الاربعاء 8 شباط (فبراير) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > مقالات > المسلم الأخير أم الغاضب الأخير؟ (3/2)

المسلم الأخير أم الغاضب الأخير؟ (3/2)

بيتر زلوترداك وبنك الغضب الإسلاميّ

السبت 31 تموز (يوليو) 2010
بقلم: العادل خضر  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

كلّما كانت وسائل القراءة التّقليديّة في مجال العلوم الإنسانيّة عاجزة عن فهم مخاطر الزّمن الجديدة، وعاجزة كذلك عن التّفكير في انفجار العنف الحديث بأشكاله السّياسيّة واللاّعقلانيّة، القديمة والتّكنولوجيّة العالية high-tech ، احتيج للإحاطة بهذه الظّاهرة الّتي لا سابقة لها إلى نوع من المفكّرين لهم من الأسلحة الفكريّة والنّظريات الجديدة ما يؤهّلهم لفهم ما حصل بين فترتين : فترة الحرب الباردة، وفترة النّزاعات المعاصرة. من هؤلاء المفكّرين نجد رونيه جيرار René Girard الّذي قدّم في شأن الإسلام الملاحظة التّالية : "لو قلتَ، حين سقط حائط برلين، إنّه بعد خمس عشرة سنة سيضحي الوضع تعارضَ توأمين بين قوّتين، وأنّ إحدى هاتين القوّتين ستسمّى "الإسلام" فإنّ النّاس سيستهزئون بك. بيد أنّ الإسلام أقوى إلى أبعد حدّ ممّا بقي من المسيحيّة. فقد بعثت بطريقتها، وقد كانت المسيحيّة ديانة مضادّة une anti- religion، الارتياب في خصوص العنف الأضحويّ، والدّيانات العتيقة religions archaïques الّتي ألقت بكلّ شيء على كباش الفداء. فقوّة الغرب وضعفه في الآن نفسه هي أنّه لم يعد يؤمن بكباشه الفدائيّة. أمّا الإسلام، فهو ملغّم على نحو خفيّ بالعداوة، وقد بقي فيه عنصر من هذا العتيق archaïsme  الّذي لم تتخلّص منه التّوراتيّة والمسيحيّة. وبهذا المعنى لا يقتصر الإسلام على تعويض الاشتراكيّة الّتي كانت صيغة بديلة من ديانة أضحويّة." (1).

وهذه الملاحظة جديرة بالعناية لأنّها ترد من أنتروبولوجيّ فرنسيّ صرف معظم كتاباته منذ "العنف والمقدّس La Violence et le sacré (1972)" و"كبش الفداء Le Bouc émissaire (1982)" لفهم العالم بما فيه من اضطرابات ووحشيّة، ووصف المنطق الخاصّ بالعنف البشريّ، والمصائب الآتية من ذاك الّذي وصفه الكاتب الفرنسيّ جورج برنانوس Georges Bernanos بـ"سورة الغضب الدّينيّة الملازمة للجانب الأشدّ عتمة، والأشدّ تسمّما من النّفس البشريّة" (2).
 
لقد كان رونيه جيرار من المفكّرين الّذين حاولوا فهم العنف في نطاق نظريّة الأهواء البشريّة، وهي نظريّة تستند إلى أنتروبولوجيا مسيحيّة متأثّرة بالتّحليل النّفسيّ. ولا يضاهيه في هذا المجال سوى الفيلسوف الألماني بيتر زلوترداك Peter Sloterdijk الّذي كان يؤوّل بدوره ظاهرة العنف في ألفاظ الانفعالات الأصليّة والاقتصاد اللّيبيديّ، كالشّوق والكبْر والانتقام والعداوة ressentiment. ففي نظره ينبغي أن نقرأ التّاريخ بوصفه ملحمة من الطّاقات المحاربة والمنتقمة. وهو فوق ذلك من المعجبين بأعمال رونيه جيرار ذات الإضافة الحاسمة، إلاّ أنّه يختلف عنه في بعض الجوانب، أهمّها تأثّره (أي جيرار) بإيروسيّة التّحليل النّفسيّ. فالتّنافس الإيمائيّla rivalité mimétique عنده هو إيروسيّة متحلّلة érotisme dégénéré، وتعبير عن إرادة التّملّك، وهو باختصار الخطيئة الأولى. ففي تصوّر جيرار للنّفس البشريّة لا مكان لديناميكيّة الغضب، أو "الثّيموس thymos" الإغريقيّ، الّذي لا ينبغي أن يلتبس بالشّوق الإيروسيّ. فهو لا يقرأ حسابا لهذا الزّوج الأفلاطونيّ : الإيروسيّة والثّيموسيّة. وتدلفنا هذه المآخذ مباشرة في قلب مقالة زلوترداك الطّويلة الّتي يذكّرنا عنوانها "الغضب والزّمان Zorn und Zeit" بكتاب هيدغر العمدة "الكينونة والزّمان Sein und Zeit" (3). وقد اقترح فيها قراءة جيوسياسيّة للعداوة في توتّرها الحادّ مع المدّ الدّينيّ حيث يعقد العالم صلات جديدة مع "القساوة ما قبل المسيحيّة cruauté pré-chrétienne". وتنهض هذه القراءة على واحدة من الطّرق الأثيرة لدى زلوترداك المتمثّلة في اختيار إحدى المقولات التّقليديّة من تاريخ الفلسفة وربطها بضديدها أو نقيضها الّذي ظلّ نسْيًا منسيّا. وقد تجلّى ذلك بوضوح في كتاب "الغضب والزّمان". فقد حلّل زلوترداك ما ترتّب على واقعة بسيطة قلّ من انتبه إليها من المفكّرين (4)، وهي أنّ الإنسان لا تحرّكه الانفعالات "الإيروسيّة érotiques" فحسب، وإنّما الانفعالات "الثّيموسيّة thymotiques" كذلك. وداخل هاتين العائلتين يتعايش السّلبيّ والإيجابيّ ويتصارع منطقان : منطق (الإيروس l’Eros) المهيمن القائم على التّملّك والإنتاج والمتعة بالأشياء، ومنطق (الثيموس le Thymos) الّذي ينهض على الاعتزاز والفخر والغضب والانتقام والحسد والغيرة والتّسابق والتّنافس وشوق الاعتراف désir de reconnaissance. وقد مكّنته هذه المقاربة من أن يطرُق الفلسفة السّياسيّة بجهاز نظريّ أطلق عليه زلوترداك نفسه تسمية "السيكولوجيا السّياسيّة psychopolitique". وهي فلسفة تعتني بالانفعالات وبالأهواء عنايتها بالمؤسّسات والإيديولوجيّات.

فالإيروسيّة عند زلوترداك لا تختزل في الجنسانيّة، لأنّها تشمل كذلك الانفعالات القائمة على الافتقار وعلى فكرة التّملّك أو على عمل يمكن أن يسدّ مسدّ النّقص أو يعوّضه. فللاقتصاد ديناميكيّة إيروسيّة، ذلك أنّ ما أتشوّق إليه يمكن أن أقدّم ما يكافئه من عمل ومال وممتلكات لأحصل على المتعة بالأشياء والموضوعات. غير أنّ للانفعالات الأخرى الثّيموسيّة الّتي حجبت طويلا، كالإحساس بالفخر والغضب والثّأر، دورا لا يقلّ أهميّة عن الانفعالات الإيروسيّة في ديناميكيّة الإنسان النّفسيّة. وقد كبت الفكر الأكاديميّ ونظريّات السّلطان المختلفة هذا الجانب الثّيموسيّ، ولكنّه كان حاضرا بقوّة في الأدب منذ الإلياذة و(الشّعر الجاهليّ أيضا) إلى رواية الكونت دو مونت كريستو le Comte de Monte Christo وما جاء بعدها من روايات وأفلام الوستارن (كشريط "once upon a time in the West" للمخرج سارجيو ليوني Sergio Leone سنة 1968) أو سينما الحركة cinéma d’action (كشريط " Kill Bill" للمخرج كانتان تارنتينو Quentin Tarantino سنة 2003). ومن هوميروس إلى لينين، ومن التّوراة إلى الكتاب الأحمر، ومن قابيل إلى فرويد، يفكّك زلوترداك آليات هذه "القوى الغضبيّة" القابلة لأن تُساس ويُتلاعب بها. فقد بيّن كيف أنّ الغضب الّذي كان غريزيّا في البداية قد تحوّل شيئا فشيئا إلى "بنك الانتقام العالميّ banque mondiale de la vengeance" حيث تستعمل أحاسيس المضطهدين الثّائرة مثلما تستعمل العُملة النّقدية لبلوغ السّلطان. وطوال هذه المقالة حلّل زلوترداك في لغة المحاكمات التّاريخيّة القاسية أشكال الغضب الملحميّة والتّوراتيّة والفوضويّة واللّينينيّة والفاشيّة والماويّة متسائلا في آخر فصول كتابه عن دور الإسلام السّياسيّ الرّاهن في هذا التّاريخ الطويل من الانفعالات الثّيموسيّة.


بيّن زلوترداك في الفصل الأوّل من كتاب "الغضب والزّمان" ( شؤون الغضب بصفة عامّة) أنّ الغضب في الأزمنة القديمة الإغريقيّة الرّومانيّة قد كان انفعالا مخصوصا يعسر فهمه اليوم، لأنّه كان يجمع بين ثالوث : "الرّبّة" و"البطل" و"الشّاعر المنشد" الّذي ما إن يفتح فاه حتّى تتجلّى القوى العلويّة الإلهيّة (كالرّبّات الملهمات والآلهة…) في شعره وبشعره. فالغضب (وهو الكلمة الأولى من البيت الأوّل الّذي تستهلّ به الإلياذة) لا ينبثق في حياة النّاس الفانين إلاّ إذا اتّجه الشّاعر إلى عالم الغيب حتّى تشدّ الرّبّات الملهمات أزره، فينشد غضب بطل محارب لا قرين له، كغضب أسخيلوس Achille الإلهيّ الّذي تحمّله البطل وقصّه الشّاعر في ملحمته مثل وحي نبوئيّ. فالغضب ليس سورة مجنونة يُجْهَل فيها "فوق جهل الجاهلين" كما يقول الشّاعر الجاهليّ، وإنّما هو نفس الآلهة وقد سرى عبر النّاس، بل هي روح البطل، أي القوّة الوحيدة الّتي تبيّن أنّ العالم ليس مجرّد طبيعة.


