الاثنين 21 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > مقالات > المثقف السوري والتحدي الراهن...

المثقف السوري والتحدي الراهن...

الخميس 31 أيار (مايو) 2007
بقلم: أكرم البني  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

لم تثر مسألة الثقافة ودورها في الحياة العامة السورية بالصورة الساخنة التي تثار فيها اليوم جراء المبادرات التي يقوم بها مثقفون سوريون على غير صعيد لوقف التدهور الحاصل ومواجهة أزمات المجتمع المتفاقمة، كان أوضح صورها بعد ما عرف بربيع دمشق، البيان الذي أصدره مثقفون سوريون ولبنانيون منذ عام تقريباً تحت اسم " إعلان بيروت ـ دمشق، دمشق ـ بيروت " بدافع من واجبهم في معالجة الشروخ التي حدثت بين الشعبين ولعرض رؤيتهم حول العلاقات الصحية المفترض قيامها بين البلدين، أفضى هذا الموقف في سورية الى مضايقات وحصار وفصل من الأعمال واعتقالات طالت عدداً منهم.

وإذ ارتفعت بعض الأصوات التي تطالب، لقاء هذه الكلفة الباهظة، باستقالة الفعل الثقافي وتدعو المثقف للتخلي عن واجباته تجاه المجتمع وعن وظيفته في نشر الأفكار وإعلاء دور العقل والنقد، لكن ما يثير الانتباه هذه الأيام وربما يثلج الصدور أنه وبخلاف العادة، هناك كثيرون بالمقابل رحبوا، سراً أو علانية، بهذا الدور الذي يتنطح المثقفون للعبه في الحياة العامة، فمنهم من شجع وطالب صراحة بضرورة إيلاء أهمية خاصة للحقل الثقافي وتنشيط دوره النقدي كممر لا غنى عنه لكشف ذواتنا وتحديد أسباب إخفاقاتنا إن لم نقل انهياراتنا ورسم سبل تجاوزها، ومنهم من دفع موقفه إلى حدوده القصوى، واعتبر الحديث عن استقالة المثقف في مجتمع تثقله أسباب التأخر والقهر ويعاني من كل هذه التحديات هو أشبه بالخيانة. ما أشبه الحاضر بالماضي وما أشبه اليوم بالبارحة. في الماضي، عندما كان المجتمع ينوء تحت وطأة التخلف والجهل واستبداد السلطنة العثمانية، كان المفكرون والمثقفون هم أول من بادر للرد على هذه الوقائع، فتقدموا بجرأة للعب دورهم في إيقاظ المجتمع من سباته الطويل وقدموا لقاء ذلك التضحيات الجسام، واليوم مع انحسار السياسة وما أفضت إليه من تراجع وفشل وقد عجزت برامجها عن إخراجنا مما نحن فيه وعن معالجة أزماتنا المزمنة، يبدو أن الثقة تتقدم وتزداد حول دور جديد للمثقفين في نقد الواقع المريض ومشاركة الجماهير المغلوبة على أمرها، همومها ومعاناتها وتطلعاتها أيضاً.

وبرغم أن المثقفين لا يشكلون كتلة متجانسة موحدة الأهداف والاهتمامات، بل هم فئة متنوعة المهام تخترقها المصالح والصراعات الاجتماعية، إلا أن ثمة مشتركا يجمعهم بصفتهم عموماً أشد الناس التصاقاً بالمعرفة وأقربهم إلى تحكيم العقل والنقد وأكثرهم استعداداً للتعبير الإبداعي والإنساني عن هموم البشر وتطلعاتهم، ما يضع على عاتقهم في مواجهة حالنا الراهنة بمختلف مآزقها السياسية والاجتماعية، مهمة المبادرة إلى تأسيس وعي تاريخي حول مسائل إشكالية لم يستطع الفعل الثقافي المتراكم التأسيس لها أو أنتجها وعممها بصورة قاصرة ومشوهة… لعل في هذه الخطوة والتي تتفرع إلى أربعة ملامح رئيسة ما يعزز حضور المثقف السوري ودوره النقدي وأيضاً تألقه….

