أ مزوغي:
- "يمكن إرجاع الليبرالية إلى الفكرة المحورية التالية : أنّ الإنسانية بلغت سنّ الرشد، وقادرة بمفردها على تسيير شؤونها دون وصاية خارجية."
- بالطبع يمكن لهذه الجملة أن تمر مر الكرام على أي قارئ تحت متوسط وغير مطلع على أعمال فوكو وهيدجر.
- لكن أظن أن أ مزوغي لو افترض أنه يكتب لقراء لديهم حد أدنى من الإطلاع على نيتشه وفوكو وهيدجر لقام بتعديل هذه الجملة بشكل جذري.
- وذلك لأن هذه الجملة تعد من وجهة نظر نيتشه وفوكو وهيدجر تعبير صارخ عن عدم احترام الكاتب لعقليات القراء .. كونها عدد من الأحكام الميتافيزيقية المطلقة التي يفترض أنه تم تجاوزها منذ قرن على الأقل لدى من له أدنى إطلاع على الفكر الفلسفي المعاصر.
- بالطبع أظن أ مزوغي يدرك تماما عن ماذا أتحدث هنا .. لكني سأبادر إلى التوضيح أكثر.
- فهذه الجملة رغم قصرها تزدحم بثلاث أفكار ميتافيزيقية مطلقة تم دحضه اوهي:
- فكرة الإنسانية
- فكرة سنّ الرشد
- فكرة الوصاية الخارجية
- والمطلع على الفكر المعاصر يدرك أن:
- نيتشه وهيدجر وفوكو قد دحضوا تماما هذه الأفكار الثلاثة وبينوا كيف أنها مطلقات ميتافيزيقية ولاعلمية بالمرة.
- ولنأخذ فكرة سن الرشد الكانطية (أو حتى بصيغتها المزوغية).
- فمن المعروف أن نيتشه قد دحض هذه الفكرة، كونها تقوم على ثنائية مانوية بين الرشد/الطفولة.
- وكأن البشرية تتبع تطور مستقيم متقدم خطي عمري من الطفولة إلى الرشد. وهو نوع من المجاز المجلوب من التصورات الشعبية عن نمو الشخص. وهذا التصور الشعبي للنمو يتم توظيفه لدى النظام الأخير ليقول للجميع بأنه هو التطور الذي أنتهت عنده الأمور وأنه نهاية التاريخ، الذي بدأ من الطفولة إلى أن وصل (عنده) إلى سن الرشد.
- وهذه فكرة ميتافيزيقية تماما .. بل وتعبر عن رؤية احتيالية للتاريخ نعرف من مؤيديها ومروجوها، وهو موضوع مكرور لا أريد الخوض فيه.
- يسري ذلك على فكرة الإنسانية التي دحضها هيدجر وفوكو .. وفكرة الوصاية الخارجية ..
- وأظن أنه لا حاجة بي لتكرار الدحض القاطع الموجه لهما .. فأظنك أكثر مني معرفة به.
- بالطبع أنا لا أطالبك بالموافقة غير المشروطة على الانتقادات الحاسمة التي وجهت إلى هذه الأفكار الميتافيزيقية. بل أطالبك بألا تمرر علينا هذه الأفكار من السطور الأولى في مقالك وكأنها حقائق راسخة لم يأتيها الباطل ولم تتعرض للنقد.
- أنا لا أطالبك بأن تكون نيتشويا أو هيدجريا لا سمح الله .. لكن أطالبك بألا تتعامل مع الأمور والأفكار التي تجاوزها نيتشه وهيدجر منهجيا وكأن شيئا لم يقع في تاريخ الفكر ..
- فأنا أطالبك بأن تكتب كما لو كنت في مرحلة متجاوزة لنيتشه وهيدجر ولست في مرحلة ما قبل نيتشه وهيدجر أو مرحلة متغافلة عنهما بشكل متعمد ومقصود وكأنك تسيئ الظن بإطلاع من يقرأون لك.
- وأنا لا أقصد نيتشه وهيدجر كمذهبين .. بل أقصدهما كنقاط فكرية تم تجاوزها منذ نصف قرن تقريبا ..
- هدفي من التعليق الحالي إظهار كيف أني كقارئ لا أتمكن من السير مع مقالاتك لأتجاوز السطور الأولى .. لأني لا أجدك "متفائل" بأن من يقرأ لك ربما أطلع على انجازات النصف قرن الأخير في الفكر الغربي.
- ويمكنك أن تعتبر تعليقي هذا عتاب أحد القراء .. لو أردت أن تتعرف على احتياجات قراءك
- لأني أظن أن لديك ما هو أفضل بكثير من المجال الضيق الذي تحصر نفسك داخله


الرد على التعليق

  • - أمير الغندور
    1 أيلول (سبتمبر) 2010 16:28

    - اعتذر عن استخدم تعبير "رؤية احتيالية للتاريخ" .. رغم أني أقصد بها فوكوياما طبعا.
    - لكن الاعتذار عنها أسلم حتى لا يساء فهمها .. وينحدر الحوار إلى منحى سلبي


    الرد على التعليق

- سامي العباس
1 أيلول (سبتمبر) 2010 13:11

"إن الهجمة الحديثة ضد العلمانية والمحاولات المتكررة للإطاحة ببعض مكتسبات الليبرالية والتي بدأت تشهد تصاعدا قويا ومؤازرة من طرف الكنائس والسلطات الدينية، لهو دليل واضح على أن خلاص المجتمع المدني وتمتين الوعي بالحرية، سواء في الغرب أو في الشرق، لا يأتي من أي دين، ولا تساهم فيه أي عقيدة، وبالتالي ليس هناك من سبيل للمصالحة بين الطموحات التحررية للإنسان وبين الوعي الاغترابي الزائف الذي يولده الدين ويبثه بكامل ترسانته الأسطورية. إن الدين ليس هو بمُحرّر للشعوب، ولا مُخلّصها من أغلال الجهل والتعصّب والاستغلال، بل هو الأفيون المُخدّر الذي يُهدّد بقاءها." نقاط على الحروف يضعها الأستاذ مزوغي بدقة تخرج كل التباس إلى خارج القوس ..كم نحتاج في هذه الشوربة "المتعددة الجنسيات "التي تشكل منها وعينا الحديث إلى وقفة تأمل لإنتقاء ما يسميه ياسين الحافظ "الوعي المطابق "..مقالك أستاذي عن الليبرالية والدين يخدم في هذا الإتجاه :استعادة الليبرالية "كوعي مطابق " لإحتياجات التحول الرأسمالي الجارية ..ليس من السهل التخلص من غواية اليوتوبيا التي أشاعها النقد الماركسي لليبرالية ,وخصوصا على مثقفي العالم الثالث .ولكنك يأستاذ مزوغي فعلت ذلك باقتدار .مقالتك هذه تعيد ترتيب وعينا الحديث وتمنحه قواماً أقل هشاشة من الراهن ..شكراً استاذ مزوغي


الرد على التعليق

- أمير الغندور
1 أيلول (سبتمبر) 2010 13:30

- هل يفسر ما ألومك عليه من بساطة الأفكار التي تعرضها في المقال .. أنك تعرض أفكار مفكرين عاشوا في القرن التاسع عشر .. ومن الواضح أن أفكارهم كانت من البساطة لدرجة أنها تشبه أفكار الكتابات الإنشائية التي يكتبها تلاميذ المدارس اليوم؟
- وبخاصة ذلك الذي عرضته في بداية المقال وهو NEFFTZER
- لكن لماذا تتخير كاتبا له مثل هذه الأفكار البسيطة جدا .. وتقدمها لنا دون تناول نقدي رغم ما ينضح فيها من بساطة شديدة تستدعي النقد والتصحيح؟؟
- لمذا يطغى الهاجس النقلي والتمريري لديك .. على الهاجس النقدي والتصحيحي؟؟
- أين ذهبت قدرتك النقدية التي عهدناك تمارسها على كثير من المفكرين؟؟ لماذا هذا الكاتب البسيط جدا يفلت من نقدك؟؟
- ليس معنى كلامي هنا أني أعارض الليبرالية بالمرة .. لكن أنا أتكلم عن طريقة التناول والعرض للأفكار الليبرالية.
- لماذا يتم العرض بطريقة الإنشاء اللانقدي؟؟


الرد على التعليق

  • - عبد الكريم معن
    1 أيلول (سبتمبر) 2010 17:15

    أجد نفسي هذه المرة في وفاق مع الأستاذ الغندور في جزء من أفكاره، حتى و إن لم أتفق معه في صيغة عرضها و لا في مضامينها كلها، ما ألاحظه على الأستاذ المزوغي هو غياب البعد الجدلي في تصوره و قطعيته في الرؤية، و هذا نوع من التبسيط كما ذكر الأستاذ الغندور، فالأمور ليست بهذه الثنائيات القطعية التي كانت تحضر بها في القرن التاسع عشر


    الرد على التعليق

- أمير الغندور
1 أيلول (سبتمبر) 2010 21:13

- أظن التوصيفات التبسيطية التي يستخدمها أ مزوغي في عرض الليبرالية علينا يمكن أن تنطبق على أي شيء مهما كان .. وسأثبت ذلك فيما يلي:
- يقول أ مزوغي:
- "يمكن إرجاع الليبرالية إلى الفكرة المحورية التالية : أنّ الإنسانية بلغت سنّ الرشد، وقادرة بمفردها على تسيير شؤونها دون وصاية خارجية."
- ماذا لو استبدلنا أي لفظ بآخر في هذه الجملة .. كما يلي:
- "يمكن إرجاع (البروتستانية) إلى الفكرة المحورية التالية : أنّ الإنسانية بلغت سنّ الرشد، وقادرة بمفردها على تسيير شؤونها دون وصاية خارجية."
- ثم أدعم هذه المقولة بأدلة بروتستانية من استبعاد سلطة الكهنوت الكاثوليكي في البروتساتينة وترجمة الإنجيل إلى اللغات الشعبية .. ألخ.
- وكذلك يمكن تغييرها كما يلي:
- "يمكن إرجاع (الإسلام) إلى الفكرة المحورية التالية : أنّ الإنسانية بلغت سنّ الرشد، وقادرة بمفردها على تسيير شؤونها دون وصاية خارجية."
- ثم أدعم هذه المقولة بأدلة إسلامية من ختم النبوة والوحي وغياب الكهنوت .. ألخ.
- بل يمكن استخدام نفس المقولة في استبدال كلمة (الليبرالية) بأي مما يلي:
- العدمية النيتشوية - السيارة تويوتا - دجاج كنتاكي .. ألخ
- ما أقصد توضيحه هو ما يلي:
- إن التوصيف يجب أن يكون دالا ودقيقا ومنطبقا على الحالة الموصوفة بشكل محكم لغويا وفكريا.
- فعندما أصف الليبرالية (أو غيرها) يجب أن أستخدم كلمات دالة وأنسجها في جملة تجعلها أكثر دلالة ..
- فمن الاستسهال الشديد أن أستخدم عبارات عامة وغير دالة وهلامية .. فهذه الطريقة ربما تصلح للمنشورات الدعائية والتسويقية .. لكنها لا تصلح بالمرة للمقالات الفكرية.
- أ مزوغي يصف الليبرالية وكأنه يقدم لنا أحد المنتجات التي يريدنا أن نشتريها دون أن نفهمها ..
- فهو يقول عن هذا المنتج:
- "بشرائكم هذا المنتج (الليبرالية) فإنكم تؤيدون الفكرة المحورية التالية : أن الإنسانية بلغت سنّ الرشد، وقادرة بمفردها على تسيير شؤونها دون وصاية خارجية."
- أ مزوغي .. هذا إعلان عن سيارة دفع رباعي مزودة بتانك وقود إضافي حتى تكون السيارة "وقادرة بمفردها على تسيير شؤونها دون وصاية خارجية" - أقصد دون محطة وقود قريبة.
- كيف لا تركز على السمات الأساسية والفلسفية العميقة لليبرالية .. بينما تختار بدلا من ذلك أن تركز فقط على مهمة التسويق.
- عزيزي أنت كاتب ومتخصص في الفلسفة.
- أنا لا أقصد أن تقدم نقدا عن الليبرالية .. بل أقصد أن تقدم لنا جوهر الليبرالية بدلا من تقدم لنا توصيفا تبسيطيا وعاما الليبرالية ..
- هل تظن أننا سنعجز عن متابعة أفكارك العميقة .. لذا فضلت أن تقدم لنا الأمور بشكل تبسيطي؟؟
- بصراحة أنا لا أفهم اختيارك ..
- لكن اعذرني لو أحسست ببعض الاستخفاف بي كقارئ عندما أقرأ نصا كهذا ..
- فأنا أتوقع أن أقرأ رؤية جديدة عن الليبرالية .. وأريد أن أقرأ عنها بعد آخر غير ما أعرفه .. ولست بحاجة إلى تسويقها لي وكأني معاصر لجون لوك أو لجان جاك روسو منذ قرون مضت.