في الفصل الثّاني من الكتاب، (الإله غاضبا: في سبيل ابتداع بنك الانتقام الميتافيزيقي) يعرض زلوترداك المحاولات الدّينيّة المختلفة في تدبير الاقتصاد الغضبيّ والتّحكّم في الانفعالات الثّيموسيّة. فهو يستقصي أشكال التّرويض المستمرّ للغضب، وهو ترويض ميتافيزيقيّ، يبدأ من الأصول العبرانيّة، حيث ضبطت بدقّة متناهية مواضع العنف والغضب في هذه المزامير الّتي مازال الرّهبان والقساوسة ينشدونها إلى الآن كلّ يوم ( 5)، إلى اقتصاد الخلاص في المنظومة المسيحيّة. وقد بيّن زلوترداك أنّ الغضب الإلهيّ ذا البعد الكونيّ كان يتدخّل باستمرار في النّزاعات البشريّة وفي التّاريخ كلّما اضطلعت الدّيانات الكبرى (الرّافدينيّة أو المتوسّطيّة وحتّى التّوحيديّة) بدور سياسيّ، وكان لله دور في ظهور الشّعوب والممالك والإمبراطوريّات.

ولمّا كان تاريخ البشر هو نفسه تاريخ السّخط الإلهيّ، كان تدخّله يتجلّى في شكل غضب على عبّاده أو الكافرين به. وكثيرا ما تجسّم هذا الغضب في الحروب والأوبئة والمجاعات والكوارث الطّبيعيّة بوصفها قوى روحانيّة في خدمة الإله الغاضب المنتقم. وهو الإله ذاته الّذي سيتولّى محاكمة أعمال الّذين آثروا دنياهم على آخرتهم في يوم الحساب، والانتقام منهم بعذاب أليم. ورغم أنّ هذه التّمثيلات الأخرويّة كانت صادرة من مصر القديمة وثقافة الشّرق الأدنى فإنّها قد احتدّت وتكاثرت في القرون الوسطى والعصر الباروكيّ، إلاّ أنّها في الأزمنة الحديثة قد فقدت مع "موت الإله" نجاعتها الرّمزيّة. فقد تخلّى اللاّهوت المسيحيّ في القرن العشرين عن صور الجحيم بوصفها صورا من الانتقام الرّبّاني أو العدالة الإلهيّة. بيد أنّ الغضب الإلهيّ لم يزُل تماما من الذّاكرة المعاصرة، لأنّه قد تحوّل تماما واتّخذ مسارا كونيّا، تجلّى في تاريخ جديد هو تاريخ "الثّورات" بما هي انتقام من المظالم بنفي شروط الظّلم البنيويّة. إنّ تاريخ العالم على حدّ عبارة شيلر هو محاكمة للعالم. فتاريخ الثّورات المعاصرة هو انقلاب المحاكمات السّماويّة الأخرويّة الّتي كانت تُجرى خارج الزّمن إلى محاكمات تجري في التّاريخ الأرضيّ على نحو جعل الغضب المقدّس يتّخذ شكل ثورات. فما كان ينبغي أن يحصل في المستقبل الأخرويّ، قد حقّقته الثّورات على أرض الواقع. فالقاعدة القديمة الّتي تقول "تألّم في دنياك وانعم بآخرتك، وانعم بدنياك وتألّم في آخرتك" قد انقلب تناظرها في منطق الثّورات، بما هي مخزون هائل من الغضب، إلى محاكمة للأغنياء حيث يتبادل الأثرياء المياسير مواقعهم بمواقع الفقراء والمساكين. فاليوم الأخير عند الثّائرين هو آخر أيّام الشّقاء وبداية أيّام السّعادة. أمّا الأثرياء فأيّامهم الصّعبة قد بدأت باندلاع الثّورة. غير أنّ وقائع التّاريخ تبيّن أنّ الثّورة لا تفضي إلى تبادل في المساكن ولا في الامتيازات الاجتماعيّة. وأقصى ما يمكن الحصول عليه هو إعادة توزيع للمواقع الممتازة أو التّكثير منها، ولكن لا ينقلب سافلها بعاليها ولا تتحقّق بالثّورة المساواة المنتظرة. فجميع الثّورات منذ الثّورة الفرنسيّة سنة 1789 قد رافقتها خيبة عظيمة وتهافت أوهام الماضي، وأشكال حادّة من الغضب. هذه الأشكال الجديدة من "القوى الغضبيّة قد عالجها زلوترداك في الفصل الثّالث من كتابه (الثّورة الثّيموسيّة. في شأن بنك الغضب العالميّ الشيوعي). وفيه أدرج مفهوما جديدا محوريّا هو "بنك الغضب العالميّ". فما المقصود من "البنك" في سياق الغضب؟

إنّ الانتقال من منوال "الثّروة trésor" إلى منوال "رأس المال capital" هو آلية شائعة في المجال الماليّ. بيد أنّ الوظيفة البنكيّة تشمل قطاعا واسعا من الظّواهر أوسع بكثير من المعاملات الماليّة. ذلك أنّه توجد معاملات كثيرة شبيهة بمعاملات البنك تتدخّل في كلّ مكان حيث تتجمّع وحدات ثقافيّة أو نفسيّة سياسيّة، شأن الاكتشافات العلميّة والآثار الفنّيّة والاحتجاجات السّياسيّة وغيرها، لتنتقل، انطلاقا من حدّ معيّن من التّكديس والتّجميع، من شكل الثّروة إلى شكل رأس المال. فالثّروة هي التّجميع الثّابت للقيمة مهما كان نوعها، لكنّها تترصّد المناسبة المواتية الّتي تجعل استعماله ضروريّا. أمّا رأس المال فهو ثروة مستثمرة، لأنّها تشتغل، وتغامر، وتخاطر، لإنتاج أرباح أخرى. فرأس المال قرين هذا الاستعمال الدّيناميكيّ للثّروة، ولذلك عسر إحصاؤه وقياسه، وهو يقتضي مناهج ووسائل دقيقة لضبطه. ولأجل ذلك كان بالضّرورة ائتمانيّا. وكما توجد بنوك قادرة على تحويل الثّروة إلى رأس مال، كذلك توجد "بنوك غضب" نشأت في مبتدإ أمرها من حركات الأنوار العلمانيّة واللاّئكيّة. وعلى هذا النّحو يمكن أن نعرّف تعريفا نفسيّا سياسيّا "الأحزاب اليساريّة"، ونضمّ إليها أسماء كروبسبيار وباكونين وماو، بأن نعتبرها بنوك غضب تضمن لزبائنها فوائد ذات صلة بسياسة السّلطان والثّيموسيّة. وسيدفع هذا التّصوّر النّفسيّ السّياسيّ مؤلّف "الغضب والزّمان" إلى عرض مسلسل دمويّ من الثّورات والحركات الفوضويّة والشّيوعيّة والتّجارب الاشتراكيّة طوال صفحات دقيقة وصارمة دون تواطؤ ولا أوهام. وأهمّ ما جاء فيها أنّ الإستراتيجيّة المشتركة بين الحركات السّياسيّة تتمثّل في استقبال الدّوافع الثّيموسيّة وتنشيطها بالتّلاعب ببعض المثيرات القديمة كحبّ الوطن والخوف وكراهية الآخر… إلاّ أنّ هذه الحركات تخضع لبعض الإكراهات المرتبطة بتكثيف الغضب، كضرورة وجود مناضلين منضبطين بمقدورهم تأجيل انتقامهم حتّى تتوفّر للثّورة الحظوظ الملائمة، وللاستيلاء على الحكم الظّروف المناسبة. وهذا يقتضي عملا من التّربية الانضباطيّة لتهيئة هؤلاء المناضلين الّذين كثيرا ما عرّضوا هذه الحركات في الواقع لخطر الانزلاق إلى الدّكتاتوريّة. ففي الأمميّة الثّالثة الّتي سيطر عليها اللّينينيّون بدا لهؤلاء، بعد انتصار ثورة أكتوبر، أنّهم يمتلكون جهازا جديدا لتجميع الغضب بما يمكّنهم من توحيد هذا المخزون الهائل من الانشقاقات في العالم بأسره، وجعله في خدمة سياسة متناسقة مناهضة للرّأسماليّة والإمبرياليّة، مع وجود هوامش من الفوائد المرتفعة للجموع النّاشطة. فمنذ خريف 1918 دعي عمّال بيتروغراد إلى القضاء على الاشتراكيّين الدّيمقراطيّين الرّوس في هذا النّداء : "أيّها الرّفاق، اضربوا الاشتراكيّين الثّوريّين اليمينيّين دون رأفة ولا شفقة، فالمحاكمات والمحاكم ليست ضروريّة. فغضب العمّال ينبغي أن يندلع […] عليكم أن تصفّوا جسديّا الأعداء."(6). إلاّ أنّ هذه الحركات تتضمّن تناقضا داخليّا حين تدّعي أنّها ستزيل كلّ المظالم ناسية أنّه من المستحيل وضع جميع النّاس في الصّفّ الأوّل. ويشير زلوترداك في هذا الفصل إلى التّماثل الرّهيب في تدبير الانفعالات الثّيموسيّة بين شيوعية لينين أو ستالين والفاشيّة وحتّى النّازيّة. فقد تمكّن، دون أن يخلط بين الإيديولوجيّتين، من أن يبيّن إلى حدّ كبير من الإقناع تطابق الطّرائق والدّيناميكيات النّفسيّة السّياسيّة والآليات الّتي استخدمت بالفعل في نشأة هذين النّظامين الرّهيبين في القرن العشرين. نذكر منها على سبيل المثال هذا الخليط الرّهيب من الإرهاب والحطّ المستمرّ من قيمة الأفراد، أو إشعال الفتن الدّاخليّة والحروب الخارجيّة بما هي وسائل تقليديّة سهلة في تجنيد قوى الغضب الوطنيّة. ولا يفوّت زلوترداك فرصة تذكيرنا بالثّمن الباهظ المرتفع في أرواح النّاس. فتصفيات القولاق الطّبقيّة وحدها قد بلغت خمسة ملايين من الموتى حوالي 1930. أمّا ضحايا "الوثبة الكبرى إلى الأمام Grand bond en avant" في الصّين فقد خلّفت كارثة بشريّة قدّرت بخمسة وثلاثين مليون إلى ثلاثة وأربعين مليون نسمة (وثلاثين مليون في التّقديرات المحافظة الرّسميّة) من ضحايا المجاعات الرّهيبة معظمهم من سكّان الرّيف الصّينيّ والفلاّحين. وحين ذُكر لماو هذا العدد المهول من الضّحايا الّذي تسبّبت فيه توجيهاته السّياسيّة، اكتفى بأن أكّد أنّ لهؤلاء الموتى فائدة عظيمة في تسميد أرض الصّين وإخصابها بجثثهم (7).