أولاً، فك الارتباط المرضي في علاقة المثقف بالسياسة، ولا يقصد هنا القطيعة بين حقلي النشاط الثقافي والسياسي بل تحديد التخوم بينهما بدقة ووضوح وقراءة وجوه التمفصل والتنابذ والاختلاف، بما يؤدي إلى تحرير المثقف من ماضٍ سيطرت فيه العوامل والأهداف السياسية على مسارات حياته وإنتاجه المعرفي، خاصة ذلك الدور المدمر الذي لعبته السلطات السياسية، ترغيباً وتهديداً، لإخضاع المثقفين واحتوائهم أو تهميشهم وتغييب دورهم المستقل.

وبديهي أن النخب السياسية المتعاقبة على الحكم والتي استمدت شرعيتها عموماً من إيديولوجية وطنية وقومية، تحتاج لتثبيت ركائزها إلى عملية إنتاج فكرية داعمة وتالياً إلى مثقف يصوغ لها إيديولوجيتها من أجل تعضيد النظام الذي تقوده وضمان تأييد الناس لها وقبولهم بها، وليس من المبالغة في شيء لو قلنا إن هذه النخب قد نجحت طيلة العقود الماضية في استنبات أنواع شتى من المثقفين الموالين لها ممن يصطلح على تسميتهم بمثقفي البلاط، تبدأ بأولئك الذين آثروا الصمت ربما خوفاً أو شعوراً باللاجدوى والتزموا الحياد والسلبية تجاه مآسي مجتمعاتهم ومعاناة ناسهم، يليهم من قدموا، طوعاً أو كرهاً، بعض أشكال الدعم والمساندة للحكام واكتفوا بالسلامة الذاتية ومن الغنيمة بالإياب، وكان أسوأهم من اندمجوا في عالم السلطة ومغانمها وصارت مهمتهم الرئيسة تبرير سياسات الحاكم وتسويغ ممارساته الاستبدادية والدفاع عن بطشه وظلمه، فما طعن في الصميم دور المثقف النقدي وعرفت البلاد أن قائمة "المبدعين" هي ليست غير وجوه أتقنت الترويج لثقافة الوضع القائم وأسسه السيادية، وكانت أداة ناجعة لمحاربة قلة قليلة من أبناء جلدتهم بقوا أمناء للهم العام وحقوق الناس.

لكن سيطرة السياسة على الثقافة لم تنجب مثقفي السلطان فقط، فثمة مثقفون ليسوا أحسن حالاً داروا في فلك الأحزاب المعارضة ولم يميزوا أنفسهم كحمَلة مشروع خاص يتطلع، بالاستقلال عن الأفعال السياسية، إلى مساعدة المجتمع على امتلاك الوعي وحثه على التحرر والتطور، فرضوا من حيث المبدأ بإخضاع وظيفتهم الثقافية والمعرفية للغرض السياسي وإن من موقع آخر، واندمجوا بالتنظيمات التي انتموا إليها وحولوا أنفسهم إلى ثلة من المحازبين أو الأتباع والأنصار أو لنقل إلى ما يشبه الأبواق تدافع عن سياسات أحزابهم وبرامجها، لنشهد مرحلة لم تكن قصيرة حيث ألغى المناضل السياسي دور المثقف الحر وأثمرت النتائج عن إجهاض الثقافة النقدية وإضاعة فرصة ثمينة لنمو الفعل المعرفي باستقلالية نسبية عن الأفكار السياسة المتصارعة، ما أدى إلى تراجع مكانة المعرفة، من غاية في حد ذاتها إلى وسيلة انتقائية، يسعى المثقف إلى اكتساب ما يفيد منها لدعم مواقف حزبه وتبريرها.

إن الحقل الثقافي يختلف عن الحقل السياسي، فالثقافي يتميز بثباته النسبي وبصيرورة ترتبط بديمومة الإنتاج المعرفي بخلاف السياسي المباشر المتغير حسب الحال والأحوال والموصول بالحاضر في جريانه وتطوراته والذي يرتهن في تنوع مواقفه وتبدلها إلى توازن القوى وما تقرره في كل لحظة من اللحظات التاريخية. ومعنى هذا أن تغيير الذهن والعقلية وأنماط الوعي يقتضي زمناً أطول وفعلاً مختلفاً من زمن المبادرة السياسية وفعلها المباشر، ولهذا السبب ينبغي أن تأتي أدوار المثقفين ووظائفهم ضمن أصول التأسيس الراسخ للمنظومة المعرفية كقاعدة أشمل يمكن أن تستند إليها السياسة في بناء مهماتها وأهدافها، كي تخفف إلى حد كبير من فرص هذه الأخيرة في جر المجتمع الى الأخطاء والأخطار…