الرد على التعليق

  • - damak adel
    2 أيلول (سبتمبر) 2010 00:52

    "أنا لا أدري كيف يدّعي المؤمنون أن دينهم أفضل من الأديان الأخرى، وعلى أي أساس؟ وبأي حق؟ نحن نعجب من كيفية تعمّد هؤلاء الأتقياء، براحة ضمير يُحسدون عليها، إحباط أعمال البشرية مهما كان صنفها ومهما كانت درجة أخلاقيتها وصلاحها، فقط لأنهم لا يؤمنون بالمسيح أو بمحمد أو بموسى. أليست هذه بالحرب الشاملة على البشرية جمعاء؟ أليست هي إعداما لكل من حاول شق طريقه بحرية واتباع نهج العقل والحس الإنساني السليم؟ أرى أنها صالحة قولة رينان بأنه من الإجحاف تعذيب المؤمنين على هذه النقطة، ومحاولة اقتلاعهم اعترافا غير قادرين على تقديمه: «اطلبوا منهم أن يتخلوا عن الأرثوذكسية، لكن لا تطلبوا منهم، وهم ثابتون في أرثوذكسيتهم، أن يتحمّلوا الكفر. المسألة هنا بالنسبة إليهم هي مسألة وجود أو عدم وجود (54)». —ـ \" أنا لا أدري كيف يدّعي المؤمنون أن دينهم أفضل من الأديان الأخرى، وعلى أي أساس؟ وبأي حق؟ \" رغبت مؤسسة جامعية في انتداب أساتذة ووضعت شروطا للقبول؛هل تجادلها ؟\"إن الدين عندالإسلام\" .\ " أليست هي إعداما لكل من حاول شق طريقه بحرية واتباع نهج العقل والحس الإنساني السليم؟\" أرأيت من اتخذ إلاهه هواه؟ «اطلبوا منهم أن يتخلوا عن الأرثوذكسية، لكن لا تطلبوا منهم، وهم ثابتون في أرثوذكسيتهم، أن يتحمّلوا الكفر. المسألة هنا بالنسبة إليهم هي مسألة وجود أو عدم وجود \" ولهذا كان الخطاب حاسما للنبي : \"يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ن ربك ؛ وإن لم تفعل فما بلغت رسالته.والله يعصمك من الناس….قل يا أهل الكتاب لستم ع لى شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم\"سورة المائدة 67ـ 68.إدارة الجامعة وضعت برنامجا دراسيا ، يستجيب لخيارات ومناهج ،هل يحق لأي كان الإعتراض ?؟ آخذين بعين الإعتبار:\"و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين\"الأنبياء 107 .والرحمة أسمى ما تكون بما يستحيل إدراكه بالعقل المجرد :\"وما أرسلناك إلامبشرا ونذيرا\"الفرقان 56. قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون


    الرد على التعليق

    • - حامد شاكر
      2 أيلول (سبتمبر) 2010 03:11

      سؤال للأستاذ المزوغي :السلطة الفلسطينة تمثل الجانب اللبرالي والمقاومة تمثل التيارالأصولي. كيف تفسر تفريط السلطة في الأرض والثروة والأمن….في حين تقبض المقاومة على الجمر ؟؟؟ حامد شاكر


      الرد على التعليق

- أمير الغندور
2 أيلول (سبتمبر) 2010 03:47

- 1 -
- أنتقل الآن إلى مناقشة أفكار مقال المزوغي.
- يبادرنا المزوغي بعنوان فرعي يلخص رؤيته الحكمية التقييمية وهو: "الأديان ضدّ الحرية والديمقراطية والعلمانية" ما يشي باتخاذه موقف حاسم حتى قبل أن يشرع في مناقشته أو عرضه .. بل هو يطرح موقفه الأيديولوجي كمقدمة وليس كنتيجة تقوم على مقدمات
- وعندما يبادر كاتب بطرح موقفه النهائي كمقدمة .. فعليك أن تتوقع أن ما سعقب ذلك هو محض تبرير ودفاع عن موقفه الذي بدأ به .. وحينها عليك أن تدرك أنك في إطار نمط من الكتابة التبريرية لا الكتابة النقدية .. عليك أن تدرك أنك أمام نمط كتابة يقدم لك أطروحات معلبة ومؤدلجة وسابقة التجهيز أولاً .. ثم ينفق جل كتابته في الدفاع والتبرير والدعاية للأطروحات التي بادر بتقديمها ..
- هذا النمط من الكتابة هو نمط لانقدي تماما .. بل حتى غير جدلي .. لأنه لا يسير وفق قوانين الجدل والمنطق من فرضيات ومقدمات يدرسها ليصل بها إلى استنتاجات ونتائج .. بل هو نمط لا يتورع عن السير في الاتجاه المعاكس للمنطق والجدل .. فيقدم لك النتائج قبل المقدمات .. ولذلك تتحول الكتابة إلى التبرير والتسويق والدفاع لا أكثر.
- فلنر كيف يحدث ذلك لدى المزوغي ..
- في إطار تسويق الليبرالية يؤكد المزوغي أن الليبرالية استوفت جميع الشروط والصلاحيات:
- "فالنظام الليبرالي، من حيث المبدأ، يُوفّر الأسس الشرعية الضامنة للحريات الفردية … هذه مكتسبات إنسانية لا جدال فيها، من يجادل فيها هم الإسلاميون، ورهط من اليمينيين في الغرب، كما فعل أسلافهم، من الرجعية الأوروبية في القرن التاسع عشر، المناهضون للثورة الفرنسية والموالون للكنيسة وللأرستقراطية الملكية."
- وهنا يقدم المزوغي ما يصفه "مكتسبات" الليبرالية بلهجة قطعية على أنها: "مكتسبات إنسانية لا جدال فيها" .. فيبدو أننا أمام مكتسبات "مطلقة ومقدسة" .. حيث مجرد الجدال هو نوع من الهرطقة والكفر اللاديني ..
- إن ما تقوله عبارة المزوغي أعلاه هو أنه ممنوع الجدال في مكتسبات الليبرالية ..
- وهنا ألفت إلى نقطة أشرت إليها مرارا، وهي أن مناهضو الأديان غالبا ما يتبنون ويمارسون نفس أليات التفكير الديني الذي يزعمون أنهم يرفضونه، من تكفير للغير المخالف، والذي يصبح مجادل وسفسطائي ومهرطق .. لكن هذه المرة على الليبرالية التي تصبح بمثابة دين جديد .. "لا جدال" في امتلاكه للحقيقة المطلقة.
- ويرى المزوغي أن المجادلين في مكتسبات الليبرالية هم "إسلاميون" و"رهط"، "يمينيين"، "رجعيين"، "موالون للكنيسة وللأرستقراطية الملكية". لكن للأسف لا تشمل هذه القائمة القدحية مثلا عدد من أهم المفكرين الألمان والفرنسيين، والذين لا يمكن وصفهم بأي من التوصيفات التي يستخدمها المزوغي .. فبدءا من فيشته وهيجل وماركس ووصولا إلى نيتشه وهيدجر وألتوسير وفوكو وشانتال موفيه وارنست لاكلو وعشرات أخرين .. كل هؤلاء لا أظن أحد منهم ينطبق عليه أي من توصيفات المزوغي .. وهم أهم من انتقد الليبرالية.
- لكن يبدو أن هناك استراتيجية محددة للخطاب المزوغي هنا .. فهو يبرز عناصر محددة من معارضي الليبرالية .. بينما يتعمد إخفاء العناصر الأخرى الأهم في صفوف المعارضة لليبرالية ..
- فيبدو أن المزوغي يركز على العناصر التي يسهل نقدها وهي العناصر السلبية والرجعية .. بينما يتعمد التهرب من اللفت إلى العناصر التقدمية المعارضة أيضا لليبرالية
- ولهذا يختار المزوغي شخصيات محددة يمكنه نقدها .. ثم يقدم هذا النقد على أنه تفنيد لحجج معارضي الليبرالية.
- هذه الاستسهال في اختيار عناصر التحليل وحالات الدرس يضعنا في إطار استراتيجية كتابة تسويقية ودعائية .. لا في إطار استراتيجية كتابة فلسفية ..


الرد على التعليق

- أمير الغندور
2 أيلول (سبتمبر) 2010 03:48

- لو تتبعنا استراتيجية الكتابة لدى المزوغي، سنجده يتعمد تقديم كلمات محددة وكأنها مترادفات، وهي:
- الكاثوليكية والمسيحية والإسلام والمؤمنين والأكليروس.
- فالمزوغي يتعمد الاستبدال والقفز والانتقال بين هذه الكلمات كما لو كانت مترادفة تماما .. وكما لو أنه لا يلاحظ وجود أي اختلافات بينها .. فهو يقفز من الحديث عن الكاثوليكية إلى الحديث عن الإسلام .. ومن الحديث عن إيمان المؤمنين والمتديين إلى الحديث عن الأكليروس في طرفة عين .. وبتسلل لا يكاد يلاحظه القارئ .. فما السبب يا ترى؟؟
- هل من المنهج العلمي الذي يتبناه المزوغي يطابق ويماهي بين الكاثوليكية والإسلام وبين المؤمنيين والمتدينيين وبين الأكليروس؟؟
- أظن أن الإجابة هي نعم .. فالمزوغي يضع ك هؤلاء في جعبة أو سلة واحدة ويقدمهم على أنهم فئة واحدة لا تمييز بين عناصرها بالمرة. فكيف يفعل ذلك وما هدفه؟؟
- لندرس الأمثلة الدالة التالية في نص المزوغي، حيث يقرن دوما بين هذه العناصر دون تمييز:
- " المفكّرون الكاثوليك ناهضوا الفكر الليبرالي لنفس الأسباب التي يناهضه من أجلها الإسلاميون المحدثون"
- "حسب زعم النقاد الكاثوليك (وحتى الإسلاميين المعاصرين)…"
- "وعلى هذا الأساس فإن الليبراليين الكاثوليك ـ وهذا الحكم يسري على معتنقي أيّ ديانة ـ هم تناقض في الكلمة، هم خلف منطقي .."
- "بالاعتقاد الجازم في صحة الدين الوضعي (المسيحي في حال كاتبنا، الإسلامي في حال المسلمين والقوميين)، .."
- "إن الفصل بين الحكم الزمني والحكم الديني .. هو الشرط المؤسّس لكلّ مجتمع ليبرالي، لكن .. هو مرفوض عند الإسلاميين بجميع مشاربهم .. هو مرفوض عند الكاثوليك .."
- "فكما أن المسلمين جعلوا .. تقنيتهم .. التعذيب .. كذلك فإن الكنيسة .. مارست حقها في التعذيب. كلاهما، يزعمان .."
- أظن واضح من هذه الأمثلة المجلوبة من نص المزوغي وجود حرص حثيث على المرادفة والخلط بين الكاثوليكية والإسلام.
- فلماذا يا ترى؟؟
- لقد سبق لي أن لاحظت ولفت إلى هذه المسألة المرار العديدة .. وهي أن كثير من الكتاب يستقون ويجلبون ويقلدون الأفكار المستقدمة من الغرب عن العلاقة بين الكنيسة الكاثوليكية وبين الدولة الغربية .. ليقوموا باستنساخها على العلاقة بين الإسلام والدولة العربية .. وذلك دون فهم دقيق لاختلاف السياق الغربي عن العربي ..
- وسبق أن شرحت مشكلات هذا الترادف الوهمي والاستنساخ الحر للأفكار الغربية التي تتحدث عن مشكلات الكاثوليكية وعلاقتها المنفصمة والمتناقضة مع الدولة الغربية .. وخطأ استجلاب واستنساخ نفس هذه الأفكار الغربية لتفسير العلاقة بين الإسلام والدولة العربية.
- ذلك أن الإسلام يختلف كثيرا جدا عن الكاثوليكية والتي تختلف بدورها عن البروتستاتنية.
- وقد شرحت كيف أن أحد أعمدة الكاثوليكية هو وجود سلطة الأكليروس الكهنوتية كحقيقة واقعية وحقيقة تشريعية ذات مصداقية جذرية..
- بينما في الإسلام يختلف وضع السلطة الكهنوتية تماما .. حيث أنها لا تستند بالمرة إلى أي حقيقة تشريعية .. بل فقط إلى الحقيقة الواقعية.
- ولذلك فإن الصراع الشديد الذي دار بين الكنيسة والدولة في الغرب .. مختلف ومغاير جدا عن الوضع العربي .. وهذا رأي علمي موجود لدى عابد الجابري .. وكثير من المستشرقين.
- إلا أنه رغم كل هذا .. فإن المزوغي يصر على ممارسة الترادف اللاعلمي واللاقياسي بين الكاثوليكية والإسلام .. موحيا بأن ما جرى على الأولى (الكاثوليكية) يجب أن يجري على الثاني (الإسلام).. وبأن علاقة الثاني (الإسلام) بالدولة العربية اليوم هي استنساخ لعلاقة الأولى (الكاثوليكية) بالدولة الغربية أمس .. وكأن التاريخ لعبة مكعبات نعيد بنائها بنفس الطريقة مع تغيير الألوان والأسماء فقط.
- أظن من الخطأ المنهجي والفكري والتاريخي والجغرافي الظن بأن الكاثوليكية مماثلة للإسلام .. وإجراء ترادف أو مماهاة بينهما كما يفعل المزوغي في نصه الحالي.
- بل إن المزوغي يقول:
- " ليس هناك من إسلامي قديم أو حديث لا يوافق على أقوال أوغسطينوس بشأن أسس الحكم الرشيد، حيث يتمازج الواجب الديني مع الحكم الدنيوي"
- ففي هذه العبارة يتصور المزوغي أن جميع المتدينين مسلمين وكاثوليك هم من أتباع أوغسطينوس في مسألة الدولة.
- وهذا خلط لامنهجي واضح .. وأظن المزوغي يقصد به ما يلي:
- 1- أن الدين ومعتنقيه وكل ما يتعلق به هي أمور مرتبطة وتمثل "كومة واحدة" في سلة واحدة – وكأنها الفرقة الضالة مثلا .. فلا تمييز بين كاثوليكي وإسلامي .. بل جميعهم شيء واحد وذهنية واحدة وعنصر واحد .. وهذه مسألة واضحة في أغلب كتابات المزوغي. وقد سبق أن أبرزتها قبلا.
- 2- أن عهد الأديان جميعا انتهى وحل عهد جديد .. وذلك بدليل أن الديانة الكاثوليكية قد انحصرت عن الدولة .. إذن فيجب أن تحذو كافة الأديان حذوها
- طبعا من حق المزوغي أن يرى هذا الرأي .. لكن لنر ما هو البديل الذي يطرحه بعد إنقراض الأديان.
- نبحث عن البديل فنجد المزوغي يقدم الليبرالية – كما وصفها أعلاه في تحليلنا السابق – فنجد أن الليبرالية بالنسبة للمزوغي هي فقط محض "فكرانية" .. فهي غير مرتبطة بتحقق ظروف في الواقع ..
- فنحن لا نجد المزوغي يتكلم بالمرة عن ظروف الواقع العربي ولا حتى الغربي .. بل هو يتناول الليبرالية باعتبارها محض "فكرة" يجب أن نقتنع بها ولذلك فهو يسوقها لنا لتحلو في أعيننا ..
- لكنه غير معني بالمرة بفهم ظروف الواقع السوسيولوجية ليدرس مدى ملائمة وانطباق الليبرالية على هذا الواقع. لماذا؟؟
- لأنه يقدم لنا فكرة "جذورها في الهواء" .. وكأننا لو اقتنعنا بها وتبنيناها في أدمغتنا فإن هذا هو الشرط الكافي ليتغير الواقع العربي جذريا .. فنستيقظ في الصباح لنجد أنفسنا قد أضحينا ليبراليين قالبا بعد قلبا ..
- هذا النمط من التفكير والذ1ي أسميه بالفكرانية لأنه يقوم على التغيير بدءا من الفكر وانتهاء بالفكر .. المعزول على الواقع .. هذا النمط من التفكير الفكراني .. منتشر بشكل خطير لدى كثير من الكتاب العرب ..
- هؤلاء الكتاب الفكرانيين يحسبون أن تغيير الفكر وتسويق الفكر هو الشرط الكاف جدا لإحداث التغيير المطلوب ..
- هم غير معنيين بفهم الواقع ولا هم معنيين بالسوسيولوجيا .. بل هم فقط يجيدون الكلام حول الأفكار .. ويتعففون عن درس الواقع ومتعلقاته
- فالليبرالية التي يقدمها لنا المزوغي هي محض ليبرالية تسويقية فكرانية لا علاقة لها بالواقع العربي .. بل هي فكرة أعجبته من السياق الغربي .. فقرر أن يجرب نقلها واستنساخها "فكرانيا" من السياق الغربي إلى السياق العربي .. وصار يصفها ويقدمها كما لو كان الإسلام هو الكاثوليكية .. وكما لو كان الشرق هو الغرب.


