في افتتاحيتها المنشورة في الأوان ، بتاريخ 2008-04-17 ، والمعنونة بـ الأوان من وجهة نظر "الجندر" ، ومع الدعوة الجميلة والديمقراطية الموجهة للكاتبات والمبدعات ، والإقرار بالتقصير والنقد الذاتي ، حيث تقوم الدكتورة رجاء بإجراء إحصاء سريع حول المواد المنشورة في الأوان ، لتبرهن على رجحان كفة المشاركات الرجالية ، إذا صح الوصف ، إلا أن الموضوع يستحق أكثر من وقفة ، لرصد أسباب غياب المشاركة النسوية في الفعل الإبداعي ، أو قلة هذه المشاركة .
ففي الفلسفة مثلا، لا يحضرني أي اسم نسائي ساهم في الحركة الفلسفية، وكذلك في مجال علوم النفس أو التحليل النفسي، بينما ساهمت المرأة في النضال السياسي، وكانت تقف جنبا إلى جنب، مع رفيقها الرجل، للدفاع عن قضايا الوطن والشعب.
أما في الفكر والأدب ، فإن الأسماء التي لمعت قليلة ، ومع أن حظ المرأة كان أوفر في الحقبة الحديثة ، إلا أن دورها ظل دوما هامشيا ، ففي الحركة السريالية ، كانت المرأة فقط ملهمة ، كما حال " نادجا" بروتون ، وباستعراض جميع الأسماء الفنية من شعراء ورسامين في تلك الحقبة ، فإن اسم المرأة كمنتجة للفكر والأدب يبقى غائبا .
حتى لو استعرضنا أسماء الحاصلين على جائزة نوبل للآداب ، فإنّ عدد النساء الحاصلات على هذه الجائزة ، لا يتجاوز أصابع اليد من بين أكثر من مائتي اسم . وكذلك في الشعر العربي ، لدينا أسماء لا تزال قائمة في الساحة ، كأدونيس ونزار قباني ومحمود درويش ، ولكن بعد فدوى طوقان، لا نكاد نسمع اسما نسويا ، وحتى الظهور الخفيف لأعمال خالدة السعيد ، وهي أيضا أسهمت في نقل ترجمات مهمة للفكر العربي ، إلا أنهن ، خالدة وغيرها الأقل شهرة ، يقفن ككاتبات درجة ثانية من حيث الشهرة . وكذلك الأمر في الرواية العربية ، إذ ذاع اسم نجيب محفوظ مثلا في العالم ، وكذلك ظهرت أسماء احتلت مكانها طويلا في الساحة الإبداعية ، سواء من كتاب المشرق العربي أو المغرب ، إلا أن اسم المرأة ظل محصورا في أمثلة قليلة ، كما هو الحال مع الكاتبة الجزائرية آسيا الجبار .
حتى في حالة جائزة البوكر العربية الأخيرة ، والحديثة جدا ، فإنه من بين الأسماء الستة المرشحة للجائزة ، في القائمة الأولى ، كان لدينا اسم نسائي واحد، وهي السيدة مي منسي ، أمام خمسة أسماء ذكورية . والفائز الأخير ، كان رجلا . والأمثلة طويلة، على غياب أو قلة مساهمة المرأة، الفنية والفكرية، قياسا بنشاط الإبداع الذي يقدمه الرجل.
حتى المرأة العربية ، التي خرجت إلى أوربا ، وتمتعت بحماية القانون والمجتمع الأوربيين ، فإنها لا تزال في الداخل ، خاضعة لتاريخها الذكوري ، أي خاضعة لرأي الرجل فيها ، ومقاييس نجاحها الذي يملكه الرجل . فالمرأة لم تتحرر بعد من رأي الرجل . أذكر أن أحد الآراء المضحكة التي سمعتها ذات يوم عن غادة السمان، وكانت تعتبر رمزا للكتابة المضادة والجديدة، قال صاحب الرأي " أليس لغادة السمان أهل وعائلة ؟ " مستهجنا انفتاحها. كما عانت السيدة نوال السعداوي اجتماعيا وسياسيا ، وأقرت بدور زوجها المنفتح في إبداعها . لذلك فالمرأة، حتى تكون موازية للرجل فكريا، وتنتج ما لا يقل أهمية عنه، تحتاج لحرية حقيقية من العمق . ومادام الرجل الشرقي يحتفظ بمفاهيمه القديمة عن صورة المرأة ، ودور المرأة ، وما دامت المرأة ، تبحث عن الأمومة ، والزواج ، كأكبر غريزة بقاء ، وأكبر سبب للإحساس بالأمان ، فلن تتمكن المرأة من اللحاق بالتساوي مع الرجل ، حيث تكرس الثقافة الذكورية تبعيتها ودونيتها ، حتى أن الآية " الكريمة " تقول : الرجال قوامون على النساء … وستبقى المرأة ، وبنظر ذاتها ، كائنا ناقص ، كما هو رأي علم النفس ، وعلى رأس علماء النفس فرويد، وبالعودة لكتاب " نقد مجتمع الذكور : لـ"روجيه غارودي"، يتبين كيف تضافرت الجهود عبر التاريخ لتكريس دونية المرأة ، إلى أن صدقت المرأة هذا ، وفقدت ثقتها بأدائها وطاقاتها .
هذه دعوة متضامنة مع دعوة بن سلامة، ولكنها دعوة لتحرير المرأة من ذاتها القديمة، وخروجها عن رأي الرجل فيها، طبعا، ليس جميع الرجال، حتى لا تكون المسألة، عداء أو تنافرا بين الرجال والنساء. وهنا أحد أوجه أزمات المرأة، حين تسترد حريتها واستقلالها، لتكون مع الرجل في الخلق والإنتاج، لا لمحاربته وإقصائه. علها بذلك تخرج الجندر من داخلها ، وتخرج من الجندر .



- أبو لهب
21 أيار (مايو) 2008 11:48
(دعوة لتحرير المرأة من ذاتها القديمة )بمتنهى الصراحة وجدت صعوبة في استيعاب هذه العبارة . على سبيل المثال فقط ،هل المرأة هي التي رفضت سياقة السيارة، أم سائقي الإبل .ولن تنال المرأة حقوقها الأساسية إلا إذا تحول سائق الإبل إلى سائق سيارة عندها تكون السرعة متساوية، وعندها يبدأ الحديث الجاد عن حقوق المرأة .ولك ألف تحية من الجزائر
الرد على التعليق