ثانياً، تحرر المثقف من سيطرة الوعي الإيديولوجي، سواء أكان قومياً أم ليبرالياً أم شيوعياً أم دينياً، فبعد كل التحولات التي حصلت في العالم المعاصر خلال الربع الأخير من القرن العشرين، وفشل الكثير من الاختيارات الإيديولوجية والفلسفات الإرادوية والحتمية، لم يعد بإمكاننا أن نواصل التفكير بالآليات الذهنية نفسها ونتصور وجود جماعة بشرية قادرة بمرجعية فكرية محددة المعالم ومستقرة، مستنسخة أو مقتبسة، على إنجاز الأهداف التاريخية للمجتمع وتجاوز إمكانيات الواقع وملموسية الحدث في المكان والزمان.

إن الاعتراف بانحسار الإيديولوجية كخيار معرفي وكنمط ملزم للحياة والإقرار بلا جدوى خوض الصراعات في مستوى الأفكار والنصوص لإثبات صحة هذا الموقف أو ذاك، يعني بالضرورة تقدم مبدأ مقارعة الحجة بالحجة والوقائع بالوقائع وإتاحة الفرصة لنشر العقلانية وتوظيف المنهج العلمي وتطبيقاته العملية من أجل تفسير الواقع الحي وتحليله كظواهر ومشكلات محددة بعيداً عن تأثير الأفكار الذاتية وتحيز المصالح.

فليس من مثقف قادر أن يبدع نقدياً إذا ما استمر في الارتهان لرؤية إيديولوجية بما فيها من ثوابت معرفية وتحصينات فكرية والتزامات مسبقة بصور وحلول جاهزة، بل على العكس لا مناص في ظل الأزمات التاريخية الشاملة والمزمنة والمتعددة الأبعاد التي تعصف بنا، من التسلح أولاً وقبل كل شيء بطرائق التفكير العلمي النقدي والمفتوح على مختلف التجارب التاريخية والذي دونه لا نتمكن من قراءة ناجحة للوقائع في تشابكها وتعقدها واختيار الوسائل الكفيلة بمعالجتها. الأمر الذي يفترض أن يمهد لبناء رؤية جديدة ذات أبعاد نهضوية تلتقي مع إبداعات الحضارة الإنسانية، تتفهم الاختلافات القائمة بين الناس وما يترتب عليها من اجتهادات ومواقف وتتعلم التعايش معها دون أن تسعى إلى تهمشيها أو إلغائها، وربما تشكل مثل هذه الرؤية نقطة انطلاق لتجاوز ما يشهده المثقف والثقافة بصورة عامة من خسوف الاتجاهات العقلانية وتراجع المشروع التنويري ودوره في استيعاب مقومات الحضارة الحديثة، وأيضاً للانخراط في مشروع الإصلاح الديني الذي تزداد أهميته وإلحاح الحاجة إليه مع كل يوم يمر، وللرد على الأصوات اللاعقلانية التي تدعو إلى العيش في الماضي والموروث دون نقد أو اجتهاد، وبنفس القدر مواجهة الروح الدوغمائية في وجهيها الوطني والقومي وملاك الحقيقة المطلقة غير القابلة للاختبار أو النقاش والذين جعلوا الغلبة عندهم للصور والعبارات المحفوظة على كل دليل عقلي أو تجريبي، لإعادة بناء مفاهيم نابضة بالحياة حول النضالين الوطني والقومي ربطاً مع القيمة الأسمى لحقوق الناس وحرياتهم. وربما في تحرر المثقف من قبضة الإيديولوجيا ومن حالة النوسان بين ثقافة استبداد الفكر الرسمي وبين النزعة الظلامية اللاعقلانية وبين العقائدية الدوغمائية، ما يعيد صياغة دور المعرفة في الحياة، وبناء التصورات الحية المرتبطة بالتاريخ وتحديد المواقف المحتملة في سياق تحولات الأحداث وتطورها كما تجري على أرض الواقع لا كما ترسمها العقول والأفكار.