الرد على التعليق

  • - عادل دمق
    2 أيلول (سبتمبر) 2010 10:23

    "إن الدين ليس هو بمُحرّر للشعوب، ولا مُخلّصها من أغلال الجهل والتعصّب والاستغلال، بل هو الأفيون المُخدّر الذي يُهدّد بقاءها." بعد عقود من رواج هذه المقولة ،التي يؤخذ منها ويرد عليها،تم اجراء تعديل ،تحت ضعط التاريخ والواقع والنقد ،بموجبه يعترف أن ا لدين قد يكون دافع للمقاومة والنضال والتحرير. إلا السيد سامي…….." إن سيطرة مفهوم الإلاه الواحد سرعان ما صار يقابله الإنسان الواحد !!!وانطلاقا من هذا المبدأ تعامل مشروع المدنية العربية الإسلامية مع اختلافات الشعوب الأخرى على أنها عائدة إلى تحكم الوثنيات …وبالتالي فإن إزالة هذا المركب الوثني السلطوي معا تنسف سدود الخصوصيات بين الثقافات وتفتح أمامها مساحة لا متناهية من التلاقي والتفاعل التلقائي ،مما يسرع من اضمحلال الكيانات المتغالقة ضد بعضها…فالفتح الإسلامي ..كان يحمل دعوة الآخر للمشاركة ،أكثر منه محاولة لاستتباعه.وهي تلك المشاركة الطوعية في صنع الإختلاف الأشمل ضدا عما كانت عليه أحوال تلك الشعوب قبل انخراطها في ثقافة التوحيد الجديدة .على أن لا يدرك التوحيد لاهوتيا فحسب ، بقدر ما يكون توحيدا لمفهوم الإنسان في آن معا…..ص 162 من كتاب "نظرية القطيعة الكارثية"ل لمطاع صفدي.عادل دمق


    الرد على التعليق

  • بغداد - وليد عبدالله
    2 أيلول (سبتمبر) 2010 11:41

    يعتبر بحث الاستاذ مزوغي استعراضي لايخلو من العمق المبسط لغاية غير مدركة كما اشار لها أ الغندور ويمكن التواصل وعدم تكرار ماذكره الغندور مع الخطاب التبجيلي عن الليبرالية للاستاذ المزوغي في نهاية بحثة عن اليبرالية بكل تنوعاتها الغربية ان يقدم عرضا شعارتيا لقيمة الصراع المعاصر بينها وبين الاديان بكل تنوعاتها المعرفية والتاريخية وبدون تميز علمي واضح بين الواقعة الحقيقة لقيومية الديانات الفعلية واختلافها وحضور الصراع و بين السلطات المهمينة والتي تحكم البلاد العربية عن غيرها ونفي أي حوارية ومصالحة بين المتنازعين بشكل تدميري وقسري وسد كل ابواب الحلول المعرفية او التصالحية بين المتصارعينن، لهو اشد قسوة وتدميرا من اساليب التدمير نفسها التي يتنقدها بشكل شعارتي مفروغ من قيمة المعلمبة ومحشى بنوازع ردود الافعال غير المدركة لجبهات الصراع بين الديانات واليبرالية، والقى لاستاذ المزوغي في نهاية بحثة مرسوم سلطوي و قسري لمصادرة أي انفتاح مستقلبي قابل لايجاد طرق لعلاج المشاكل المؤدجلة بين كل الاطراف التي تمارس سلطة الاستلاب على الاخر بما فيها العرض الذي قدمة الاستاذ المزوغي لليبرالية ويختم بحثة بمقولة ماركسية صارمة لها مرجعية ايدبلوجية واضحة حول التخدير العام والافيون الزامي لماركس حول الدين كونه حقيقة تخديرية للمجتمع وهي كانها دعوة الزامية بالخاتمة التي لاتقل تخديرا وافوينا من مقولة ماركس.


    الرد على التعليق

- أمير الغندور
2 أيلول (سبتمبر) 2010 10:27

- في نقد نظرية الويسكي اللاسياقية
- بالطبع قد يعترض معترض ويقول أنه من الممكن دراسة الليبرالية - كما يفعل المزوغي أعلاه - بمعزل عن سياقها الاجتماعي والتاريخي .. بل وافتراض أن تأثيرها المعروف في السياق الغربي الكاثوليكي .. من المحتمل أن يتم استنساخه داخل السياق العربي الإسلامي .. ليقوم بإحداث نفس التأثير وتكرار نفس المرحلة التاريخية التي مر بها الغرب .. وهنا تكون المماهاة والمشابهة بين الغرب الكاثوليكي والشرق الإسلامي .. هي مسألة مقبولة.
- وللرد على هذا الاعتراض وتوضيح خطأ الاستنتساخ بين الغرب والشرق استعير فكرة هامة اسميها "نظرية الويسكي اللاسياقية" واستعير فكرتها من مفكر أمريكي أسباني اسمه جورج سانتيانا، وقد وردت في كتاب جون جراي بعنوانه الدال "ما بعد الليبرالية" ص 50 حيث يقول:
- "يحدث احتساء الويسكي (سكرانية) في الجسم البشري .. لكن يا لها من طريقة غريبة لإثبات حقيقة هي نسبية رغم كل شيء، للتأكيد على أن للويسكي تأثير أكبر في حد ذاته، دون الإشارة إلى الحيوان (أو الكائن) الذي يتناوله – كما لو كانت (السكرانية) أمرا متأصلا في الويسكي ويظل كذلك حتى فقدان الوعي داخل زجاجته"
- واضح من هذا المثال الدال الذي يقدمه لنا سانتيانا أن "الطريقة الغريبة" في الاستنتاج هي الظن بأن السكرانية تنتمي وحدها إلى مادة الويسكي .. دون الاهتمام بدراسة التفاعل الداخلي بين الويسكي وبين جسد "الحيوان" الذي يتناوله.
- ويقصد سانتيانا من استخدام كلمة "الحيوان" – دون الإنسان - القول بأن هناك بعض أنواع من الحيوانات لا تتأثر بالويسكي مثل الإنسان ..
- بل يمكنني زحزحة الكلمة أكثر لاستخدم بدلا منها كلمة "الكائن" .. وأقول أن من يظن أن السكرانية تسكن في الويسكي وليست في التفاعل بين الويسكي وجسد الكائن .. هو بالضبط مثل شخص أراد أن يكسر حديدة فقرر أن يصب عليها بعض الويسكي حتى يسكرها ويفقدها صوابها قبل أن يحاول كسرها
- فهو طالما ظن أن السكرانية موجودة في الويسكي وليس في العلاقة التفاعلية بين الويسكي وجسد الكائن .. فلابد أن يستنتج أن صب الويسكي على أي "كائن" سوف يصيبه بالسكر.
- هذا بالضبط هو ما يحدث في صب الليبرالية حاليا على العراق ..ظنا أن صب الليبرالية (التي تشبه الويسكي هنا) وحده سوف يكفي لجعل المجتمع العراقي ليبرالي وديمقراطي.
- يغفل من يتبنون نظرية الويسكي هذه أن تناول الويسكي لابد أن يتم بطريقة محددة وعن طريق الفم وليس من أي مكان آخر .. وبشرط أن يتم على شخص يستجيب جسده للويسكي .. فأظن حتى أننا لو وضعنا الويسكي في فم طفل رضيع أو عجوز مصاب بالكبد .. فربما يتسبب هذا في الموت بدلا من الانتشاء.


الرد على التعليق

- أمير الغندور
2 أيلول (سبتمبر) 2010 13:14

- مزيد من فكرة جورج سانتيانا .. حيث يقول:
- "الإيمان بالتقدم مثله مثل الإيمان بالقدر أو بالرقم ثلاثة، خرافة محضة؛ فمن الجنون القول بأن فكرة ما، والمقصود هنا فكرة التحول إلى الأفضل، تحققت في مكان ما لأنها تملك القدرة على تحقيق نفسها بشكل حتمي في ذلك المكان، وأن هذه الفكرة لابد وأن تحقق نفسها سراا في كل مكان آخر، حتى حين يكون ذلك مناقضا للحقائق." ص 54 كتاب ما بعد الليبرالية لجون جراي
- أظن واضح أن هناك عدد كبير من المفكرين والفلاسفة المهمين جدا في الغرب يختلفون تماما مع فكرة استنتساخ الأفكار


الرد على التعليق

- أمير الغندور
2 أيلول (سبتمبر) 2010 13:27

- مزيد عن جورج سانتيانا ومابعد الليبرالية .. حيث يقول:
- "الإيمان بالتقدم مثله مثل الإيمان بالقدر أو بالرقم ثلاثة، خرافة محضة؛ فمن الجنون القول بأن فكرة ما، والمقصود هنا فكرة التحول إلى الأفضل، تحققت في مكان ما لأنها تملك القدرة على تحقيق نفسها بشكل حتمي في ذلك المكان، وأن هذه الفكرة لابد وأن تحقق نفسها سراا في كل مكان آخر، حتى حين يكون ذلك مناقضا للحقائق."
- ويكمل جون جراي شرحه لفكرة سنتيانا بقوله: حينئذ تصبح فكرة وجود قانون للتقدم، .. مجرد خرافة وهي إحدى خرافات معتقدات الدين الزائف الحداثي الخاص بالنزعة الإنسانية. وحتى لو وجد هذا القانون وكان بالإمكان إقامة الدليل عليه، فسوف يكون من الضار الإيمان بالتقدم ضارا في رأي سانتيانا؛ ذلك أنه يؤيد إلى تكريس عادة مفسدة للذهن تقييم فيها الأشياء ليس بناء على امتيازها أو كمالها الحالي، بل على أساس ذرائعي باعتبار أنها تؤدي إلى شيء أفضل. وهي تدخل في الفكر والإحساس نوعا من تبرير العدالة الإلهية التاريخي، الذي يبرر فيه (شر الماضي) على أنه وسيلة لمنفعة الحاضر والمستقبل. وتجسد فكرة التقدم نوعا من عبادة الزمن التي ينظر من خلالها إلى تفاصيل عالمنا ليس بما هي عليه، بل بما يمكن أن تكون عليه، وبذلك نصبح محرومين من الإحساس بالحاضر ورؤية الأبدية." ص 54 كتاب ما بعد الليبرالية لجون جراي
- أظن واضح أن هناك تطورا كبيرا في الليبرالية وأن بعض المفكرين والفلاسفة المعاصرين المهمين في الغرب يختلفون كثيرا من الرؤية الحداثية التبسيطية لفكرة استنتساخ الأفكار والتقدم الحداثي الليبرالي دون فهم اختلافات السياق بين الغرب والشرق.
- كنا نتمنى أن نطلع على بعض أفكارهم بدلا من أن يبقينا أ مزوغي عند حدود القرن التاسع عشر.