إنّ هذه القراءة الثّيموسيّة الدّيناميكيّة للقوى الغضبيّة الّتي كانت تحرّك معظم البلدان الاشتراكيّة قد قادت زلوترداك في الفصل الأخير من كتابه (تشتّت الغضب في عهد الوسط) إلى النّظر في الوضعيّة النّفسيّة السّياسيّة الرّاهنة في العالم. وهي وضعيّة جديدة من سماتها البارزة افتقارها لمراكز تجميع للغضب ذات منظور عالميّ. فلا أحد يعرف ماذا يصنع بسخط الشّعوب وغضبها المقدّس. فهو ينفجر باستمرار هنا وهناك محدثا جعجعة تعبّر عن انعدام الرّضا، ولكنّه لا ينتج شيئا سوى تعبير معزول عن غضب غير قادر على أن يتجمّع في الأشكال التّاريخيّة المعروفة، كالأحزاب الرّاديكاليّة وحركات المعارضة الدّوليّة القادرة على الضّغط على المركز البرجوازيّ. فمن حين إلى آخر يتجلّى الغضب في مظاهرات حاملة لافتات الاحتجاج، أو سيّارات مشتعلة تضفي على غضب المهاجرين أو سكّان الضّواحي شكلا ملتهبا، ولكنّه في جميع أشكال تعبيره يظلّ غضبا عاجزا عن الارتباط برؤية تهب للجماعات قدرة هائلة على التّحرّك، أو منظور يمكّن شتات الغاضبين من تجميع طاقاتهم في شكل "بنك الغضب العالميّ". فالبؤس العالميّ والمعاناة والمظالم الّتي لا تكاد تنتهي كافية اليوم لإثارة غضب الأرض حتّى تنبثق منه عشر ثورات شبيهة بثورة 17 أكتوبر. ورغم ذلك يبدو أنّ حقول الثّيموس لم تستقرّ، لأنّها لم تتمكّن من بلوغ الفكر الّذي يستطيع تجميعها مثلما أنّ الفكر لم يتمكّن من العثور عليها. فما يميّز العصر الرّاهن، ويمكن تسميته بالعصر المابعد شيوعي post-communiste، هو أنّ الغضب قد تخلّى عن الفكر. فقوى الغضب المتّجهة نحو المستقبل وثقافة الغضب والانشقاق قد تلاشت معا واندثرت. فكمّيات الغضب المتوفّرة عند المنبوذين وأصحاب الطّموح والفاشلين والمتعطّشين إلى الانتقام لم تنقص أبدا، وإنّما ارتفعت كثيرا في ظلّ الظّروف اللّيبراليّة المحافظة واختفاء أنظمة الشّرق الاستبداديّة. إلاّ أنّ الهيئات الرّمزيّة الّتي تولّت خلال قرنين غنيّين بالنّزاعات والقلاقل تجميع طاقات الغضب والانشقاق وتحويلها سياسيّا إلى احتياطيّ هائل من الغضب والتّهديد قد فقدت وظيفتها في عصر بدأ يحوّل "بنوك الغضب" إلى "بنوك جشع"، والقوى الثّيموسيّة إلى قوى إيروسيّة. وهذا الانقلاب هو ما يميّز العصر الما بعد شيوعي الّذي يتضمّن عدّة تحوّلات، منها انقلاب الاقتصاد الموجّه إلى اقتصاد السّوق، وتعويض وسيط اللّغة بوسيط المال. ويمكن ترجمة هذا الانقلاب من منظور نفسيّ سياسيّ بالمرور من أنظمة قائمة على ديناميكيّة الغضب والاعتزاز إلى أنظمة قائمة على ديناميكيّة الجشع، أي التّخلّي عن القوى الثّيموسيّة لفائدة قوى إيروسيّة بلا حدود بما تعنيه هذه القوى من رغبات التّملّك وربح المال، بما أنّ المال يلد المال، واعتناق روح الرّأسماليّة. ولعلّ كلّ هذه التّحوّلات الّتي ميّزت العصر الما بعد شيوعي يمكن تفسيرها بانخفاض كبير في سعر السّلم الاجتماعيّ والبطالة الّتي جعلت "مسرح التّهديدات العالميّ Le théâtre mondial des menaces" يفقد نجاعته وضراوته (8).

فللسّلم الاجتماعيّ ثمن يرتفع وينخفض بما تمتلكه، النّقابات مثلا، أو أحزاب العمل، أو الشّيوعيّون الّذين يشغلون مقاعد في البرلمانات الأوروبيّة… في بنك الغضب من قوى تهديد هائلة. فقد تمكّنت هذه التّنظيمات ذات الرّصيد الغضبيّ المرتفع من اقتلاع الكثير من التّنازلات من اللّيبراليّين

والمحافظين الرّأسماليّين، وهي تنازلات تتعلّق بإعادة توزيع الثّروة والامتيازات الاجتماعيّة، وذلك بالمفاوضة فقط الّتي كانت تهدّد على نحو ضمنيّ بالصّراع الطّبقيّ. ولم يظهر اللّيبراليّون الجدد في الفضاء السّياسيّ العالميّ إلاّ حين انخفض ثمن السّلم الاجتماعيّ. وقد اكتشفت مارغريت تاتشر Margareth Tatcher بفضل مستشارها جوزيف كيثJoseph Keith أنّ قوى التّهديد في دول الغرب قد تلاشت تماما بإفلاس رصيدها في بنك الغضب العالميّ. كذلك لم يصبح للمحافظين الجدد وجود سياسيّ فعّال إلاّ حين بدأ الشّعور بوهن الكتلة الشّرقيّة يشتدّ وأنّها كتلة في طريق الزّوال. ومنذ ذلك الوقت فهم الشّقّ اللّيبراليّ المحافظ أنّ الأطراف الّتي تفاوض على زيادة الأجور والامتيازات الاجتماعيّة قد ضعفت تماما إن لم يكن قد تهافتت. ولعلّ هذا هو ما عجّل بنهاية الصّراع التّقليديّ شرق/غرب، ورأسماليّة/شيوعية، وبظهور صراع من نوع جديد بين رأسماليّات كثيرة أبرزها الرّأسماليّة اللّيبراليّة ذات الأسلوب الغربيّ والرّأسماليّة الاستبداديّة ذات الطّابع الشّرقيّ على المنوال الصّينيّ.

غير أنّ الاستثناء الوحيد في خضمّ هذه التّحوّلات المتسارعة يظلّ دون شكّ الإسلام السّياسيّ الّذي شغل، بحركّيته المذهلة، وبمفرده، الخشبة في "مسرح التّهديدات العالميّ". فـ"هل بمقدور الإسلام السّياسيّ أن ينشئ بنكا عالميّا جديدا من الانشقاق؟" ذاك هو السّؤال الّذي طرحه زلوترداك في آخر فقرة من كتاب "الغضب والزّمان". وهو بهذا السّؤال يبحث عن الشّروط الّتي جعلت "الإرهاب الإسلاميّ" يظهر على مسرح القوى القادرة على التّهديد. فمنذ البداية لم يكن الإسلاميّون مجرّد طفيليّين تابعين لكوكبة الحركات الما بعد شيوعية. بل لم يخطر ببال أحد أنّ مجيئهم قد يكون شبيها بكاثوليكيّة ثالثة، أو نسخة شرقيّة من الشيوعيّة. ولم يفرض الإسلاميّون بين عشيّة وضحاها وجودهم على الولايات المتّحدة في البداية، ثمّ على أوروبا العاجزة، بوصفهم العدوّ البديل. فرغم أنّهم لم يكونوا في البداية يشكّلون خطرا مادّيّا حقيقيّا لعدم امتلاكهم للأسلحة النّوويّة والبكترولوجيّة والكيميائيّة فإنّ الغرب اللّيبراليّ لم يرحّب بقدومهم، لأنّ "الإرهاب الإسلاميّ" يشوّه برسائله العنيفة واجهات مجتمع يريد أن يكون "مجتمعا دون أعداء". ومهما يكن حكم الغرب على هذا الإرهاب الجديد الّذي يعدّ ظاهرة هامشيّة (وفي أحسن الأحوال هو علامة تنذر بهبوب عاصفة سياسيّة) فإنّه ما كان ليُقْرَأَ له حساب لو لم يشغل موقعا بالغ الأهميّة في الحساب الجديد لأثمان السّلم الاجتماعيّة في المجتمعات الغربيّة. فإذا كان التّهديد الشيوعي قد جعل السّلم الاجتماعيّة باهظة الثّمن فإنّ تهديد "الإرهاب الإسلاميّ" قد جعل تلك الأثمان بصفة عامّة منخفضة. فبسبب كراهيته اللاّمحدودة لنمط الحياة الغربيّ، ولّد هذا الإرهاب مناخا من الخزي انتشر بسرعة ممّا جعل لقضايا الأمن السّياسيّ والوجوديّ الأولويّة المطلقة على حساب قضايا العدالة الاجتماعيّة (9).
 
وعموما، فإنّه عندما ندرس هذا الظّهور الجديد لمخزون التّهديد على خرائط الجغرافيا السّياسيّة لزمننا الحاضر، فإنّ ذلك يحملنا على التّساؤل كيف ينبغي أن نفهم بدقّة هذا الخطر الإسلامويّ؟ بأيّ وسيط من الوسائط يشتغل هذا الإسلام السّياسيّ من دون أبنية الغرب النّفسيّة السّياسيّة والدّول الإسلاميّة؟ وهل يوجد حقّا في مخزونه الغضبيّ ما يمكّنه من "تعويض الشيوعيّة بما هي مذهب عالميّ"؟ ومن أين يستمدّ هذا الشّبح الّذي يقضّ مضاجع أوروبا والولايات المتّحدة ومناطق أخرى من العالم هذه القدرة الهائلة على التّهديد الّتي تجعله باعثا لقلق الكثير من قادة القوى الحاكمة؟ هل يمكن لهذا الإسلام السّياسيّ سواء أكان في هيئة إرهابيّة أم سلميّة أن ينتشر ليصبح البنك العالمي البديل للغضب؟ هل بمقدوره أن يصبح مركزا لتجميع الطّاقات المضادّة للأنظمة ولقوى الغضب ما بعد الرّأسماليّة؟ وهل هو مسلّح بقدرة على الاجتذاب الشّامل العالميّ؟ بل إلى أيّ حدّ يمكن أن نتمادى في الحديث عن النّزعة الإسلامويّة، والاستمرار في كتابة قصص الغرب الكبرى المُجْهَدة عن صعود المنبوذين والمضطهدين أمام ساداتهم القدامى والجدد؟ هل يكفي التّأمّل في مفهوم "الجهاد" حتّى يضحي مصلحا مرادفا لمفهوم "الصّراع الطّبقيّ"؟ أليس للجبهات النّاجمة من يقظة العالم الإسلاميّ سمات نوعيّة مخصوصة لم تصبح متلائمة مع الأشكال السّرديّة الغربيّة للثّورة المستمرّة والانعتاق وحقوق الإنسان، إلاّ بواسطة سوء الفهم وسلسلة من التّشويهات وأعمال التّلبيس (10)؟

إنّ جميع هذه الأسئلة الّتي طرحها زلوترداك تهيّئ في واقع الأمر للأطروحة التّالية : هل الإسلام السّياسيّ هو وريث بالقوّة للشيوعيّة؟ وهل المسلم الأخير هو الشيوعيّ المقبل (11)؟ 
توجد سمات أو وجوه شبه تاريخيّة في الشيوعيّة يمكن أن نلمحها أيضا في الإسلام السّياسيّ :
أوّلها أنّ "الإسلامويّة l'islamisme" تمتلك ديناميكيّة رسالة لا تقاوم ممّا يهيّئها لتشكيل جماعات تتنامى بسرعة، وهي تتكوّن من أغلبيّة ساحقة من المعتنقين الجدد لمبادئ الرّسالة وتوجيهاتها. فـ"الإسلامويّة" من هذا المنظور "حركة" بالمعنى التّامّ للكلمة. فهي لا تتّجه فحسب إلى العموم على نحو شبه كونيّ (أي دون تفرقة مرتبطة بالوطن أو الطّبقات الاجتماعيّة)، وإنّما تتّجه بجاذبيّتها إلى المحرومين والمُهانين. فهي باختصار تجذب هذه الانفعالات الغاضبة كأنّها نقابة للفقراء والمُهْملين روحيّا ومادّيّا، أو كأنّها روح عالم بلا قلب. فما إن يُقْبَلَ شخص مّا في صفوف الإسلاميّين حتّى يصبح قابلا للاستعمال في صلب الجماعة المحاربة. فالانتماء إلى جماعة ملتهبة حماسا وغضبا يمنح للأنصار الجدد الإحساس بأنّهم ينتمون إلى وطن، وأنّهم يضطلعون بدور عظيم بالغ الدّلالة في مسارح التّهديد في العالم.