ثالثاً، دفع المسألة الديموقراطية إلى مرتبة الأولوية التي تستحقها وتنمية ما يفترض أن تتطلبه من تجدد ذاتي وموضوعي أو ما تتركه من تداعيات على مستوى أداء المثقف والفعل المعرفي في السياسة والمجتمع.

في الماضي، اتجه النتاج الثقافي السوري بصورة رئيسة نحو مسألتين، تعلقت الأولى بالوطن والقومية، وبالأخص القضية الفلسطينية وبناء الوحدة العربية، كما كان حال حملة الفكر القومي وهمومه، وارتهنت الثانية إلى البعد الاجتماعي والتطلع نحو مجتمع العدالة والمساواة والقضاء على الاستغلال، كما كان حال القوى الاشتراكية والشيوعية، ليتم إهمال المسالة الديمقراطية عمداً أو الاستهتار بدورها وآفاقها، لكن اليوم يبدو أن هذه "الصور المغرية" قد سقطت والأوهام تبددت وتكشّف زيف التفرد بالشعارات الوطنية والاجتماعية دون ضمان حرية الناس وحقوقهم، وظهر للمجتمع عموماً وللمثقفين على وجه الخصوص أن المشروع الديمقراطي هو أشبه بخيار استراتيجي لا غنى عنه لمواجهة تردي الأوضاع العربية ومطامع الصهيونية والإمبريالية وبناء حياة جديدة في آن معاً.

لقد اختبر مجتمعنا قواه غير مرة وجرب عدداً من الخيارات المعادية للديمقراطية، وجاءت النتائج مخيبة للآمال، فلا الأرض تحررت ولا الوحدة العربية تحققت ولا ارتقى الإنسان إلى مجتمع العدالة والرفاهية ولا حدثت النهضة الموعودة، ولعل نظرة متفحصة إلى هذه الحقائق التاريخية تسقط الكثير من الأوهام المعششة في الأذهان وتكشف في ذات الوقت بساطة المشكلة وأنها تعود أساساً إلى انعدام الثقة بالإنسان وحقوقه، إلى غياب الحريات والتعددية السياسية، إلى مناخ الشمولية والاستبداد الذي ساد أمداً طويلاً ودفع بالتجارب كافة إلى طريق مسدودة.

لقد لعب الغياب المزمن للديمقراطية والحريات في سورية دوراً نوعياً في انحسار الفكر الأصيل وتراجع دور المثقف النقدي والملتزم، ممكّناً الاستبداد من تطويع المعرفة وإلحاقها بالسلطة ومن كم أفواه المفكرين المخلصين ومحاصرة أقلام النقاد الشرفاء ما أدى إلى خنق الثقافة وتدجينها لتصبح مجرد صدى أو أداة تبرير وتسويغ لمشاريع النخبة الحاكمة لا أفعال إبداع وتطوير. وما أكمل الدائرة ضعف مقاومة المثقفين الديمقراطيين أو تقصيرهم في نصرة الديمقراطية، إما بسبب أن بعضهم آثر السلامة والخلاص الفردي ولسان حاله يقول "اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا هنا لقاعدون"، وإما بسب وعي مغلوط بأن هذه المهمة تقع على عاتق القوى السياسية أساساً ودور المثقفين فيها هو دور نافل، وإما بسبب اختزالها في وعي بعضهم إلى حدود ما يعطيه السلطان وتأويل ما هو قائم من هوامش ضيقة على أنه الديموقراطية المطلوبة!!.