الرد على التعليق

  • - حسين طحان
    2 أيلول (سبتمبر) 2010 14:56

    يا أخي أنا ألخص لك الرد : فكر لماذا يناسبنا السياق المابعد حداثوي وسياق وسنتيانا ولا يناسبنا السياق الحداثوي ؟ أنصحك أن تفكر لا أن تكتفي بتسطير جرائد .


    الرد على التعليق

  • - سامي العباس
    2 أيلول (سبتمبر) 2010 19:27

    ُحشرت الليبرالية في العالم العربي قبل نصف قرن في خانة( أليكْ )لأن حاملها الإجتماعي "الطبقة البرجوازية "كان محشوراً بين إكراهين : 1-خارجي "رأسمالية تعيش لحظتها الإمبريالية "تضغط عليه ليبقى وسيطاً تجارياً . 2-داخلي :حالة من التداخل العضوي مع ملاك الأراضي الكبارالذين تشكلوا كطبقة في سياق انهيار نظام الإنتا ج الخراجي طيلة القرن الأخير من عمر السلطنة العثمانية . قاد هذا المخنق الذي عانته عملية التحول الرأسمالي إلى فتح طريق جانبي حيث سمحت بذلك الشروط السسيولوجية والأيديولوجية "حضور وازن للماركسية بتلويناتها " فاستولت الدولة على شطر كبير من وسائل الإنتاج وتحولت إلى رأسمالي كبير يعمق التحول الرأسمالي بإيصاله إلى الأرياف والبوادي ويضع على الرف الليبرالية مُحلاً محلها تلفيقة أيديولوجية مشتقة من الماركسية –اللينينية بتسميات متنوعة :قومية –اشتراكية ,إشتراكية وطنية ..إلخ ..انتفت الحاجة داخل هذا السياق إلى برلمان وقضاء وصحافة حرة تحتاجها طبقة برجوازية مهيمنة لإدارة التناقضات بين أقطابها .هذه خلفية طي المشروع الليبرالي قبل نصف قرن من الآن في مصر وسورية والعراق .في اللحظة الراهنة حيث استنفذت رأسمالية الدولة وظيفتها "فك تشرنق علاقات الإنتاج الرأسمالية داخل المدن " ينفتح الطريق مجدداً لإستعادة الليبرالية "كوعي مطابق "لحاجات يطرحها التطور الراهن لقوى الإنتاج في معظم مجتمعات العالم العربي الرئيسية .. ليبرالية تقود عملية التحول من رأسمالية الدولة الى الدولة الرأسمالية كممكن تاريخي .أضع نص الأستاذ المزوغي داخل هذا السياق .سياق نعلم أنه محفوف بالمتفجرات والألغام الأيديولوجية .ففي العالم العربي والإسلامي تتسع مضبطة الإتهام الموجهة لليبرالية لتشمل العمالة للإمبريالية وتوهين العزائم القومية والوطنية والتفريط بالمصالح وصولا الى تلبيسها"أي الليبرالية " كل ما تلبسه الديانات السماوية لأبليس!! لا تنظر الماركسية الأيديولوجية وأبناؤها وأحفادها لليبرالية بعين تاريخية .. لا بل أن التاريخية كمفهوم تركنه أثناء تحليلاتها كما ُيركن المحراث السومري عندما يحضر التراكتور , متناسية أن مايعجز عن حراثته التراكتو ر لهذا السبب أو ذاك يستطيع حراثته المحراث السومري ..لا ُتختصر الحداثة العقلية بكمية المعارف الحديثة التي يجري تجميَعها لإستخدامها في الإستعراضات بل بكيفية إستعمالها . وإلا تحولت الى نياشين فقط .. في سماء التحول الرأسمالي الجاري في العالم العربي تتداخل الأيديولوجيات كما الغيوم . بعضها ماطر وبعضها ينفع فقط في إشاعة الوهم بقدوم المطر .. بين الأيديولوجية الليبرالية ومرحلة التحول الرأسمالي ما يمكن التعبير عنه بالوعي المطابق .. الوعي الذي يستجيب"معرفياً " للإشكاليات التي يطرحها الشرط الموضوعي من جهة, ولا يغرق في الإشكاليات التي لم يحن أوانها من جهة ثانية..أي الوعي اللازم بلا نقصان ولا تزيد .. في المقطع الراهن من عملية التحول الرأسمالي الجارية وهو مقطع التحول من رأسمالية الدولة - التي أنجزت في شروط التحول المتأخر مرحلة التراكم البدئي – الى الدولة الرأسمالية, تشتد الحاجة الى الأيديولوجية الليبرالية التي شاغبت عليها الماركسية الأيديولوجية وتفريعاتها وأقصتها الى الرصيف مفرغة الطريق لأيديولوجيات ما قبل الرأسمالية : الدينية ومشتقاتها .. ااا بتحالف الماركسية الأيديولوجية مع الإسلام السياسي في العالم العربي والإسلامي تغمض الأولى عينها عن المستقبل الذي يجر الإسلاميون الحاضر إليه..هو موقف عقلي أشيه بفقه النكاية..لم تفلح الماركسية الأيديولوجية في صناعة حاضر تخيلته(الإشتراكية ) - وهو عجز يمكن أن تتفهمه إن استعادت علميتها وطابعها النقدي – فانتقلت الى خندق الإسلام السياسي الذي يريد أن يدمر ما أنجزته مجتمعات العالم العربي –الإسلامي على طريق الحداثة , وبرنامجه : ثلاث كلمات ( الإسلام هو الحل ) ليست التعليقات التي تتلبس لبوس التجاوز النقدي لنص المزوغي أو تواجهه بآيات من القرآن الكريم غير تعبير عن هذا التحالف بين من يلبس العمامة وبين من يخفي عمامته تحت برنيطة "ما بعد الحداثة "..

    سامي العباس


    الرد على التعليق

    • - مازن بكاري
      2 أيلول (سبتمبر) 2010 23:53

      "لأيديولوجية الليبرالية التي شاغبت عليها الماركسية الأيديولوجية وتفريعاتها وأقصتها الى الرصيف"لا أعتقد أن الماركسية الاديولجية كانت هي المسؤولة عن انزياح الليبرالية بل أن الفئات الني تحمل لواء الليبراليةلم يكن لديها النضج الكافي ،لعديد العوامل الموضوعية والذاتية،لإنجاز المهمات التي أنيطت بها تاريخيا.فحتى الفئات التي لها مصلحة في الليبرالية ساهت في إقصائها ونراها اليوم تبشر بالإسلام المعتدل أو إسلام البزنس كما يقول عنه العظم. فالبزنس الإسلامي يمارس ليبرالية في المجال الاقتصادي ويصادر استحققاتها في المجال السياسي ليس فقط المصادرة بل يشهر بها.ومصادرة هذه الاستحقاقات تدفع به للبحت عن شرعية من التراث .فهو لايبحث عن شرعية من صناديق الانتخابات وحرية الصحافة واحترام حقوق الإنسان وضرورة فصل الدين عن الدولة.بل يختلق شرعية من دخوله في نزاعات مع حركات دينية حول من هو الأحق والأجدر بتمثيل الدين.


      الرد على التعليق

    • - مازن بكاري
      3 أيلول (سبتمبر) 2010 00:15

      "لا تنظر الماركسية الأيديولوجية وأبناؤها وأحفادها لليبرالية بعين تاريخية " ليست الماركسية التي لاتنظر بعين تاريخية بل من قالوا عن أنفسهم ماركسين في المجتمعات العربية الإسلامية لم يكن لديهم النظر بعين تاريخية و دفع ذلك بالعديد منهم الإعجاب بالأحزاب الطائفية والحركات الدينية بدعوى أنها مقاومة.يعني أنهم قايضوا ما كانوا يعتقدونه مشروعهم الوطني أو المجتمعي بمقاومة الأحزاب الدينية.والذين تمسكوا بالنظر بعين تاريخية فقد انتقلوا إلى خط الدفاع الثاني وأعني الليبرالية لعل هذا الخط يقي مجتمعاتهم من الطلبنة والوهابية.واعتقد ان مقال أ. مزوغي يأتي هذا السياق.


      الرد على التعليق

- أمير الغندور
2 أيلول (سبتمبر) 2010 18:34

- أ حسين طحان إن كنت تظن أن السطرين الذين تكتبهما هما تفكير ..
- بينما ما تحسبه كلام ودش وتسطير جرائد هو ليس تفكير.. إذاً فلا عتاب لي عليك.
- هناك فرق بين التفكير والتسطير ..
- إن كنت تستثقل القراءة وتجدها عملية متعبة .. فما دافعك للحديث عن التفكير.
- نحن قوم لا نكتب قبل أن نقرأ .. ولا نقرأ دون أن نفهم .. وإذا فهمنا لا نتوقف عن القراءة والتفكير ..
- عذرا للتطويل على من لا يطيق القراءة والتفكير


الرد على التعليق

- أمير الغندور
2 أيلول (سبتمبر) 2010 19:02

- تزايدت لدى الحداثويين المتعصبين استسهال التفكير .. والرغبة في الاكتفاء بالقدر الهين الذي وصلوا إليه من الإطلاع على الفكر المعاصر .. دون فهم ..
- فقرروا التوقف عن الإطلاع والتوقف عن ممارسة التفكير .. وظنوا أن الوقت قد حان لتغيير العالم .. لأنهم تجاوزوا بعبقرياتهم مرحلة فهم العالم ..
- لذا تعالت صيحات الحداثويين المتلهفين على تطبيق القدر الضئيل مما تعلموه من التفكير .. قبل أن ينسوا ما تعلموه ..
- هذا حال أغلب من يدعون من يدعون إلى التوقف عن التفكير عند حد الحداثة .. متجاهلين أن مشكلاتها قد اتضحت وكشفت لدى ما بعد الحداثة ..
- لكنهم لما كانوا عاجزين عن الإطلاع على آخر المصادر الأساسية في الفكر المعاصر .. نظرا لوجود فجوة بين عملية الإنتاج الغربي للفكر المعاصر .. وبين عملية الاستقبال والترجمة العربية .. فإنهم ظنوا أن تاريخ الفكر قد وقف عند ما تعلموه منذ قرون مضت ..
- فصار علومهم ومعلوماتهم متوقفة عن ديكارت وكانط وجون لوك وروسو .. وكأن العالم الذي أنجبهم لم ينجب بعدهم .. بل توقف عندهم.
- أغلب من يزعم أن ما بعد الحداثة لا لزوم هل هو غير مطلع وغير قادر على متابعة الفكر المعاصر في مصادره الأصلية .. وهو على الأغلب لا تتعدى معلوماته عن الفكر الغربي في مرحلة ما بعد الحداثة ما يقرأه في الصحف والجرائد السيارة .. دون أن يجرؤ على فتح المصادر نفسها .. إما لأنه يجهل اللغة الأجنبية أو لأن عقله قد توقف عن التفكير منذ أيام جان جاك روسو.
- من المستغرب أن أجد أناسا يدعون إلى التوقف عن التفكير .. فقط لأنهم هم عاجزون عن التفكير وعن الإطلاع.
- هل يعني ذلك أنه حتى العلم والإطلاع والمعرفة أصبحت حاليا موضع مصادرة ؟؟ هل أصبح مفروض علينا أن نتعبد للحداثة وأن نقدسها ونقيم الصلوات لها .. ونصادر على جميع من ينتقدونها ويظهرون تهافتها
- منذ سنوات كان الدين موضع مصادرة لدى أنصاف العلمانيين .. ثم الآن أصبح التفكير نفسه موضع مصادرة.
- هذه بالضبط هي النسخة العربية المنقحة من أسطورة نهاية التاريخ لدى الحداثويين العاجزين أساسا عن التواصل الفكري والحواري مع الفكر المعاصر في أحدث تمظهراته في ما بعد الحداثة ..
- أظن أنه من الواضح أن الفكر العربي مكتوب عليه مع أمثال هؤلاء أن يظل عاجزا حتى عن متابعة الفكر الغربي .. لأنه يختار لنفسه أن يتوقف عند مرحلة متخلفة من هذا الفكر الغربي ظانا أنها نهاية التاريخ ..
- لقد أصبح من يحسبون أنفسهم مفكرين عرب محض مستنسخات فوكويامية عربية مشوهة عاجزة عن تجاوز الأطروحات القديمة للفكر الغربي .. والتي يسعى الفكر الغربي نفسه حاليا لتجاوزها..
- ما أحسب أنهم بمقدورنا حتى أن نصف هؤلاء بأنهم يستحقون وصف "مقلدة الغرب" .. فهم حتى ليسوا قادرين على تقليد أحدث ما وصل إليه هذا الغرب نفسه الذي يتبارون في تقليده .. بل هم يستنسخون ويقلدون فقط ما تم تجاوزه في الغرب .
- وبذلك أظن أنه يحق أن نصفهم بأنهم مقلدة فضلات الفكر الغربي .. فهم ليسوا أكثر من متبنين لسلفية الغرب .. عاجزين عن معاصرة الغرب.
- الأغرب أنهم يدعوننا إلى المعاصرة بدلا من السلفية .. فقط ليطبقوا علينا نسختهم هم عن السلفية الغربية .. لا المعاصرة الغربية.
- على من يريد الخوض في جدوى ما بعد الحداثة وضرورة الحداثة .. أن يطلع أولا على كتب بنعبد العالي وعلى حرب وبخاصة كتابه "الأختام الأصولية والشعائر التقدمية" .. قبل أن يتكلم فيما لا يعرف.
- إن كان لي عشرات التحفظات على السلفيين العرب .. فإن لي مئات التحفظات على أشباه السلفيين الغربيين.


الرد على التعليق

  • القاهرة - وليد الشـوبكي
    3 أيلول (سبتمبر) 2010 03:04

    لمَ كل هذا الغضب في التعقيب يا سيد الغندور. يا أخي "قل كلمتك وارحل" (كما قال أمين الريحاني). لست مضطرا لإثبات جهل الآخر — ثقافيا أو فكريا — لتوضيح وجهة نظرك.


    الرد على التعليق

- أمير الغندور
2 أيلول (سبتمبر) 2010 19:19

- باختصار لمن لا يطيق التطويل .. الحداثة هي دين زائف كما يصفها أغلب المفكرين الغربيين المعاصرين أنفسهم والذين هم أعلم بها منا لأنهم أصحابها ومبتكروها.
- جدوى ما بعد الحداثة أنها قادرة على تفكيك وكشف وتصحيح ووقف "تديين" الحداثة وعبادة الحداثة وإزالة "ميتافيزيقا الحداثة ومطلقاتها ..
- لكن الخوض في ما بعد الحداثة يتطلب قدرة على التفكير النقدي .. وليس فقط تلقين وحفظ والتكرار الببغائي لمبادئ فلسفية عتيقة من الغرب عفا عليها لدى الغرب نفسه.


الرد على التعليق

  • - أمير الغندور
    2 أيلول (سبتمبر) 2010 19:58

    - الأن فهمت لماذا يصر الحداثويون العرب على مقارعة السلفيين العرب واستنزاف طاقاتهم في جدالات عقيمة لا تفيد الفكر أو تبني التوافق .. بل هي تؤدي إلى زيادة التخندق والتطرف لدى الطرفين.
    - أظن الإجابة أصبحت واضحة لدي .. يقارع الحداثويون السلفييين لأنهم ببساطة يدعون لدين بديل .. لا أكثر .. فالحداثة عندهم لا علاقة لها بالفكر ولا بالعلم بل هي محض دين بديل يتعصبون له بنفس طريقة تعصب السلفيين لدينهم ..
    - لذلك ينشب بينهم وبين السلفيين هذا الصراع الدموي .. فكلاهما يدعو إلى دين منغلق .. عاجز عن الانفتاح على الآخر ..
    - أظن الحل الوحيد والأمثل للخروج من هكذا إنغلاقية هو بالإنفتاح على فكر ما بعد الحداثة .. لأنه الوحيد القادرة على النسج والاشتباك الإيجابي مع هاتين السلفيتين .ز لعجز كل منهما عن التحاور مع الآخر ..


    الرد على التعليق

    • - سامي العباس
      3 أيلول (سبتمبر) 2010 03:17

      وللأخوة الإسلاميين علناً أو المتخفين ببناطيل جينز موديل "ما بعد الحداثة " أحب أن أهديكم هذا البيت من الشعر لأبي العلاء المعري : أعمى العينين ومفتوح البصيرة الذي أدرك قبل عشرة قرون المأزق المعرفي الذي دخلته أديان الوحي فراح يدير في خليطها مغرفته كاشفاً عن أنها طبخة بحص .ولقد زين جهده التفكيكي بالكثير من الملح الشعرية والنوادر وتوج أعماله بروايته الكوميدية "رسالة الغفران " قبل أن يمضي سنواته الأخيرة تحت سيف الإرهاب الديني الذي وضعه على رقبته داعي الدعاة الفاطمي غفر الله له وأسكنه فسيح جنته . كي لا أطيل عليكم, يخاطب أبوالعلاء سلفكم الصالح المعاصرين له قائلاً: أفيقوا أفيقوا ياغوات فإنما دياناتكم مكر من القدماء لقد خسر أبوالعلاء معركته مع الأكليروس الإسلامي –الذي تنفون وجوده بمنطق عنزة ولو طارت -المدعوم من الغوغاء وولاة الأمر الذين "تبزلهم"العصبيات ذات الشوكة ..وفقد بعده بقليل العقل الإسلامي حيويته ونام في العسل ..وها أنتم ياورثة هذا التحالف تريدون كسب المعركة من جديد.وتملؤون الفضاء ضجيجاً محاولين تقديم أنفسكم كمدافعين عن التراث والهوية ..تقصرون التراث الإسلامي على فقهاء بول البعير ودم البعوضة وترمون بالهرطقة كل ماعداهم . من يفتش في أدبيات الإسلاميين وملايين الكتب التراثية- التي يجري تسويقها في أربع رياح الأرض – عن تراث المعتزلة وماأنتجته قرائح أبوبكر الرازي وإبن مسكويه وعشرات غيرهم ممن لم يرتضوا لأنفسهم أن يتحولوا إلى عير تحمل أسفاراً – كمن يفتش عن إبرة في بيدر قش ..هذا يجعل حكاية الدفاع عن التراث والهوية كذبة تخفي تحتها مصالح دنيوية عارية من ورقة توت المقدس . لأخ مازن بكاري بخصوص ما أعنيه بالماركسية الأيديولوجية هي بالضبط ماوضع في الإستعمال السياسي من قبل ناشطيم ماركسيين عرب وغير عرب .أما بخصوص هزيمة الليبرالية فقد نوهت في تعليقي إلى مسؤولية حاملها الإجتماعي أي البرجوازية المحلية .شكرا لمداخلتك سامي العباس


      الرد على التعليق

      • - nasser husain
        3 أيلول (سبتمبر) 2010 12:40

        اتفق مع أ مزوغي واقول ان انجازات الليبرالية يقطف ثمارها من انجزوهاوكون البعض لا يتذوق ثمارهااما لانها غريبة وغربية او انها تهدد وجوده رغم تبني تجارتها رواد النهضة والتجديد الاسلاميين والقول ان هناك فرق مابين ماهو كاثوليكي واسلامي كحكم قيمة فهو محض تسويف وتلفيق العقل واحد بتفسيره للحقيقة وبظرته للكون والانسان وللتاريخ نسبياوللاستاذ غندور الحقيقة لااعرف عن ماذا يبحث وكأني به كصياد يحمل عدة صيد حديثة وجالس على شط بشكل يومي ولم يصطادولايعرف كيف يصطاد وعمله الوحيد لعن الصيد وكثير من الاحيان الاسماك لاتنجوا من ان يلعنها فأارجو منك الهدوء وقل واعرف ماذا تريد لتصل وشكرا استاذ مزوغي


        الرد على التعليق

        • - عادل دمق
          3 أيلول (سبتمبر) 2010 20:28

          " أظن الإجابة أصبحت واضحة لدي .. يقارع الحداثويون السلفييين لأنهم ببساطة يدعون لدين بديل .. لا أكثر .. فالحداثة عندهم لا علاقة لها بالفكر ولا بالعلم بل هي محض دين بديل يتعصبون له بنفس طريقة تعصب السلفيين لدينهم ". لقد أدركت الأستاذ الغندور ما هو جدير بالدراسة الواعية ،الجادة ،المضية والعسيرة ، فقد يترتب عنها ميلاد جديد ، ولا ولادة بلا أوجاع !!!

          أليس الإلحاد اعتقادا ؟ أليس هو الوهم الذي يغري نرجسية الفاني باستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ كان ابن خلدون رائعا، مستبقا مدارس التحليل النفسي ،لما جلى الدوافع الاواعية التي تتحكم في الملحد :"أما قولهم أن الإنسان مسقل بتهذيب نفسه… فأمر مبني على ابتهاج النفس بادراكها الذي لها من ذاتها….واعتبره بحال الصبي…"المقدمة ص 517- للتوسع في فهم هذا النص/البيان يمكن الاستعانة ب Ernest Jones ل Claude Girard -فصل :La découverte de l’inconscient -وكذلك العدد 473-مارس 2008- من Le magazine littéraire :Les écrivains et la psychanalyse.On peut lire :"l’écrivain .créateur,dit Freud,fait la mème chose que l’enfant en train de jouer.Il crée un monde imaginaire qu’il prend tres au sérieux " Si de nombreux écrivains peuvent trouver cela insultant , je m’estime quant à moi plutot satisfait. Combien de gens se font payer pour simplement s’amuser comme un enfant? Entretien avec Frank TALLIS - p 43."الغالبية العظمى من الادنيين ليسوا متحررين تماما من الدين،فهم أحيانا مثقلون بكل لخبطة سحريةـ دينية ،لكنها منحطة إلى درجة الكاركاتير.ولهذا السبب كان من الصعب التعرف عليها. إن سياق تجريد ا لوجود البشري من القداسة قد أدى أكثر من مرة إلى أشكال هجينة من السحر المنحط وإلى التدين القرداني .الإنسان الراسيونالي حصرا مفهوم مجرد ،لا نلمسه في الواقع أبدا " م.إلياد "المقدس والدنيوي"،ترجمة نهاد خياطة .فصل المقدس والدنيوي في العالم الحديث.ص 191 .


          الرد على التعليق

          • - hamed.chaker
            3 أيلول (سبتمبر) 2010 21:09

            مع سقوط جدار برلين وانهيار المعسكر الشرقي وانحسار الشيوعية الرسميّة، برزت الإيديولوجية الليبرالية «بوصفها النموذج الفكري والسياسي الأقدر على تنظيم المجتمع، وإدارة مشكلاته السياسية والاقتصادية». وتجمع كل القواميس على أنّ الليبرالية، في شقّيها السياسي والاقتصادي، قائمة على الحرية الفردية والجماعية. رغم هذه الواجهة البرّاقة، إلا أنّ الباحث المغربي الطيب بوعزة وضع تلك المنظومة على المحكّ في كتابه «نقد الليبرالية» («البيان» ــــ جدّة). يقول المؤلف في مقدّمة عمله: «الدافع المسوغ لإنجاز هذا البحث هو الحالة التي يتميز بها المذهب الليبرالي عن غيره من المذاهب السياسية في لحظتنا الراهنة؛ حيث لم تعد الليبرالية اليوم تُقدَّم بوصفها أنموذجاً أو نظاماً سياسيّاً…. بل تكاد تُقدَّم بوصفها الأنموذج الوحيد لتسيير الشأن السياسي والمجتمعي، دونما منافس لها أو بديل!». اعتمد الطيب بوعزة في نقد الليبرالية وتحليلها على منظورين: مقاربة فلسفية تتناول الأسس المفهومية والمعرفية الليبرالية، ومقاربة تاريخية وسوسيولوجية للنسق الليبرالي. يبحث الكاتب في الفصل الأول دلالة مفهوم الليبرالية، وخصّص الفصل الثاني لبحث الليبرالية كنظريّة سياسية. هكذا، دافع عن أطروحة مفادها أنّ ماكيافيلي مؤسس النزعة السياسية الليبرالية، بفصله بين السياسي والأخلاقي. يقول الباحث: «ولا بد من أن تعترضنا خلال هذا التحليل تلك الفكرة الشائعة عن ماكيافيلي بوصفه داعية استبداد الأمير، ومن ثم سيقول القائل: لا يجوز جعله منظراً ليبرالياً. لذا سنعالج هذا الاعتراض من خلال إعادة تأويل متنه، حيث سنختبر مدى صدقية هذا الموقف الشائع والمكرور في غالبية الدراسات المنجزة عن الفلسفة السياسية لماكيافيلي». ثم ينتقل الطيب بوعزة إلى بحث الإسهام الفلسفي/ السياسي لجون لوك، فيتوقّف عند بنائه مفاهيم النسق السياسي الليبرالي. وعند هذه النقطة، يكشف عن وعيه بأسئلة البحث المتعلقة بالنسق: «لكن هنا أيضاً لا بد عند بحثنا لهذا النسق من إبراز مفارقات تستوجب التحليل والمعالجة. إذ كيف يمكن التوفيق مثلاً بين أطروحته الفلسفية التجريبية القائلة بالأصل الحسي للمعرفة، وبكون العقل صفحة بيضاء، وبين أطروحته السياسية القائلة بأن الكائن الإنساني يعرف القانون بنور طبيعي؟ كما أن ثمة مفارقة ثانية بين لوك المنظر القائل بحرية الفرد الإنساني، ولوك تاجر الرقيق الذي يمارس الاستعباد ويبرره. ولاستكمال صورة النظرية السياسية الليبرالية، لا بد من بحث مسألة فصل السلطات، وهنا سيكون من اللازم دراسة إسهام الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو والتساؤل عن دوره في بناء المنظور السياسي الليبرالي». وبعد تحليل الليبرالية لجهة بُعدها النظري السياسي، ينتقل الكاتب إلى بحث بعدها الاقتصادي. هكذا، حلّل مرجعيتها الفكرية لكن من دون أن يختزلها في الاقتصاد السياسي الإنكليزي (عند آدامز سميث ودافيد ريكاردو وتوماس مالتوس) كما هو مسلك غالبية الدراسات، بل استحضر أيضاً مرجعيتها الفيزيوقراطية، وجدلها مع الميركانتيلية. أما الفصل الرابع، فبحث النيوليبرالية بدءاً من تحليل نشأتها وصولاً إلى اتجاهاتها النظرية التي تبلورت مع المدارس الثلاث، أي المدرسة النمساوية مع كارل منجر، وبون بافريك، ومدرسة لوزان مع فالراس، وباريتو، ومدرسة كامبريدج مع ستانلي جيفنس، وألفريد مارشال. ونظراً إلى محورية مفهوم السوق داخل النسق النيوليبرالي، خصّص له الباحث ما يكفي لتبيان وضعه في الرؤية النيوليبرالية. ثم إن الليبرالية ليست مجرد نظرية، بل هي منظومة مجتمعية تتجاوز الحقلين الاقتصادي والسياسي إلى حقل الإنسان ببعده الأخلاقي. لذا توقّف المؤلف في الفصل الخامس لمساءلة الليبرالية من حيث علاقتها بالحرية والأخلاق. وفي الفصل السادس، ألقى نظرة على الخطاب الليبرالي العربي بدءاً من لحظة دخول المفاهيم الليبرالية في بداية عصر النهضة العربية، ثم انتقالها إلى الاستواء في شكل نسق مع لطفي السيد، وانتهاءً بتحليل مفاهيم الخطاب النيوليبرالي العربي المعاصر ونقائضه. الكتاب مهمّ في وقت صارت الليبرالية حسب المؤلف «موضة مسيطرة على الأذواق الفكرية والسلوكية… بوجود قوى دولية مهيمنة تعمل على تشميلها وفرضها نموذجاً مجتمعياً بأسلوب الهيمنة»


            الرد على التعليق

            • - عادل دمق
              3 أيلول (سبتمبر) 2010 22:36

              " 2- الأديان ضدّ الحرية والديمقراطية والعلمانية:

              المفكّر التنويري الحديث الذي يعيش في العالم العربي لا يشكّ طرفة عين في معقولية المبادئ المؤسسة للمنظومة الليبرالية " . الأستاذ الباحث ، إن ما تؤكده هنا سبق أن عبته على الأديان: " المقدسات الدينية غير قابلة للشك والنقاش والدحض، فهي من باب المقدسات التي ينبغي الإيمان والتسليم بها فقط، وإلاّ فإن المنظومة الدينية ستفقد من مشروعيتها "ردك على تعليق على مقالك"التحالف الخطير"،11/08/2010. هل الأستاذ الغندور محق في دعواه أن اللبرالية تقوم مقام الدين لمعتنقيها ؟ مع فارق هام :للدين مرجعية نحاكم المنتمين إليه إليها ،أما اللبرالية


              الرد على التعليق

              • - damak adel
                4 أيلول (سبتمبر) 2010 00:35

                نقلما تكون ملكة الرفق في من يكون يقظا شديد الذكاء من الناس ـ المقدمة ،فصل"في أن ارهاف الحد مضر بالملك ومفسد له في الأكثر."ص 189 ".ونحن نقبل هذه الطريقة في التفكير ونحرص على تحقيق الغاية التي يدعون إليها.ذلك لأننا نضع الأسس لأنموذج حقيقي للعالم كما هو بالفعل ، لا كما شوهه عقل الإنسان ، وهذا أمر لا يتحقق إلا بتشريح العالم بدقة . ..فليعلم الناس إذن الفروق الموجودة بين أوهام الذهن البشري وبين الهدي الإلاهي . فما الأولى إلا تجريدات اعتباطية ، أما الأخرى فهي الآيات البينة للخالق في الأنفس و الآفاق (مخلو قاته) كما انطبعت على المادة وتحددت معالمها فيها بخطوط رائعة . وهكذا فإن الحقيقة هنا ، والمنعة شيء واحد ؛ حيث تكون قيمة النتائج بوصفها ضمانات للحقيقة (دوافع لليقين ) أعظم من قيمة ما تضيفه للإنسان من نفع ."الأرجانون الجديد ،1 - 124 .وعلى هذا الأساس أعاد بيكون تقويم مايسمى بالفلسفة اليونانية…ويقتبس وصفا لفلسفة أفلاطون بأنها ((حديث عجائز جاهلين إلى شبان عاطلين )) .الفلاسفة يشتركون مع الإطفال في الميل إلى الكلام والعجز عن الإنجاب . "إن هذا النوع المنحط من المعرفة قد ساد أساسا بين المدرسيين ،كان لهم ذكاء قوي حاد وأوقات متاحة ، وقراءات قليلة التنوع (ولكن ذكاءهم كان حبيس زنزانات كتاب قلائل ، أهمهم أرسطو ، حاكمهم المستبد )…استخدموا مادة ضئيلة ولكن مع استعمال مفرط للعقل فحاكوا نسيج العكبوت المضني الذي نجده في كتاباتهم .ذلك لأن ذكاء الإنسان وذهنه ، إذا ما مورسا على مادة ثرية مثل تأمل مخلوقات الله ، فإنهما يعملان تبعا لمقدار هذه المادة ، ويتحددان بها . أما إذا مورسا على ذاتهما ، مثلما ينسج العنكبوت خيوطه ، فعندئذ لا يكون لعملهما نهاية ، ويأتيان بمعرفة أشبه بنسيج العنكبوت ، تعجبنا دقة الخيوط وحبكة النسج ، ولكن ليس لها قوام ولا منها جدوى " النهوض بالعلم


                الرد على التعليق

سوسة - أحمد العابد
4 أيلول (سبتمبر) 2010 02:57

لست أدري ما الّذي دهاني و أعمى بصيرتي، لقد إعتقدت أنّني قرأت بتأنّ البحث و فهمت الفكرة الّتي عمل صاحبه على إبرازها و تطويرها، لكن بعد قراءة بعض التّعاليق تبيّن لي أنّني من العامّة أصحاب العقول البسيطة الّتي لا يمكن لهم ملامسة "ما بعد حداثة الإسلاميين" إلاّ بعد تفاعلهم مع جرعات من السّباب و الشّتائم الويسكيّة. لقد إعتقدت في الأوّل أنّ البحث متعلّق بالمقارنة بين الفكر الدّيني و الفكر الليبرالي، بين الفكر المطلق و الفكر النّسبي، بين التّعصّب و مفهوم تاريخي للتّسامح، بين خرافة الحقيقة الأزليّة و العقل الناقد. لقد إعتقدت أنّ البحث، و إن أبدى صاحبه ميلا صريحا للفكر الليبرالي مقارنة للفكر الدّيني، لم ينحدر لمستوى الدّعاية الغبيّة لدين جديد اسمه الليبراليّة أو شيئا آخر. لكن و كعادتي لم استفق من غيبوبتي إلاّ بعد أن تجرّعت كلّ المهاترات و السّباب و الشّتائم الّتي يبدو أنّها أصبحت قدر كلّ من يكتب ما لا يروق لسدنة الفكر الغيبي الّذين يبدو أنّهم يعتقدون أنّ تبجّحهم بقائمة من الأسماء و بمصطلحات حديثة يمكن أن تخفي حقيقتهم و طبيعة تفكيرهم و خاصّة أهدافهم و وظيفتهم. شكرا لكاتب البحث على المجهود القيّم الّذي بذله من أجلنا و شكرا ايضا لسدنة الغباء لأنّهم هم أيضا يفيدوننا كثيرا لفهم طبيعة الخطاب الدّعائي الدّيني المتخلّف في نسيج لغوي يبدو "ما بعد حداثي" بامتياز.


الرد على التعليق

  • - أمير الغندور
    4 أيلول (سبتمبر) 2010 15:11

    - بمناسبة حديثك عن الغباء .. هل تظن من الذكاء صك مصطلح مثل: "مابعد الحداثة الإسلامية"
    - اتحدى ذكاء أي من المعلقين أن يحدد لي من هم "ما بعد الحداثويين الإسلاميين"
    - من هم هؤلاء؟؟
    - هل تقصدون أركون والجابري وعلى حرب؟؟
    - إذن لو كان هؤلاء من تقصدونهم .. فأنا أقل من أن أنضم إليهم .. بل يشرفني توصيفكم هذا .. وأشكركم عليه تماما.
    - ولو كان هؤلاء هم من تقصدون .. فأظن الحديث عن غباء وسباب .. ومثل هذه التوصيفات .. هو في حد ذاته نوع من الجهل .. بأعمال هؤلاء وبمساهماتهم.
    - فمهما اختلفتم معهم أو تصالحتم .. فمن الجهل المبين الحديث عن غبائهم


    الرد على التعليق

    • سوسة - أحمد العابد
      6 أيلول (سبتمبر) 2010 20:07

      مرّة أخرى أتأكّد من أنّني قصير البصر و عديم البصيرة، عند قراءتي الأولى للتّعاليق لم أنتبه لوجود تعاليق الجابري و أركون و علي حرب. بعد قراءة التّعليق على تعليقي أردت تحدّي قدراتي الذّهنيّة و عدت لقراءة كلّ التّعاليق لعلّي أتبيّن ما خفى عنّى و ظهر لغيري… لم أجد أيّ تعليق لا للجابري و لا لأركونو لا لمحمّد حرب…


      الرد على التعليق

- أمير الغندور
4 أيلول (سبتمبر) 2010 03:58

- 1
- أ سامي العباس .. يقول:
- "أفيقوا ياغوات فإنما دياناتكم مكر من القدماء .. تقصرون التراث الإسلامي على فقهاء بول البعير ودم البعوضة"
- بصراحة لا اعرف من أين تأتيك هذه الأفكار .. لكن بالتأكيد ليس من كلماتي بالمرة .. لأنها لا توجد بالمرة عندي
- لذا من المؤكد أن صناعة محلية من خيالك أنت .. لكن أحب أن أصحح لك أن رفضي مطلقات للحداثوية لا يعني بالمرة قبولي لمطلقات الذهنية الدينية السلفية.
- وأرجوك أن تحاول أنت أيضا الخروج منطق من ليس معنا فهو ضدنا.
- لأن هذا منطق فاشي .. ولا يليق أن يتبناه شخص غير غوغائي .. أو حتى عنزة تطير
- 2
- أ ناصر حسين .. يقول:
- "والقول ان هناك فرق مابين ماهو كاثوليكي واسلامي كحكم قيمة فهو محض تسويف وتلفيق العقل"
- أستغرب أن بعضنا غير قادر علىالتفكير المنطقي .. ولذا سأحاول تبسيط المسألة.
- القول أن هناك فرق ما بين (ا) و(ب) هو أحد قواعدالمنطق .. ومن لا يرفض التفكير المنطقي .. فأظنه قادر علىتلفيق العقل أكثر مني.
- أتمنى أن تكون الرسالة وصلت .. إلا لو كان لديك "القول بأن هناك فرق ما بين تلفيق العقل وبين إيقاظ العقل بالنسبة لك هو محض تسويف" وإلا لو كان "القول بأن هناك فرق ما بينك وبيني هو أيضا محض تسويف ومحض تلفيق"
- فيبدو أنه لا يوجد فرق بين أي شيء وأي شيء آخر عندك.
- وأتوقع أنه لا فرق لديك بين أن أرد عليك أو لا أرد.
- أوصيك بإفطار ملائم
- 3
- أ وليد الشوبكي .. مرحبا بك .. لم أكن أعلم أن لكلماتي هذا الثقل الوجودي عليك ..
- أنت تقول "قل كلمتك وأرحل" .. ولكني أرجو ألا يكون قصدك: "أرحل دون أن تقول كلمتك"
- لأن الفارق بينهما ضئيل لمن لا يجيد الملاحظة.
- فأنا بالفعل أرحل عندما أقول كلمتي .. لكن طالما لم أتم قولها .. فإني لا أرحل ..
- فهل تظن هذا يختلف عما تقول؟؟
- أظن نعم .. لأني قصدك هو "أرحل" وليس "قل كلمتك".
- غالبا أ وليد عندما يتعلق الأمر بمتغيرين في قول واحد . فإن بعضنا لا يقدر على فهم أيهما ينبغي أن يكون المقدمة وأيهما ينبغي أن يكون النتيجة.
- وهنا مشكلة أساسية في توظيف واستعادة الكلمات المأثورة .. لأنها باختصارها تكون ملائمة لتفكير أصحابها اللماح فقط غالبا.
- وعندما يغامر غيرهم بمحاولة استخدامها فإنه غالبا ما يعجز عن توظيفها بشكل سليم.
- ولذا تجدني غالبا لا ألجأ إليها .. وغالبا ما أحب أن أكتب بكلماتي أنا .. ولا أعتمد على مأثورات مكرورة من غيري .. حتى أكون على وعي كامل بما أنتجه .
- لذا فأنا ألتمس عذرك .. لو كان الإنتاج الذي أقدمه لك يخلو من المأثورات والمختصرات والاختزاليات .. التي تحتمل أكثر من معنى