أمّا السّمة الثّانية من جاذبيّة الإسلام السّياسيّ فيستمدّها من قدرته على تقديم "صورة للعالم" يسيرة الفهم عظيمة يضطلع فيها الجهاد بدور كبير، وعلى تمييز حادّ بين الصّديق والعدوّ، وعلى رسالة ظافرة خالية من كلّ غموض، ورؤيا طوباويّة مُسْكِرة تتمثّل في قيام الإمارة العالميّة الّتي ستوفّر لملايين المسلمين سكنا شاملا يمتدّ من الأندلس إلى الشّرق الأقصى. وعلى هذا النّحو نرى كيف استبدل العدوّ الطّبقيّ بعدوّ العقيدة، والصّراع الطّبقيّ بالحرب المقدّسة. فالأصوليّة في جوهرها إنّما هي حثّ على الحركة أكثر ممّا هي دعوة إلى الاعتقاد، فهي توفّر أدوارا لعدد هائل من النّاشطين ليمرّوا من النّظريّة إلى الفعل. وفي هذا المستوى الحركيّ تضاهي "الإسلامويّة" الشيوعيّة التّاريخيّة، بل هي تفوقها بقدرتها على مواجهة ثقافتها الأصليّة لا بصفتها حركة قطيعة جذريّة وإنّما بوصفها حركة تأسيس ثوريّة.

أمّا السّمة الثّالثة، وهي الأهمّ في بيان ديناميكيّة الحركات "الإسلامويّة" المتنامية، فتتمثّل في حيويّة الإسلام السّياسيّ الدّيمغرافيّة وقدرته على استيعاب هؤلاء القادمين الجدد من الشّباب. فهو من هذه النّاحية يشبه الحركات الكليانيّة في القرن العشرين بما هي حركات شباب أو حركات رجال شبّان. فتناميه السّريع يُعزى إلى هذا الفائض الحيويّ النّاتج من أمواج هائلة من الشّبّانّ العاطلين عن العمل والمحرومين من كلّ الآمال الاجتماعيّة، فلا يجدون متنفّسا لغضبهم إلاّ بالمشاركة في برامج التّمرّد الآتية المتمثّلة في ضرب العدوّ القريب قبل البعيد، واليوم قبل الغد.

إنّ هذه الملامح العامّة الّتي تميّز الحركات الإسلامويّة الرّاديكاليّة الرّاهنة ترسم في الآن نفسه الحدود الّتي يقف عندها إمكان المقارنة بينها وبين الشيوعيّة التّاريخيّة. ذلك أنّ فكرة التّوسّع الإسلامويّة والانتشار في العالم لا علاقة لها بطبقة العمّال والأجراء الّذين يتجمّعون لوضع حدّ للبؤس بالاستيلاء على السّلطان السّياسيّ. فالإسلامويّون يكوّنون بروليتاريا غاضبة أو ما دون البروليتاريا sous-prolétatariat. بل هم أقلّ من ذلك بكثير، لأنّهم حركة يائسة متألّفة من أشخاص هم اقتصاديّا زائدون عن الحاجة superflues، واجتماعيّا غير قابلين للاستعمال initulisables. وتتجسّم في مثال 11 سبتمبر 2001 وسقوط مبنيي مركز التّجارة العالميّة سمات هذا الإسلام السّياسيّ. فهذا الحدث لا يمثّل عرضا للقوّة الإسلامويّة، وإنّما هو رمز للافتقار الشّامل للوسائل. فأعداء الغرب من الإسلامويّين قد استخدموا وسائل الغرب (الطّائرات) للانتقام من مبتدعها (12). ولكنّه استخدام يثبت هذا النّقص الّذي لا يمكن تعويضه إلاّ بالتّضحيات البشريّة، وهي تضحيات قد اتّخذت من المقدّس قناعا لها. فالإسلامويّة الرّاديكاليّة في أيّامنا هذه هي مثال لإيديولوجيا انتقاميّة خالصة لا يمكنها إلاّ أن تعاقب وتنتقم، ولكنّها لا تنتج شيئا. وما تعبئتها المستمرّة الهائلة لأمواج الشّبّانّ العاطلين واليائسين المحرومين قصد تجنيدهم في حرب غامضة الهدف باسم الإرادة الإلهيّة إلاّ نوع من التّدمير الذّاتي لهؤلاء المسلمين الزّائدين عن الحاجة.

والسّؤال الّذي نختم به هذا العرض : هل المسلم الأخير هو "إنسان غاضب" لأنّ الحركات الإسلامويّة المنتثرة هنا وهناك في أصقاع العالم لم تتمكّن من جرّاء شتاتها من تجميع قواها الغضبيّة في "بنك غضب إسلاميّ عالميّ"، وتحويلها إلى قوى تهديد سياسيّة ضاربة في الفضاء السّياسيّ؟ أم المسلم الأخير هو "إنسان زائد عن الحاجة" بسبب الانفجار الدّيمغرافيّ الّذي عرفته المجتمعات الإسلاميّة (13)، فأضحى من المستحيل استخدام الجموع الجديدة من الشّبّان اقتصاديّا واجتماعيّا في ظلّ أنظمة سياسيّة فشلت في تنفيذ مشروع الحداثة والإيفاء بوعودها بسبب انقلاب سياستها إلى "سياسة حياة" Bio-politique ؟

الهوامش:
1- وردت هذه الملاحظة في مقالة: Jean Birnbaum: Terreurs de l'Occident, Le Monde des livres. Article paru dans l'édition du 23.11.07
2- "la furie religieuse consubstantielle à la part la plus obscure, la plus vénéneuse de l'âme humaine".
3- انظر كتابه: Sloterdijk, Peter: (2007) Colère et temps. Essai politico-psychologique. Traduit de l'allemand par Olivier Mannoni. Libella –Maren Sell. وقد تحصّل زلوترداك بهذا العمل على جائزة شارل فايون الأوروبيّة للمقالة Prix européen de l'essai Charles Veillon سنة 2008
4- يعود الفضل في تقديم أحسن الملخّصات عن الخطابات القديمة والحديثة الدّائرة على مفهوم "الثّيموس thymós"، وعرض أثرى التّأمّلات في شأنه إلى فرنسيس فوكوياما في كتابه الشّهير:Fukuyama, Francis: (1992-2001) La fin de l'histoire et le dernier homme. Traduit de l'anglais par Denis-Armand Canal. Champs-Flammarion.
5- انظر: Sloterdijk, Peter: Colère et temps, op.cit, p120. حيث أورد مقاطع كثيرة من التّوراة منها هذا المقطع من المزمور 58، وهذا متنه : "هشّم أسنانهم في أفواههم يا الله. حطّم أنياب الأشبال. ليتلاشَوْا كالماء المراق، ولْتَتَكسّر رؤوس سهامهم عندما يُصوّبونها. ليتلاشَوْا مثل القواقع في أثناء زحفها، وكالجنين المُجهض لا يُعاينون الشمس. وقبل أن تُحِسّ قُدوركم بنار الأشواك تحتها، يكتسح الله كبيرَهم وصغيرَهم بعاصفة غضبه، يفرح الأبرار حين يروْن عقاب الأشرار، ويغسلون أقدامهم بدمهم. فيقول النّاس : «حقّا إنّ للصّديق مكافأة، وإنّ في الأرض إلها يقضي». الكتاب المقدّس، ص 724.
6- انظر: Sloterdijk, Peter: Colère et temps, op.cit, p.p202-203.
7- انظر: Sloterdijk, Peter: Colère et temps, op.cit, p241.
8- انظر مداخلة: Sloterdijk, Peter: Le théâtre mondial des menaces المقتطفة من كتابه (Colère et temps, op.cit, p.p295-302) ضمن المؤلّف الجماعي: Pierre Dockès, Francis Fukuyama, Marc Guillaume, Peter Sloterdijk: (2009)Jours de colère. L'esprit du capitalisme. Descartes & Cie, p.p37-69.
9- انظر: Sloterdijk, Peter: Colère et temps, op.cit, p304. حيث بيّن كيف أنّ شعار "الحرب على الإرهاب war on terror"، هذه "الحرب الغريبة"، قد استغلّها المحافظون الجدد بالولايات المتّحدة للحديث عن "حرب عالميّة رابعة"، وذلك لخنق قدر الإمكان كلّ تشكيلات المعارضة الرّأسماليّة الدّاخليّة intracapitaliste الّتي تمثّل أصوات اللاّمساوة الاجتماعيّة المتصاعدة.
10- انظر: Sloterdijk, Peter: Colère et temps, op.cit, p.p304-305.
11- هذا الإمكان ماثل عند بعض الفلاسفة كألان باديو وتشيتشاك. انظر: Žižek, Slavoj: (2010) Après la tragédie; la farce! ou Comment l'histoire se répète. Traduit de l'anglais par Daniel Bismuth. Bibliothèques des savoirs Flammarion, Paris ; p112.
12- انظر: بودريار، جان: روح الإرهاب، ترجمة بدر الدين العرودكي، الفكر العربي المعاصر، العدد 120-121، خريف 2001/شتاء2002.
13- انظر: Sloterdijk, Peter: Colère et temps, op.cit, p311. حيث قدّم أرقاما بيّن فيها أنّ عدد السّكّان المسلمين في العالم قد تضاعف ثماني مرّات خلال قرن. فبعد أن كان المسلمون يعدّون 150 مليون نسمة سنة 1900، بلغ عددهم سنة 2000 مليارا ومائتي مليون نسمة. وعلى هذا النّحو أصبح عددهم يمثّل سلاحا ديمغرافيّا، وهو سلاح حديث العهد.
 