وتجدر الإشارة في حدود هذه النقطة إلى إن غالبية المثقفين وللأسف أحجموا لفترات طويلة ولأسباب متنوعة عن ممارسة نقد حازم ضد الاستبداد وانعدام الحريات وانتهاكات حقوق الإنسان، ولم يظهروا قدراً كافياً من التضحية والشجاعة للاعتزاز بالحياة الديمقراطية وحرية التفكير والإبداع والتمسك بمعاييرها أمام شدة القمع وفي ظل اشتداد وطأة الضغوط السياسية والاقتصادية، ولنقل كانوا مقصرين كثيراً في التأكيد على حيوية المسألة الديموقراطية أو تالياً تخصيص جهد مميز لنشرها وتثبيتها في عقول الناس وجعلها سلوكا جماعيا في مواجهة سيادة روح التسلط والتمييز. رابعاً، تصحيح علاقة المثقف مع محيطه ولنقل إعادة الاعتبار لموقعه المتميز في المجتمع وعمق صلاته مع الناس، فإذا تأملنا هذه العلاقة في المجتمع السوري نلاحظ اليوم أن ثمة انفصال واسع بين المثقف والجمهور العادي أو لنقل بين منتج الثقافة ومستهلكها، ليغدو الحال أشبه بمثقف نخبوي محدود التواصل مع البشر وضعيف التفاعل معهم.

وإذا كانت المسؤولية الأساس في خلق هذه الهوة تقع على عاتق الاستبداد الذي عطل فعالية الثقافة وأخضعها لمصالحه وحاجاته وقطع تيار المعرفة من الوصول إلى المجتمع تحت طائلة التضييق على المثقفين والتهديد بحرمانهم من لقمة العيش وفي أحيان كثيرة النفي والسجن، فان جزءاً من المسؤولية يتحمله المثقفون أنفسهم باستسلامهم لنتائج ما يحصل والتردد في المجاهدة الذاتية وتقديم ما يلزم من تضحية لردم هذه الهوة، بل إدمان غالبيتهم على التعايش مع حالة الغربة والعزلة التي توفر لهم الأمن والسلامة الشخصية، بما في ذلك التهرب تحت شتى الذرائع والحجج من واجبهم في التعبير عن مشاعر وحاجات المجتمع الذي يعيشون فيه وإدراك مستلزمات تغييره.

وما زاد الطين بلة أن كثيراً من المثقفين صاروا ينتجون كأنهم ينتجون لأنفسهم ويخاطبون بعضهم بعضاً بلغة ربما لا يفهمها إلا القليلون غيرهم، لتغدو نتاجاتهم ضرباً من الترف المعرفي، تعززها مفاهيم مغلوطة بأن من المعيب على المثقف استخدام لغة بسيطة يمكنها مخاطبة البشر وإيصال الفكر التنويري إليهم بكلمات يفهمونها ويحبونها، فيسابق واحدهم الآخر في استخدام المصطلحات الغريبة والمعقدة والمفاخرة بارتفاع "برجه العاجي" الذي آثر العيش فيه بعيداً عن هموم أهله وناسه.

أخيراً، لقد جرت العادة، في أوقات المحن والأزمات أو في لحظات التحول العاصفة، أن تتطلع المجتمعات إلى دور إنقاذي للمثقفين، كنوع من الإقرار بالوظيفة الخاصة لهم في الرد عما يستجد من تطورات، وفي إعادة بناء وعي نقدي وأفكار جديدة يفترض أنهم أقدر المعنيين ببنائها، الأمر الذي يفسر إلحاح السؤال عن حال المثقفين اليوم وما يمكن أن يفعلوه مع تسارع انكشاف أزمات مجتمعنا والفشل البين للمشروع السياسي في وقف التدهور الحاصل أو الإمساك بزمام المبادرة لبدء رحلة عد عكسي نحو التجاوز والتقدم.

وبالتالي يمكن القول إن انحسار السياسة وهزيمتها عقدا الأمل على دور تأسيسي للمثقف السوري كناقد منحاز لحقوق الناس وحرياتهم ولقيم الحضارة الإنسانية، مثقف آن له أن ينطلق من دراسة الواقع بملموسيته وفهم معاناة الجماهير المغلوبة على أمرها لإيقاظها من حال السبات التي تغط فيها، قويّ الإيمان بوظيفة الفكر والعلموبدور البشر في مقاومة الراهن واستنهاض التغيير، مثقف هو الأقدر علىنقد الواقع المهترىء والمساهمة في إصلاح المجتمع والسياسة في آن وتطويرهما، متحمس بداية للبرهنة على هذه الحقائق وغرسها في وعي الناس، وتالياً مساعدتهم على نقلها من الأذهان إلى حيز العمل والتطبيق.

التعليق على هذا المقال


سوزان ياسين (سوريا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter