تقديم
يرى معظم المختصّين في الأدب اليونانيّ القديم أنّ جمع شتاته وتدوينه لم يتمّ إلاّ في عهود متأخرّة نسبيّا وعلى أساس شظايا متفرّقة أعيدت كتابتها مرارا قبل أن تستقرّ في صورتها شبه النهائيّة، إذ لا تزال عدّة شكوك تحوم حول صحّة أو نسبة بعض النّصوص شأن كلّ تراث شفويّ في مروره نحو التّدوين. وهو ما يجعل مضمون بعض الأساطير اليونانيّة التي وصلتنا عن طريق الأدباء اللاّتين أساسا معبّرا في كثير من الحالات عن رؤى أولئك الأدباء للعالم أكثر منها رؤى اليونان أنفسهم. ودون الدّخول في تفاصيل مسألة تدوين الأدب اليوناني وإشكالاته، يمكن القول بكلّ اطمئنان أنّ الأساطير المنسوبة إلى اليونان وخاصّة منها تلك التي تناولت مسألة الحبّ الذّكوريّ – وهذا مطلبنا- لم تكن سوى أساطير جماعيّة مشتركة بين عدّة شعوب تعيش في المناطق الممتدّة بين اليونان شمالا إلى اليمن جنوبا ومن فارس شرقا إلى شمال إفريقيا غربا، وأنّها كانت تعكس وجهة نظر مجال حضاريّ ممتدّ ترى الحبّ الذّكوريّ متوافقا مع قداسة مبتغاة أي بكونه واحدا من السّبل المؤدّية إلى اكتساب رضى الآلهة بل وحتّى الارتقاء إلى مصافها.
وفي هذا الإطار، يمكن فهم الأسطورة اليونانيّة التي تروي أنّ شهرة جمال الصبيّ "غانيميدوس"(Γανυμήδης)، وهو أمير طروادي وابن الملك "طروس" الذي سمّيت مدينة "طروادة" الشّهيرة باسمه، وصلت إلى سمع ربّ الأرباب "زيوس"(Ζεύς)، فهام به عشقا إلى حدّ دفعه إلى أن يتحوّل إلى نسر (أرسل نسرا حسب روايات أخرى) وأن يقوم بخطف الصبيّ الجميل حين كان يرعى غنم أبيه الملك على قمّة جبل "إيدا" ويصعد به إلى جبال "الأوليمب" ليعيّنه ساقيا خاصّا عوضا عن "هيبه"(Ήβη) ابنة زوجته "هيرا" (ραΉε) بحجّة أنّها خرقاء وسبق أن تعثّرت عند تقديم قدح الشّراب له. وقد كان هيام زيوس بغانيميدوس من الوضوح إلى حدّ أنّه استثار زوجته هيرا التي اعتبرت الأمر مهينا لها خاصّة بعد تعمّد زيوس التّباهي بحبّه لغانيميدوس، والثّناء على ما يلقاه من متعة في تقبيله، مقابل زهده التامّ في زوجته وفي النّساء عموما. وقد زاد في غضب هيرا، أنّ زيوس خدعها إذ اكتشفت حين ألحّت عليه بوجوب طرد غانيميدوس أنّه لم يطرده بل جعله إلها وأسكنه بين النّجوم، حيث ما يزال إلى حدّ الآن ضمن نجوم كوكبة الدّلو يقدّم الرّحيق الإلهيّ لزيوس. وقد كان هذا الأمر أحد أسباب نقمة هيرا على مدينة طروادة خلال الحرب التي تسبّبت في دمارها، إلى جانب حقدها على "باريس" الذي فضّل "أفروديت" عليها وأهداها التفّاحة الذهبيّة بحسب الأسطورة المعروفة.
وإذا ما كان النقّاد الأوروبيّون ممّن يمكن تصنيفهم ضمن "حماة الأخلاق" خلال القرن التّاسع عشر قد أشاروا، بل وأكّدوا في إلحاح عجيب، على أنّ غانيميدوس لم يكن سوى السّاقي الخاصّ لزيوس ربّ الأرباب فحسب في الميثولوجيا اليونانيّة، فإنّ لنا من إشارات الشّاعر اليونانيّ بندار (Πίνδαρος) [518-438 ق.م] في كتابه "الأولمبيّات" (1) ما يشير إلى قصّة حبّ عنيفة بين الطّرفين. بل إنّ الشّاعر الرّوماني أوفيد (Publius Ovidus Naso) [43 ق.م-17 م] نفسه أشار إلى تلك القصّة الغراميّة وإلى حادثة الاختطاف، مؤكّدا أنّ غانيميدوس "ما يزال إلى حدّ الآن يسقي زيوس رغم أنف هيرا!" (2). ويبدو ما يرويه أوفيد في هذا الخصوص حسب بعض الدّارسين مجرّد نقل باهت لأسطورة بابليّة قديمة (3)، وهو الأمر الذي من شأنه أن يؤكّد الوحدة الحضاريّة للمجال الجغرافي والبشري الذي سبق أن أشرنا إليه عموما، ويؤكّد على وجه الخصوص انتشار موضوعة الحبّ الذكوريّ ممارسة اجتماعيّة غير منكرة في ذلك المجال وعلى امتداد زمن طويل.
على أنّ أهمّ كاتب على الإطلاق ممّن أشار إلى قصّة هيام الإله زيوس بالصبيّ غانيميدوس، هو بلا منازع الأديب العربيّ السّاخر لوقيانوس السّميساطي [125-192 م]، ونحن نعرّف به هنا باقتضاب شديد فنقول إنّه ولد في مدينة سميساط الواقعة على ضفاف نهر الفرات اليمنى في شمال سورية (سمزاط حاليّا في تركيا)، حين كانت تلك المدينة عاصمة مقاطعة "كوماجين" المعروفة في الكتابات الآشوريّة باسم مقاطعة "كوموخ". وقد كان من عائلة فقيرة دفعته إلى تعلّم مهنة قطع الصّخور، إلاّ أنّ كسره قطعة مرمريّة في أوّل يوم عمل له أدّى إلى طرده! وربّ ضارّة نافعة، فقد توجّه لوقيانوس بعدها إلى ممارسة مهنة المحاماة في مدينة أنطاكيّة بسورية قبل أن يتحوّل إلى الخطابة والوعظ ويطوف مدن العالم القديم، إذ عاش في أثينا لمدّة عشرين سنة قبل أن يجوب إيطاليا وجنوب فرنسا بوصفه خطيبا متجوّلا ومحاضرا في البلاغة والفلسفة والمنطق، ليستقرّ في آخر حياته في مصر حيث حصل على منصب قضائي فيها ويقضي نحبه هناك. ولئن كان لوقيانوس قد كتب باللّغة اليونانيّة حوالي ثمانين مقالة نثريّة ومأساتين نقديّتين وثلاثا وخمسين مقطوعة حكميّة (4)، فإنّ تكوينه الأساسي كان إمّا باللّغة العربيّة أو اللّغة السّريانيّة (5). وكان من المفترض أن يكتب باللّغة اللاّتينيّة، إلاّ أنّه خيّر اليونانيّة على ما يبدو نكاية في ما كان يتصوّره احتلالا رومانيّا لبلاده، وإن لم يعبّر عن ذلك صراحة،. وهذا ما يجعل كتاباته خارج الدّائرة الضيّقة للأدب اليونانيّ في معناه المباشر، خاصّة وأنّه تخصّص في مهاجمة عقائد وأفكار معاصريه والسّخرية اللاّذعة منها بحيث أضحى على حدّ وصف ويليم شكسبير "كلّ العالم مسرحه وجميع الرّجال ممثّلون لديه". فقد انتقد لوقيانوس الأرباب ورجال الفكر المشهورين متنكّرا للأديان جملة، ورافضا اتّباع أيّ مدرسة فكريّة في عصره، وكان باختصار "رسول الحريّة في الكلام" على حدّ تعبيره هو نفسه.
أمّا النصّ الذي خصّصه لوقيانوس لموضوعة عشق الإله زيوس لصبيّ بشريّ، فهو مقتطف من أحد أهمّ كتبه وهو "محاورات الآلهة" (6)، وفيه انتقاد مرّ ولاذع للأساطير اليونانيّة المتعلّقة بالآلهة وبيان أنّها لا تختلف في تصرّفاتها عن البشر إن لم تكن تمارس ما لا تستسغيه الطّبيعة البشريّة السويّة ذاتها من حقد وغدر وتهافت على الملذّات، وهو ما يجعلنا بحقّ أمام نقد شامل للعقيدة الوثنية المتهاوية في عصر لوقيانوس، لفائدة المسيحيّة النّاشئة التي لم يخف صاحبنا تعاطفه معها رغم لادينيّته.
نصّ لوقيانوس السّميساطي (الفقرتان 4 و 5 من كتاب محاورات الآلهة)
4 - زيوس وغانيميدوس
1- زيوس: انظر يا غانيميدوس، لقد وصلنا بسلام إلى مكان آمن. قبّلني الآن كي تتأكّد أنّه لم يعد لي منقار معقوف ولا مخالب حادّة ولا أجنحة، وأنّني لم أعد طيرا كما كنت أبدو.
غانيميدوس: نعم! أنت بشر! ولكن ألم تكن لتوّك نسرا حين انقضضت عليّ وخطفتني من بين غنمي؟ كيف زالت أجنحتك ؟ كيف اتّخذت فجأة شكلا آخر؟
زيوس: ولكنني لست بشرا ولا نسرا كما تظنّ أيّها الصبيّ. أنا ملك جميع الآلهة، وقد تمثّلت لك نسرا لما يقتضيه الظّرف.
غانيميدوس: ماذا تقول؟ أأنت إلهنا بان (Πάν) (7) ؟ أين المزمار والقرون والسّاقان المشعرتان إذن؟
زيوس: هل تعتقد أنّه لا يوجد إله سواه ؟
غانيميدوس: من دون شكّ، ولقد قرّبنا له تيسا كاملا وضعناه في الكهف حيث يقوم تمثاله (8)، أمّا أنت فتبدو سارق أطفال.
2 - زيوس: قل لي، ألم تسمع من قبل باسم زيوس؟ ألم يسبق لك أن رأيت على قمّة جبل غارغاروس (Gargarus) هيكل الإله الذي يرسل المطر والرّعد والبرق؟
غانيميدوس: هذا أنت إذن، أيّها الإله المجيد من حصبنا في الآونة الأخيرة ببرد كثير، أنت من يقولون إنّك تسكن الأعالي محدثا كلّ ذلك الصّخب، والذي قرّب له والدي كبشا! ماذا اقترفت حتّى تخطفني بهذه الطّريقة يا ملك الآلهة؟ فالذّئاب قد تكون مزّقت نعاجي حين وجدتها وحيدة.
زيوس: أما زلت تفكّر في قطيعك رغم أنّك أضحيت خالدا ومنذورا للعيش معنا هنا؟
غانيميدوس: ماذا تقول؟ ألن تعيدني اليوم فوق جبل إيدا؟
زيوس: هذا ما لا سبيل إليه، فتحوّلي عن إلهيّتي إلى هيئة نسر لم يكن من قبيل العبث.
غانيميدوس: لكن أبي سيبحث عنّي وسيغضب حين لا يجدني، وساتعرّض للضّرب لأنّي تخلّيت عن قطيعي.
زيوس: وأنّى له أن يراك؟
غانيميدوس: لا، أريد الرّجوع بالقرب منه. وأنا أعدك إذا ما أعدتني أنّه سيفتديني بكبش آخر يرفعه لك قربانا، فعندنا كبش عمره ثلاث سنوات، وهو فحل قويّ يقود القطيع إلى المرعى.
3 - زيوس: يا لهذا الصبيّ الغرّ السّاذج، إنّه بحقّ مجرّد صبيّ! هيّا يا غانيميدوس، قل وداعا لكلّ هذا. انس الماضي وانس قطيعك وجبل إيدا. ها أنت تسكن السّماء ويمكنك من هنا أن تمطر أباك ووطنك ببركاتك. وبدل الجبن واللّبن، يمكنك أكل طعام الآلهة وشرب رحيقها الذي ستقوم أنت بصبّه وتقديمه إلينا، ولكنّ الأجمل في كلّ ذلك أنّك لن تكون بعد الآن بشرا لتغدو خالدا، وسأعلي نجمك وأجعله ساطعا، وباختصار سوف تكون في قمّة السّعادة.
غانيميدوس: ولكنّني أريد اللّعب، فمن سيلعب معي؟ لقد كان لي كثير من اللّدات فوق جبل إيدا. زيوس: سيكون إيروس (Έρως) [إله الحبّ] رفيقك في اللّعب هنا، وهو يملك الكثير من الكعاب.
المهمّ أن تهدأ وتنبسط ولا تتحسّر على شيء من أشياء الأرض.
غانيميدوس: ففيم انتفاعك بي إذن ؟ هل عليّ أن أرعى القطعان هنا أيضا!
زيوس: كلاّ، كلاّ. ستكون ساقينا، وستقوم على تقديم شراب الآلهة والإشراف على الولائم.
غانيميدوس: هذا ليس بالأمر الصّعب، فأنا أعرف كيف يجب صبّ اللّبن وتقديم القداح.
زيوس: حسن! هاهو لا يزال يفكّر في لبنه، ويعتقد أنه سيقوم على خدمة بشر! إنّها السّماء، ونحن نشرب، كما سبق أن قلت لك، الرّحيق [شراب الآلهة].
غانيميدوس: وهل هو أحسن من اللّبن يا زيوس؟
زيوس: ستعرف ذلك للتوّ، وحين تذوقه لن تأسف بعدها على اللّبن أبدا.
غانيميدوس: ولكن، أين سأنام ليلا؟ هل سأنام مع رفيقي إيروس؟
زيوس: كلاّ، فقد خطفتك من أجل أن ننام مع بعضنا.
غانيميدوس: آه ! أنت لا تستطيع النّوم وحيدا، وترى أنّ النّوم معي أكثر إمتاعا.
زيوس: بلا شكّ، وخاصّة مع صبيّ جميل مثلك يا غانيميدوس.
غانيميدوس: وكيف سيجعل جمالي نومك أكثر راحة؟
زيوس: إنّه فتنة أخّاذة تجعل النّوم أكثر عذوبة.
غانيميدوس: لكنّ والدي كان يغضب منّي حين كنّا ننام معا، وكان يقصّ علي في الصّباح كيف كنت أمنعه من النّوم لكثرة تقلّبي في الفراش، والرّفس برجليّ وعلوّ صوتي في أحلامي، حتّى أنّه غالبا ما كان يرسل بي للنّوم مع والدتي. لذا فأنا أنصحك، إن كنت اختطفني من أجل هذا، كما تقول، بإعادتي إلى الأرض، وإلاّ فإنّك لن تنعم بالنّوم وسأضايقك بتقلّبي الدّائم.
زيوس: لا يمكنك أن تمتّعني بأكثر من إبقائي مستيقظا معك، لأني لن أتوقّف عن تقبيلك وضمّك بين ذراعيّ.
غانيميدوس: سترى إذن كيف سأنام فيما أنت تقبّلني.
زيوس: لكلّ حادث حديث. أمّا الآن، فلتأخذه يا هرمز، واسقه شراب الخلود (άμβροσία)، ثمّ ائت به كي يكون ساقينا. ولكن عليك أوّلا أن تعلّمه كيف يقدّم القداح.
5 – هيرا وزيوس
هيرا: يبدو أنّ اهتمامك بي، يا زيوس، قد فتر منذ أن قدمت بهذا الصبيّ الفريجيّ الذي اختطفته من إيدا.
زيوس: أتكونين غيرى منه يا هيرا؟ أتغيرين من صبيّ بالغ السّذاجة وغير مؤذ؟ لقد كنت أخالك لا تبالين إلاّ بالنّساء اللائي أتسرّى بهنّ.
هيرا: إنّ ما تقوم به يزري بك وغير لائق. فأنت، يا ربّ الأرباب، هجرتني أنا زوجتك الشّرعيّة وهبطت إلى الأرض لتعبّ كؤوس العشق والغرام، وتحوّلت من أجل ذلك مرّة إلى ذهب وأخرى إلى قنطور (σατνριχός) [حيوان خرافيّ نصفه إنسان ونصفه حصان] عريان وغيرها إلى ثور. على أنّ تلكم النّسوة باقيات على الأرض، أمّا هذا الرّاعي الصّغير من إيدا الذي رفعته على جناحيك، وأنت أنبل الآلهة، فهاهو ملتصق بنا وما برح واقفا عند رؤوسنا متذرّعا بخدمتنا. فهل ينقصك السّقاة؟ هل تعب هيفاستيوس (Ήφαιστος) وهيبه (Ήβη) من خدمتنا؟ إنّك لا تتناول القدح من يده إلاّ بعد أن تقبّله بمشهد من الجميع، فتبدو لك القبلة أعذب من الرّحيق، ولأجل ذلك نراك تلتمس الشّراب ولو لم يكن بك عطش، بل إنّك لتردّ إليه القدح أحيانا بعد تذوّقه لتستردّه بعد أن يشرب منه هو، فتختار الجانب الذي وضع عليه شفتيه فتشرب وتقبّل في آن واحد. وثالثة الأثافي، يا ملك الآلهة وسيّدها، أنّك تخلّيت أخيرا عن درعك ورعدك كي تلاعبه بالكعاب غير عابئ بهذه اللّحية العظيمة المتدليّة من ذقنك. نعم، لقد شهدت كلّ ذلك ولا سبيل لك للفكاك منّي.
زيوس: وما الضّير يا هيرا من تقبيلي صبيّ بهذا الجمال وأنا أشرب، ومن تمتّعي بالقبلات والشّراب في آن؟ آه لو سمحت له بتقبيلك مرّة فلن تلومي بعدها تفضيلي قبلاته على الرّحيق.
هيرا: هذا هو منطق عشّاق الغلمان (Παιδεραστῶν) أنا لن يبلغ بي الجنون إلى حدّ أن تمسّ شفتاي هذا الصبيّ الفريجي الرّخو المخنّث.
زيوس: كفّي أيّتها السيّدة النّبيلة عن شتم عشّاقي. فهذا المخنّث، هذا الهمجيّ، هذا الصبيّ الليّن الممتلئ رخاوة، هو عندي ألطف وأشهى… لا أريد أن أقول ممّن حتّى لا أمعن في استثارتك.
4- هيرا: لم يبق إلاّ أن تتزوّجه كي أعجب بك. تذكّر سلوكك غير اللاّئق تجاهي جرّاء هذا النّديم.
زيوس: لا ليس هو من يجب أن يكون ساقينا، بل هيفايستوس، ابنك المتهافت الخارج لتوّه من مصهره وهو مغطّى بنحاتة الحديد الحامي ولا يكاد يضع كلاّبتيه أرضا! إنّه هو من يجب علينا أخذ القداح من يديه وتقريبه وتقبيله، والحال أنّك تأنفين وأنت أمّه تقبيل سحنته الملوّثة بالسّخام! أهذا ما يرضيك؟ هذا هو السّاقي المناسب على طاولة الآلهة! ثمّ لا بدّ من إعادة غانيميدوس إلى جبل إيدا رغم نظافته وأصابعه الورديّة ومهارته في تقديم القداح، وما يحزنك أكثر أنّ قبلاته أعذب من شراب الآلهة.
5 - هيرا: لم يتبيّن لك تهافت هيفايستوس وأنّ يديه لم تخلقا للقداح وأنّه مسودّ بالسّخام ورؤيته تصيب بالغثيان إلاّ السّاعة وبعد أن أتفنا جبل إيدا بهذا الصبيّ الجميل ذي الشّعر الطّويل. أمّا في السّابق، فلم تكن ترى شيئا من ذلك، ولم تكن نحاتة الموقد الحارقة تمنعك من تناول الشّراب من يديه.
زيوس: إنّك تعذّبين نفسك يا هيرا، ولن تكون نتيجة غيرتك إلاّ زيادة هيامي. وإن كان يغضبك تناول القدح من يد هذا الصبيّ الجميل، فما عليك إلاّ تناول الشّراب من يد ابنك. أمّا أنت يا غانيميدوس، فلا تقدّم القدح لسواي، وامنحني في كلّ مرّة قبلتين، واحدة حين تقدّم لي القدح ملآنا والأخرى حين تستردّه منّي. عجبا! هل تبكي؟ لا تخش شيئا، ولسوف أبكي كلّ من رام مضايقتك.
الهوامش:
1- Pindare, Olympiques, par : Jean-Aloys Perrault-Maynand, Lyon : Rossary, 1839, I, V, 30.
2- Ovide, Les Métamorphoses (avec texte latin), par : Ange-François Fariau de Saint-Ange, Paris : Desray, 1808, vol. 3, livre x, vers 155 à 161, p. 237.
3 - Viarre (Simone): L’image et la pensée dans les «Métamorphoses » d’Ovide, Universite de Paris, Paris : Impr. Chastrusse, 1964. Cf. Perdrizet (Paul) : Légendes babyloniennes dans Les Métamorphoses d’Ovide, in : Revue de l’Histoire des Religions, n°150, 1932, pp.193-228.
4 - من أهمّ مؤلّفاته التي أثّرت في من جاء بعده من الأدباء ومنهم ذكرا لا حصرا المصلح الدّيني إيراسموس في كتابه "مدح الحمق" وطوماس مور في كتابه "يوتوبيا" وفولتير في كتابه "كانديد":
* كتاب "محاورات الآلهة"، وفقرتاه الرّابعة والخامسة هي موضوع هذا المقال. * كتاب "محاورات الموتى"، وهو سبب شهرته، وفيه سخرية شديدة بالمعتقدات الدّينيّة والأفكار السّائدة بين النّاس عن العالم الآخر، مع تعريض بالمتكسّبين من العرافة. * كتاب "بيع الفلاسفة بالمزاد"، وفيه عرض ساخر لمختلف آراء أرباب المذاهب الفلسفيّة في نفس تهكّمي لاذع وخاصّة مشاهد بيع إفلاطون وأرسطو وفيثاغور وأبيقور بالمزاد العلني في سوق شعبيّ. * "مقالة الدّيك"، وفيها موعظة لمدح الفقر وتشكيك في صحّة ما أورده هوميروس في الإلياذة. * مقالة "نهاية حياة بيرجرينوس" (الفيلسوف المسيحيّ الذي دفع ثمن تبشيره بالمسيحيّة وإصداعه بما رآه حقّا)، وفيها انتقاد للثّراء الفاحش وسلطة المال. وقد استخدمت الكنيسة المسيحيّة الكثير من حجج لوقيانوس الواردة في هذه المقالة لكن دون ذكر اسمه. * "مقالة أستاذ البلاغة"، وفيها نصح لمن يريد أن يكون بلاغيّا ناجحا باعتماد الهراء والوقاحة. * ومن مقالاته الهامّة أيضا: "السّفسطائيّ الكذّاب"،"ليكسيفانيس"،"كيف يجب أن يكتب التّاريخ"…
5 - الأحمد (سامي سعيد)، لوقيانوس المفكّر السّوري الكبير، مجلّة المورد، المجلّد 8، العدد 2، بغداد، 1979، صص 60-65. وقد استفدنا من هذه المقالة في التّعريف بلوقيانوس.
6- لغرض هذا المقال، راجعنا النصّ الأصلي لمحاورات الآلهة باليونانيّة القديمة في: Λουκιανοῦ (Lucian), Θεων Διαλογοι (Gods « » Dialogues), ed. M. D. Macleod, Cambridge: Mass, 1961. والنصّ اليوناني مع تعليقات باللاّتينيّة في:
Luciani : Dialogi Deorum, edidit : Franz Volkmar Fritzsche, Lipsiae : C.F.H. Hartmannum, 1829, pp. 5-13.
وقابلناه بالتّرجمة الفرنسيّة في:
Oeuvres complètes de Lucien de Samosate , traduction nouvelle avec une introduction et des notes, par : Eugène Talbot, 6ème édition, Paris : Librairie Hachette, 1912, tome I, pp. 66-70.
وكذلك في:
Lucien de Samosate : Oeuvres complètes, traduit par : Émile Chambry, Paris : Garnier Frères, 1934, tome I .
وبالتّرجمة الانكليزيّة في:
Harmon (Austin Morris) & Kilburn (K) & Macleod (M.D): Lucianus Samosatensis, Harvard University Press, 1936, vol. 7, ch. 4 (Dialogues of the Gods: pp.239-354), pp. 242-246.
وسبق لمحاورات الآلهة أن ترجم إلى العربيّة بمعيّة محاورات الموتى تحت عنوان: محاورات لوقيانوس السّميساطي على يد المترجم السّوري سعد صائب، إلاّ أنّها ترجمة رديئة مضطربة المعاني نقلها صاحبها عن التّرجمة الفرنسيّة للأعمال الكاملة للوقيانوس السّميساطي التي قام بها إيميل شمبري، لكنّ النّاقل لم يشر إلى ذلك. انظر: صائب (سعد)، محاورات لوقيانوس السّميساطي، ط 1، دار طلاس للدّراسات والتّرجمة والنّشر، دمشق، 1986.
7 - لا يعرف غانيميدوس بوصفه راعي أغنام إلها سوى "بان" معبود الرّعاة.
8 - يوجد الكهف فوق إحدى القمم الثّلاث التي تشكّل جبل إيدا، وقد بني عليها معبد زيوس.



Ruston, Louisiana - أحمد نظير الأتاسي
5 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 10:24
ترجمتك الجميلة. لكني لم أحدد بالضبط موضوع سخرية لوقيانوس. الحوار الثاني إغريقي عادي يتوقعه السامع الإغريقي. والزوجة تعيب على الزوج الهيام بمخنث ولا تعيب عليه حب غلام. ولا يعطي النص إشارات جماع جنسي، فقط قبلات وتغني بجمال الصبا وهذا نجده بكثرة في الشعر العباس (ساقي الخمر الذي يتغنج ويبخل بالقبلات). بدا لي أن التركيز كان على استخفاف الصبي بأب الآلهة. أما إذا كان السامع مسيحياً فالغمز واللمز الجنسي مفهوم. أرى أن "نقد العقيدة الوثنية المتهاوية" تأويل للنص يعتمد على السامع ووسطه ومعرفة مسبقة بالكاتب وأغراضه. أتعجب أن وصفت لوقيانوس بالعربي فالهويات الإثنية في القرن الثاني لم تكن واضحة المعالم. ومن الممكن جداً أن يكون إغريقياً أو أيونياً من سكان شمال سورية فرحلة تعليمه قادته إلى المتسوطنات ومراكز الثقافة الهيلينية في سوريا. أنا أرى ان تراث الشرق الأوسط المكون للهوية العربية الراهنة يجب أن يمتد ليشمل المراحل ماقبل الإسلامية. التراثان الهيليني والرماني متوسطيان قبل أن يكونا أوروبيين. وإنه من المؤسف أن العرب اليوم (وهم غير عرب القرن الثاني) لا يعيرون هذه الفترة الباهرة أي اهتمام. لكن لا يجب أن نسقط القومية العربية الحالية على ذلك التاريخ. أنا سأحب لوقيانوس حتى ولو كان إيونياً.
الرد على التعليق