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

- أمير الغندور
31 تموز (يوليو) 2010 16:10

- التوصيف الذي بدأ به المقال والمستعار من رونيه جيرار الذي وصف الكاتب نظريته بأنها (تستند إلى أنتروبولوجيا مسيحية) تحتاج إلى تفكيك وفهم .. ولا يفي بذلك ما قدمه الكاتب من إيراد لها والحديث عن العناية بها.
- بل يجب فهم ما يلي:
- العنف ليس ظاهرة دينية .. ومن يقول ذلك لا يفقه عن الأديان شيئا.
- وإلا فما تفسير العنف المعاصر في السياق الغربي الذي لا ينطلق من دين بل من علمانية قضت على الدين. وفي السياق الروسي الإلحادي؟؟؟
- أظن التسرع والتسطيح واضح في مقولة رونيه جيرار هنا.
- من الواضح إذن أن العنف لا علاقة له بالأديان بل له علاقة بالمجتمعات البشرية واختياراتها سواء دينية أو لادينية أو إلحادية.
- بل إن أغلب المفكرين والفلاسفة الغربيين يؤكدون أن العنف العلماني أشد دمارا من العنف الديني في أي مرحلة من التاريخ. ويكفي مراجعة فوكو وماركيوز وغيرهما لتأكيد هذه القول.
- إذن فما يقال عن ربد العنف بالدين هو محض أسطورة تبريرية ومؤدلجة لتمرير الأطروحات العلمانية والإلحادية لا أكثر.
- لا أعلم متى نستطيع أن نفكر لأنفسنا أو على الأقل أن نتحلى بعقل ناقد لما نقرأ بدلا من مجرد تمرير المقولات بشكلا لانقدي مثل الببغاوات.
- فقد بدأت أظن أن كثير من راكبي الثقافة العرب ما هم سوى ببغاوات لمقولات غربية مؤدلجة لا أكثر


الرد على التعليق

- أمير الغندور
31 تموز (يوليو) 2010 16:45

- فلنبق في إطار تفكيك مقولات رونيه جيرار الخرافية التي بدأ بها المقال، حيث يقول:
- (كانت المسيحية ديانة مضادة، الارتياب في خصوص العنف الأضحوي، والدّيانات العتيقة)
- هل هذه مقولة تستند إلى أي فهم للتاريخ؟؟ هل كانت الحملات الصليبية مضادة للعنف؟؟
- أم هل كانت محاكم التفتيش مضادة للأضحيات البشرية التي يسفك دمائها في سبيل تطهير المجتمع من خطيئة الكفر؟؟
- هل النظام الكهنوتي المصيحي القائم على تحريم الزواج للكاهن لا يقوم على التضحية بالذات من أجل الصلاة لصالح الآخرين؟؟
- أظن أن ما يكتبه رونيه جيرار هنا إما يعبر عن عجز مؤدلج عن فهم طبيعة المسيحية بحيث لا يصح أن نحسبه مفكر مسيحي من الأساس. بله حتى أن نعتبر له أي دراية بتاريخ الأديان أو بجواهرها.


الرد على التعليق

- أمير الغندور
31 تموز (يوليو) 2010 17:04

- يقول رونيه جيرار: (لو قلتَ .. إن إحدى هاتين القوتين ستسمى "الإسلام")
- وأنا هنا أعتمد بشكل تام على ترجمة العادل خضر دون عودة للمصدر. وأطرح سؤال: ما هو المسمى "الإسلام" بألف لام التعريف هنا؟؟
- هل المقصود به العالم الإسلامي؟؟ بالطبع لا. ذلك أن أهم حلفاء الغرب المنصاعين هم من العالم الإسلامي ومن قادته تحديدا.
- هل المقصود هو المسلمين؟؟ بالطبع لا أيضا لأن المسلمين كمجتمعات مدنية تفتقد حتى لمقدرات ممارسة الصراع مع حكوماتها ناهيك عن الصراع مع الدول الخارجية.
- إذا ما المقصود بالإسلام هنا؟؟
- لا يبقى أمامنا سوى أنه يقصد بالإسلام الهوية الإٍسلامية أو أيدلوجيا إسلامية من نمط ما.
- إذن فنحن هنا أمام مفكر يقول يلقي بالعالم الإسلامي وبالمجتمعات الإسلامية إلى الهامش ويركز حصرا على ما يراه هوية إسلامية أو أيديولوجية ليضفي عليها اسم الإٍسلام بألف لام التعريف.
- هل هذا توصيف علمي؟ أنا على يقين من أن شخص كهذا لو كتب هذا الكلام في أي جامعة أجنبية فإنه سيحصل على صفر عن بحثه.
- وربما لا يعلم أكثرنا معايير التقييم والتدقيق في الأبحاث العلمية والاجتماعية في الغرب. لكن لي بها بعض الدراسية لدرجة أني متأكد أن مصير سطر كهذا في أي بحث في جامعة بريطانية أو أمريكية محترمة سيحصد صفر بامتياز.
- لأن مثل هذا التسطيح العلمي الذي يستخدم اسم علم ليطلقه على هوية أو أدلوجة مزعومة في ذهنه هو ويصورها على أنها تحارب. بينما هي لا تزيد عن بضعة آلاف محارب في تنظيم القاعدة ويعتبرها تستحق أن يطلق عليها اسم الإٍسلام بألف لام التعريف..
- أقول أن تصرف كهذا يوحي بأن صاحبه غير علمي بل ومؤدلج من الاساس .. لأنه يتعامل مع أفكار وهويات في الهواء دون أن يرسخها في الواقع.
- مثل هذه التوصيفات تعود إلى مفكري العصور الوسطى، قبل ديكارت وقبل كانط وهيجل. حيث أصبحت الظواهر البشرية لابد أن تدرس في ظواهرياتها لا في هوائياتها.
- إن ما نقرأه في مقتبس رونيه جيرار أعلاه ما هو إلا تفكير هوائي لا علاقة له بالأنثروبولجيا الدينية ولا حتى باللاسلكية


الرد على التعليق

- أمير الغندور
31 تموز (يوليو) 2010 17:11

- ليس الغرض هنا نسب العنف إلى المسيحية ..
- بل مقصدي هو التأكيد على أن أي نسب للعنف إلى أي دين أو إلى أي هوية أو أدلوجة مزعومة هو محض تخريف لاعلمي.
- فالعنف ظاهرة اجتماعية موجودة من قبل الأديان وبدونها ومن بعدها ورغما عنها.
- وربما كانت الأديان في اساسها هي محاولات لتقنين العنف وتحجيمه وإدارته.
- أما الحديث عن عنف هكذا دون أي فهم أو أي تحديد وقرنه ونسبه إلى أديان هكذا دون فهم لسياقات هذه الأديان ولا لتاريخها .. فهذا محض تخريف وليس علما ولا هو انثروبولوجيا دينية ولا انثروبولوجيا باذنجانية على رأي عادل إمام حيث العلم لا يكيل بالباذنجان.
- يا علماء .. يا نقاد .. يا كل من لديه ذرة عقل .. رفقا بالعلم وسحقا للمتعالمين


الرد على التعليق

- أمير الغندور
31 تموز (يوليو) 2010 17:49

- لماذا تترجم désir de reconnaissance بشوق الاعتراف؟؟
- من الخطر استخدام مصطلح الاعتراف عندما نكون بصدد الحديث عن المسيحية. لأن للاعتراف مدلول مختلف عن reconnaissance
- أحسب الترجمة المثلى ليست الاعتراف بل التعرف.
- حتى لا نقع في الاعتراف بصفته اعتراف بالخطأ confession وهي ممارسة بين الإنسان والله أو الكهنوت.
- وهو ما يختلف كثيرا عن مفهوم الاعتراف المراد في كلمة reconnaissance
- حيث يقصد بالأخير التعرف وليس الاعتراف. وأيضا أحسبك تخلط بين reconnaissance وبين recognition بمعنى إدراك وجود الآخر.


الرد على التعليق

- أمير الغندور
31 تموز (يوليو) 2010 18:28

- يقول الكاتب: (فالإسلامويّة الرّاديكاليّة في أيّامنا هذه هي مثال لإيديولوجيا انتقاميّة خالصة لا يمكنها إلاّ أن تعاقب وتنتقم، ولكنّها لا تنتج شيئا.
- يجب أن نسأله: ماذا أنتج إذن قيام إسرائيل من في الحضارة التي تعدها أنت غير انتقامية بل إنتاجية بامتياز؟؟ وهناك مئات الأمثلة الأخرى.
- هل ترى في ذلك إنتاجا؟؟ بالطبع أحسبك تراه كذلك. لكن هل هذه رؤية واقعية أم مؤدلجة؟؟ هذا هو السؤال الهاملتي الذي نخشى طرحه لأننا نعلم إجابته جيدا.
- أظن أن مسألة تعليل التمرد أو الإرهاب الإسلامي بظروف الفقر خاطئة تماما. ولو اطلعت على أدبيات علماء السيكلولوجيا الأجانب المتخصصين في الإرهاب لعرفت ذلك.
- فلماذا مثلا لا نجد إرهابيين إلا من دول معينة لا يمكن أن نعدها فقيرة مثل السعودية ومصر والأردن؟؟ ولماذا يأتي هؤلاء من بين أهم الفئات المهنية القوية فيها مثل الأطباء كالظواهري مثلا؟؟
- طبعا التفسير بالفقر تفسير ماركسي اقتصادوي ثبت فشله منذ زمن ولم يعد يجتره سوى من لا يتابعون تطورات الفكر السوسيولوجي المعاصر.
- أما بالنسبة للتفسير بالإنتقام، فأحيلك على فريدريك نيتشه .. علك تدرك فساد هذا التفسير.
- فما سر تمرد نيتشه ورغبته في الإنتقام من الحضارة التي تحسبها أنت (إنتاجية) .. هل كان الفقر لا سمح الله؟ أم أنه محض شخصية انتقامية غير منتجة؟؟
- أرجو أن تطلع على كتاب العلم المرح لنيتشه وتقرأ فقراته الهامة مثلا رقم 58 وعنوانها لا يمكن أن ندمر إلا باعتبارنا مبدعين ورقم 69 بعنوان استعدادا للإنتقام ورقم 55 بعنوان معنى النبالة.
- لو أطلعت على نيتشه ستجد أنه يقرن بين النبالة والانتقام وممارسة إرادة القوة، فما هو تفسيرك لذلك؟؟ هل هو محض شخص زائد عن الحاجة لا يجد عملا في مؤسسات منتجة؟؟
- يقول نيتشه: إن ضحية سهلة لشيء جدير بالاحتقار لذوي الأمزجة الشامخة. وله كذلك صفحات طوال هو النبيل الذي يمارس الإنتقام بشموخ ويهزأ بمن يحدثه عن الإنتاجية ممن يصفهم بأنهم محض (أطباء الهدف من الوجود).
- عزيزي. إرداة القوة والإنتقام والتمرد لا علاقة لها بالفقر. بل هناك علوم جديدة ظهرت منذ بداية القرن اسمها السوسيولوجيا.
- الآن فقط فهمت لماذا كانت عبدالله العروي يرفض أن يصفه أحد بأنه فيلسوف أو متفلسف، ويصر على أن يصف عمله بأنه اجتماعيات أو سوسيولوجيا الثقافات.


الرد على التعليق

  • - أمير الغندور
    1 آب (أغسطس) 2010 09:01

    عذر: هناك علوم جديدة بدأت تحل محل فلسفات روح الشعوب (وليس ظهرت) منذ بداية القرن اسمها السوسيولوجيا.


    الرد على التعليق

السعودية - الخبر - ناصر محمد
1 آب (أغسطس) 2010 15:10

لا علاقة بين الإسلام وما يفعله المسلمون.. وعليه لا شأن للشيوعية بما فعله الشيوعيون .. وما دخل الرأسمالية بما يمارسه الرأسماليون؟ .. ثم ما علاقة الكنيسة بما اقترفه أتباعها الكنسيون؟ .. وهكذا نواصل الفصل قسرا بين كل منهج وبين سلوك وممارسات الأتباع .. وليس الفصل المراد ذو مآخذ جزئية حتى يكتسب قدرا من الموضوعية بل فصل تام وإنكار بالمطلق توضح أن المنطلق اديولوجي لا يختلف عمّا يبديه خرّيجي الكتاتيب إلا في لغته والملمعة بالمقولات العصرية لإضفاء القيمة .. تنكر علاقة الإسلام بالتطرف العدائي الطاغي في سلوك المسلمين بذريعة وجود مسلمين مسالمين، وأنت بهذا كمن ينكر علاقة تدخين السجائر بمرض السرطان بدليل وجود ملايين المدخنين لم يصابوا بالمرض! حسنا يا سيد هل هذا مراس البتنجان الذي حدثتنا عنه أم كوسة وبطيخ وقليل من السحلب!؟ هذا بالضبط ما تتبناه يا استاذ أمير متسلحا في طرح فكرتك بالإغراق في الكلام على غير هدى، حتى يتكاسل القراء عن التعقيب عليه لكثرة ما يعتريه من هفوات وثقوب .. والجانب الآخر لتهافت آرائك أنك في سياق التعقيب اعتدت أن "تزحلق" معلومة ثم تستطرد في البناء عليها بينما لو دققنا لتبين أنها تحتاج إلى إثبات يتعذر عليك تقديمه، وبالتالي فإن كل ما بني عليها من استطراد هو جهد مهدر لا معنى له .. فمثلا تقول [بينما هي لا تزيد عن بضعة آلاف محارب في تنظيم القاعدة ويعتبرها تستحق أن يطلق عليها اسم الإٍسلام بألف لام التعريف] انتهى .. هكذا دس الأستاذ معلومته بين السطور ثم شمّر عن ثوبه وانطلق في ماراثون البناء عليها باعتبارها حقيقة مثبتة ولو أنه توقف عن اللهاث للحظات لسألناه: ما أدراك أنهم لا يزيدون عن بضعة آلاف محارب؟ من أين "سلقت" هذه المعلومة الجوهرية التي هي عماد رأيك؟ هل أوحي إليك أم حسبتهم على "صوابع" قدميك؟ أنا سأقول انهم ملايين المحاربين على اختلاف المهام المناطة بكل وحد منهم وسآتي إلى ذلك لاحقا! ثم ان التركيز على عدد المحاربين الميدانيين في تعقيبك على ما أورده الكاتب يتغاضى عن التضامن الوجداني منقطع النظير الذي يحظى به تنظيمات مثل القاعدة وحزب الله وحماس عند مختلف الشعوب العربية والإسلامية وما يوفره لهم هذا التضامن من تسهيلات وإمدادات مالية. أم تظنهم يحاربون مساءً ويخبزون الفطائر في الصباح لتأمين قوت يومهم!؟

لقد أغفل الأستاذ التفكيكي أمير غندور - لعلها غفلة الجهل وليس التجاهل - ان الحديث عن إسلام راديكالي متطرف لا يقتصر في مضمونه على المقاتلين في ميدان النار والبارود فهؤلاء - بصرف النظر عن فرضياتنا بشأن عددهم - ليسوا سوى الحلقة الأخيرة من سلسلة البناء الفكري المتطرف .. هم إحدى تمظهراته في حدها الأقصى من العدوانية وإلاّ فغيرها كثير من الظواهر الأخف "نوعا" لكنها أكثر "كماً" .. وإذا تذكرنا ما يحصل من صراعات عدائية واقتتالات في منتهى الوحشية - ضاربة في أعماق التاريخ الإسلامي - تحدث داخل المجتمعات الإسلامية بين شرائحها الطائفية والدينية (باكستان - العراق - ايران - مصر - السعودية - الجزائر ….) علمنا حينها أن العلة باطنية قديمة جدا وليست تصدير عصري قدم إلينا على صهوة المكائد الغربية .. طالع التقرير الذي صدر مؤخرا عن وزارة الأوقاف المصرية عن معاهد الدعاة السلفية في مصر (نوعية المناهج ومصادر التمويل وشروط الالتحاق ….) لقد انتهى إلى أن 65 معهدا "وهابيا" تقوم في كل عام بتخريج عدد ستة آلاف (6000) داعية - من مجموع 11 ألفا يتخرجون من مختلف المعاهد الإسلامية في مصر! - بعد أن تشرّبوا عقيدةالولاء والبراء والجهاد الفريضة المعطلة وسنام الإسلام وصاروا قنابل جاهزة للانفجار أو لاعداد قنابل من الآخرين عبر الانخراط في تلقينهم بموجب التصريح الدعوي الذي حصل عليه .. وقد ختم التقرير نصه بملاحظة عامة: "إن معظم هذه المناهج تأخذ نوعا واحدا من التوجه الفكري مما ينعكس على سلوكيات دارسيها سلبا في صورة عدم قبول الآخر" .. هذا إذن ما يجري في مصر وحدها وأترك الباقي لتقدير مخيلتك الخصبة .. يقال بأن أصعب الصعوبات اثبات المثبتات وهذا ما أفعله حين أنبهك إلى أن بناء اعتباراتنا بشأن التطرف الإسلامي بناء على تقدير فرضي لعدد المحاربين بالسلاح محض ابتسار يتجاهل كامل المنظومة والتركيز فقط على "المُنتج" النهائي والذي هو في بعض الأحيان أقرب لصفة الضحية منه إلى الجاني .. لا تتساءل عن التسهيلات والتمويلات والمواقع الالكترونية والقنوات الإعلامية والصروح التعليمية الرسمية منها والأهلية!؟ كم من البشر يديرون كل هذا الضخ من العصاب الديني؟! إنها منظومة مترامية الأطراف لها كوادر بالملايين تتغلغل في جميع المجالات الحيوية داخل المجتمعات وبالأخص داخل فصول المراحل الدراسية والجامعات والمعاهد ولك أن تحسب تقديراتك للعدد في جميع الدول الإسلامية مع تمنياتي أن لا تعتمد في حسبتك هذه المرة على "صوابع" قدميك، لئلا تضل البصيرة.!


الرد على التعليق

  • - أمير الغندور
    2 آب (أغسطس) 2010 10:02

    - أ ناصر .. أنا أتحدث عن العنف .. وليس عن (كل) ما يفعله المسلمون أو المسيحيون.
    - فبالطبع هناك علاقة بين الصلاة المسيحية وطقوس الاعتراف وبين المسيحية.
    - وبالطبع هناك علاقة بين الشيوعية والحزب الواحد.
    - لكني أتحدث عما لا يمكن حصره في مجموعة بشرية دون مجموعة آخري. مثل العنف والأكل والتكاثر. فهذه ظواهر بشرية لا تحدها أديان أو مذاهب.
    - فأنا لا أتكلم عن (كل) بل عن (ظاهرة محددة).
    - المشكلة أنك لو أنطلقت من فكرانية مثالية فستصل إلى التسبيب الذي تراه كما تريده. فيمكنك مثلا إيجاد علاقة بين اليابانيين وبين ضعف النظر.
    - لكن ليصبح لفرضيتك مصداقية علمية، فعليك أن تخرج من مثاليتك الفكرانية وتنطلق لتدرس الظاهرة في الواقع وتختبر هذه الفرضية.
    - فالفكرة التي تطرحها مقبولة مثاليا وفكرانيا. بل هي عين العقل. ولن يختلف معك أحد فيها. وبخاصة علماء العصور الوسطى، حيث كان التفكير يبدأ وينتهي في رأس صاحبه.
    - لكن مع تقدم العلم ظهر ما يسمى العلم التجريبي، حيث ينبغي عليك أن تختبر فرضياتك المثالية في الواقع وتستقريء هذا الواقع، قبل أن تؤكد أن فرضيتك صحيحة.
    - وهنا أعذرك .. لأن فكرتك مقبولة مثاليا وانطلاقا من ذهنية الفكر الوسيط والعلمي قبل الحديث.
    - فأنت لم تخطيء. بل فقط توقفت عند الخطوة الأولى من التفكير المثالي ورفضت أن تقوم بالخطوة التالية لقياس أفكارك المثالية على الواقع.
    - ولتفعل ذلك عليك أن تقوم بإحصاءات واستقراءات. وهي ليست مسألة صعبة في حالتنا ولا أقول بها لتعجيزك.
    - بل فكر في الإحصاءات التالية: هل اختفى العنف في المسيحية؟ أو في اليهودية؟؟ أو في المجوسية أو في العلمانية؟؟ بالطبع لا.
    - إذن فالحديث عن عنف مطلق ونسبه لدين دون غيره هي مسألة يدحضها استقراء الواقع. وإن كانت ممكنة في التفكير المثالي وبدائيات التفكير.
    - إذن ننتقل لتمحيص أكثر. ونميز بين أنواع العنف.
    - هل قل العنف أو زاد في المسيحية أو اليهودية أو الإسلام أو العلمانية الغربية المعاصرة أو الإلحادية السوفينية أو الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية أو الصهيونية المعاصرة؟؟
    - طبعا يمكن للمسلم أن يقول أن العنف في الصهيونية زاد، ويقول الصهيوني أن العنف في الإسلام زاد.
    - هنا تجد نفسك في خضم جدالات مؤدلجة ولاعلمية. لماذا لأنها تفتقر لقياسات سليمة.
    - لكن ليس هذا ما أتكلم عنه. ولا ما يتكلم عن نص المقال أعلاه.
    - بل نحن نتكلم عن العنف بشكل عام وعن ربطه بمجموعة بشرية دون غيرها. بل أيضا عن زعم أن مجموعة أخرى مقارنة بالمجموعة الأولى تعتبر غير عنيفة.
    - من الواضح علميا أن هذه توصيفات غير علمية ويدحضها استقراء الواقع بشكل تام.


    الرد على التعليق

  • - أمير الغندور
    2 آب (أغسطس) 2010 10:14

    - أ ناصر .. أنت تتكلم عن (الفصل) .. وهذا أيضا يشير إلى علم العصور الوسطى وما قبل الحديث.
    - فالعلم الحديث بل حتى جوهر العلم الأرسطي يقوم على (الفصل) والتمييز .. ولا يقوم على تعميم المسائل وتعويمها لنستنتج منها أي استنتاجات والسلام.
    - فقوانين المنطق الأرسطي تقوم على أن أ ليست لا أ. وهذا معناه الفصل بين أ وبين ما عدا أ ..
    - فالمسألة ليست محض تعويم وتمزيج وتخليط وتمويه .. فهذا مضاد للعلم تماما .. بل أقول أنه ينتمي لعلم العصور الوسطى.
    - أما العلم الأرسطي والحديث فيقوم تحديدا على الفصل والتمييز بين الظواهر ثم درس روابطها بمتغيراتها بشكل منظم وتدريجي وعنصرا عنصرا وخطوة بخطوة.
    - أنا أعلم أن هذه مسألة شاقة على العقل البشري وبخاصة في مراحله البدائية .. فهي استغرقت قرون طويلة حتى تترسخ في المعرفة الحديثة.
    - ومن منا لا يفضل تناول كوكتيل فواكة على تناول فاكهة واحدة؟!!
    - فلو كنا في إطار طبخة كوكتيل مخلوطة .. فأنا أوافقك .. لكن لو كنا في إطار فرضيات علمية تقوم على الفصل والتمييز والاستقراء .. فأسمح لي أن أختلف معك.


    الرد على التعليق

    • - أمير الغندور
      2 آب (أغسطس) 2010 11:45

      - لن أباريك في التعرف على أسرار القاعدة .. وهذا ليس مجالي ولا اهتمامي.
      - لكن اسمح لي أنعش ذاكرتك التي يبدو أنها تركز على المدى اللحظي وحده، وتنسى المدى الطويل.
      - هل القاعدة من الأساس بذرة أو مؤسسة إسلامية أم هي بذرة ومؤسسة غربية بامتياز؟؟
      - أرجو أن تعود للتاريخ لتدرك أن تأسيس القاعدة وتمويلها وبذرتها مرتبط أساسا بالغرب أكثر من ارتباطها بالإسلام.
      - القاعدة وأمثالها من المؤسسات العنيفة غالبا ما تكون موجهة من الخارج، وليست ناشئة من الداخل الإسلامي. فهي من مثيلات وحدات القوات الخاصة المشتهرة عن الغرب، والتي ندر أن نجد لها في الإسلام مثيلا، سوى لدى من سموا بالصعاليك. وهم مرفوضون اجتماعيا وايديولوجيا في الإسلام.
      - لكنك لو تعرف ثقافة الغرب. سترى أن كل مشكلة ولو بسيطة يتم تخصيص فرقة أو وحدة أو مجموعة خاصة للتعامل معها والقضاء عليها بأي طريقة براجماتية ممكنة. وهذه الثقافة غير موجودة في الإسلام بالمرة، لأنه يقوم على ثقافة الإجماع. لا على فرق القتل والوحدات الخاصة.
      - طبعا ستحاول الالتفاف على هذه الحقائق الثقافية بأي شكل تراه.
      - لكن حتى لو حاولت. ألا يكفي هذا الاختلاف للقول بأن حتى تنظيم القاعدة لا علاقة له بثقافة الإسلام، بقدر ما له علاقة بخارج الإسلام.
      - سيد ناصر .. التفكير العلمي لا علاقة له بالمزايدات المؤلجة ولا بحلف أغلظ الإيمان ولا بالإزباد والإرغاد لإثبات ما نريد والسلام .. و لا بإختلاق واصطناع أوهام وعلاقات غير موجودة في الواقع .. بل ويدحضها الواقع.
      - فلنحاول أن نخرج من عقلية العصور الوسطى بدلا من المزايدة على من ينجح في جلد ذاته وأخيه أكثر مما يجلدهما الآخرون.


      الرد على التعليق

    • - أمير الغندور
      2 آب (أغسطس) 2010 11:23

      - أ ناصر تتكلم عن إرهاق يصيب القارئ من قراءة تعليقاتي وتنسى الإرهاق الذي يصيبه من قراءة تعليقاتك .. على العموم لنبق في الموضوع.
      - أنا أناقشك نقطة بنقطة
      - أنت تقول:
      - تنكر علاقة الإسلام بالتطرف العدائي الطاغي في سلوك المسلمين بذريعة وجود مسلمين مسالمين، وأنت بهذا كمن ينكر علاقة تدخين السجائر بمرض السرطان بدليل وجود ملايين المدخنين لم يصابوا بالمرض!
      - عزيزي أنا لم (أنكر) سوى ما (يثبته) الكاتب. أرجو التدقيق في هذه المسألة دون تعويم.
      - الكاتب يحاول أن يثبت علاقة ما بين الإسلام والعنف .. ويبدو أنك أيضا تقبل اثبات هذه العلاقة.
      - أنا أنكر (بل أدحض) ما تقولان تماما وبشكل علمي أوضحته أعلاه. وليست في سياق بيت الشعر فنجهل فوق جهل الجاهلين.
      - بل أنا أتكلم في سياق فنعلم فوق علم المتعالمين. فإن كنت في هذا السياق متباريا معي فمرحبا بك.
      - بالنسبة لمسألة السرطان والتدخين. دعني أوضح لك كيف ينطبق هذا المثال الذي اخترته أنت على فحوى المقال وفحوى النقد الذي أقدمه.
      - دعني أوافقك مؤقتا: الكاتب يقول أن الإسلام يؤدي إلى العنف، بالضبط مثل أن التدخين يؤدي إلى السرطان. وأنا أنفي. لماذا.
      - لأن العلاقة الأخيرة (التدخين) قابلة للقياس والاستقراء علميا حيث ثبت أن نسبة (كبيرة وواضحة)، من المدخنين يموتون بالسرطان (جراء) التدخين.
      - أرجو التشديد على مسألة (نسبة كبيرة وواضحة) هنا.
      - بعض الأبحاث تقول أن النسبة تصل إلى 50% وأقلها 40% وبعضها يصل إلى 70%.
      - هنا العلاقة واضحة لأن هناك نسبة (كبيرة وواضحة) من المدخنين (50%) تقريبا تموت (بسبب) التدخين.
      - فلو كانت النسبة هي مثلا (1%) فقط وهي نسبة (صغيرة) مقارنة بغيرها .. فلا مشكلة في التدخين عندها. بل ولا حاجة لدراسة المسألة من الأساس.
      - فلكي نثبت وجود علاقة علميا لابد أن تكون النسبة (واضحة) و(كبيرة). وإلا فكلنا نموت أساسا من استنشاق الأوكسجين طوال حياتنا، لكن بنسب عادية وليست (كبيرة).
      - هنا معنى العلاقة العلمية أن تكون النسبة: واضحة وكبيرة وقابلة للقياس وثابتة إحصائيا واستقرائيا.
      - فليست المسألة كما تظن أن هناك من (لا) يموتون بالتدخين. بل أن نسبة (من) يموتون مرتفعة، مقارنة بمن (لا) يموتون.
      - فهذه ليست مسألة (إطلاقية) بل هي مسألة (مقارنة قياسية) مستندة إلى استقراء (وقائع) تجريبية واحصاءات.
      - ننتقل الآن إلى الإسلام وعلاقته بالعنف. وأظنك تدرك ما سأقوله.
      - فلو كانت نسبة المنخرطين في العنف (نتيجة) للإسلام .. هي نسبة (كبيرة وواضحة) ومستقرأة من الوقائع والإحصاءات. فأنا معك.
      - لكن: لو كانت نسبة المنخرطين في العنف (جراء) إسلامهم .. هي نسبة عادية موجودة في كل المجتمعات ولا يوجد فيها ما يميز (هذه النسبة) عن نسبة العنف (المعتاد) في المجتمعات غير الإسلامية. إذاً. فلا توجد علاقة.
      - هذا هو تفصيل ما كتبته أعلاه في كل التعليقات.
      - الآن لديك حوالي 1.5 مليار مسلم في العالم. كم منهم منخرطون في أعمال عنف؟؟ عدة آلاف في القاعدة؟؟ كم مثلا 15 آلف؟ 150 ألف؟؟
      - هل تعلم كم في المائة تكون هذه النسبة؟؟ ضئيلة تماما، بحيث لا تستحق أن أكتبها.
      - الآن قارن هذا الرقم فقط بأرقام المدنيين الأجانب المنخرطين في شركات العسكرة الأجنبية مثل بلاك ووتر وغيرها.
      - بل قارن تأثير الأديولوجيا على طريقة العمل والمأسسة في الاثنين.
      - بلاك ووتر تعمل في العلن .. القاعدة تعمل في الخفاء. بلاك ووتر مقبولة اجتماعيا ومقننة سياسيا واقتصاديا. القاعدة مرفوضة اجتماعيا ومحظورة سياسيا واقتصاديا.
      - قس أيضا أفلام العنف وألعابه وثقافته في السياقين: الإٍسلامي مع أي سياق آخر.
      - أنا لا أقول أن الغرب أكثر أو أقل عنفا من الإسلام. وإلا وقعت في نفس الأطروحة التي أعارضها.
      - أنا أقول أن تفسير وجود علاقة بين العنف بالدين، هي مسألة غير علمية وغير صحيحة، بالشكل الموجود في المقال أعلاه تحديدا.
      - فأنا لا أصادر على درس هذه العلاقة بشكل علمي لدى مفكرين آخرين غير أ العادل خضر.
      - أقول أن ما أورده العادل خضر أعلاه لا يكفي بالمرة لتأسيس أي علاقة علمية بين العنف والإسلام.
      - بل ربما ما أورده يقود إلى العكس تماما مما يحاول إثباته.


      الرد على التعليق

Tunis - Oussama Ayara
2 آب (أغسطس) 2010 02:47

Je n’ai pas l’habitude de visiter ce site, et j’espère que la qualité de cet article ne reflète pas la qualité générale des articles qui sont publiés dessus. Je ne me pencherai pas sur le contenu, dont les conclusions laissent vraiment à désirer, mais sur un aspect particulier de l’article, un aspect qui n’est pas sans importance.

Je m’arrêterai à l’usage que fait l’auteur de cet article de la théorie mimétique de René Girard. Qu’il ne connaisse pas Girard ou qu’il ne le connaisse qu’à travers des références obscures dans Sloterdijk est un fait qu’il aurait du avoir au moins l’honnêteté de reconnaitre. Car je vois mal comment on peut se référer à Girard quand on soutient que ce dernier fut influencé par la psychanalyse, alors que toute la théorie mimétique est construite contre la psychanalyse. Girard reconnaît à Freud le mérite d’avoir eu des intuitions importantes, mais il ajoute également que son interprétation erronée de la nature de la rivalité rend la psychanalyse sans aucun intérêt (je cite Girard de mémoire : « la manuel d’érotisme le plus banal en connaît plus sur le désir que Freud » ; ces paroles ne peuvent être celles d’un freudiste !). La rivalité pour Girard se passe entre n’importe quel sujet et n’importe quel modèle, alors que Freud la fixe mythologiquement au niveau du triangle familial. Quiconque connaît la théorie mimétique sait qu’il faut n’avoir jamais compris Girard pour pouvoir affirmer qu’il a été influencé par Freud. Cette ignorance de Girard se confirme quelques lignes plus loin, quand l’auteur dit que Girard avait été influencé par l’éros de la psychanalyse. La rivalité mimétique chez Girard est, selon l’auteur, un « érotisme dégénéré ». Puisque l’expression est entre parenthèses, je suppose qu’elle ne vient pas de M. Adel Khadhr. Pourtant, il n’y a aucune référence à un auteur qui aurait proféré une telle énormité, car il s’agit effectivement d’une énormité. L’un des points essentiels sur lesquels l’anthropologie mimétique diffère de la psychanalyse est précisément celui-là, car pour Girard le sexuel n’a aucune primauté dans la rivalité. C’est la psychanalyse qui postule la primauté de l’éros ; la théorie mimétique postule la primauté du mimétisme, et ce mimétisme peut prendre n’importe quelle forme. Cette observation parsème les livres de Girard, et il faut vraiment méconnaître grandement son œuvre pour pouvoir dire une chose pareille. Je citerai du premier livre de Girard qui me tombe sous les mains, et quasiment au hasard : « c’est le mimétisme qui entraîne la sexualité et non l’inverse » (Des choses cachées depuis la fondation du monde, p. 469). Ailleurs, il dit : « Les objets de nos désirs étant les plus fluctuants et d’une infinie variété, quand nous tentons de comprendre l’essence du désir, gardons-nous de commettre l’erreur de Marx, de Freud et des autres en privilégiant telle ou telle catégorie d’objets. Ni les objets ni les sujets ne détiennent la clef du désir. » (La voix méconnue du réel, p. 207). Je pourrais multiplier les citations de Girard, mais ceux qui l’ont lu savent que je n’ai nullement besoin de donner des exemples pour justifier ce que tout lecteur débutant de Girard apprend très vite, à savoir que l’érotique chez lui n’a aucune primauté, puisque le désir n’est jamais défini par l’objet. C’est au contraire le désir qui définit l’objet. L’érotisme n’est prépondérant dans les rivalités que parce que la sexualité est prépondérante dans les rapports humains et non pas parce qu’elle est le fondement de tout. A la fin de son article, l’auteur décrit les opérations suicides comme des « sacrifices humains ». Le choix du terme « sacrifice » au lieu de « suicide » montre clairement que l’auteur cherche à légitimer ethnologiquement, selon un jargon girardien, l’usage de ce terme. Or en s’empressant de dire que la violence se cache derrière le sacré (soit dit en passant, la traduction exacte de « sacré » est « harâm » et non pas « moukaddas », « harâm » comprenant le double sens du « sacré ») il nous dévoile cette tendance à cacher une analyse toute particulièrement pauvre par un vocabulaire pseudo-savant car pour Girard le sacré archaïque NE CACHE PAS la violence, ou plutôt il ne la cache qu’en s’identifiant à elle : le sacré archaïque est un sacré violent. Cette ignorance de Girard, qui fait que l’auteur lui fasse dire des choses toute à fait contraire à ce qu’il dit, est enfin confirmé par son renvoie à ses deux livres La violence et le sacré et Le bouc-émissaire. Selon M. Adel Khdher, Girard n’a cessé, depuis ces deux livres, de se pencher sur le mystère de la violence. Or quiconque a une idée rudimentaire sur l’œuvre de Girard sait que l’auteur Français a montré cet intérêt dès son livre sur Dostoievski (publié en 1963, donc 12 ans avant La violence et le sacré) et Mensonge romantique et vérité romanesque (publié en 1964). Maintenant, il se trouve que la pensée de Girard est la plus féconde en Occident. Sa théorie est certainement la plus solide depuis au moins deux siècles. Pendant que certains parmi ceux qui impressionnent une intelligentzia arabe avide de sophismes, font tourner des moulins à vent depuis des décennies (Derrida et compagnie), Girard, lui, étale une théorie dont la précision, l’aspect expérimental et la profondeur n’ont pas d’égal dans ce qui se produit dans le champ de ce que Borella appelle (fort judicieusement) « les sciences inhumaines ». Ils déplairaient à certains d’apprendre que Girard lui-même dit n’avoir rien inventé, puisque les mécanismes mimétiques se trouvent expliqués dans tout bon manuel de psychologie religieuse (il suffit de lire certaines parties de « La revivification des sciences religieuses » de Al-Ghazâli pour comprendre de quoi il s’agit). Mais il n’empêche que la perspective de l’auteur de l’article aurait gagné en profondeur s’il avait prêté un peu plus d’attention à ce que Girard a à dire. La violence, selon Girard, est mimétique. Bien qu’il emploie ce terme, M. Adel Khadhr semble ne pas l’avoir compris. Que la violence soit mimétique veut dire qu’il est difficile de lui imputer une origine, et surtout qu’elle est réciproque. Donc traiter la violence islamiste d’expression de pur ressentiment (en reprenant M. Abdelwahab Meddeb dans sa « Maladie de l’islam », un auteur aussi imprécis et confus que M. Khadhr), c’est manquer de voir l’oppression politique au niveau local, la colonisation, les agressions continue contre le monde musulman, etc. Ce sont là des « objets » bien réels, n’en déplaise à M. Khadhr. Ils ne légitiment aucunement la violence, que cela soit clair, mais ils sont bien les objets de la haine de l’occident et des tyrannies locales. On ne peut pas prétendre que la haine islamiste est sans objets alors que le discours islamiste est truffé « d’objets » — à moins, bien sûr, de s’ériger non pas en analyste, mais en divinité, dictant ce qui est un objet réel et ce qui est une illusion, un fantasme. En divinité ou en psychanalyste, cela revient au même, n’est-ce pas !

Il semble que ce soit une habitude chez M. Adel Khdher de citer des gens qu’il ne connait pas. Dès le premier paragraphe de son article, il cite Bernanos pour décrire « la furie religieuse consubstantielle à la part la plus obscure, la plus vénéneuse de l’âme humaine ». En effet, il faut être singulièrement ignorant de qui était Bernanos pour oser le citer dans un article qui, explicitement, épouse la cause moderniste et pointe la religion du doigt ! Pour cette citation, l’auteur de l’article ne donne pas ses références. Il s’agit très probablement d’une citation de seconde main par laquelle l’auteur chercher à étaler un savoir qu’il n’a pas. Enfin, je conclurai en disant qu’il est un peu problématique de citer Girard pour parler de l’islam. Girard garde un silence étonnant concernant l’islam, et pour cause ! L’islam défie certaines de ses présupposées théoriques, en l’occurrence l’aspect mécanique du mécanisme victimaire. Girard conclut, à partir du récit biblique, que TOUTES les victimes sacrificielles sont innocentes. De plus, l’émergence de l’islam APRES le christianisme pose des problèmes d’ordre théologiques que Girard est peu enclin à attaquer. Elucider cet aspect de la pensée girardienne demande beaucoup de temps et d’effort. En tout cas, jusqu’à récemment, dans ses livres Girard n’a consacré à l’islam qu’une seule phrase, une seule, et ce au début de « Je vois Satan tomber comme l’éclair ». Pour lui, le desserrement du sacrifice est un phénomène irréversible depuis l’avènement du Christ, et rien ne peut s’y opposer, pas même « l’indomptable islam » (son expression à lui). C’est le maillon faible de la théorie girardienne.


الرد على التعليق

  • - أمير الغندور
    2 آب (أغسطس) 2010 10:27

    - تدقيقك ومراجعتك لاختزالية المقبوس الوارد من رونيه جيرار في المقال مهم جدا .. ويدل على سعة إطلاع أتمنى أن يستفيد منها الكاتب.
    - مشكلة المقبوسات أنها كثيرا ما تأتي بشكل مستعجل عندما تكون موظفة لإثبات أدلوجة مسبقة والسلام.
    - وهنا يلجأ الكاتب المؤدلج إلى شن غارة على النصوص السابقة عليه ليقبس منها أي شيء يؤيد نظريته .. ثم يعتبر هذا مقبوس والسلام .. ولا ينشغل بفهم المقبوس في سياق مجمل فكر من اقتبس منه.
    - فالمسألة هنا توظيفية واستخدامية بحتة .. وليست مسألة بحث أو تدقيق. بل المطلوب هو مجرد تمرير مقولات وفرضيات غير ممحصة بالاستناد إلى نصوص سابقة معزولة عن سياقها.
    - هذه ممارسة معروفة عالميا لدى كثير من الكتاب. لكنها غير مقبولة علميا.
    - لكننا لا نعدم كتاب يبررون مثل هذه الممارسة وكأنهم يدافعون عما يظنونه غاية حق لكن بوسائل باطلة.
    - هل نسمى ذلك ميكيافيلية فكرية .. ربما


    الرد على التعليق

- أمير الغندور
2 آب (أغسطس) 2010 11:52

- أظن أن أحد أهم الاثباتات على صحة ما أسوقه في نقد المقال أعلاه يتمثل في مرور أكثر من يومين كاملين دون قيام الكاتب نفسه بالرد على أي من هذه الإنتقادات.
- ما يعني ضمنيا أنه لا يوجد لديه ما يقول سوى ما قاله في المقال.


الرد على التعليق

  • دمشق - حماد عجيب
    3 آب (أغسطس) 2010 02:04

    لا اجد مناصا ً من تسجيل إعجابي بمداخلة الأستاذ غندور من حيث موضوعيتها و سلاسة ترتيب الأفكار الواردة فيها دون فذلكات أو حشو لا طائل من ورائه و كذلك بهدوء الأعصاب الذي تحلى به في معرض رده على ناصر محمد في مداخلته الموتورة و المستفزة


    الرد على التعليق


الحياة، Picasso

في مفهوم "الدّولة (...)

مفهوم وتركيب لغويّ ظهر حديثا في البلدان العربيّة وباللّغة العربيّة، وهي على الأرجح تنفرد به في اللّغة السّياسيّة المتداولة حاليّا. فصفة المدنيّة تنسب غالبا إلى المجتمع لتعني الفضاء المتوسّط بين الأسرة والدّولة، أي الجسد الاجتماعيّ المنظّم على نحو إراديّ وبمعزل عن الطّبقة السياسيّة. وتنسب إلى المواطن لتعني المواطن الذي ينهض بحقوقه وواجباته من تلقاء نفسه وبكلّ حرّيّة. ويضيفها الفيلسوف الفرنسيّ أتيان (...)
alawan on facebook
alawan on twitter