الرد على التعليق

- أمير الغندور
4 أيلول (سبتمبر) 2010 04:21

- أ المزوغي .. أ سامي العباس .. أنا ضد التناول الفكراني والفلسفاوي للمذاهب والنظم الإجتماعية.
- فالمذاهب والنظم الاجتماعية لا يمكن اختزالها أو فهمها بشكل صحيح إن تناولناها فقط من وجهة النظر الفكرية .. وبخاصة الفكرانية والفلسفاوية ..
- بل لابد من تناول النظم الاجتماعية (كالليبرالية) من منظور سوسيولوجي وتاريخي ..وليس منظور فكراني.
- هذا هو درس ماركس وهيجل ومن بعدهما.
- أما تقديم الليبرالية (أو غيرها) من منظور أنها تؤيد كذا وتعارض كذا .. وتطمج في كذا وترفض كذا .. فهذا تناول إنشائي عاجز عن الإلمام بحقيقة النظم الاجتماعية.
- أحيلكما على كتاب صدر في ثلاثينيات القرن الماضي للمفكر هارولد لاسكي بعنوان الليبرالية الأوروبية .. وترجم للعربية في الستينيات .. وهو كتاب صغير وواضح ..
- يتناول هذا الكتاب الليبرالية الأوروبية في سياق تشكلها انطلاقا من تطور أوروبا الاقتصادي والاجتماعي السوسيولوجي .. وليس بالمرة من إطارها الفكراني والفلسفاوي ..
- لقد مضى على هذا الكتاب حوالي ثلاثة أرباع قرن .. ويؤسفني أن أجد أن التناول الفكراني للنظم الاجتماعية ما زال قائما .. وله أتباع مخلصين ..
- كالعادة .. فإن حسرتي تدور حول عدم المتابعة الدقيقة لتطورات الفكر الغربي قبل المغامرة بالكتابة عنه.
- المسألة هي خلاف في منهج البحث والتفكير .. فهناك مناهج استسهالية لا أقبلها.
- والمسألة ليست أني أعارض لتمرير مصلحة ما موهومة وفق ما يقوله رواد نظرية المؤامرة .. ولا أني أعارض لكوني مؤدلج من الجانب المخالف .. فك هذه هي تبريرات لإخفاء العجز عن الحوار وهي من الممارسات الديماغوغية المعهودة والتي تسعى لإسكات الرأي المخالف دون القدرة على مناقشته من الإساس .. بل فقط مهاجمة المتكلم دون فهم الكلام .. وهذا دليل آخر على العجز المنهجي في التفكير.


الرد على التعليق

  • - سامي العباس
    4 أيلول (سبتمبر) 2010 17:03

    الأستاذ غندور أقتبس من تعليقك الأخير "أنا ضد التناول الفكراني والفلسفاوي للمذاهب والنظم الإجتماعية. فالمذاهب والنظم الاجتماعية لا يمكن اختزالها أو فهمها بشكل صحيح إن تناولناها فقط من وجهة النظر الفكرية .. وبخاصة الفكرانية والفلسفاوية .. بل لابد من تناول النظم الاجتماعية (كالليبرالية) من منظور سوسيولوجي وتاريخي ..وليس منظور فكراني. هذا هو درس ماركس وهيجل ومن بعدهما." أوافقك على ذلك .وإذا عدت إلى تعليقي حول فشل الليبرالية أواسط القرن الماضي في كل من سورية ومصر والعراق تجد أنني لاأحيل الموضوع إلى بعده الثقافي فقط "أي وجود منافسة أيديولوجية من قبل الماركسية الأديولوجية والإسلام السياسي ..إلخ " بل أزيح اللثام عن البعد السسيولوجي المتعلق ببنية البرجوازية المحلية آنذاك ..إلخ " لاتتسع مساحة التعليق لكي يستظهر المعلق- قبل أن يدلي بوجهة نظره -كامل ترسانته المنهجية .لايمكن ذلك .المهم أن لايصيغ استنتاجات معاكسة أو متناقضة مع المنهجيات التي يستخدمها في المقاربة . ربما على هذه الخلفية –وأنا أفترض هنا حسن النية في هذا الجدال القائم بيننا –تطفو الكثير من إلتباسات المعنى ..ماتظنه في فكر مابعد الحداثة من قدرة على لم الشمل:" يصر الحداثويون العرب على مقارعة السلفيين العرب …..الحل الوحيد والأمثل للخروج من هكذا إنغلاقية هو بالإنفتاح على فكر ما بعد الحداثة" أوافقك الرأي حول وجود سلفيات علمانية مشابهة للسلفيات الدينية .لكن هذا على تضاد على طول الخط مع الحداثة كما أفهمها وكما عرّفتها في إحدى تعليقاتي :القدرة على مواصلة طرح الأسئلة …في هذا السياق لاأجد فرقاً بين أبي بكر الرازي الذي طرح الأسئلة على ثقافة الوحي المهيمنة في القرن الثامن وبين ما يثيره الآن فكر مابعد الحداثة من أسئلة في وجه الغطرسة والإستعلاء الذي أظهرته الحداثة الأوربية حيال الثقافات الطرفية والهامشية . لكن محاولة إعادة الإعتبار لهذه الثقافات الهامشية لايعني استعادة حضورها بل فقط الإعتراف بها كماضٍ لحاضر مفارق لاينظر إلى الوراء باحتقار ..غير أن للصراع بين الطرفين بعداً آخر :سسيولوجي يتصل بتمايز المصالح واستتباعاً شكل الدفاع عنها في المستويين الأيديولوجي والسياسي .لاينبغي أن نرمي في سلة المهملات الأيديولوجيا التي لايمكن للفكر أن يفعل في التاريخ عن غير طريقها .هي بالرغم من تبسيطيتها وإنتقائيتها وتحجرها أولأنها كذلك تستطيع أن تجسر الفكر إلى السسيولوجيا .أي تعطي لخطاب معرفي حامله الإجتماعي لكل ذلك قد لاتستطيع "نظريات مابعد الحداثة " أن تفك الإشتباك وتوقف إطلاق النار بين مشروع الحداثة التي تستعيد الليبرالية الآن دورها القيادي فيه ,وبين المشروع السلفي الذي تتصدر واجهته الآن الوهابية والخمينية في العالم العربي – الإسلامي ..فخلف هذا التمايز الثقافي بين المشروعين تمايزا في المصالح بين الحوامل الإجتماعية للمشروعين .. سامي العباس


    الرد على التعليق

- أمير الغندور
4 أيلول (سبتمبر) 2010 15:03

- أدبيات المذاهب والفرق بين الدعوية والعلمية:

- ربما لا يصح أن نكتب عن النظم الاجتماعية بطريقة غير اجتماعية وغير سوسيولوجية. إلا لو كنا نكتب للأطفال.

- فالكتابة عن النظم الاجتماعية تستدعي تحليلات اجتماعية سوسيولوجية وتاريخية.

- دون ذلك نكون في إطار دعائي وتسويقي وتجميلي وتسطيحي، أو إطار أدبي لا علمي على أقل تقدير.

- هذه نقطة منهجية أساسية.

- فلا يصح بالمرة الكتابة مثلا عن الاشتراكية بالتركيز فقط على فكرة العدالة المثالية، دون الحديث عن التجربة التاريخية والسوسيولوجية التي وقعت فعلا في روسيا.

- إذن. هناك طريقتان ومنهجان متعارضان للكتابة عن النظم الاجتماعية:

- 1 - طريقة مثالية تسطيحية فكرانية وصفية؛ وهي طريقة أدبية ودعوية

- 2 - طريقة سوسيولوجية تاريخية سياقية واقعية؛ وهي طريقة علمية تحليلية

- في الطريقة الأولى يقول الكاتب أن المذهب يحب كذا ويكره كذا ويؤيد كذا ويرفض كذا. وهذه طريقة جوهرانية مثالاوية إنسانوية. وهذه طريقة عتيقة تنتمي إلى أيام أدب المذاهب والفرق والطرق الفكرانية والصوفية لدى ماركو أوريليوس والبغدادي والأشعري في كتب مثل مذاهب الإسلاميين وطبقات الصوفية …. إلى أخره من الكتب العتيقة المعروفة

- وهذه طريقة مثالية جدا، المفترض أن التاريخ تجاوزها. وربما كان لهؤلاء القدماء عذرهم لأنهم كانوا يكتبون في سياق حضارات شفاهية لا تتوفر فيها نصوص مكتوبة. فكانوا يصفون ولا يحللون.

- لكن من المفروض أن كل هذا تغير. وأننا أصبحنا في حضارة كتابية تحليلية لا شفاهية وصفية خطابية.

- والمفروض أننا أصبحنا أكثر قدرة على ممارسة التحليل السوسيولوجي والتاريخي لا مجرد الوصف المثالي الفكراني.

- ففي الطريقة الثانية السوسيولوجية التحليلية لا يتكلم الكاتب عن حب وكره أو مثل ذلك من أحكام قطعية نفسانية دعائية، كطريقة القدماء، بل أصبح يركز على التحليل التاريخي والسوسيولوجي للنظم الاجتماعية

- إذن هناك فرق بين مناهج كتابة دعوية ودعائية وبين مناهج كتابة علمية وتحليلية.

- الأغرب من ذلك أنك تجد من يقعون في ممارسة الكتابة الدعوية والدعائية عن المذاهب الغربية، هم أنفسهم من يرفضون تطبيق هذه المناهج الدعوية نفسها على الأديان. ويطالبون بتغيير مناهج الكتابة عن الأديان لتصبح مناهج تاريخية وسوسيولوجية.

- وبذلك يصبحون دعويين ودعائيين ولاتاريخيين وجوهرانيين عندما يكتبون عن المذاهب اللادينية. لكنك تجدهم ينقلبون إلى تاريخانيين وسوسيولوجيين عندما يكتبون عن الأديان.

- خذ مثلا فرج فودة والقمني وحمود حمود والنجار ونبيل فياض عندما يكتبون عن الأديان. تجدهم يطبقون المنهج التاريخاني ويكيفون الأحداث والأقوال سوسيولوجيا وسياقيا وتاريخانيا لدرجة بالغة التطرف.

- لكن انظر إلى منهجهم مثلا في الكتابة عن العلمانية أو الليبرالية أو غير ذلك مما يتسم بسمة مضادة للدين، فإنك تستغرب، من إنقلابهم التام إلى المنهج الدعوي المثالي اللاتاريخي واللاسوسيولوجي.

- هذه مسألة أستطيع أن أقدم عليها مئات بل آلاف الشواهد التي نعرفها جميعا.

- وذلك بالرغم من أن أغلب ما ينتمي إلى الأديان لا توجد عليه شواهد ودلائل نصية وتاريخية مؤكدة ومتاحة يمكن سبرها بما يجعل تطبيق المنهج التاريخي والسوسيولوجي مسألة في غاية الصعوبة إن لم تكن مستحيلة.

- لكنك تجدهم يصرون على تطبيق المنهج التاريخي والسوسيولوجي لدرجة متطرفة جدا.

- بينما على الجانب المقابل، وفيما يتعلق بالمذاهب الغربية الحديثة، والتي تتوفر عنها شواهد ونصوص ودلائل كثيرة ومتاحة تسمح بممارسة التحليل السوسيولوجي والتاريخي عليها بدقة شديدة .. إلا أنك تجدهم يعزفون تماما عن ممارسة الترخنة والسسلجة، ويصرون على الكتابة الوصفية الدعوية والمثالية الدعائية عنها وبشكل صارخ.

- يا ترى بماذا نفسر هذه الإزدواجية؟


الرد على التعليق

  • - أمير الغندور
    4 أيلول (سبتمبر) 2010 15:28

    - كتاب الأشعري: مقالات الإسلاميين .. وكتاب البغدادي الفصل بين الملل والنحل


    الرد على التعليق

  • - حسين طحان
    4 أيلول (سبتمبر) 2010 19:31

    الأستاذ الغندور : أحييك على تعقيبك الأخير هذا فهو يحمل أفكارا تستحق النظر , وهذا ما نطلبه منك إن كان يحق لنا الطلب . فلغة كهذه تشجع الحوار وتبتعد عن الشخصنة والادعاء . شكرا لك ولكافة المتحاورين ولا بد أن اسجل شكري للكاتب الاستاذ المزوغي على هذا المقال الهام . أن الانفتاح هو المطلب اليوم بعيدا عن التخندق الفكري في خندق واحد فالمعارف والتجارب الانسانية الحافلة أضحت اليوم أوسع من تلخص في مذهب واتجاه ما , نستطيع أن نتعلم ونستفيد من التجربة الليبرالية والاشتراكية وحتى الدينية بعيدا عن تقديس أيا منها وبعيدا ايضا عن شيطنتها , ومن هذا المنطلق دعونا نجرب ونمارس الانفتاح هذا واقيعا ونشكل ورشة للعمل على طرح الافكار والاتجاهات والفلسفات التي يراها كل منا ايجايبة ونقدها وعرضها على واقعنا بحيث يكون الواقع هو الحكم لصلاحية الافكار لكي لا نسبح في الهواء . تحياتي لكم


    الرد على التعليق

- احمد خيرى
5 أيلول (سبتمبر) 2010 00:34

تحياتى اولا للجميع حاولت بقدر الامكان قراءة المقال و التعليقات بقدر الامكان و ما حدث كالمعتاد ان الحوار قد انفتح الى شرايين اخرى و تفرعات عديده ربما على المستوى الظاهرى تختلف الا انها ترتبط داخليا على عديد المسارات
- كشفت عديد التعليقات عن ضرورة فتح حوار جدى عن الحداثه و ما بعدها رغم تاكيدى مره اخرى على تحفظى على الاسم
- و عليه اود القيام بمحاوله بسيطه فى هذا المضمار
- اذا ما قمنا يتفكيك لغوى لما بعد الحداثيه يتضح ان كلمة ( ما بعد ) تحمل معنى تراتبى لمراحلة ما و عيه فما بعد الحداثه لغويا تعنى المرحله التاليه للحداثه
- لكن على المستوى المضمونى ماذا تعنى يسوق ما بعد الحداثيين ما بعد الحداثصه على انها نقد جذرى للحداثه و منتجاتها بل يذهب البعض بعيدا فى وصمها بانها تجاوز كليانى للحداثه
- للما بعد حداثيين تحفظات و انتقاضات للحداثه فى عده نقاط
- تتهم الحداثه انها لم تستطيع التخلص من اسر الميتافزيقا المثاليه و هو تجلى بوضوح فى كتابات دريدا تحديد و الذى ربما نعود له بعد قليل
- تتهم ايضا بانها مفرطه فى التفاؤل الى حد الغرور الذى اوصل العالم الى الوقوع تحت اسر العقل الاداتى العقلوى الوضعوى مما قادنا الى مهازل الحروب و ما خلفته من دمار و هو نجده من ثنائيه ( كانط-هيجيل) اما ( نيتشه-هايدجر)
- الوقوع فى مطلقات يقينيه محايثه للمطلقات الدينيه اللاهوتيه رغم معاكستها لها
- قطعا هنالك نقاط اخرى لكنى لا اود ممارسة ساديه كتابيه يمارسها بعضنا هنا او هناك فانا احاول الانجاز دون اشعار القارىء بالملل
- السؤال اليس نقد الحداثه كانت عمليه موازيه للحداثه نفسها الا يمكن تلمس بعض الانتقادات الهايدجريه فى كتابات روسو مثلا الا يمكن ضم هيجيل و انتقاداته لليبراليه التى معطى حداثى الى الما بعد حداثيين نفسهم
- ثمة مشكله عندنا هى ان بعض مثقفينا يتناسون او ينسون اننا مازلنا اسرى العقليه اللاهوتيه التى اصلا لم تصل لمرحلة الحداثه لكى ننخرط فكريا و ثقافيا فى معارك بيننا و بينها قرنين علىالاقل
- الغريب ان بعض مثقفينا المابعد حداثيين ينصب انتقادهم لمفكرى عصر النهضه العربى انهم لم يناقشوا اشكالية النهضه من ارضيه عربيه او انهم استوردوا قوالب غربيه فكريه جاهزه فى حين انهم يمارسون نفس الفعل الان بحديثهم عن ما بعد الحداثه و معاركها مع الحداثه فى مجتمعات لم تعرف كليهما فتلك مناقشلت تشعرنا اننا فى فرنسا او المانيا و لسنا فى مصر او لبنان
- لكنى اعترف انى ايضا منخرط فى ذلك الصراع الفكرى منفصلا سوسيوجيا على المستوى الفكرى فى بعض الاحيان عن مما حولى
- و سؤالى للما بعد الحداثيين العرب اوليس الهم الفكرى العربى يقتضى ان نستخدم الما بعد حداثه منهجيا لنقد ديننا و تراثنا و ليس الحداثه التى لم نعرفها اصلا
- الا يمكن اعتبار ممارسات بعض الما بعد حداثوين العرب تمثل تنويم فكرى لشعوب جاهله جائعه تصل احيانا للمارسات شعبويه مهينه
- لماذا بعض فلاسفتنا الما بعد حداثويين يروا الشر فى الحداثه و لا يرو القشه التى تخرق عينهم وهو الاصوليه الدينيه ?????
- لا يمكن ان نعتبر اركون او على جرب و غيرهم ما بعد حداثويين لمجرد انهم ينهلوا من منهجيات ما بعد حداثيه و ذلك لانهم ينصب نقدهم على تراثهم و ذواتهم و دينهم نعم دخلوا فى عملية نقد الحداثه و لكن ذلك تفرضه الضرورات الاكاديميه و السوسيولوجيه و احب ان اذكر البعض ان اركون نفسه يرفض مصطلح ما بعد الحداثه


الرد على التعليق

سوسة - أحمد العابد
6 أيلول (سبتمبر) 2010 20:20

يبدء التّعليق بما يشبه العنوان أو بما قد يوحي بذلك " أدبيات المذاهب والفرق بين الدعوية والعلمية"، و كما تعوّدنا فتحت هذا الإعلان المموّه نجد جمل أو شبه جمل مقطّعة محشوّة حشوا بمفردات و مصطلحات يبدو أنّها فقدت وظيفتها المعرفيّة لتصبح مجرّد دبلجة لما يشبه تمارين إنشائيّة لغويّة لا غير. 35 سطرا تحت ما يعتقد أنّه تناول لموضوع علاقة المذاهب و الفرق بالدّعاية و العلم، و في الأخير يتبيّن أنّ صاحب التّعليق ربّما قال شيئا، تستسيغه العقول المؤمنة، لكنّه لم يذكر "المذاهب و الفرق" إلاّ مرّة واحد في النّقطة العاشر بقوله: " في الطريقة الأولى يقول الكاتب أن المذهب يحب كذا ويكره كذا ويؤيد كذا ويرفض كذا. وهذه طريقة جوهرانية مثالاوية إنسانوية. وهذه طريقة عتيقة تنتمي إلى أيام أدب المذاهب والفرق والطرق الفكرانية والصوفية لدى ماركو أوريليوس والبغدادي والأشعري في كتب مثل مذاهب الإسلاميين وطبقات الصوفية …. إلى أخره من الكتب العتيقة المعروفة و لو على سبيل التّمويه". و كفي بالله حسيبا. من لم يفهم علاقة المذاهب و الفرق بالدّعاية و أساليبها و بالفكر العلمي، بعد قراءة هذا التّحليل السّوسيولوجي التّاريخي السّياقي الواقعي، فهو حتما غير قادر على الفهم و جاهل و غبي. الممتع و المفيد في ال35 سطرا هو قائمة المصطلحات و المفردات المستعملة و الّتي يمكن للقارئ أن لا ينتبه إليها و خاصّة لعددها وهو مشدوها و مشدودا لقدرة صاحب التّعليق على التّلاعب بها دون أدنى جهد أو عناء، لذا فاسمحوا لي بإبرازها حتّى يتسنّى لجميعنا الإستفادة منها و ربّما استغلالها للقيام بتمارين لغويّة قد تفيد عند الشّعور بالرّغبة في تقليد شخصيّة "شلبي" في مسرحيّة "مدرسة المشاغبين". " طريقة غير إجتماعيّة و غير سوسيولوجيّة – تحليلات اجتماعية سوسيولوجية وتاريخية - إطار دعائي وتسويقي وتجميلي وتسطيحي – منهجيّة أساسيّة – الإشتراكيّة – فكرة العدالة الإجتماعيّة – التّجربة التّاريخيّة و السّوسيولوجيّة – طريقتان و منهجان للكتابة – النّظم الإجتماعيّة – طريقة مثاليّة تسطيحيّة فكرانيّة وصفيّة ( خلوّة برشى هالشّكشوكة) من يسطيع فهم هذه الطّريقة فليلعنّي. طريقة ادبيّة و دعويّة – طريقة سوسيولوجيّة تاريخيّة سياقيّة واقعيّة – طريقة علميّة تحليليّة – طريقة جوهرانيّة مثالاويّة إنسانويّة ( سعيدا من يفهم شيئا) – الطرق الفكرانيّة و الصّوفية – حضارة كتابيّة تحليليّة لا شفاهيّة وصفيّة خطابيّة ( بمعنى آخر فإنّ التّفكير منعدم خارج المكتوب فنحن لا نفكّر إلاّ عندما نكتب و من يجهل الكتابة فهو فاقد القدرة على التّفكير و فهم الأشياء). التّحليل السوسيولوجي و التّاريخي – الوصف المثالي الفكراني – الطّريقة السّوسيولوجيّة التّحليليّة – أحكام قطعيّة نفسانيّة دعائيّة ( أحكام نفسانيّة ؟؟؟ حلوة) – التحليل التّاريخي و السّوسيولوجي للنظم الإجتماعيّة – مناهج دعويّة و دعائيّة – مناهج كتابة علميّة تحليليّة – دعويين و دعائيين و لا تاريخيين و جوهرانيين ( ؟) المذاهب اللاّدينيّة (؟) – تاريخانيين و سوسيولوجيين - … يطبّقون المنهج التّاريخاني و يكيّفون الأحداث و الأقوال سوسيولوجيّا و سياقيّا و تاريخانيّا لدرجة بالغة التّطرّف ( هل تفهم؟) – العلمانيّة – الليبراليّة – المنهج الدّعوي المثالي اللاّتاريخي و اللاّسوسيولوجي – الكتابة الوصفيّة الدّعويّة و المثاليّة الدّعائيّة – و ختامها مسك: ممارسة الترخنة والسسلجة. لقد أحجمت عن نقل بعض العبارات المكرّرة في التّعليق و رغم ذلك فإنّ هذه المختارات تمثّل أكثر من ثلث ما كتبه صاحب التّعليق.ولكم أن تتخيّلوا الحيز النّظري في التّعليق و الكيفيّة الّتي تطبّق بها طريقة التّحليلي السّوسيولوجيّة التّاريخيّة السّياقيّة الواقعيّة الّتي يطالب صاحبه بإتباعها من طرف من يريد الكتابة.


الرد على التعليق

  • - أمير الغندور
    10 أيلول (سبتمبر) 2010 02:08

    - صحيح الفهم نعمة ..
    - أستغرب كيف يمكن لشخص أن يضيع وقته وجهده في ممارسة عدم الفهم وبشكل متعمد..
    - هذه لابد أنها مهارة خاصة لا يتمتع بها الجميع


    الرد على التعليق


الحياة، Picasso

في مفهوم "الدّولة (...)

مفهوم وتركيب لغويّ ظهر حديثا في البلدان العربيّة وباللّغة العربيّة، وهي على الأرجح تنفرد به في اللّغة السّياسيّة المتداولة حاليّا. فصفة المدنيّة تنسب غالبا إلى المجتمع لتعني الفضاء المتوسّط بين الأسرة والدّولة، أي الجسد الاجتماعيّ المنظّم على نحو إراديّ وبمعزل عن الطّبقة السياسيّة. وتنسب إلى المواطن لتعني المواطن الذي ينهض بحقوقه وواجباته من تلقاء نفسه وبكلّ حرّيّة. ويضيفها الفيلسوف الفرنسيّ أتيان (...)
alawan on facebook
alawan on twitter